من الداخل

برنامج حواري اجتماعي- سياسي أسبوعي يهدِف إلى كشف ومناقشة قضايا ساخنة وشائكة، أو استضافة شخصيات مثيرة للجدل، من خارج العالم العربي.

صريفا المجزرة, 19 تموز /يوليو 2006

خمس لبنانيات من بلدة صريفا في الجنوب يتذكرن الصمود في عدوان تموز٢٠٠٦، ويسترجعن لحظات صعبة لم يفقدن الأمل فيها بالانتصار وإعادة الأعمار.


المحور الأول

"كأن الحرب بين صريفا وإسرائيل"
المحور الأول

زينب الصفار: السلام عليكم ورحمة الله. مجازر العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2006 لا سيما مجزرة صريفا في 19 من تموز / يوليو، لا تُمحى من ذاكرة اللبنانيين، إلا أنها دماء روت التراب وعبّدت الطريق إلى النصر. من داخل قرية صريفا في جنوب لبنان، معكم زينب الصفار، تابعونا.

 

روبرت فيسك: ألتقط صوَراً للدمار وأرى أنني أستطيع من خلال عدستي رؤية ألم أكثر مما أراه بعيني. أعتقد أن السبب هو أن المدى الهائل للأضرار بفعل القنابل محدّد بإطار. لاحقاً، أنظر إلى صوَري المظهّرة، وأنا مروّع من مستوى الدمار. سيجدون 36 جثة تحت ركام صريفا الذي سرت فوقه.

 

زينب مزهر: العائلة الأولى كانت آتية من البرازيل لقضاء عطلة الصيف، ومع هذه العائلة من الأمّ والأب كان هناك طفلان، وكانوا يحاولون الدخول إلى البيت وجاءت الطائرة وقصفتهم، وكانوا أول 4 شهداء في البلدة. عندما دخلت إلى القرية ورأيتها، أول ما ضايقني كان البيوت، جيراننا، طفولتنا، البيوت التي عشنا فيها، لم يبق منها شيء. طبعاً كل هذه أمور تركت أثراً فينا.   

 

ليلى عياد: ارتأي والدي وعمّي أن نذهب للمبيت عند جيراننا في وسط البلدة، أي حيث حصلت المجزرة، لكي تكتمل الأمور ونعيشها ونلتحم بها أكثر. توجّهنا إلى البلدة، وجلسنا في البيت، وحصلت المجزرة الكبيرة وقضى كل رفاقنا وأحبابنا ومن نعرفهم. من جعلني أنهض وأتوقّف عن البكاء كانت امرأة استشهد زوجها وأخواها وأولاد أخيها. استشهدوا جميعاً في هذه الحرب وهي ما زالت واقفة. بدأت أرى أن ثمة أناساً لا يبكون، فخجلت من البكاء أمامهم وأمام من يعرف باستشهاد أخيه وابنه وأمام من يعرف أن بيته سوّي بالأرض وهم لا يبكون، فكيف بي أن أبكي أمامهم. تعلمت منهم أن البكاء ليس لنا.

 

زينب مزهر: الشعب اللبناني مؤمن جداً بقضيته، وهو شعب قوي جداً، وينفض الحرب عنه وكأنه غبار، ويقوم من جديد، وأنا واحدة من هذا الشعب.

 

ليلى عياد: لا أعرف من الأغبى، هل هي أختي أم هي إسرائيل. أختي كانت تنام هنا وتضع يديها خلف رأسها وتقول، لو كانت هناك نافذة أو فتحة لتمكّنت من رؤية النجوم. إسرائيل حقّقت لها هذا الحلم. لا أدري من يفهم أكثر من الآخر، إسرائيل التي خرقت هذا السقف أم أختي التي كانت تحلم بمشاهدة النجوم من الغرفة.

 

زينب مزهر: اسمي زينب مزهر، جنوبية من بلدة صريفا.

 

ليلى عياد: أنا ليلى عياد، من صريفا، ولدت فيها وربيت وما زلت فيها. تعلّمت فيها وأنا أعلّم فيها الآن.

 

زينب مزهر: كنا نشهد عبر التلفزيون أفلاماً عن الحرب في فييتنام. نحن عشنا الحرب أكثر مما كنا نشاهده تمثيلاً. كنا نعيش الحرب بأدقّ تفاصيلها.

 

ليلى عياد: خوف غير طبيعي، وضياع، وتوقّع أن يأتي دورنا في الغارة في أية لحظة. كنا في تلك الليلة ننتظر الموت في كل لحظة. عندما استيقظنا صباحاً ووجدنا كل هذا الركام ووجدنا أننا كنا لا نزال على قيد الحياة، أصبح الرعب أكبر. عندما خرجنا صرنا نتحدّث حول مَن بقي ومَن الذي يموت.

 

المركز الدولي للإعلام في الشرق الأوسط: منظمة الصحة العالمية تتوقّع أن يصل عدد اللبنانيين النازحين من بيوتهم في نهاية اليوم إلى 900 ألف نسمة.

الصليب الأحمل وقوات "اليونيفيل" – قوات حفظ السلام في جنوب لبنان التابعة للأمم المتحدة – أشارا إلى أنهما لم يتمكّنا من إيصال المعونات الإنسانية إلى المدنيين العالقين بسبب عدم ضمانهما ممراً آمناً لعمال الإغاثة لديهما. في الأسبوع المنصرم، القوات الإسرائيلية قصفت سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر اللبناني.

 

زينب مزهر: لم أعرف أين الطريق. أين أنا؟ وقفت مذهولة وقلت إن هذه ليست بلدتي.

 

ليلى عياد: الدمار الهائل، الخوف، الرعب، وكأن هناك عصافير ترفرف حولك اسمها موت، اسمها دمار، اسمها إنك يجب أن تنتهي الآن.

 

زينب مزهر: نستطيع أن نقول إن الحياة هي تلك التي نصنعها نحن. الذين سبقونا بنوا الحجر ونحن نعيد بناء الحجر أيضاً وتأهيل كل شيء. نحن ولدنا في الحرب، ونشأنا في الحرب، وهي ليست بالأمر الجديد علينا، بمعنى أن ضربة ما حصلت وراح نتيجتها بعض الضحايا وأن علينا أن نرحل، كلا، نحن لا نرحل بسهولة. هذا أمر اعتدنا عليه. لم نترك البلدة إلا عندما طلب منا رجال المقاومة ترك البلدة، وما كنا لنتركها لولا ذلك. ذهبنا إلى منطقة قريبة من بلدتنا لكي نتمكّن من العودة سريعاً.

 

ليلى عياد: فعلاً، نحن خرجنا ولم يكن في نيّتنا الخروج لأنها مواجهة، فإما أن نموت أو أن نعيشها، حتى أخبرنا رجال المقاومة حماهم الله إن وجودنا بات يعيقهم.

 

زينب مزهر: أقول للشهداء وأهلهم إننا هنا اليوم بفضلكم، وبفضل كل نقطة دم سقطت على تراب بلدتنا صريفا، وبفضل إنجازاتهم.

 

ليلى عياد: حتى لو أصبحوا تحت التراب، نحن نؤمن أن أرواحهم ومبادئهم ما زالت خالدة، وأنهم يشعرون بنا. فأنا أفرح للشهيد لأننا عدنا، لأنه بيقيني وإيماني أنه يعرف في عالم الخلود بما يحصل.

 

زينب مزهر: البلد غالٍ جداً، أغلى من أن نكون عاجزين ولا نتمكّن من النهوض.

 

ليلى عياد: يجب ألا نخاف، لأن الواقع أسهل من الحرب الافتراضية أو من التخويف، لأنني أنا التي أُقتَل في هذا الواقع أقول بأن أقتَل مئة مرة على أن أستسلم لمن يقتلني.


المحور الثاني

"كأن الحرب بين صريفا وإسرائيل"
المحور الثاني

فاطمة كمال الدين: ماذا يردون؟ هذا بيتي قد دمّر وكنت قد انتقلت إليه قبل ثلاثة أشهر مع والدتي وشقيقتي. أنا عزباء ولكنني أعمل واستغرق تحضير البيت 3 أعوام من العمل، والآن تدمّر مع الأثاث فيه. بكل الأحوال، هذا فداء للشباب المقاومين الذين استشهدوا والذين لولاهم لما تمكّنا من العودة إلى الجنوب. المجزرة الأولى التي حصلت في صريفا راح ضحيتها جيراننا الذين قدموا من البرازيل، رجل وامرأته وولديه. الرجل لا يتعاطى بأيّ شأن على الإطلاق. على الرغم من حصول المجزرة لم يرحل أحد من البلدة. لم أسهر في خيمة القرميد سوى ليلة واحدة. لم أهنأ بها. كانت لديّ حديقة خضراء جميلة جداً، أيضاً تدمّرت، لم تعد موجودة.  

 

روبرت فيسك: لا بدّ  من أن يكون قلبك حجر كي لا تشعر بالغضب الذي اجتاحنا عندما شاهدنا هذا بالأمس. هذه المذبحة كانت وحشية. عمل وحشي، نعم. إذا ما سلّمنا بأن القوات الإسرائيلية تقصف حقاً بالدقّة المحدّدة التي تدّعيها، فهذه أيضاً جريمة حرب.

 

فاطمة كمال الدين: أتمنّى لو أن صريفا كلها تدمّرت وبقي فيها شهداؤها أحياء. كل هذا يمكن تعويضه، ولكن لا شيء يعوّض عن الشهداء.  

أنا فاطمة موسى كمال الدين من صريفا، ترشّحت لمركز "المختار" عام 1998، وكنت أعمل في مجال العقارات وأي شيء متاح. الحياة عادت إلى صريفا ومن كان ليقول إننا سنتمكّن من العودة. حمى الله رجال المقاومة. من كان ليقول إن صريفا سيعاد بناؤها بهذا الشكل. الحمد لله، عادت أجمل مما كانت، ولكن ما زلنا نشعر بالأسى لفقدان الشهداء. 

كنت أشاهد التلفزيون ليلاً، وكانت الساعة الثانية والربع فجراً عندما وضعوا خبراً عاجلاً بأنه تم تدمير 14 منزلاً في صريفا. لم أنم، وبكيت كثيراً، إذ إني عرفت الحيّ المستهدف في البلدة لأنه لا يبعد كثيراً عن بيتي، ولم أعرف وقتها إن كان في هذه البيوت أحد. في الصباح عرفنا أن من كانوا في المنازل قد استشهدوا. أتمنّى أن تُذكر وألا تعاد. الشهداء الذين رحلوا لا تضاهيهم إسرائيل ومن أوجد إسرائيل. الشهداء كانوا لا يزالون تحت الركام، والإسرائيليون لم يسمحوا لفرق الدفاع المدني بالعبور إليهم. بقوا تحت الأنقاض إلى أن انسحبت القوات الإسرائيلية من المنطقة. عندما وصلت إلى البلدة قصدت تفقّد الشهداء، فهم أغلى من كل البيوت، فذهبت وشاهدت كيف كانت تتم عملية انتشالهم، وكانوا أشلاء، لأنهم بقوا وقتاً طويلاً تحت الأنقاض. عندما عدت إلى البيت، فكّرت في أني لم أهنأ به. كنت قد انتقلت إليه قبل ثلاثة أشهر مع والدتي وشقيقتي الأرملتين ومع هذا كله، أتمنّى لو أن الشهداء يعودون وفداء لهم البيت، وما زلت أقول كذلك، لانني تاثّرت كثيراً حين شاهدت تلك المشاهد. وأيضاً لدي شابان من أولاد عمّي. كل الشهداء يعنون لي وكلهم أبناء بلدتي، ولكن ابن عمي فادي كان يعني لي الكثير، فأنا من ربّاه. هو أيضاً استشهد، عسى أن يكونوا جميعهم في الجنّة.

هذا ابن عمّي فادي، وهذا أخوه محمّد. كانا سوياً بين شجر الزيتون عندما قصفتهم المروحية الإسرائيلية.

 

محمّد نزّال: 42 شهيداً من أهل صريفا، بينهم مدنيون طبعاً وبينهم مقاومون. قيل في حرب تموز 2006 إن الطائر لم يعد يطير فوق بلدة صريفا. استمر القصف على صريفاً ليلاً ونهاراً، حتى أن أحدهم قال طرفة حينها: وكأن الحرب هي بين إسرائيل وصريفا.

 

فاطمة كمال الدين: في الواقع ذهبت إلى جزّين. الحمد لله العيش هنا إجمالاً هو عيش مشترك، ولا أصدّق أن هناك من يقول إن هذا مسيحي وهذا سنّي وهذا شيعي. أنا لا أفكّر بهذه الطريقة، ولا أهل جزّين وفّقهم الله. كل شيء كان يصل إلينا. كنا قد استأجرنا مسكناً على فترة شهر، وفي آخره لم يقبلوا أخذ بدل الإيجار. كانوا يقفون على راحتنا. ولكننا كنا مقهورين على ما كان يجري في بلتنا وعلى شهدائنا. أهل جزّين عاملونا معاملة جيّدة جداً لا نظير لها.

 

محمّد نزّال: نحن معتادون عندما نكون تحت خطر، خصوصاً الخطر الإسرائيلي، أن نكون يداً واحدة، هكذا نكون في أيام السلم، فكيف بنا أيام الحرب. البنادق تتوحّد عند أيّ خطر إسرائيلي.

المزارع في ذلك التاريخ، وكان موسم حصاد أوراق التبغ، خسر كثيراً. أتلف أكثر من نصف الموسم. الخسارة لحقت أصحاب المواشي والطيور.

نتمنّى لأهلنا أن يستمروا في هذا النَفَس وفي عشقهم للأرض وللمقاومة، وأن يبقوا بهذه الهمّة وهذه الإلفة وهذه المحبّة. نتمنّى هذا لكل أهلنا في الجنوب ولكل لبنان.

 

فاطمة كمال الدين: أريد أن أقول للشعب اللبناني: لا تدعوا أحداً يدخل بينكم، كونوا يداً واحدة، نحن ليس لدينا سوى بعضنا البعض. وأقول للعدو الإسرائيلي: الله يهدّك يا إسرائيل 

 

زينب الصفار: إذاً، لقاء في الأسبوع المقبل مع ضيف جديد وقضية جديدة، ودائماً من الداخل. السلام عليكم ورحمة الله.