حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

قراءة حول إستبعاد إيران وحزب الله من لائحة الإرهاب

الضيوف: أنيس النقاش - نسق شبكة أمان للبحوث والدراسات الإستراتيجية، تشارلز شوبريدج - خبير أمني، ريتشارد مورفي - مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق، مهدي عفيفي - ناشط في الحزب الديمقراطي.

المحور الأول

المحور الأول

وفاء العم: أهلاً بكم مشاهدينا في هذه الحلقة من حوار الساعة.

يستبعد تقرير التقييم الأمني السنوي الذي قدّمه مدير جهاز الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، يستبعد كلاً من إيران وحزب الله اللبناني من قائمة التهديدات الإرهابيّة لمصالح الولايات المتحدة للمرّة الأولى منذ سنوات. تقريرٌ جاء معاكسًا ومغايرًا لتقرير العام الماضي الذي أدرج فيه إيران وحزب الله في خانة الإرهاب، بل ذهب إلى أنّ نشاط حزب الله الذي وُصف بالإرهابي زاد في السنوات الأخيرة إلى مستوى لم يُشهَد له منذ التسعينات.

هذا التقرير لا يمكن قراءته بمعزل عن المواقف الأمريكية في الآونة الأخيرة. يأتي ذلك على وقع مفاوضاتٍ تجري على قدمٍ وساق بين إيران والولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي، وهنا يأتي السؤال، كيف نستقرئ هذا التقرير الأمني في ظلّ المعطيات الراهنة؟ وما هي الأطر التي باتت ترتسم بموجبها العلاقة بين الطرفين، الإيراني والأمريكي؟ وكيف يرى حلفاء أمريكا التقليديّون هذا التحوّل الذي يصفونه باللاهث إزاء إيران؟

اسمحوا لنا أن نرحّب بضيفنا في الاستوديو السيد أنيس النقاش وهو منسق شبكة أمان للبحوث والدراسات الاستراتيجية. أهلاً بك أستاذ أنيس.

                     

أنيس النقاش: أهلاً.

 

وفاء العم: وأيضًا معنا شارلز شوبيردج وهو خبير أمني، معنا من لندن، وكذلك ريتشارد مورفي مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، معنا أيضًا من نيويورك. أهلاً بكم جميعًا.

أبدأ منك أستاذ أنيس. كيف يمكن أن نفهم هذا التقرير في سياق المواقف الأمريكية التي سبقت هذا التقرير؟ إيران كانت في السابق هي رأس الحربة في محور الشرّ وهي دولة مارقة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، والآن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وفق هذا التقرير الأمني، لم تعد تشكّل تهديدًا للولايات المتحدة وحلفائها.

 

أنيس النقاش: أولاً، بسبب أنّ المُعطيات الاستراتيجية في المنطقة عمومًا قد تغيّرت، بمعنى أنّ الولايات المتحدة عانت من تحاليل ومواقف أطلقتها ومن ممارسات في المنطقة ثبت فشلها، دائمًا أنا كنت أسمع من الإيرانيين يقولون كان الرئيس خاتمي يتقدّم بحوار الحضارات فإذا بالرئيس الأمريكي يخرج ويضع إيران في محور الشرّ، فالاعتداء بدأ من هذا الطرف في الوقت الذي كان فيه الآخر يبحث عن حوار الحضارات، وثبت أنّ محور الشرّ الذي أسّس له جورج بوش كان عبئًا عليه لأنّه لم يستطع أن ينتهي من أزمة العراق والدول المجاورة كانت موضوعة في هذا المحور وبالتالي استعداها وأشعرها بالخطر الذي يهدّدها قبل أن تبدأ الولايات المتحدة بالمرحلة الثانية من الهجوم على منطقة الشرق الأوسط. فإذاً هناك أخطاء في التقدير. عندما جئنا إلى المرحلة الحاليّة التي هي إسقاط النظام في سورية، تغيير المعادلة في العراق، الاستعانة بحلفاء لهم في المنطقة، ثبت أنّ كلّ تحليلات هؤلاء الحلفاء للولايات المتحدة خاطئة، إمكانياتهم رغم قدراتها المالية الكبرى وتورّطهم بالتسليح والعنف وإلى آخره لم تُجدِ نفعًا، بل أنّ السحر انقلب على الساحر وأصبح هناك حالة عنفية في العالم تهدّد الأمن العالمي. ما شهدناه اليوم في تونس هو ارتدادات لما حُرّض له تحت عنوان الجهاد والحراك، وتونس أصبحت مصدرًا لتصدير المجاهدين إلى دول أخرى. كلّ هذه الحسابات، هناك خبراء عندما أنا أقرأ لهم في الولايات المتحدة، يقولون لقد أخطأنا أخطاء جسيمة ويجب أن نعيد إصلاح ذلك.

 

وفاء العم: أفهم منك بأنّ هذا يأتي في سياق إعادة تقييم السياسة الأمريكية؟

 

أنيس النقاش: حتمًا، إعادة تقييم للسياسة الأمريكية لأنّ أدواتها السابقة فاشلة، حلفاؤها ثبت فشلهم، وعلى أنها ببراغميتها الشهيرة يجب أن تعيد اصطفافاتها في المنطقة وتعريفها من هم الأعداء ومن هم الإرهابيون إلى آخره.

 

وفاء العم: أستاذ أنيس، اسمح لنا أن نُشرِك معنا الأستاذ ريتشارد مورفي.

أستاذ ريتشارد، تعليق منك على هذا التقرير خصوصًا أنّ البعض ربما يتساءل عمّا إذا كان الخطر الذي يشكّله حزب الله وإيران قد انتفى خلال عام؟ العام الماضي كانت إيران ضمن قائمة الدول الداعمة للإرهاب وحزب الله هو تنظيم إرهابي في الولايات المتحدة.

يبدو أنّ السيد مورفي لا يسمعنا. سيد شارلز، ماذا يعني هذا التقرير على المستوى الأمني بالنسبة لدولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية؟

سيد شارلز؟ كنت أسأل، ماذا يعني هذا التقرير الأمني بالنسبة لدولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية كانت تضع إيران وحزب الله على قائمة الإرهاب، أو إيران على قائمة الدول الداعمة للإرهاب، والآن يقول هذا التقرير بأنّ إيران لم تعد تشكّل خطرًا يهدّد أمن الولايات المتحدة الأمريكية؟

 

شارلز شوبيردج: أنا أتفق في القول مع ضيفك الكريم الذي قال إنّ ذلك يعكس براغماتية جديدة خصوصًا داخل الولايات المتحدة الأمريكية وداخل وزارة الخارجية والسياسة الخارجية الأمريكية. لكن من المهمّ جدًا أن نفهم ونقدّر أنّ السياسة الخارجية الأمريكية ليست عملية متسقة وليست عملية متناغمة. أقول ذلك لأننا نشهد على الكثير من التضارب والتناقض ما بين مختلف مصالح مجموعات الضغط أو اللوبيهات، لكن البراغماتية تلوح في الأفق من جديد. بكلّ بساطة، يُعزى ذلك إلى الوضع الميداني السائد في العراق وأيضًا في سورية، وتُضاف إلى ذلك عوامل عدّة. يعني ذلك أنّه لم يعد مقبولاً للمزيد من الأشخاص ولعددٍ متزايد من الأشخاص الذين يتّخذون القرارات على صعيد السياسة الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية أن تُدرَج إيران وأن يُدرَج معها حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وهذا تغيّر بالمقارنة مع الماضي. بالطبع إذا ما كانت إيران تدعم حزب الله، فإنّها بغضّ النظر عن ذلك لم تقم بأيّ اعتداءٍ وذلك بعكس إسرائيل. أيضًا في الوقت عينه نلاحظ أنّ إيران تدعم الرئيس الأسد في سورية، هذا بحدّ ذاته شكّل أمرًا نقيضًا للسياسة الخارجية الأمريكية، إلى حين سمعنا في عطلة نهاية الأسبوع الماضي جون كيري يقبل بنوعٍ من الفشل أو نوعٍ من الهزيمة عندما قال أنّ الولايات المتحدة الأمريكية سوف تضطر للتفاوض مع الأسد، وهذا مرّة أخرى يعكس براغماتية جديدة وتفكير سياسي جديد على ضوء المُعطيات على الأرض. اليوم، لم يعد يهمّ الولايات المتحدة الأمريكية أنّ إيران تدعم الأسد لأنّ الأمور تغيّرت من وجهة النظر الأمريكية. أيضًا علينا أن نتذكّر أنّ العلاقات مع إسرائيل قد تدهورت وتقهقرت مؤخرًا خصوصًا في ما يتعلق بالرئيس الأمريكي أوباما بحدّ ذاته على ضوء السنوات القليلة الماضية. ومن المتوقع أنّ هذه التوترات في العلاقات ما بين البلدين سوف تستمرّ إن لم نقل ستتفاقم. بالإضافة إلى ذلك، لقد أثبتت إيران فائدتها وفعاليتها في محاربة داعش في العراق وفي سورية، ويبدو أيضًا أنّ المفاوضات النووية تسير على قدمٍ وساق، وكلّ ذلك يندرج تحت إطار هذه العناوين الحالية. من جهةٍ من السهل أن نزيد من التقدير لأهمية كلّ ذلك، ولكن لا يسعنا أن نغالي في تقدير ذلك من حيث الأهمية لأنّ هذا التقرير هو تقرير نُزِع عنه طابع السرية، وقد نشره السيد جيمس كلابر في الولايات المتحدة الأمريكية وقد تغيّرت الأمور في شهر آذار مارس من العام 2015. في السنة الماضية، أدرِجت إيران وأدرِج حزب الله على قائمة المنظمات والدول المارقة والإرهابية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، هذا لا يعني أنّها فعلاً كانت تعتبرهما من المنظمات والمجموعات الإرهابية، بل لأنّه كان من مصلحتها أن تعتبرهما كذلك، ولكن هناك دول أخرى بإمكانها أن تبقى في هذا المنظار مثل المملكة العربية السعودية وقطر وسواها، حتى أنّ دولاً قليلة جدًا من الحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية قد أدرِجت في السابق في هذا التقرير. وبالتالي، يعكس ذلك تغيّرًا كبيرًا في الأوقات وفي الأزمان، وتغيّرًا في السياسة الميدانية السائدة في العراق وفي سورية، على ضوء أيضًا المفاوضات النووية، وعلى ضوء تدهور العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

 

وفاء العم: سيد شارلز، باختصار، هل أفهم منك أنّ هذا التقرير الذي يحمل صبغة أمنيّة هو مسيَّس يخضع للبراغماتية الأمريكية، أي بناءً على التحولات الجارية حاليًا صدر هذا التقرير وليس بناءً على معطيات أمنية؟

 

شارلز شوبيردج: عفوًا، لم أسمع.

 

وفاء العم: ما أسأل عنه سيد شارلز بأنّ هذا التقرير هو تقرير أمني ولكن هل نتيجة هذا التقرير هي انعكاس للبراغماتية السياسية الأمريكية، بمعنى أنّ هذا التقرير ليس أمنيًا بحتا وإنما هو تقرير مسيّس؟

 

شارلز شوبيردج: يمكن أن يصحّ الأمران. أولاً، بالطبع هذا التقرير يشكل انعكاسًا للمنظار البراغماتي، يحتاج الأمريكيون إلى حلفاءٍ في الميدان ليس فقط في العراق وفي سورية ضدّ داعش، حتى أنّ هذه المعلومات ترد ليس فقط في التقرير، في دراساتٍ كثيرة وفي منشوراتٍ كثيرة سمعنا عن تعاونٍ خفي أو مخبَّأ إن أمكن القول ما بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية ضدّ المجموعات المتطرّفة السنّية، واليوم بالطبع يظهر بشكلٍ متعاظم خطر داعش. لكن لا شكّ أنّ هذه الوثيقة هي أيضًا وثيقة سياسية ولا شكّ في أنّها ستُحدِث أثرًا سياسيًا كبيرًا جدًا، ولعلّ الانعكاس الأول سيكون بالنسبة إلى إسرائيل. لقد نفذ صبر أوباما بالنسبة إلى موقف إسرائيل من القضية الفلسطينية، وهذا أمرٌ سيتفاقم الآن وقد جرت الانتخابات والآن وقد أعرب نتانياهو بشكلٍ علني وفاضح عن أنه لن يدعم وسوف يعرقل إنشاء دولة فلسطينية. أما بالنسبة للأمريكيين وعلاقتهم مع إسرائيل، بالطبع لا يخفى على أحد أنّ هذه العلاقة هي علاقة وثيقة ووطيدة، ولكن مؤخرًا وجّهت الولايات المتحدة الأمريكية الكثير من الرسائل لإسرائيل مفادها أنّ إسرائيل عليها أن تتحمّل مسؤولية ليس فقط الشعور السائد في الداخل الأمريكي ولكن عليها أيضًا أن تأخذ في الحسبان المصالح الأمريكية وأيضًا المصالح الأمنية والاستخباراتية الأمريكية، وهذا بعين الأمريكيين أهمّ بكثير على المدى القصير، على المدى المنظور، أي محاربة القاعدة وفلولها بما فيها داعش.

 

وفاء العم: أستاذ أنيس، كنّا نتحدّث بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية كانت تقول بأنّ إيران هي دولة مارقة، ما أسمته بمحور الشر، ولكن في المقابل أيضًا إيران ترى في الولايات المتحدة الشيطان الأكبر، تتحدّث عن قوى الاستكبار العالمي، والآن هي تتفاوض مع الشيطان الأكبر. إذاً التغيّر من الطرفين.

 

أنيس النقاش: هناك فرق. المفاوضات التي تجري اليوم ليست مفاوضات ثنائية. هناك مفاوضات مع المجتمع الدولي.

 

وفاء العم: ولكن هناك أيضًا لقاءات ثنائية.

 

أنيس النقاش: نعم، لقاءات ثنائية، لأنّ عمليًا الذي يقود المفاوضات من جهة الدول الغربية هو الولايات المتحدة، تأثير الوزير كيري أكثر من غيره، ولكن أنا أمسك الخيط من آخر ما تحدّث به الضيف من لندن على أنّ هذا يعني إسرائيل بالدرجة الأولى. نصف خطاب نتانياهو في التحريض أساسًا على أنّ الخطر يأتي من إيران ويأتي من حزب الله الخطير، تأتي الولايات المتحدة اليوم وتنسحب من هذه التعابير، وبالتالي لم يعد هناك، هذا ما يلاحظه المراقب بالمسائل السياسية، لم يعد هناك تطابق في التعريف، في التوجّهات بين الخطاب الأمريكي والخطاب الإسرائيلي الذي يقوده نتانياهو. الولايات المتحدة تريد أن تقول للعالم وللمنطقة، هناك أخطار حقيقية غير ما كنّا نتحدّث عنها وهي بالتأكيد ليست من حزب الله أو من إيران، ولذلك نحن لم نضع الدولة والحزب على لائحة الإرهاب لأننا لا نريد أن نمارس بعد ذلك هذه الضغوط المعنوية كما كنّا نفعلها في السابق، لأنّ وضعهما على لائحة الإرهاب كان يستتبع بالعقوبات ويستتبع بالمقاطعة ويستتبع بكلّ المواقف السلبية من قبل الولايات المتحدة. اليوم، هم على وشك أن يرفعوا العقوبات إذا تمّ الاتفاق، والعقوبات ليست مقسّمة بين عقوبات ضدّ الإرهاب وعقوبات ضدّ النووي لأنّها حزمة واحدة يجب أن تُرفَع، فالولايات المتحدة من الطبيعي أن تهيئ لنفسها ساحة الحوار السياسي لأنه لم يعد مقبولاً إطلاق هذه التعابير وهذه النعوت في الوقت الذي نحن نقترب  فيه من خطاب سياسي مختلف. هذا سيزعج إسرائيل حتمًا.

 

وفاء العم: سأعود إلى نقطة إسرائيل أستاذ أنيس لأنها نقطة هامة جدًا، لكن اسمح لي قبل أن ننتقل إلى نقطة إسرائيل وما سيشكله ذلك من موقف من قبل إسرائيل بناءً على هذا التقرير، ولكن اسمح لي أن نرحّب بالسيد ريتشارد مورفي وهو مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق، معنا من نيويورك.

أهلاً بك سيد ريتشارد. تعليق منك لو سمحت على هذا التقرير الذي يقول بأنّ إيران وحزب الله لم يعودا يشكلان خطرًا على الولايات المتحدة الأمريكية. هل فعلاً خلال عام انتفى هذا الخطر من قبل إيران ومن قبل حزب الله؟

 

ريتشارد مورفي: عفوًا، لا أسمع.

 

وفاء العم: يبدو أنّه غير جاهز حتى الآن. كنّا نتحدّث أستاذ أنيس عن إسرائيل تحديدًا. ليست إسرائيل ربما وحدها معنيّة بالتغيّر والتحوّل في الموقف الأمريكي إزاء إيران وهذا الانفتاح الأمريكي إزاء إيران، وإنما أيضًا حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. ولكن لنتوقف عند إسرائيل. كيف يمكن أن تتلقى إسرائيل مثل هذا التقرير إذا ما اعتبرت إسرائيل بأنّ إيران هي مهدّد وجودي لها وأنّ حزب الله هو أيضًا مهدّد لها على الحدود، لأمنها؟

 

أنيس النقاش: بالنسبة لإيران، انفجر الخلاف ما بين موقف الرئيس أوباما وموقف نتانياهو في الكونغرس، وأصبح واضحًا أنّ هناك توجّهين، ليس توجّه واحد. الولايات المتحدة تثبت أنّها بالمفاوضات وبنتيجة المفاوضات قد منعت الخطر النووي من إيران ووصلت إلى ما تبتغيه، وبالتالي هي تسعى إلى خطابٍ جديد. نتانياهو كان يصرّ على أن تبقى حالة الاشتباك هذه تحت عنوان النووي لكي لا يريح المنطقة ويبقي العقوبات على إيران، ويستعين بالولايات المتحدة والغرب من أجل الضغط على إيران، وبالتالي الضغط على المقاومة، واعتبار حزب الله خطرًا أساسيًا. فالانفجار حصل مع الولايات المتحدة قبل هذا التقرير، قبل أن يخرج هذا التقرير إلى العلن. الجديد عندما تتحدّث قيادة الأركان الإسرائيلية وكلّ الاستخبارات الإسرائيلية عن الخطر الداهم ممّا يحضّر حزب الله في جنوب لبنان وعن الجبهة الجنوبية في سورية التي بدأ بإعداد ساحتها، ومنذ يومين أحدهم قال أنّ صواريخ بعيدة المدى وكبيرة وصلت إلى منطقة الجولان، وهذه معادلة جديدة في المنطقة.

 

وفاء العم: وتأتي الولايات المتحدة في المقابل.

 

أنيس النقاش: تأتي الولايات المتحدة وتقول أن ليس هناك خطر. أنا أعتقد أنه منذ فترة، أراقب، أنه سيكون هناك افتراق ما بين التطابق السابق بين المصالح الأمريكية والمصالح الإسرائيلية في المنطقة، على أنّ المعادلات المتغيّرة ستنعكس على كثير من حلفاء الولايات المتحدة، ليس فقط على إسرائيل، ولذلك ستتخذ موقفًا من قوى أخرى في المنطقة كانت تعتبرها معادية لأنها لا تريد إلا أن تكون في جبهة وإيران وحزب الله في جبهةٍ أخرى، هناك دول عربية ستتأذى من ذلك، هي تريد أن يكون هذا التوتر الأمريكي مع إيران ومع المقاومة في لبنان، ولكن قد تكون الولايات المتحدة براغماتية أنني أنا لا أستطيع أن أستمرّ في هذا القتال في الوقت الذي أخسر مع حلفائي لأنني لم أستطع أن أستمرّ لوحدي، ولم تستطع إسرائيل أن تدافع عن نفسها في الـ2006، وعندما أدخلتموني بمغامرة إسقاط النظم بالعنف والإرهاب، ارتدّ هذا الإرهاب علينا جميعًا، لقد آن الأوان أن نعيد حساباتنا.

 

وفاء العم: إعادة قراءة المواقف.

 

أنيس النقاش: لذلك، ليس فقط هذا التقرير، في المستقبل انا أراهن على أنه سيكون هناك افتراق في الخطاب السياسي وفي المصالح ما بين الولايات المتحدة وجزء من المنطقة.

 

وفاء العم: وبالتالي هذا بالتأكيد له انعكاسات أستاذ أنيس، ولكن نجرّب مجدّدًا مع السيد ريتشارد مورفي. هل تسمعني سيد ريتشارد؟

 

ريتشارد مورفي: أنا لا أعتقد أنّ تغيّرًا كبيرًا سوف يحصل، لن نرى تغيّرًا جذريًا في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، فهذه العلاقة علاقة قديمة والأواصر متينة. لا شكّ أنّ التوتر موجودٌ من الطرفين، العلاقات ما بين رئيس الوزراء والرئيس الأمريكي متردّية قليلاً وقد ظهرت الخلافات علنًا في خلال السنتين الأخيرتين بشكلٍ خاص، ولكنّ العلاقات ما بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة إسرائيل قوية جدًا ومتينة وراسخة وهي تصبّ في المصالح الأمريكية وتستمدّ جذورها من التاريخ الأمريكي، ويبدو أيضًا أنّ الشعب الأمريكي والكونغرس الأمريكي أيضًا يدعمان متانة تلك العلاقات، ولا أرى ذلك على عتبة تغييرٍ وشيك.

أما بالنسبة للمحادثات مع الإيرانيين والمفاوضات مع الإيرانيين في الشأن النووي، فهذه المحادثات والمفاوضات جارية. ما زلنا لا نعرف ما ستكون النتائج فعلياً، لأننا لم نشهد على تلك المفاوضات شخصيًا، ونحن نتساءل ما هي المدّة الزمنية التي تفصلنا عن اتفاق عام من جانب الأمريكيين ومن جانب الإيرانيين أيضًا، يتمّ الضغط من أجل التوصّل إلى اتفاقٍ مُرضٍ للطرفين لكي يتمّ الانتقال إلى التفاوض على تفاصيل ذلك الاتفاق ما بين نهاية شهر آذار مارس وبداية شهر حزيران يونيو، وهذا سيعود بالمنفعة على الجميع، ليس فقط الإيرانيين والأمريكيين. لقد قال الإسرائيليون إنّ هذا الاتفاق سيكون سيئًا، ولكنّهم لا يعرفون بالتأكيد، حتى اليوم لم يتبلور ذلك الاتفاق بعد.

 

وفاء العم: سيد ريتشارد، لا بدّ من التوقف وسؤالك حول هذا الموضوع. تقرير التقييم السنوي الأمريكي الذي قدّمه مدير جهاز الاستخبارات الوطنية إلى مجلس الشيوخ يقول أنّ كلاً من إيران وحزب الله اللبناني ليسا على قائمة التهديدات الإرهابية للولايات المتحدة الأمريكية. ماذا يعني هذا التقرير؟

 

ريتشارد مورفي: إنّ الاقتباس الذي تقدّمتِ به عن السيد كلابر قد يكون صحيحًا ويشكّل تغييرًا مثيرًا للاهتمام، لعلّ المعطيات والأدلة التي جمعها السيد كلابر لا تشير إلى وجود تهديدٍ إرهابيٍ كبير من جانب إيران وحزب الله، وهذا بحدّ ذاته يشكّل عنصرًا يثير حفيظة الإسرائيليين وأيضًا حفيظة دول أخرى حليفة للولايات المتحدة الأمريكية في الخليج. ما يعنيه ذلك برأيي أنّ الاتفاق ما بين واشنطن وطهران الذي لم يتبلور بعد قد يكون مصوبًا في نفس الإطار، إطار إرساء الاستقرار والسلام في هذه المنطقة برمّتها، وأنا أتمنى حظاً طيّبًا ونجاحًا للطرفين في التوصّل إلى ذلك الاتفاق، فاليوم الوضع حسّاسٌ جدًا، نقاد كثر يشنّون هجماتٍ دعائية في واشنطن، ونقاد كثر أيضًا يشنّون هجماتٍ مماثلة من طهران، حتى أنّ هناك أعضاء في مجلس الشيوخ قد وجّهوا رسالة مفتوحة إلى إيران، في محاولة منهم لجعل الرئيس يبدو غبيًا إن أمكن القول.

 

وفاء العم: سيد ريتشارد، كيف يمكن أن يتلقى، خصوصًا أنّك ستغادرنا، من المهمّ أن نختم معك بهذا السؤال، كيف يمكن أن يتلقى حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية سواء في الخليج أو حتى إسرائيل مثل هذا التقرير؟ وألا تخشى الولايات المتحدة الأمريكية من خسارة حلفائها التقليديين؟

 

ريتشارد مورفي: لا أعتقد أنّ الخوف موجود من خسارة تلك التحالفات. السؤال الأكبر الذي على الأمريكيين أن يجيبوا عنه هو يكمن على مستوى القيادة، لقد شهدنا جميعًا على الجهود الجمّة التي يبذلها الرئيس أوباما، وكان يحثّ دومًا الملك عبد الله على إرسال ممثلين واجتماع ممثلين سعوديين وأمريكيين في الرياض لكي يشدّدوا على أهمية العلاقات ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية وهي الدولة الخليجية الأهمّ التي كانت في السابق للولايات المتحدة الأمريكية. هل إنّ هذه الجهود قد نجحت؟ بالطبع نجحت على صعيدٍ ما، وتحتاج إلى المزيد من الجهد. أيضًا بالنسبة لتوصّل طهران وواشنطن إلى اتفاق، هذا بحدّ ذاته يمكن أن يُعتبَر عنصرًا مساهمًا في السلام الإقليمي، وفي الوقت الحالي يسود قلقٌ في الدول الخليجية أو في دولٍ حليفة بأننا سنتخلى عن حلفائنا ولكنّ ذلك لن يحصل. نحن بالطبع نودّ علاقة أفضل مع إيران وليست المسألة مسألة تخلّ عن الحلفاء القدامى.

 

وفاء العم: سيد ريتشارد مورفي مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق، كنت معنا من نيويورك، شكرًا جزيلاً لك.

مشاهدينا سنواصل الحديث حول هذا الموضوع، ولكن ابقوا معنا، فاصل سريع ونعود إليكم مجدّداً.


المحور الثاني

المحور الثاني

وفاء العم: أهلاً بكم مشاهدينا من جديد في هذه الحلقة من حوار الساعة. نرحّب بضيفنا في الاستديو الأستاذ أنيس النقاش منسق شبكة أمان للبحوث والدراسات الاستراتيجية. أهلاً بك من جديد أستاذ أنيس. وأيضًا شارلز شوبيردج وهو خبير أمني معنا من لندن.

أستاذ أنيس، ماذا تسمّي العلاقة الآخذة في التشكّل الآن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؟

لا يمكن القول بأنّ هذه العلاقة تشبه ما كانت عليه سابقاً.

 

أنيس النقاش: لا، هناك تراجع في حدّة الاشتباك، كان الاشتباك في قمته أثناء الحرب في العراق، وأنا أقرأ التقارير الأمريكية التي كانت تقول، وما زالت التقارير موجودة، أنّ 80 بالمئة من خسارة الولايات المتحدة في العراق كانت من القنابل التي توضع على طرف الطريق، والتي هي من صناعة الحرس الثوري الإيراني، وكانوا يعلمون أنّ نشاطا قويا لايران مع سورية بتحالفهما من أجل المقاومة، فبالتالي أولاً أمريكا عندما تعترف من هو الذي سبّب لها الخسارة فهذا اعتراف بالقوة وليس اعترافًا معنويًا فقط. ثانيًا الأداء في المنطقة تجاه الخطة البديلة لعدم إسقاط المنطقة في الاحتلال المباشر والتي كانت هي خطة إسقاط الأنظمة من الداخل كما يحصل في سورية قد فشلت، وبالأمس سمعنا كيري يقول ألا حلّ إلا بالتفاوض مع الرئيس بشار الأسد. أمام هذه النتائج الجديدة، عليهم أن يعرفوا أنّ القوة التي هي ترسم خريطة المنطقة وتحدّد موازين القوى في المنطقة ضمن تاريخ المنطقة وضمن مصالح المنطقة هي التي انتصرت في النتيجة، والولايات المتحدة لكي تخفّف من خسائرها بحيث لا تكون خسائر مطلقة تبحث عن حلول كما حصل في السابق. اليوم، أنتِ تنظرين إلى الصين كدولة عُظمى، بالأمس هذه الدولة رغم مليارات الصينيين وعددها وحجمها وكبرها كانت ممنوعة أن تكون عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، واختيرت تايوان فقط لأنّ الولايات المتحدة كانت تريد ذلك، لكن بعد فترة بالبراغماتية وموازين القوى الجديدة أدخِلت الصين مكان تايوان وأصبحت هي العضو الدائم في مجلس الأمن، وبعد فترة، بالأمس كان كيسنجر في زيارة شخصية للصين ولكن عومِل كوزير خارجية وأقيمت له الاحتفالات لأنه كان صاحب فتح العلاقات وقالوا له أنّ هذه العلاقات إلى أين وصلت اليوم، دولة ندّ للندّ بل دولة اليوم تهدّد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وفاء العم: إعادة رسم لقواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بالتأكيد سترسي علاقة جديدة. هل هذه ستكون علاقة ندية، علاقة شراكة، علاقة تعاون، تغيّر نحو التحالف؟

 

أنيس النقاش: منذ بداية الثورة الإسلامية في إيران حتى اليوم، كان المطلب الإيراني الأساس هو التعامل بندية وباحترام واحترام ما يريده الشعب الإيراني، وعندما تصل الولايات المتحدة إلى هذه القناعة وتفشل في العقوبات وتفشل في التهديد بالحروب وتجلس على الطاولة كندّ للندّ، عندها بالطبع لن يكون هنالك مشكلة إلا المشكلات الاقتصادية العالمية وسلوك الولايات المتحدة الآخر في العالم، التي هي مثل بقية الدول تتصارع بالأفكار للوصول إلى أفضل الحلول.

 

وفاء العم: اسمح لي بهذا السؤال للسيد شارلز. سيد شارلز، هل استطاعت إيران أن تفرض حالة أمر واقع على الولايات المتحدة الأمريكية ما دفعها لتغيير ربما طريقة التعامل مع إيران أو استراتيجيتها في التعامل مع إيران؟

 

شارلز شوبيردج: ليس فعلاً، كما قال السيد مورفي، بحدّ ذاته لم يبرم الاتفاق بعد. أوباما بحدّ ذاته دخل إلى سدّة الرئاسة واعدًا العالم بأنه سوف يرسي السلام  في الشرق الأوسط بطريقةٍ أو بأخرى، لكنّ هذا الوعد قد انهار في نظر إسرائيل وفي نظر فلسطين أيضًا، خصوصًا مع إعادة انتخاب نتانياهو وعلى ضوء سياساته الخاطئة في السنوات الماضية. ولكن في ما يتعلّق بوضع أوباما من الحالة السائدة في إيران وأيضًا رأي أوباما بالتمثيل الإيراني خصوصًا في عين الأمريكيين وفي وسائل الإعلام الأمريكية في السنوات الماضية، في ما يتعلق بكلّ ذلك، لقد قُدّم للأمريكيين صورة لإيران تصوّر إيران على أنّها دولة مارقة، على أنّها دولة تموّل وتدعم الإرهاب، وإيران دولة بدون أدنى شكّ تسعى إلى اكتساب القدرة النووية لدواعٍ حربية ولأغراضٍ عسكرية. أما اليوم، لو تمكّن أوباما من حلّ كلّ هذه المشاكل قبل أن يخرج من الرئاسة، عندئذٍ يترك إرثاً، سيخلّف هذا الإرث وراءه وسيكون التاريخ الأمريكي فخورًا بهذا الإنجاز، وستكون قد شارفت ولاية أوباما على الانتهاء. اليوم، هو يرغب في حلّ كلّ ذلك. أيضًا كما ناقشنا بطريقةٍ مفصّلة على ضوء الوضع السائد مع توسّع رقعة السيطرة التي تتمتع بها داعش في العراق وفي سورية، وفي ما يتعلق بدور إيران، بإمكان إيران أن تضطلع بدورٍ إيجابي جدًا في السيطرة على اتساع رقعة انتشار داعش. في حال تمّ التوصّل إلى اتفاق، وأعتقد أنّ الإشارات التي تدعونا إلى التفاؤل كثيرة، الكثير من الأمريكيين سوف يحاولون عرقلة هذا الاتفاق. توجد مجموعات ضغط داخل الكونغرس بحدّ ذاته سوف تحاول ليس فقط عرقلة ذلك الاتفاق بل أيضًا نسف تنفيذ ذلك الاتفاق والدعوة والضغط من أجل وقف هذا الاتفاق. أيضًا من جانب إيران، هناك مراقبون متشدّدون جدًا يبقون عينًا ثاقبة كعين النسر على هذه المفاوضات وعلى التقدّم الذي أحرز حتى اليوم، في ما يتعلق مثلاً بزيارات التفتيش، زيارات التفتيش للمفاعلات النووية.

 

وفاء العم: سيد شارلز، أنا لا أتحدّث فقط عن الملف النووي الإيراني، ولكن أتحدّث عن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. في ظلّ هذه المعطيات الحالية، في سياق الحديث عن التفاوض بشأن الملف النووي الإيراني، ماذا تسمّي العلاقة الآخذة في التشكّل الآن بين الطرفين؟ بشكل مختصر لو سمحت.

 

شارلز شوبيردج: ليست هذه العلاقة علاقة تحالف وليست علاقة صداقة بل هي بمثابة صداقة عملية، صداقة براغماتيّة، وهذا تحسّنٌ بالمقارنة مع السنوات الماضية، وقد نتج كما قلتِ من الوضع السائد ميدانيًا، لكن تكلّمتِ أيضًا عن الحلفاء الخليجيين، لكن لم يتكلم أحد عن الحلفاء الأوروبيين، فالحلفاء الأوروبيون لن يكونوا متحمّسين جدًا لهذا التقارب بين البلدين. وبالعودة إلى التقرير، ما زالت مجموعة حزب الله مصنّفة من جانب الاتحاد الأوروبي على قائمة المنظمات الإرهابية. المسألة في الاتحاد الأوروبي معقدة أكثر بقليل من الولايات المتحدة الأمريكية لأنّ هذه الهيكلية المصطنعة التي تمّ اعتمادها من أجل إدانة الجناح الإرهابي في حزب الله أمرٌ معقد، ما زالوا يعترفون بحزب الله كمجموعةٍ سياسية، وذلك بعد الاستجابة التي حصلت في سنة 2012. هذا بحدّ ذاته وفي كلّ الحالات التي استعرضناها، لاحظنا أيضًا أنّ ضيفك الآخر قد ذكر الصين. الصين بحدّ ذاتها أيضًا قد باتت نقطة تركيزٍ كبيرة جدًا للسياسة الخارجية الأمريكية، أيضًا الصين تضطلع بدورٍ كبير في السياسة الشرق أوسطية للإدارة الأمريكية، أيضًا للولايات المتحدة الأمريكية حلفاء خليجيون مثل المملكة العربية السعودية وقطر وسواهما، وهذه الدول حريصة جدًا على المحافظة على تحالفها مع الأمريكيين بقدر ما الأمريكيون متلهّفون وحريصون على المحافظة على هذا التحالف. لهذا السبب، هذا التحسين في العلاقات على الأقلّ لمستوى براغماتي عملي تطبيقي مع إيران سوف يخدم المصالح الأمريكية للأشهر والسنوات المقبلة، ولكنّ ذلك لن يؤدّي بالتأكيد إلى تدهورٍ كبير في العلاقات مع المملكة العربية السعودية، ولكن سوف يخفّف الأمر علاقات مع بلدانٍ أخرى.

 

وفاء العم: إبقَ معي سيد شارلز. اسمح لي أن أرحّب بالسيد مهدي عفيفي وهو ناشط في الحزب الديمقراطي، هو معنا من نيويورك. أهلاً بك سيد مهدي.

هناك من يطرح العديد من التساؤلات ربما ونقاط استفهام حول سبل تعامل حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية مع الإطار الجديد الذي ترسمه الولايات المتحدة في علاقتها مع إيران، وهل ستنخرط مع الولايات المتحدة في توجّهاتها أم ستتّخذ سياسة مغايرة عبر تشكيل ربما تحالف أو قطب يتكّون من تركيا، مصر، المملكة العربية السعودية؟ كيف تجيبنا على هذا التساؤل؟ في أيّ إطار يرى حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية هذا التغيّر الأمريكي؟

 

مهدي عفيفي: التغيّر الأمريكي نشأ عن التواجد الإيراني في المنطقة بشكل كبير. الولايات المتحدة دائمًا تراجع حساباتها مع المنطقة العربية. إيران أصبح الآن لها نفوذ كبير في العراق، اليمن، البحرين، سورية وأيضًا لبنان. أيضًا هناك نقطة مهمة جدًا نوقشت بالأمس، كيفية تغيير الولايات المتحدة الأمريكية لسياستها مع إيران. إيران تعمل من خلال قطب واحد، فالقرار يأتي من مركز موحّد، لكن في التعامل مع البلدان الأخرى، كلّ بلد له قرار مختلف نظرًا للتركيبة المذهبية لهذه البلاد. لذلك، فإنّ المحللين يعتقدون أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ستسعى إلى تكوين نوع من التعاون مع إيران لأكثر من سبب. أول سبب مهم جدًا هو إبعاد إيران أيضًا عن روسيا وعن الصين لأنّ إيران الآن وهي حليفة سورية وروسيا وبلاد أخرى لا تقع في الموقع الأمريكي لا بدّ على الولايات المتحدة الأمريكية أن تحاول أن يكون هناك حلّ لهذا الموضوع. أيضًا الموضوع النووي، عندما يكون هناك نوع من أنواع التفاهم والتعاون، يتمّ بذلك تسهيل التفاهم النووي، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الدول العربية المحيطة والدول الأوروبية أيضًا لا تستطيع أن تتقبل هذا الموضوع بشكل رحب وخاصة أنّ الدول العربية تشعر بتهديد من إيران.

 

وفاء العم: اسمح لي أستاذ مهدي، بناءً على ذلك، الشعور بهذا التهديد، يجري الحديث عن تشكيل تحالف من تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية. هل يمكن فعلاً أن نشهد هذا التحالف في المنطقة مقابل تبريد الساحة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؟

 

مهدي عفيفي: هناك محاولات لخلق هذا التحالف، لكن كما نعلم هناك خلاف شديد بين تركيا والمملكة العربية السعودية من جهة ومصر من جهة أخرى، لأنّ تركيا دعمت منظمات تُعتبَر إرهابية من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، ألا وهي جماعة الإخوان المسلمين، ولا زالت إلى الآن تركيا تدعم جماعة الإخوان المسلمين، فتركيبة هذا التحالف ستكون صعبة لأنّ تركيا لن تستطيع بشكل أو بآخر تغيير موقفها بشكل سريع لأننا كما نعلم هناك الكثير من أفراد جماعة الإخوان المسلمين حاليًا متواجدون ما بين تركيا وبين قطر، لكن التحالف بين المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا سيكون من الصعب إتمامه في الوقت الحالي. هل ستكون هناك تفاهمات؟ قد يكون هناك بعض التفاهم بين المملكة العربية السعودية ومصر، لكن بالنسبة لتركيا، إلى الآن لا تلتقي هي ومصر على مائدة واحدة، ولكن هناك خلافات كبيرة، وإن لم تتغيّر السياسة التركية وأيضًا السياسة المصرية والسعودية لن يكون هناك أيّة تفاهمات من هذا الشكل، بل على العكس سيدعم هذا الموقف الأمريكي في النظر إلى أنّ أسوأ ما يكون هو أن يكون هناك تفاهم، لأنّ هذا التفاهم سيُحدث نوعًا من التوازن في المنطقة، والواقع أنّ عدم التوازن في المنطقة دائمًا يجعل المنطقة في صراع، ممّا يجعل أعداء المنطقة بشكل عام في راحة من التدخل في هذه المسائل.

 

وفاء العم: اسمح لي أستاذ مهدي أن نأخذ تعليقًا من الأستاذ أنيس النقاش.

أستاذ أنيس، هناك تساؤل كبير في ما يتعلق بردّ فعل حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصًا المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، في حال كما نرى هناك إعادة لقراءة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. هذا يثير الهواجس والقلق لدى هذه الدول.

 

أنيس النقاش: هذا يثير هواجس، هذه مشكلتهم، أنا كمراقب لا أجد أين هي المخاطر من أن تهدأ الساحة في المنطقة، بأن يبتعد التوتر الذي كان يسبّبه الاشتباك الأمريكي الإيراني في المنطقة، وعندما يخفّ هذا الاشتباك إذا استعضنا عنه بتشبيك ما بين دول المنطقة، أين هي العملية المستحيلة بأن تتفاهم تركيا وإيران والسعودية ومصر على أن تكون هناك منظومة مشتركة في المنطقة، عندما يعترف الجميع بحدود الجميع وبوحدة أراضي الجميع وعلى أنّهم يريدون أن يقضوا على الإرهاب، هذا على الأقلّ ما يقوله الجميع اليوم، وعلى أنّهم لا يسعون إلا إلى رفاهية شعوبهم.

 

وفاء العم: ولكن هذه الدول تتحدّث عن تمدّد للنفوذ الإيراني في اليمن، في العراق، في لبنان.

 

أنيس النقاش: ما هي أسبابه؟ عندما جاءت الولايات المتحدة وأسقطت النظام في العراق وهدّدت أمن إيران بهذا السقوط، أصبح لإيران دور بأن تحمي نفسها وتساعد المقاومة ضدّ الوجود الامريكي. عندما جاءت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها يريدون أن يُسقطوا النظام في سورية، اضطرت إيران أن تدافع عن مصالحها في المنطقة. مجرى الأمور يقول أنه كلما تحرّكت الولايات المتحدة تحرّكًا غبيًا وسلبيًا، استطاعت إيران، هذا منطق الأمور بين المنتصر والمهزوم، لنقلها بصراحة، البعض لا يقبل بعقله أن تكون الولايات المتحدة مهزومة أمام إيران، ولكن هذه هي النتيجة. في أفغانستان حاربت الولايات المتحدة، دمّرت البلد، اليوم الأفغان لا يشكرون إلا التعاون الإيراني معهم على كلّ الصعد الاقتصادية والعلمية إلى آخره، وحتى الولايات المتحدة شاهدت بأنّ دورها أمني بحت في حين أنّ دور إيران في أفغانستان تنموي. العراقيون كانوا مختلفين حول إيران ومن مع إيران ومن ضدّ إيران، اليوم الكلّ في العراق من الكردي إلى السنّي والشيعي، كلهم يقولون نريد أن نحارب الإرهاب وأول دولة ساعدتنا على محاربة الإرهاب هي إيران. إيران عندما تقول أنّ الدول يجب أن تكون مشروعيتها من شعوبها، في سورية، في اليمن، في أيّة دولة أخرى، هذا ما يزعج بعض الدول التي هي مشروعيتها هي مشروعية وراثة تاريخية من نتائج الحرب العالمية الأولى وتنصيب بعض العائلات في الحكم في الخليج، ولكن دعونا نخرج من هذا الاشتباك الذي كان يعمّ المنطقة في العقود الماضية إلى نظرية جديدة في التفاهم طالما أنّ الموتّر الأساسي الذي هو سياسة الولايات المتحدة تتراجع، أي أنّ الكبير يعترف أنه يريد أن يتراجع ولا يريد أن يستمرّ بهذا الاشتباك، فعلى دول المنطقة المصلحة الأولى أن يجلسوا مع بعض من أجل البحث عن طريقة تفاهم وطريقة إنشاء منظومة، ليست علاقات ثنائية لتهدئة الأوضاع، بل منظومة حقيقية أمنية اقتصادية سياسية اجتماعية، لأنّ هذه المنطقة كانت دائمًا تعيش ضمن منظومات متشابكة وليست مشتبكة.

 

وفاء العم: أستاذ أنيس، ربما الجميع يستقرئ كل تطور الموقف الأمريكي إزاء إيران في سياق ما يحدث من ربما عملية تفاوضية تجري على قدم وساق بشأن الملف النووي الإيراني، وهناك من يقول بأنّ الإصلاحيين في إيران أو تلاقى كلّ من الإصلاحيين والديمقراطيين في الولايات المتحدة الأمريكية على مصلحة واحدة وهي تحقيق إنجاز تاريخي يُحسَب لهم في الداخل. ما مدى صحّة ذلك؟

 

أنيس النقاش: ضيفك تحدّث على أنه في إيران هناك قرار يأتي من مصدر واحد. أنا أعرف أنّ السياسة الخارجية بالذات لإيران قد يكون الخطاب له طابع خاص لهذا الرئيس أو وزير الخارجية، لكن استراتيجية نفاوض أو لا نفاوض وتحت أيّ سقف نفاوض وإلى أين نتجه تأتي من مصدر واحد لا ينطبق عليها قول الإصلاحيّين وغير الإصلاحيين. هذا لا ينطبق عليها.

 

وفاء العم: ولكن إذا سمحت لي، مشروع الرئيس روحاني جاء بتحسين الأوضاع الاقتصادية، ولا يتمّ تحسين الأوضاع الاقتصادية إلا بالدخول بعملية تفاوضية. هذا كان أمرًا واضحًا.

 

أنيس النقاش: ولكن لو جاء الرئيس روحاني نفسه بهذا البرنامج عشر سنوات قبل، أي لو كان أحمدي نجاد رئيس جمهورية وأراد أن يتخذ هذا الموقف من الولايات المتحدة، لم يكن من الممكن للولايات المتحدة أن تعطيه هذا الموقف، لأنّها ماذا؟ لم تكن قد جرّبت بعد أنّ العقوبات على إيران لن تجدي نفعًا، لأنّها كانت في بداياتها وكانت تعتقد أو تحلم أنها تجدي نفعًا، ولما كانت أحسّت بنيران الخطر الذي تواجهه اليوم في العراق وفي سورية وفي المنطقة، وفشل حلفائها في تحقيق أيّ شيء، فنحن ننظر إلى الأشخاص وخطاب الأشخاص، أنا لا أنظر بهذا الشكل، أنا أنظر إلى موازين القوى الحقيقية. هناك مسائل موضوعية تفاعلت، ليس المهمّ خطاب أحمدي نجاد العالي أو خطاب روحاني أو هذا التوجّه، المهم أنّ موازين القوى اليوم تسمح للطرفين أن يتقدّما، ومن عشر سنوات كان مستحيلاً، أياً كان من جاء. جاء خاتمي في وجه جورج بوش الابن وقال حوار الحضارات ومحبّة العالم في العالم. ماذا قال له جورج بوش؟ أنت في محور الشرّ، لا أريد أن أتحاور معك.

 

وفاء العم: ربما لديّ فقط دقيقتان لختام البرنامج. سيد مهدي، برأيك ما مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في ظلّ المعطيات الراهنة؟ وهل يمكن التعويل عليها بتغيّر جذري في هذه العلاقة بعد خصومة دامت 35 عامًا؟

 

مهدي عفيفي: في الحقيقة، العلاقة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لا بدّ أن تأتي من المنطقة ككلّ، والاستخفاف بأنّ الولايات المتحدة وضغوطها على إيران لم تؤدّ إلى نتيجة، طبعًا هذا شيء غير معقول، هناك محاور أخرى في المنطقة، ألا وهي أهمّ محور كان محور الإرهاب، وهناك محاور حدثت بدون تدخل لا الولايات المتحدة الأمريكية ولا إيران إنما حدثت، سبحان الله أراد أن تحدث، أعتقد أنّ المستقبل سيكون لو إيران تحالفت مع جيرانها أولا قبل الولايات المتحدة الأمريكية، ثمّ حدث تفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية وحدث استقرار في المنطقة الشرق أوسطية أو المنطقة العربية، سنجد أنّ هناك حلولاً كثيرة تعمّ بالخير على المنطقة كلها. وأنا أتكلم بشكل عرضي أنّ ما يحدث في المنطقة هو أقصى ما يكون وأسوأ ما قد يتمنّاه أيّ عدو لهذه المنطقة العربية، فلذلك أعتقد شخصيًا بأنّ تحسّن العلاقات الإيرانية الأمريكية وتحسّن العلاقات أيضًا الإيرانية الأمريكية قد يهدّئ الموضوع ويشترك الجميع بمحاربة الإرهاب.

 

وفاء العم: اسمح لي أستاذ مهدي، ربما لديّ دقيقة واحدة، وأريد أن أختم مع السيد شارلز.

سيد شارلز، كيف ترى مستقبل هذه العلاقة الآخذة في التشكّل بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول الأوروبية؟ بشكل مختصر لو سمحت، ليس لديّ إلا دقيقة واحدة.

 

شارلز شوبيردج: أنا أوافق على أنّ المصالح المشتركة ما بين إيران والدول المجاورة أكثر بكثير من المصالح المشتركة ما بين إيران والدول الأوروبية أو الولايات المتحدة الأمريكية، ولا شكّ في أنّ هذا التحسّن في العلاقات ما بين هذه الأطراف سوف يعود بالمنفعة وسوف يعود بالريع ليس فقط على هذه المنطقة بل على الحالة في العالم ككلّ. لكن نظرًا إلى المعطيات المذهبية والاعتبارات المذهبية، على الناس أن تتوقف عن التفكير في هذه المذهبية وهذه الطائفية وأن تبدأ بالتركيز على القواسم المشتركة التي تفوق القواسم التي تفرّق ما بين هذه الأطراف.

 

وفاء العم: شكرًا لك سيد شارلز شوبيردج، وأنت خبير أمني، كنت معنا من لندن. الشكر موصول لك سيد مهدي عفيفي، وأنت ناشط في الحزب الديمقراطي، كنتَ معنا من نيويورك. وكلّ الشكر لك سيد أنيس النقاش منسق شبكة أمان للبحوث والدراسات الاستراتيجية، كنت معنا في الاستوديو.

مشاهدينا، نشكر لكم حسن المتابعة. نلقاكم بإذن الله تعالى في حلقةٍ قادمة من حوار الساعة، وإلى اللقاء.