كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

فرنسا والإسلام والمسلمين

جورج غالاواي: اسمي (جورج غالاواي)، وأقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" من على قناة "الميادين" التلفزيونية في حلقة تأتيكم من (لندن). أنا أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أو على التلفاز أو هنا في شوارع “لندن". "كلِمة حرّة" تعني أن تُعبِّر عن آرائِك بحُرّية وهذا ما أُعبّر عنه. إذاً، "كلِمة حرّة" هي حوار مزدوج الاتّجاهات. تابعوا برنامجنا من على قناة "الميادين" التلفزيونية 

جورج غالاواي: أهلاً بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي (جورج غالاواي) من على قناة "الميادين" في حلقة تأتيكم من (لندن) مع جمهور من الخُبراء المُميّزين وواحد أو اثنين من الهواة المتحمّسين أمثالي. على الرغم من أننا في "لندن" لكننا نتحدّث الآن عن (فرنسا)، نتحدّث عن مُشكلة (فرنسا) حيال النساء، عن مُشكلة (فرنسا) حيال ملابس النساء، عن مُشكلة (فرنسا) مع الدِين، وعن مُشكلة (فرنسا) مع الإسلام والمُسلمين وكيف هذا يُغذّي السياسة الخارجية العدائية التي نُلاحظها للجمهورية الفرنسية حيال العالم العربي خلال الأعوام القليلة الماضية، على وجه الخصوص بعد فترة تنظيم الحكومة المُقتضبة التي تمّ قبلها قتلُ عرب ومُسلمين على نطاقٍ واسع. إبّان احتلالهم (الجزائِر) على سبيل المثال لم يكن في الإمكان إخراجهم كمُحتلّين سوى بعد استشهاد مليون إنسان في (الجزائِر). لكن بعد ذلك حلّ وقت قصير من الزمن انتقل فيه عدد كبير من المُسلمين إلى (فرنسا). قرابة الستة ملايين على أقلّ تقدير عاشوا في (فرنسا) وهم يعيشون في ظروفٍ صعبةٍ جداً. السبب التقريبي لهذا النقاش هو الوضع المُضحِك الذي وضع الفرنسيون فيه أنفسهم إبّان الصيف مع ما يُسمّى "حظر البوركيني". في واقع الأمر، الاسم مغلوطٌ بعض الشيء لأنّكِ كنت تُعتَقَلين وتُدانين على شواطئ جنوب (فرنسا)، على الأقل في تلك المناطق أو البلديات المحليّة التي نفَّذت حظر "البوركيني"، سواء أكنتِ ترتدين واحداً أم لا. كلّ ما يهمّ أنّك تبدين مسلمة للعيان وبالأحرى مُرتدية ملابس مُبالغٍ فيها مقارنةً مع بعض النساء الأُخريات على الشاطئ. من القانوني تماماً أن تكوني عاريةً على الشاطئ في (فرنسا) ولكن من غير القانوني أن تضعي غطاءً على رأسكِ. الصُوَر ظهرت طوال الصيف لنساءٍ يرتدين ملابس عاديّة، لكنّهن يضعن غطاء على رؤوسهنّ، تجري مواجهتهنّ من قِبَل ليس رجل واحد بل أربعة رجال شُرطة على الأقلّ وتجري إدانتهنّ على الفور. على الرغم من أنّ محاكم (فرنسا) العُليا قد حكَمت في أنّ حظر "البوركيني" غير قانوني، مع ذلك جرى تطبيقه في تحدٍّ للمحكمة، والرئيس السابق (نيكولا ساركوزي) قد جعل من الأمر أحد وعود حملته بحيث أنّه في حال انتُخب رئيساً لـ (فرنسا) فإنّه لن يكون هناك أيّ "بوركيني" في البلاد على الرغم من أنّ الرئيس (هولاند) قال أنه لن يكون هناك حظرٌ على "البوركيني" خلال رئاسته، والحقيقة أنه لن يبقى الرئيس لفترة طويلة. (ماري لوبان) قائِدة "الجبهة القومية"، المنظّمة اليمينية المتطرِّفة"، و(ساركوزي) من المُرجّح أن يكونا آخر اثنين قد يفوزا برئاسة (فرنسا)، ما رأيكم في هذا الخيار بين (ساركوزي) أو (لوبان)؟ في واقع الأمر، الأمر سيتحوّل إلى ما نُطلِق عليه هنا اسم "مناقصة هولندية" يُزايدان فيها على من ينخفِض أكثر فأكثر في مواقفه مع المُسلمين. لم أذكر مشكلة (فرنسا) التاريخية مع النساء، لقد كان أمراً مُفاجئاً لي أثناء بحثي عن بعض النقاط لهذه الحلقة. النساء في (فرنسا) لم تكنَّ تمتلِكن حقّ التصويت في (فرنسا) حتّى عام 1945، نهاية الحرب العالمية الثانية. بالتالي، لطالما كان هناك أُناسٌ في (فرنسا) ممن أرادوا أن يملوا على النساء ما عليهنّ فِعله. في الماضي كانت الكنيسة الكاثوليكية والآن هم الآن بطريقةٍ ما النقيض للكنيسة الكاثوليكية. مقاتلو العلمانية في الجمهورية الفرنسية، أو من يطرحون أنفسهم على أنّهم علمانيو الجمهورية الفرنسية، يُشكّلون تهديداً مماثلاً للكيفية التي تُريد بها المرأة أن تُحيّا، تماماً كما كان تهديد الكنيسة الكاثوليكية والكاردينالات. الأمر لا يقتصر فقط على النساء فحسب ولا يقتصر على "البوركيني". جرت مُحاكمة متجَر في (فرنسا) لأنه رفض بيع الكحول أو لحم الخنزير، إنني أؤكِّد لكم هذا الأمر ولا أختلقه اختلاقاً. بقّالٌ مُسلِم جرت مُحاكمته لأنّه لا يُريد بيع الكحول أو لحم الخنزير، في واقع الأمر جرى طرده من متجرِه. النقاب قد جرى حظره في (فرنسا) تحت حُكم أزلام، واعذروني على هذا التعبير، أزلام العلمانية العسكرية، هؤلاء الذين يستبيحون كلّ شيء بأيديولوجيّتهم. تلك البُحيرة من العلمانية هي في واقع الأمر أشبه بدِينٍ في حدّ ذاتها في رأيي. إنّهُم يُبشّرون عسكرياً للقضية المُعادية للدين، والأمر لا يقتصر على النقاب أو "البوركيني" أو حقّك في رفض بيع لحم الخنزير أو الكحول في متجرك الخاصّ. حقيقة الأمر هي، حياة ملايين المُسلمين في (فرنسا) تُصبح يوماً بعد يوم أكثر قمعاً. طبعاً، أحداث الصيف المُبكِر، المجزرة التي ارتُكِبَت بحقّ الأبرياء على رصيف المُشاة في (نيس)، القتل المروِّع وقطع رأس كاهِن فرنسي على أيدي إسلاميين مُتعصّبين مُنتمين إلى مدرسة "القاعدة" و "داعش" الفكرية، إن أمكننا وصفها على هذا النحو التمجيدي، كلّ هذا ولَّدَ في (فرنسا) أجواءً من تشويه السُمعة في حقّ المُسلمين. لكن الأمر لا يقتصر على هذا فحسب، إنه موقف (فرنسا) العدائي العسكري الشبيه بالحرب تجاه مُستعمراتها السابقة، الأمر الذي يُراكِم كلّ هذا ويُغذّي كلّ هذا. بالتأكيد، كلّ هذه الأشياء تُغذّي بعضها البعض. كلّما ازداد عدد الدول العربية والإسلامية التي تقصفها (فرنسا) وتجتاحها وتحتلّها كلّما ازداد شعور التغريب بين سكّانها من المُسلمين وازداد شعور الفرنسيين أنفسهم من غير المُسلمين بالتغريب ليترجم بعضهم شعوره بالأفعال ويُطالب بالمزيد من القوانين والمواقف المُعادية للمسلمين من قِبَل الجمهورية الفرنسية. هذا ما يشحن دورةً جشعة متوجِّهة نزولاً باستمرار نحو وضعٍ لا يعلمه إلاّ الله، أنا لستُ علمانياً وبالتالي يُمكنني قول هذا، يعلم الله إلى أين سينتهي المطاف بكلّ هذا. ساعدَت (فرنسا)، بل دفعت بالتأكيد كلاّ من (ساركوزي) و(كاميرون) نحو تدمير (ليبيا) قبل خمس سنوات واستبدال نظام (القذّافي) المُختلّ في (ليبيا)، ليس بـ (ليبيا) واحدة ولا حتّى بثلاث ليبيات. لدى (ليبيا) اليوم ثلاث حكومات وأربعة رؤساء وزراء، وأنا لا اختلِق هذه الحقيقة أيضاً. دورهم في (سوريا) هو للمُساعدة على تدمير الجمهورية العربية السورية العريقة تاريخياً ومُجتمعها العريق هو أمرٌ بالتأكيد تغريبي، وليس فقط في (سوريا). بالتالي، لقد جعلت (فرنسا) من نفسها المطرقة الأولى على المسلمين في (أوروبا)، وطبعاً خطر ردّ الفعل العنيف على كلّ هذا الذي سيجعل من كلّ مسألة أكثر سوءاً حاضر وجليّ تماماً. حسناً، هذه هي وجهة نظري، فلنستمع إلى رأي الجمهور في هذه المسألة. تفضّل أيّها السيّد. لأنّ الميكروفون معك يتسنّى لك أن تتحدّث أولاً

بو جمعة سليمية – صحافي: مساء الخير

جورج غالاواي: مساء الخير

بو جمعة سليمية – صحافي: إنني ممتنٌ جداً لأن أكون جزءاً من هذا البرنامج، وهذه هي الحلقة الثانية التي أُشارِك فيها، وأعتقد أنّ هذا البرنامج هو من بين البرامج السياسية العظيمة والحُرّة التي تُبثّ من (لندن). في أية حال، اسمي (بو جمعة سليمية) وأنا صحافي. أنا مراسل عدّة وسائِل إعلامية عالمية هنا في (لندن)، وسائِل إعلامية تتحدّث بالفرنسية بما فيها "القناة الثالثة الجزائرية"، كما أنني مُحلّل ومُعلِق سياسي لوسائِل الإعلام. ما قلته للتوّ سيّد (غالاواي) هو في غاية الأهمية. لماذا كلّ هذا التهويل حول مسألة "البوركيني" في (فرنسا)؟ هو في رأيي جدالٌ زائِف ومُلفَّق، ووراء كلّ هذا هناك جداول أعمال مُعينة وهي سياسية بامتياز ومتّصلة بنوعٍ من المُشكلات العالمية الرئيسية. في واقع الأمر، من هُم وراء هذه الحملة بما فيها "البوركيني" أو الهجوم على مجموعة مُعيّنة من المواطنين في (فرنسا) بمن فيهم المسلمون، متّصلون بـ "الجبهة القومية" المُتطرِّفة، ويُمكننا أن نرى الآن أنّهم في خضمّ حملة رئاسية. وكما تعلمون، قد يبتكر السيّد (ساركوزي) بضعة أشياء وبضعة تصريحات مروّعة تُظهِر عند مرحلة معيّنة أنّ هذه الحملة جاهزة للهجوم بهدف الفوز بأصوات اليمينيين. على سبيل المثال، بالأمس في اعتقادي، صرّح علناً أنه في حال فوزه في هذه الانتخابات الرئاسية سيُرغِم كلّ الناس من الأقليّات، مهما كانت خلفياتهم، على تبنّي أو إعلان تحالفهم مع "الغاليين"، وهذا غير مقبول

جورج غالاواي: الغاليون؟

بو جمعة سليمية: الفرنسيون القادمون من بلاد (الغال)

جورج غالاواي: نعم، حسناً

بو جمعة سليمية: وقد فعلوا ذلك في (الجزائِر). لقد أتيت على ذكر (الجزائر) لأنهم في (فرنسا) يقولون أنّ أجدادهم هم "الغاليّون". بشكلٍ أساسي، فعلوا ذلك في (الجزائِر) أثناء الاحتلال، وفي ذلك الوقت منذ عام 1830 كانوا يحتلّون (الجزائر) وكانت (فرنسا) تُسيطر على (الجزائِر). على سبيل المثال، بالنسبة إلى البرامج المدرسية كانوا يعلّمون الأطفال، حتّى الجزائريين الأصليين، كانوا يعلّمونهم على أنّهم من سلالة "الغاليين". بالتالي، أعتقد أنّ هذه استراتيجية

جورج غالاواي: الأمر شبيه بعض الشيء بالقِيَم البريطانية أو القِيَم الأمريكية، إنهم يتحدّثون عن النقاء الفرنسي وفي أنه على الأقلّيات تقبُّل الولاء للنقاء الفرنسي

بو جمعة سليمية: بالتأكيد، هذه هي المسألة تحديداً. لهذا، إن حاولنا الآن فهم واستكشاف السبب وراء كلّ تلك الحملات الحالية في (فرنسا)، بشكلٍ أساس محاولتنا لفهم تلك الهجمات الإرهابية التي تستهدف (فرنسا) بما في ذلك ما حدث مؤخراً في (نيس). كنت هناك بصفتي صحافياً وقد رأيت كيف أنّ عدداً لا يُستهان به ممن قُتلوا كانوا من المُسلمين

جورج غالاواي: نعم، 30 في المئة من الضحايا كانوا من المسلمين

بو جمعة سليمية: تماماً، ولم يقُل أحد كلِمة عن هؤلاء. بشكلٍ أساسيّ وكما يقولون الآن، كان الأمر عشوائياً، ما يعني أنّهم يعتقلون الجميع على أشياء لم يرتكبونها. ما يجري الآن من عملية ربط المُسلمين بما يفعله "داعش" هو أمرُ بشكلٍ أساس غير مقبول لأنني رأيت كيف كان ردّ فعل المُسلمين في (نيس)، وكذلك خلال الهجوم في الكنيسة، حيث

جورج غالاواي: في (النورماندي)

بو جمعة سليمية: نعم، الكاهِن قُتِلَ وبعد ذلك بعدّة أيام، عشرات المُسلمين حضروا جنازته داخل الكنيسة نفسها ليُظهروا رفضهم لتلك الهجومات وذاك العُنف، وفي أنهم بريئون من "داعش". بالتالي، هذه هي وجهة نظري التي تتلخّص في أنّ الوضع الآن أصبح شديد الخطورة في (فرنسا) وينحرِف بشكلٍ خطير، وبشكلٍ أساس سنتحدّث عن تداعيات هذه التصرّفات تجاه القضايا الكُبرى على الساحة الدولية

جورج غالاواي: أشكرك جزيل الشُكر، يبدو بالفعل أنّ الحال كما وصفتها تماماً. كلّما قالوا لنا أكثر أنّهم علمانيون يصبحون أكثر معاداة للدِين في الواقع. لكن طبعاً، من بين كلّ الأديان التي يُعادونها بالفعل، مما لا شك فيه أنّ الإسلام يحتلّ المرتبة الأولى على رأس اللائِحة، وقد أصبح هؤلاء السياسيون يزايدون بعضهم على البعض الآخر في بلاغتهم المُعادية للإسلام، كما أنّ أيّة قنبلة تُلقى وأيّة جريمة تُرتكب في البلدان الإسلامية تكون (فرنسا) مُلامة، أو مُلامة مع بلدٍ آخر على هذه الجرائِم. كلّما ازداد هذا التوتّر بين المُسلمين في (فرنسا) والدولة الفرنسية، على وجه الخصوص اليمين المتطرّف في السياسة الفرنسية، كلّما أصبح الوضع أكثر توتّراً وخطورة. نعم أيّها السيّد، تفضّل

د. مصطفى توريه – خبير في الدراسات العرقيّة: نعم. اسمي الدكتور (مصطفى توريه) وأنا أُدير موقعاً على الإنترنت اسمه anopeneye.org. في ما خصّ ما قلته ويتعلّق بـ (فرنسا) والإسلام، أعتقد أنّه من المُهمّ جداً العودة إلى التاريخ مثل عام 711 عندما جاء أوّل المُسلمين إلى الغرب في (إسبانيا) وغيرها من البُلدان. لدينا تاريخ مُهمّ جداً وهو عام 732 ميلادية مع (شارل مارتيل)، بالتالي هذا التاريخ مُهمّ جدّاً لأنّ هذا الرجل، (شارل مارتيل)، يُعتَبَر من قِبَل كثيرين أنّه الرجل الذي أخرج المسلمين من (فرنسا)، وتحديداً من بعده أصبحت الهوية الفرنسية تُصاغ، بالتالي علينا أخذ هذه المسألة بعين الاعتبار. فالعلاقة بين المُسلمين و (فرنسا) ليست جديدة، بل أنّها تعود إلى عام 711 عندما كان لدينا إمبراطورية الخلافة الأُمويّة التي وصلت إلى (إسبانيا) واحتلّت (البرتغال) ووصلت إلى (فرنسا). كما كان لدينا أيضاً عام 732، عندما ظهر هذا الرجل (شارل مارتيل) وأخرج المُسلمين من (فرنسا). وفقاً للمؤرّخين، أخرجوهم حتّى من (بواتييه)، فبالتالي هذا مهم جداً. إذاً، علينا أن نسأل أنفسنا إن كانت الهوية الفرنسية قد صيغَت في ردّ فعلٍ على الإسلام حينها، هذه هي المسألة الأولى. المسألة الثانية، وهي مُهمّة جداً، ألا وهي العلمانية. يبدو أنّ لدينا قانون عام 1905 وهو

جورج غالاواي: فصل الكنيسة عن الدولة

د. مصطفى توريه: نعم، فصل الدولة عن الكنيسة، إذاً هذا هو الأمر الأول، والطريقة التي فُهِمت فيها العلمانية في ذلك الوقت تبدو مختلِفة تماماً عن الطريقة التي تُفهم فيها حالياً. اليوم، يبدو أنّ العلمانية قد أصبحت الدِين في (فرنسا) وعلى الجميع أن يتقبّله. إن لم تكُن علمانياً ستُصبِح في ورطة، ونحن نتحدّث عن المسلمين، لقد خَبِرت ذلك لأنني ترعرعت في (فرنسا) وارتدتُ جامعاتها. أعتقد أحياناً أنّ الجمهور الفرنسي يتعامل بشكلٍ سيّئ مع الكاثوليك. إن أتيت وقلت، "أنا كاثوليكي وأنا أحترم انتمائي الكاثوليكي" ستواجه المشاكل وستُصبِح من الناس الذين يُشار إليهم من قِبَل أصدقائك وما شابه، لذا لدينا هذه المسألة. أمّا في ما يخصّ المُسلمين، أجد الوضع حتّى أسوأ لأسباب عدّة، منها الحرب الجزائرية، وعلينا أن نفهم أنّ (فرنسا) بلد امتصاص، أي أنها ليست بلد اندماج، بالتالي علينا فهم الفارِق بين هاتين المسألتين. في (بريطانيا) هناك اندماج، في الولايات المتحدة الأميركية هناك اندماج، أما في (فرنسا) هناك امتصاص. إذاً، ما فعلوه خلال استعمارهم (أفريقيا) و(الجزائِر) وكلّ تلك البُلدان، ويحاولون فعله الآن. لأننا من (أفريقيا) لكننا أتينا إلى (فرنسا) عليهم بالتالي امتصاصنا أيضاً. هذا ما أعتقده

جورج غالاواي: والامتصاص يعني أنّه عليك أن تُصبِح فرنسياً

د. مصطفى توريه: عليك التخلّي عمّا يجعلك مختلفاً، ما يعني، أميل إلى تسميته " الإبادة العرقية الثقافية"، وذلك عندما تُحاول القضاء على الإثنيات العرقيّة لشخصٍ ما، بالتالي هذا ما يُحاولون فعله. لذا، هذا يعني أنّه عليك أن تُغيّر اسمك وثقافتك ودينك، عليك أن تُغيّر كلّ شيء وتُحاول أن تُصبح فرنسياً، بالتالي هذا هو القانون. عندما تفهم هذه المسألة تعرِف تحديداً أين تقف الآن، تعرِف أكثر عن النظام الفرنسي، حتّى أنّك لا تفاجأ بما يحدث اليوم

جورج غالاواي: يبدو لي أنّ ما تقوله هو مخطّط في غاية الخطورة بالنسبة لي. كان ليكون خطيراً جداً لو أنّ وضع (فرنسا) يسير على نحوٍ جيّد جداً، لكن الاقتصاد الفرنسي حالياً في حال ركود ومُعدّل نموّه صفر في المئة، هناك بطالة عالية جداً، على وجه الخصوص بين الأقليّات العرقيّة، على وجه الخصوص ما بين الشباب من الناس. هناك عشوائِيات هائِلة من الأحياء الفقيرة حيثُ يكاد لا يملك أيّ من قاطنيها وظيفة وحيث جرى تقليص الخدمات العامّة فيها بسبب التقشّف عملياً إلى اللا شيء، ومن ثمّ تأتي وتُلقي كلّ بكلّ هذه اللغة الاصطلاحية من "الإبادة العرقيّة الثقافية" على رأس هذه الأمور بحيث يبدو ما قدّمته كقنبلة على وشك الانفجار

د. مصطفى توريه: إنها بالفعل كذلك، وأعتقد أيضاً أنّه لسوء الحظ لم يجرِ تثقيف الفرنسيين. كما تعلم، لقد خسرنا كمواطنين فرنسيين الحرب العالمية الثانية لكننا لم نُثقَّف لأنّ الجنرال (شارل ديغول)، الرجل الذي كان يقود البلاد في ذلك الوقت، كان مفاوضاً ممتازاً وتمكّن من جعل (فرنسا) تبدو وكأنّها فازت في الحرب. لكننا في الواقع خسرناها، بالتالي نحن لم نُثقَّف حيال كون العُنصرية أمراً سيئاً. فقط واحد في المئة من بين الفرنسيين قاوم النظام النازي، ويبدو اليوم أنّ هؤلاء الذين يشكّلون الواحد في المئة هم الآن في السُلطة، والسُلطة يجري تداولها من الوالِد أو الوالدة إلى الأطفال، لكن لم يجرِ تثقيفنا. لقد تلقّينا بعض الدروس عمّا حدث للمُجتمع اليهودي، لكن ما فعلناه نحن بمجتمعات أُخرى بشكلٍ عنصري وجذور العنصرية فعلينا العودة إلى (دوغو بينو). (دوغو بينو) في عام 1858 في اعتقادي خرج بنظريّة العُنصرية، وتلك النظرية التي خرج بها (دوغو بينو) الفرنسي تبنّاها الألمان النازيّون. بالتالي، أعتقد أنّه من المهم تثقيف

جورج غالاواي: إنه وضع قابل جداً للتفجّر الشديد، حتّى وإن كان وضع (فرنسا) جيِّداً، وحتّى إن لم تكن (فرنسا) في حربٍ مع عدّة بلدانٍ مُسلِمة في الوقت عينه. دكتور (مصطفى)، أشكرك على اختتامك للجزء الأول من حلقتنا، لكن ما زال لدينا الكثير، بعد هذا الفاصل

المحور الثاني:

جورج غالاواي: أنتم تُشاهدون "كلمة حرّة" معي (جورج غالاواي) على قناة "الميادين" التلفزيونية من (لندن)، نناقش فيها (فرنسا) ومُشكلاتها مع ملابِس النساء والدين، وعلى وجه الخصوص الإسلام. جالت "كلمة حرّة" في شوارِع (لندن) لاستطلاع رأي الجمهور، هلّ يؤيّدون فكرة أنّ حظر "البوركيني" يُشكّل هجوماً على الحريّات الأساسية؟ ثانياً، هلّ ذلك سيجعل من (فرنسا) أقلّ أو أكثر عُرضةً للهجمات الإرهابية؟ فلنشاهد معاً آراء الناس

المُحاورة: هلّ تعتقد أنّ حظر "البوركيني" يجب أنّ يُعدّ انتهاكاً للحريات الأساسية؟

رأي رجل 1: أعتقد ذلك بالفعل. أعتقد أنّ الأمر يعتمِد دوماً على كون ما تؤمن به هو الصحيح. بالتالي، كلّ امرأة لها الحقّ في أن ترتدي الملابس استناداً إلى معتقداتها، بالتالي إنه انتهاك للحقوق بالتأكيد

رأي شابة 1: نعم، بالتأكيد. أعتقد أنّه في حال اختارت النساء ارتداءه فلا بدّ من أن يُسمح لهنّ بذلك لأنهن لا يُلحقنَ الأذى بأحد. هذا ما أؤمن به فعلياً

رأي شابة 2: أعتقد أنّ (فرنسا) تتّبِع تلك السياسة وعلى الناس أن تحترمها. في حال لم يُعجبهم ذلك يُمكنهم الذهاب إلى أماكن أُخرى يُسمح فيها بذلك

رأي شابة 3: أعتقد أنّ ذلك يجب ألاّ يُشكل مُعضلة. يجب أن يُسمَح للنساء بارتداء ما يرِدنَه سواء أكان "بيكيني" أو بُرقعاً أو كنّ يُرِدنَ الخروج عاريات

المُحاورة: هلّ يزيد أم يُقلِّص هذا الأمر من مَخاطر الإرهاب في (فرنسا)؟

رأي رجل 1: لا أعتقد أنّ لهذه المسألة أيّ تأثير على الإرهاب، أعتقد أنّه قرارٌ صائِب جداً وشديد الغرابة في أن تُعاقَب النساء بسبب معتقداتهنّ في الوقت الذي يُعدّ فيه مُعظم الإرهابيين رجالاً، بالتالي الأمر غير منطقي فعلياً. لكنني لا أعتقد أنّ لهذا عواقِب على الإرهاب

رأي شابة 1: إنّه يتزايد بطريقةٍ ما، لكنني لستُ واثقة لأنّهم قد يكونوا أُناساً عشوائيين، تماماً كالهجوم الذي حصل في (نيس)، كانوا أُناساً يرتدون ملابس عادية

رأي شابة 2: إنه يتزايد ولا أعرِف السبب تحديداً، لكن يبدو أنّ لديهم مُشكلات مع المُسلمين ككلّ

رأي شابة 3: أعتقد أنّه مع حظر "البيكيني" قد يسير ذلك على نحوٍ خاطئ بالنسبة لـ (فرنسا) في اعتقادي، لكن أيضاً الأشياء التي يفعلونها تسير بشكلٍ خاطئ في اعتقادي ولا يُعاملون الناس باحترام ولياقة

جورج غالاواي: حسناً، إنّها إجابات ذكية جداً في اعتقادي، يُمكنكم الإجابة عن تلك الأسئِلة بكلّ حرّية. نعم أيّها السيّد الذي يحمل الميكروفون

كاشف أحمد- كاتِب ومُخرِج: السلام عليكم (جورج) ومساء الخير للجميع

جورج غالاواي: أهلاً وسهلاً

كاشف أحمد- كاتِب ومُخرِج: اسمي (كاشف أحمد) وأنا كاتِب ومُخرِج

جورج غالاواي: أهلاً بك (كاشف)

كاشف أحمد: شكراً لك. أولاً، دعني أبتعِد قليلاً عن حظر "البوركيني" حيث أعتقد أنّ هذا مُجرّد رأسٍ للجبل الجليدي، وأنا أتطلّع إلى بعض تلك القوانين التي فرضوها في (فرنسا)، حظر حريّة المُعتقَد وحظر حرية التّجمعات للتظاهرات المؤيِّدة للفلسطينيين ومحاولة لـ

جورج غالاواي: من غير القانوني تنظيم مُقاطعة للبضائِع الإسرائيلية مثلاً في (فرنسا)

كاشف أحمد: تماماً

جورج غالاواي: من غير القانوني. أي أنّك تذهب إلى السِجن في حال نظّمت مُقاطعة للبضائِع الإسرائيلية

كاشف أحمد: وأورد هذا المثال لتوضيح الأمور أكثر، يُمكنك الانضمام إلى "عصبة الدفاع عن اليهود"، وهي مُنظّمة إرهابية والدولة لن تُقاضيك، لكن إن حاولت مُقاطعة البضائِع الإسرائيلية فستُقاضى، وهذا بحدّ ذاته يُسلِّط الضوء على مدى عدم رجاحة وتخلُّف هذه القوانين. أعني أنّها لا تبدو أنّها قوانين دولة حديثة بل تبدو أشبه بقوانين ملِك مجنون من القرون الوُسطى يُملي هيمنته على شعبه. لذا أعتقد أنّ (فرنسا) تُحاول أن تكون إسرائيلية أكثر من الإسرائيليين أنفسهم في بعض النواحي، ومن هنا تنطلق بعض المُحفّزات لتلك القوانين ألا وهي الجذور العفنة لدولة (إسرائيل) غير الشرعية بحسب معرِفتي. لقد ذكرتُ شيئاً عن ماهيّة المُقاومة لتلك القوانين المفروضة. أعتقد أنّ هناك مُقاومة فرنسيّة لبعض تلك القوانين على المستوى الشعبي، على وجه الخصوص من أُناسٍ مثل (دو دونيه بالا)، وربّما (آلان سورال) الذي كان عضواً في الجبهة الوطنيّة غير أنّه لم يعُد كذلك. (آلان تروبو) والكثيرون من الناس الذين يؤيّدون أيديولوجيّة يُطلقون عليها اسم "المُساومة والمُصالحة". إنّها بمثابة أُسلوب تفكير جديد في (فرنسا)، بالتالي أعتقد أنّهم قد أحرزوا بعض النجاحات في ما يتعلّق بتلك القوانين وربّما علينا أن نمنح هؤلاء الناس منصّة بحيث يتمكّنون من القول للمُسلمين والآخرين أنّ هذا لا يُمثّل كلّ (فرنسا). فلا يقتصر الأمر على (ساركوزي) و(ماري لوبان) بل هناك الكثير من الأصوات المُختلِفة التي تُحاول مُعارضة تلك القوانين. ما رأيك في هذه الفِكرة؟

جورج غالاواي: لقد أوضحت وجهة نظري، ويثير اهتمامي أن أعرِف إجابتك. بالطبع كون تاريخ (فرنسا) ببساطة، كقوّة استعمارية كما هو حال (بريطانيا)، مروِّع في العالم العربي وضمن فترة حياتي الخاصّة. لقد قتلوا أكثر من مليون جزائِري ومن السهل جداً نسيان هذا لأنّ مُعظمكم لم تكونوا قد ولدتم بعد في ذلك الحين، لكن هذا يُعَدّ من ضمن التاريخ الحديث. لقد قتلوا مليون جزائِري من أجل التمسّك بمستعمراتهم. لقد أتيت على ذكر فترة تنظيم الحكومة تلك، إنّها بالطبع لم تكن خالية من الأخطاء على نحوٍ تام، لكن فترة تنظيم حكومة (ميتران) التي تلتها حكومة (شيراك) كانت نسبيّاً حميدة، على الأقل بالمقارنة مع ما جرى قبلهما ومع ما تمخّض بعدهما. اشتهرَ "شيراك" بأنّه نأى بـ (فرنسا) عن عمليّة اجتياح واحتلال (العراق) مثلاً. إذاً، لماذا اتّخذت (فرنسا) هذا المُنعَطف تجاه حرب دائِمة مع البلدان الإسلامية ومع المُسلمين عامّةً لتزيد من الصراعات الأهلية مع مُسلميها في الوطن؟ على وجه الخصوص بوجود الكثيرين منهم. كما تعلمون، أن يتسلّطوا على أقليّة صغيرة من الناس، عندما لا يتعدّى عددهم بضع مئات أو بضعة آلاف، هو مسار بالنسبة إلى دولة معينة، لكن أن يتسلّطوا على ستة ملايين إنسان يشعرون بالغضب والحِنق وأشياء أُخرى هو مسار وتصرُّف خطِر جداً. ما رأيك؟

كاشف أحمد: نعم، أعني بقدرِ ما أعلَم، عندما يكون لدي سياسيون مثل (مانويل فالس) أو حتّى (نيكولا ساركوزي) لا أُريد أنّ أتورّط كثيراً في نظريّة المؤامرة. لكن في عام 2007، عندما اتّهمت صحيفة "لو فيغارو" (ساركوزي) بأنّه رديف لجهاز "الموساد" وقالوا له، "قاضِنا إن كنّا مُخطئين" لكنّه لم يفعل ذلك، بالتالي أعتقد أنّه عندما يكون لدى أحدهم ولاءٌ أكبر لـ (إسرائيل) أكثر من ولائِه لبلده فسيكون أكثر استعداداً لسلوك ذاك الطريق الذي يُغرِّب مواطني بلده. حتّى أنّه الآن ثمّة عملية لمُكافحة التقشّف في (فرنسا)، لكن (مانويل فالس) ذاهب إلى (إسرائيل) ليقول " انظروا إلى الجهود المُمتازة التي بذلتها لوقف حملة المُقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في (أوروبا)". لذا، أعتقد أنّ الأمر يُمكن أن يكون على هذا النحو. مُجدّداً لا أريد التعميم لكنك قلت أنّ هناك الكثير من المُسلمين في (فرنسا) وهناك أيضاً الكثير من اليهود الداعمين لـ (إسرائيل) في (فرنسا)

جورج غالاواي: طبعاً، هذا صحيح. وهذا كان صحيحاً عندما كان (شيراك) رئيساً وكان صحيحاً عندما كان (ميتران) رئيساً. إنني أُحاول فقط البحث عن سبب تغيُّر الأمور على هذا النحو. فلنستمع إلى مُداخلة السيّد الجالس في الصف الخلفي

إسحاق بيجيو – ناشط سياسي: اسمي (إسحاق بيجيو). أعتقد أنّ السبب وراء قرار (فرنسا) قصف البلدان الإسلامية هو أمرٌ مُختلِف أو بعيد عن التأثير الإسرائيلي، السبب لأنّ (فرنسا) أدركت أنّها خسِرت عندما لم تُشارِك في اجتياح (العراق) لأنّ (بريطانيا) والولايات المتحدة الأميركية سيطرتا على الكثير من النفط في (العراق) وازداد نفوذهما في الشرق الأوسط بينما لم تتمكّن (فرنسا) من الحصول على جزء من تلك الثروة، بالتالي قرّرت (فرنسا) أنّ الوقت قد حان لاستعادة ذلك. اعتادوا على أن يكونوا القوّة الاستعمارية في الشرق الأوسط، بالتالي قرّروا أن يتدخّلوا في (سوريا) وفي (ليبيا). بالتالي، المسألة ليست في كونهم أرادوا دعم (إسرائيل)، بالنسبة لي هذا ليس السبب الرئيسي بلّ لأنّهم يريدون النفط وإعادة توطيد علاقاتهم مع الشرق الأوسط. لقد اعتادوا أن يكونوا القوة الرئيسية في (سوريا) و(لبنان) ويُريدون فعل الشيء ذاته في وقتنا الحالي. بالتالي، هذا هو السبب وراء تغريبهم لمواطنيهم لأنّ الوقت قد حان لاستعادة قوّتهم الاستعمارية، والسكان المسلمون في (فرنسا) يعيشون الآن في ظلّ نوعٍ جديد من "مُعاداة الساميّة". قبل الحرب العالمية الثانية كانوا يُحاكمون الناس الذين يُصلّون بلغةٍ ساميّة كاللغة العبرية. الآن، لأن هناك أُناساً يصلّون بلغة سامية أًخرى وهي العربيّة تجري مُحاكمتهم أيضاً. إنه نوعٌ جديد من مُعاداة السامية وهذا شيء تتصدّره (فرنسا) في (أوروبا)

جورج غالاواي: مُداخلة مُثيرة للاهتمام، مَن يرغب في التعقيب؟ دكتور (مصطفى)

د. مصطفى توريه – خبير في الدراسات العرقيّة: نعم، شكراً. بالتأكيد، أعتقد أنّك مُحِقّ تماماً. إن نظرنا إلى الحرب في (العراق) نجد أن (جاك شيراك) و(دوفيل بان) عارضا الحرب لكن جرى انتقادهما كثيراً من قِبَل اليسار، حينئِذٍ كان اليمين في السُلطة واليساريان مثل (برنارد كوشنير) و(برنارد هنري ليفي) كانا يصطفّان في صالح الحرب مع (العراق)، لكنني اقتنعت بما قاله الأخ في الخلف، بأنّ (فرنسا) خسرت بعدم مُشاركتها في الحرب على (العراق)

جورج غالاواي: إنها زاوية مثيرة للاهتمام عليّ القول، لم أُفكِّر بهذا أبداً. نعم أيتها السيّدة       

خلود العنسي – مُخرجة: مرحباً (جورج)، اسمي (خلود) وأنا مُخرجة أفلام. أودّ الإشارة إلى الفتاة في الفيديو التي قالت أنّ لـ (فرنسا) سياستها الخاصّة وعلى الناس أن يحترموا هذه السياسة. بالطبع لكلّ بلد سياساته الخاصّة، لكن أن تكون السياسة تستهدف ديانة مُعيّنة أو مجموعة مُعيّنة من الناس! هذه سياسة يُمكن وصفها بالعنصرية أو التمييزية على مستويات مُختلفة لأنه يمكننا أن نرى الناس، بعد رؤية تلك المرأة المُحاطة بأربعة رجال من رجال الشرطة يخلعون عنها غطاء رأسها لأنهم طلبوا منها نزع "البوركيني" وغرّموها، يُمكننا أن نرى أُناساً عرضوا صوراً لراهبات على الشاطئ ولم يقل أحد لهنّ أن يخلعن ملابسهنّ على الرغم من أنهنّ يُغطّين أنفسهنّ بالكامل. قالوا أنّهم لم يحظروا "البوركيني" على وجه التحديد أو الملابس الإسلامية بل منعوا الملابس الكاملة أو الكسوة على الشاطئ أو غطاء الرأس. لكن مجدداً، لماذا لا يفرضون الغرامات على نساء أُخريات مثل الراهبات؟ " البوركيني" ليس فقط للمسلمين، أعني أنه قد تكون عندي حال خاصّة، قد أكون أُعاني من حساسية في البشرة، أنا لست

جورج غالاواي: هذه حال شائِعة في (أُستراليا) بين النساء غير المُسلمات، حيث الشمس قوية جداً ويُريد الناس أن يحموا أنفسهم منها

خلود العنسي: نعم، أعني كيف يُمكن لهذا أن يكون قضية في حال أرادت امرأة ارتداء "البوركيني" أو شيء يُغطّي بشرتها على الشاطئ؟ كيف يُمكن لهذا أن يؤثِّر عليهم أو يؤذيهم، وفي أيّة طريقة؟ أو كيف يُمكن لهذا أن يكون أمراً مثيراً للشكوك؟

جورج غالاواي: طبعاً، من المؤكّد أنّ وجهة نظركِ قويّة، لكن انتقادي لها قد يكون التالي. إن كنتُ زائراً في بلد آخرين فلديهم كلّ الحقّ في أن يملوا عليّ قوانينهم، وإن لم تُعجبني القوانين، قد أُلغي عندئذٍ زيارتي وأُغادِر، هذا أمر شرعي. لكن هؤلاء المُسلمين فرنسيون، إنهم ليسوا زوّاراً. لقد كان هناك تصادُم قوي جداً في أعقاب أحداث (نيس)، عندما كان الناس يضعون الورود أثناء تجمّعهم على رصيف المُشاة ليتذكروا ما حدث قبل يوم أو يومين، وأحدهم بدأ يُهاجِم امرأة مُسلمة كانت تضع الورود في أعقاب ذكرى ما حدث قائلاً لها، "اذهبي إلى موطنكِ، عودي من حيثُ أتيتي"، فشرحت له بلغةٍ فرنسيّة طليقة أفضل من لغته، "لكن هذا هو موطني. لقد وُلدتُ هنا، هذه هي بلادي وأنا مواطنة فرنسية مثلك تماماً ولستُ أقلّ منك ولا أكثر منك، مثلك تماماً". هناك المزيد بعد الفاصل

 

المحور الثالث:

جورج غالاواي: أنتم تُشاهدون "كلمة حرّة" معي (جورج غالاواي) من على قناة " الميادين" التلفزيونية في حلقة تأتيكم من (لندن)، نناقش فيها (فرنسا)، لكن طبعاً نناقش أحداثاً في (فرنسا) تمُسّ حياة كلّ المُسلمين بالتأكيد وجميعنا في أنحاء العالم. جالت كاميراتنا كما قلت، والتقينا بعض الأذكياء من الناس في المقطع السابق، فلنأمل أن يكون الوضع نفسه مُجدّداً. هؤلاء هم سُكّان مدينة (لندن) يجيبون عن سؤالين: هلّ حظر "البوركيني" يُعدُّ اعتداءً على الحقوق الأساسية؟ والثاني، هلّ من المُرجّح أن يتسبب بالمزيد من المتاعب أم سيُقلّل منها على (فرنسا)؟

المُحاورة: (فرنسا) و(سوريا) كلاهما ضحيّة لـ "داعش"، لماذا تعتقد أنّ (فرنسا) لا تدعم (سوريا) في هذه الحرب حتّى الآن؟

رأي رجل 1: أعتقد أنّ اللعبة الجيوسياسية هي أكثر بكثير من أن نُبسّطها على هذا النحو. لكنني أعتقد أنّ هناك الكثير من وُجهات النظر السياسيّة وراء ذلك

رأي شابة 1: أعتقد أنّهم لا يمتلكون عقلاً مُنفتحاً ويرون أنّ كلّ مُسلِم يُشكّل تهديداً على مُجتمعهم على الرغم من أنّ الكثيرين يُساهمون في تنمية المُجتمع والاقتصاد الفرنسيين، غير أنهم لا يرون هذا

رأي شابة 2: المُشكلة تكمن أنّهم في حال بدأوا بالتدخّل، عندئِذٍ قد تقع بعض المُشكلات في (فرنسا)

رأي شابة 3: أعتقد أنّ في إمكان (فرنسا) أن تفعل أكثر بكثير مما تفعله. أعتقد أنّنا جميعاً قادرون على تقديم المُساعدة هناك عوضاً عن مُجرّد حظر الأشياء قائلين " لا نريدكم هنا لأنكم إرهابيون"

المُحاورة: إن كنتِ مُسلمة هلّ ستشعرين بالارتياح لزيارة (فرنسا) الآن؟

رأي شابة 1: أجل، لكن الأمر لا يقتصر عليّ، وقد أتفهّم سبب عدم ارتياح الآخرين

رأي رجل 1: لا أعلم، لكن يُمكنني أن أرى أنّ لدى الناس مُشكلات لأنّ القرارات التي تُتَّخذ على المستوى السياسي لا تبدو جيّدة جداً

رأي شابة 2: لا أعلم، أعتقد أنّه من الصعب الذهاب إلى هناك، خاصّةً ضمن المُجتمعات الصغيرة، حيث ينظُر الجميع إليك وهذا قد يُشعِرك بعدم الارتياح

جورج غالاواي: عدم الارتياح هو أقلّ ما يُمكن أن يُقال. تماماً كما في العديد من البلدان الأوروبية الأُخرى، العُنصريّة آخذة في الظهور ورهاب الإسلام آخذٌ في الظهور. من خلال خبرتي الخاصّة، (فرنسا) هي البلد الأكثر عنصريّة في أوروبا الغربية، لا يعني هذا أنّه لا يوجد الكثير من العُنصرية في أماكن أُخرى بما فيها (بريطانيا) على الرغم من أنني لطالما آمنتُ بالمثل القديم القائِل: " إن كنت تعتقد أنّ (بريطانيا) عُنصريّة، فإنّك لم تعِش أبداً في (فرنسا)"، لكن هذا متعلِّق بي فحسب. (خلود) تفضّلي

خلود العنسي – مُخرجة: أردت العودة إلى ما سلّطتُ الضوء عليه سابقاً. لقد دعمتُ (فرنسا) صدقاً عندما حظروا "النقاب" لأنه بالفعل يخفي هويّتكِ وأنت لست مضطرة لارتدائه، وهذا ما أؤمن به وهو غير وارِد في القرآن أو ما شابه. لا أحد يقول أنّ عليكِ ارتداءه وتُخفين وجهِك، أعني أنّ الحجاب مذكور لكن ليس النقاب، وأعتقد أنّه يجب ألاّ يرتديه أحد. إن كان الأمر منوطاً بي لحظّرته في كلّ مكان لأنّكِ لست في حاجة إليه. لكن مُجدداً، هذه حريّة الخيار

جورج غالاواي: هذا هو لُبّ الموضوع، لقد ناقضتِ نفسكِ للتوّ، كنتِ حظرته لكنّه حريّة خيار، لا يُمكنك قول الأمرين معاً

خلود العنسي: لا، لكن مع النقاب تكون هناك شكوك. يُمكن لشيء ما أن يحدُث، لكن مع الحجاب أو "البوركيني" أو ما شابه لا مجال للشك على الإطلاق

جورج غالاواي: أؤكِّد لك أنّ 99 فاصل تسعة إلى ما لا نهاية من نسبة كلّ الجرائِم والسلوكيات العنيفة تُرتَكَب من أُناسٍ لا يردتون النقاب، بالتالي ما من عيب في ارتداء قطعة صغيرة من القماش التي تُغطّي نصف وجهِك، وهذا لن يجعلك أكثر ترجيحاً لارتكاب جريمة مثل سرقة أو اعتداء

خلود العنسي: لكن يُمكنني أن أرى السبب الذي قد يدفع الناس إلى التوجُّس منه أو حظره

جورج غالاواي: للأسف، حظٌّ عاثر. لا يعجبني ارتداء النساء ملابِس مكشوفة جداً. لا يُعجبني أن يتربّى أبنائي في مُجتمعٍ يُغالي في الجنس حيث منذ سنٍّ مُبكرة جداً يُشجِّع الناس على ارتداء الملابس والتصرّف بطريقة مثيرة للجِنس. لكن ما الذي في إمكاني فعله حيال ذلك؟ إنّه خيارهم! وضع الغطاء على رأسِك! والدتي كانت تضع غطاءً والملِكة تضع غطاءً على رأسِها. يُمكن أن تكون خطرة، الملكة أعني لا زوجتي. لكن فكرة وجود علاقة ما، أيّ نوعٍ من العلاقة، بين الملابس وأين تلبسينها وبين السلوكيات الإجرامية أو العدوانية أو التطرّف هو أمرٌ لا يُمكنني تقبّله. أعني أنّكن طبعاً لستنّ مضطرات لارتداء النقاب ولستن مضطرّات لارتداء الحجاب، لكن لديكنّ الحقّ في فعل الأمرين

خلود العنسي: لا، بعض النساء يقلنَ أنهنّ يرتدينه لأسباب دينية لكن من غير المفروض ارتداء النقاب، لسنَ مضطرّات لفعل ذلك. فَرَض القرآن وضع وشاح، أن تكون المرأة مُغطّاة، نعم طبعاً

جورج غالاواي: لم أقل أنّ عليك وضع وشاح، قلت أنّ عليكِ ارتداء الملابس المُحتَشمة وعليكِ إخفاء أشكال مُختلِفة من

خلود العنسي: حسناً، على سبيل المثال، عندما تذهب المُسلمات إلى الحجّ لا يُسمح لهنّ بارتداء النقاب ولا يُفتَرَض بهنّ فعل ذلك. إذاً، لماذا تعتقد النساء أنّ عليهنّ ارتداء النقاب في أيّ مكانٍ آخر؟  هذه هي وجهة نظري

جورج غالاواي: لسنَ في حاجة لوضعه لكنّهنّ إن أردنَ وضعه فلماذا نمنعهنّ؟  أذكر مرّة أنّه كان لدي نقاش إذاعي مع رئيس الوزراء البريطاني (ديفيد بلانكيت) الذي كان ضريراً، أمران مُهمّان عليكِ تذكّرهما، عبر الإذاعة وضرير. كان يُجادل في أنه يجب أن يُحظِّر على النساء ارتداء النقاب لأنّه كان من المُهِم أن يرى شفاه إحداهنّ تتحرّك في حال أراد التواصل معهنّ بشكلٍ صحيح. أولاً، هو لم يرَ شفاه أحد تتحرّك في المُطلق، إنه لا يعرِف حتّى كيف تبدو الشفاه، لقد كان ضريراً طوال حياته، وثانياً، كان يتحدّث إليَّ عبر المذياع، حيثُ لم يكُن أيٌّ منّا يرى شفاه الآخر تتحرّك. لقد أشرتُ إلى أنّه ما مِن مُستقبل باهِر لوسيلة المذياع في تلك الحال. على أيّة حال، كفانا جدالاً أنا وأنتِ، فلنستمِع من السيّدة الجالسة خلفكِ. لا، لا، لا نسمح للرجال بالقفز هنا، هناك سيّدة تحمل الميكروفون، تفضّلي

كارين – أمينة – ناشطة سياسية: مرحباً، اسمي (كارين)، أنا فرنسيّة وسُرعان ما ستكتشف ذلك، كما يقول الفرنسيون أنا أنحدِر من جذور فرنسية، والداي فرنسيان وكلّ أجدادي فرنسيون من الجانبين، بالتالي أنا فرنسيّة الأصول، وعندما أُفكِّر في (فرنسا) وفي علاقتنا بالإسلام عامّةً، كلمة واحدة تخطر في بالي ألا وهي "النفاق"، لأننا كفرنسيين مُنافقون فحسب حيال كلّ شيء. لأننا حين نقول أننا لا نتقبّل أيّة مظاهِر دينية مُعيّنة لكن يُعرب جميع من يُزاولون السياسة عن انتماءاتهم الدينية، لا أحد يأبه. لكن إن وضعت امرأة وشاحاً فهذه تُعدُّ مُشكلة. إن لم تشأ امرأة مُسلِمة أن تُصافِح أحدهم، فهذه مُشكلة كُبرى للجميع لكن في بعض

جورج غالاواي: المصافحة تعنين

كارين – أمينة: نعم، المُصافحة. لكن في بعض الأماكن مثل مدينة (سارسيل) هناك يهود، كلّ النساء اللواتي يعملن هناك من اليهود ولا يُصافِحنَ باليد أبداً أيضاً، لكن ذلك لم يُشكِّل مُشكلة لأحد أبداً. بالتالي، إنه موقف منافِق جداً، عندما يقولون أشياء يقولونها بشكلٍ عام كي لا يقولوا أنها مُعادية للإسلام، لكننا نعلم أنّها مُعادية للإسلام. وهو مُحقّ تماماً في ما قاله عن (شارل مارتيل)، ما زلت أذكر تاريخ 14-07 من أيام الدراسة في المدرسة الابتدائية. لكن قبل  اعتناقي الإسلام كان بإمكاني أن أذكر تاريخ الحرب الجزائريّة مثلاً التي دامت قرناً من الزمن. إنهم منافقون إلى حدٍّ بعيد، وأعتقد أنّ المُشكلة في (فرنسا) تتعلّق بعلاقتهم مع الناس كما بإمكاني أن أرى. لديّ الآن ثلاثة أطفال دون الخامسة في هذا البلد ولديّ ولد عُمره 22 عاماً في (فرنسا) ويُمكنني أن أُقارِن ما بين الثلاثة. يُمكنني أن أُقارِن من خلال تجربتي الخاصّة كراشِدة. لقد ترعرعت في مكانٍ فيه الكثير من الجزائريين والمغاربة والتونسيين والأتراك وقلّةً من البيض. أمّا البرتغاليون والفرنسيون والإيطاليون فكانوا قلّةً قليلة وكنت واحدة منهم، وما زلت أتذكّر لغاية الآن أنّ المعلّمين كانوا ينظرون إلينا على أننا أعلى شأناً من الآخرين، لكنّهم كانوا فرنسيين مثلي تماماً لأنّهم جميعاً كانوا مولودين في (فرنسا) وكنّا جميعنا على المُستوى التعليمي نفسه في المدرسة. لكنني ما زلت أذكُر أنني شعرت بأنني أفضل منهم لأنني لستُ بمهاجرة لكنهم لم يكونوا من المهاجرين أيضاً. أمّا في هذا البلد فالأمر مُختلِف تماماً. من اليوم الأول يسألك البعض، "من أين أنت؟". في كلا البلدين، هنا عندما يطرحون هذا السؤال هم يقصدون، " لديك شيء لا أمتلكه، ما هو؟"، في (فرنسا)، عندما يسألونك "من أين أنت؟" فهذا يعني "أنّك لست من هنا". يُمكنك أن ترى أنّ الرسالة المخفيّة ليست نفسها بالمُطلَق. وفي ما يتعلّق بالنقاب، لدي الكثير من الصديقات اللواتي كنَّ يرتدين النقاب في (فرنسا) سابقاً، وكما قلت، على الجميع أن يمتلكوا حرّية فعل ما يريدونه، لكن ردّ الفعل عند الناس مُختلف تماماً. في (فرنسا)، في كلّ مرّة أكون فيها مع صديقتي التي تضع النقاب كان بإمكاني أن أرى استهجان الناس لأننا كنّا نشعُر بالعيون تحوم حولنا. أحياناً كنت أعتقد أننا ربّما عُراة لأنّه كان بإمكاننا أن نشعُر بالنظرات إلينا. وفي أوّل شهر أتيتُ فيه إلى هنا، عندما التقيت بالكثيرات من النساء اللواتي يرتدين النقاب كنت أُحاول مُراقبة الآخرين لأعرِف كيف ينظرون إلى صديقتي، وبدا لي أنني كنت الوحيدة التي أراها لأنّ أحداً لم يعبَأ. هنا يُمكنك حتّى التحدّث إليهنّ بينما في (فرنسا) ما كانوا حتّى ليتحدّثوا إليهنّ. في (فرنسا) لا أحد مثلاً يسألني عن وجهة أو ما شابه لأنّهم يعتقدون أنني في حال وضعت الوشاح فهذا يعني أنني أُميّة تماماً. عندما يتحدّث الناس إليّ في (فرنسا) يتحدّثون إليّ وكأنني لا أُجيد الفرنسية بقولهم، " أنت تتحدّثين بالفرنسيّة؟" نعم، إنني أحمل شهادة جامعيّة. لكن هذا الأمر بالنسبة إليهم مُستهجن تماماً، لأنّكِ إن كُنتِ تضعين وشاحاً فهذا يعني أنّكِ غير مُتعلِّمة، كلّ شيء ينطلِق من التعليم. الطريقة التي يُعلّمون فيها الناس في (فرنسا). إنهم يُبيّنون فحسب الفارِق لإظهار أنّك لستَ ضمن النموذج الصحيح، لكن هنا عندما يبينون الفارِق يكون الهدف في تمكينك مما تمِلكه، ما جلبته معك عندما أتيت إلى هذا البلد. بالتالي، كلّ شيء مُختلِف تماماً وأعتقد أنّ الناس في (فرنسا) منافقون جداً. إنّهم مُصابون برهاب الإسلام أكثر فأكثر لكنهم يرفضون الاعتراف بذلك، هذه هي الحقيقة

جورج غالاواي: يا لها من مُشاركة رائِعة. نعم، فلنُمرِّر الميكروفون ونبقى مع السيّدات الآن

رنا قاسم – ناشطة: مرحباً، اسمي (رنا) وأنا ناشطة. أردتُ أن أُعقِّب فحسب على الحرب الجزائريّة وما فعله الفرنسيون للشعب الجزائري. لا أحد يتحدث عن الأمر بطريقة أنَّ الجيش الفرنسي فعل ما يفعله "داعش" الآن. إنّهم أوّل من فكّر في قطع رؤوس الناس واعتادوا أن يشنقوهم. لذا، ما نراه من أفعال يقوم بها "داعش"، كان الفرنسيون السبّاقين في فعلها وقد كانت مُروِّعة جداً، وإن تصفّحنا الانترنت يُمكننا رؤية مئات الرؤوس المُعلّقة

جورج غالاواي: أولاً، الفرنسيون لم يكونوا أوّل من اتّبع تلك الأساليب، فالبريطانيون كانوا يفعلون ذلك قبلهم وكلّ القوى الاستعمارية الامبريالية تصرّفت على هذا النحو، ليس لأنهم فرنسيون أو بريطانيون أو من أيّة جنسية أُخرى بل لأنّهم مُحتلّون ولأنهم مُستعمرون، لهذا السبب كانوا يفعلون ذلك لكنّكِ مُحِقّة تماماً. إن أخذت هذا الميكروفون الآن عبر شوارِع (لندن) وسألت الناس عن حرب التحرير الجزائرية سنكون محظوظين إن وجدنا شخصاً بين ألف شخص يعرِفون عمّا نتحدّث، على الرغم، وكما أسلفت القول، ذلك حدث إبّان فترة حياتي الخاصّة. مليون بل ربما مليون ونصف المليون شهيد في نضال من أجل الحريّة في خمسينات القرن الماضي. إنّه أمرٌ يفوق التصوُّر، تفضلي أيتها السيّدة

كارين – أمينة – ناشطة سياسية: أود فحسب أن أُضيف في ما يتعلّق بـ (الجزائِر)، أعرِف أنّ (إنكلترا) كانت بلداً مُستعمراً مثل (فرنسا)

جورج غالاواي: مُستعمِر أكبر بكثير

كارين – أمينة: نعم، لكن هناك فرق ما بين الناس الذين أتوا من المُستعمرات. مثلاً هنا، وإن بالغنا بعض الشيء، الهنود والباكستانيون هنا والعرب في (فرنسا) لا يُعاملون بالطريقة نفسها أبداً

جورج غالاواي: حسناً، من فضلِك إن أمكنك إعادة الميكروفون إلى (رنا)، لا بدّ وأن أوقف هذا الاحتفال بالبريطانيين. إنني سعيد جداً أنّكِ حظيتِ شخصياً بخبرة جيّدة لكنها ليست بالخبرة التي تُشارِك فيها الغالبية العُظمى من مجموعات الأقلّية العرقية هنا في (بريطانيا). إن كنت أسوداً فاحتماليّة أن تُوقَف وتُفتّش من قِبل رجال الشرطة تفوق الـ 26 مرّة ولديك ضعف الاحتمالية في أن تُعتَقل بعد توقيفك من قِبَل رجال الشُرطة ولديك ثلاثة أضعاف الاحتمالية في حال جرى اعتقالك في أن تُتَّهم ولديك خمسة أضعاف الاحتمالية في أن تُدان في المحكمة إن كنت واحداً من مجموعات الأقلّية العرقية. أمّا إذا كنت أسوداً ومسلماً فالوضعُ خارِجٌ عن نطاق الإحصاء، لا يمكن لأحد أن يحتسبه. بالتالي، لقد قلت، وما زلت متمسّكاً بما قلته، "إن كنت تعتقد أنّ (بريطانيا) عنصريّة فأنت لم تعِش أبداً في (فرنسا)". أنا متمسّك تماماً بهذه المقولة، لكن مُجتمع (بريطانيا) مجتمعٌ عنصريّ بعُمق وهذا مُستمَدّ من ماضيها الاستعماري الخاصّ. في نهاية المطاف، ما لم تشعُر بالتفوّق على الناس كيف يُمكن لك أن تُبرِّر الذهاب إلى بلدانهم وسرقة كلّ مُقدّراتهم؟ سرقة الناس حتّى من بعض البُلدان؟ لا يُمكن لهذا أن يقوم سوى على أساس الإحساس بالتفوُّق، وإن كنت في المُقاومة المُضادة لمسار عملية اضطهادك لأرضِ أُناسٍ آخرين لن تبقى حصيناً إن كنت تعيش في مدن الدولة الاستعماريّة وإن كنت تأتي من إحدى تلك الأراضي المُضطهدة. لا يُمكنك شنّ الحرب ضدّ المُسلمين في الخارِج وتقادي الحرب مع المُسلمين في موطنك. (رنا)، أعِدكِ بأنني سأسمع مُداخلتكِ بعد هذا الفاصل

المحور الرابع:

جورج غالاواي: أنتم تُشاهدون "كلمة حرّة" معي (جورج غالاواي) من على قناة "الميادين" في حلقة تأتيكم من (لندن). إنه الجزء الأخير بالتالي وسأعود مُباشرةً إلى الجمهور. السيّدة الجالسة في الأمام كانت تنتظر بصبر. (رنا) تفضّلي

رنا قاسم – ناشطة: أردتُ التحدّث أيضاً عن السبب وراء منعِهم النساء من وضع الوشاح وارتداء "البوركيني". لأنّ الإسلام يُعَدّ الديانة الأكثر تنامياً في العالم، بالتالي أولاً حاولوا شيطنته من خلال مسألة الإرهاب، ونحن نعلم أنّ كلّ أنواع وكالات الاستخبارات كوكالة الاستخبارات الأميركية و"الموساد" هم وراء هؤلاء الإرهابيين، والكثير من الأنباء والتقارير تتحدّث عن الروابط ما بينهما. بالتالي، حاولوا من خلال هذه الطريقة وقف الإسلام عن النموّ غير أنّهم لم ينجحوا في مسعاهم لأنّ الناس أرادوا معرِفة المزيد عن هذه الديانة، والكثيرون من الناس قد اعتنقوا الإسلام و(أمينة) تُعدّ إحدى الأمثلة الساطعة على ذلك وآخرون أيضاً. بالتالي، يريدون اليوم تجربة عائِقاً جديداً لمنع الإسلام من الانتشار وبالتالي هم يضعون هذا العائِق،" نوقفكم عن ارتداء ما تريدون ارتداءه وبالتالي نُجبركم على الخروج من (أوروبا)". (فرنسا) تخوض هذا النهج و(أميركا) تسير على نفس الخُطى الآن مع (ترامب)، وحتّى قبل (ترامب). سيّدة لبنانية الأصل صعَدت إلى الطائِرة مع أطفالها، ولأنها تضع وشاحاً جرى توقيفها من قِبَل المُضيف في الطائِرة، فقط لأنها تضع وشاحاً، وأجبروها على الخروج من الطائِرة قائلين لها، " أنت تُشكّلين تهديداً على الطائِرة" ولم تكن قد فعلت أيّ شيء تجاههم. بالتالي، هذا الأمر آخذٌ في الانتشار، ليس في (فرنسا) وحسب بلّ وفي كلّ مكان، وكلّ ذلك لإجبارنا على مُغادرة (أوروبا)، والناس جميعاً يقولون، " كلّ هذا الإرهاب الحاصل في العالم، لماذا لا يقف المسلمون المعتدلون ضدّه إن كانوا يُناهضون "داعش"؟ لماذا لا يقف مئات الآلاف من المُسلمين في وجه "داعش"؟ إننا لا نراهم يقفون ضدّه!"، لكن نحن بالفعل نناهضه في أحاديثنا وفي تظاهراتنا ونستخدم كلّ وسيلة إعلامية مثل وسائِل التواصل الاجتماعي والتلفاز، كما نفعل هنا، لكن الناس لا يرغبون في تقييم كلّ هذا، ولا يرغبون في تفهُّم أننا الأكثر تأثّراً في ما يفعله "داعش". عدد المسلمين الذين يلقون حتفهم بسبب هجومات "داعش" الإرهابية يفوق عدد من يلقون حتفهم من غير المُسلمين، لكن لسببٍ ما لا يرغبون في إدراك هذه الحقيقة. إمّا أنّهم سُعداء في ربطنا بالإرهاب أو أنّهم لا يأبهون فحسب

جورج غالاواي: أو للسببين معاً. فلنمرّر الميكروفون إلى السيّد في الخلف           

جيمس راندولف – مختصّ في العلاقات العامّة: مرحباً (جورج)، اسمي (جيمس) وأنا باحِث وأودّ أن أسأل عن رأيك بالتالي. لنكن مثل (تشرشل) تقريباً، "علينا أن نُحاربهم على الشواطئ ". هناك صورتان خلال السنتين الماضيتين اللتين لخّصتا الأحداث في الشرق الأوسط وفي (أوروبا)، إحداهما كانت لفتى سوري صغير غَرِقَ وعُثِرَ عليه ميتاً على الشاطئ

جورج غالاواي: (إيلان الكردي)

جيمس راندولف: آسف لأنني لا أتذكّر اسمه، لكن فلنتذكّره بصمت ونتذكّر خسارته، وفي هذا العام أعتقد أننا حصلنا على صورةٍ رمزيّة أُخرى للسيّدة التي أُجبِرَت، ليس بتصويب السلاح نحوها لكن من قِبَل رجال يحملون السلاح

جورج غالاواي: نعم، أسلحتهم لم تكُن مُشهَرة

جيمس راندولف: نعم، لكنّهم كانوا يُهدّدونها. الصورتان، واحدة أثارت فورة من التعاطف تجاه اللاجئين وأُخرى استحضرت صورة لـ (فرنسا) وردّ فعلها الرجعي تجاه اللاجئين. قبل مئة عام كانت (فرنسا) تتقاسم الشرق الأوسط مع (بريطانيا) في ما يُعرَف باتفاقية (سايكس بيكو)، و(سوريا) كانت جزءاً من تلك المنطقة التي جرى تقسيمها على يد (فرنسا) و(بريطانيا)، ألم يتعلّما شيئاً خلال السنوات الـ 120 الماضية؟ مُحاكمة (درايفوس) في (باريس) سيّسَت جيلاً كاملاً من الناس الذين أصبحوا يُدركون معنى "مُعاداة السامية"، وبعد 120 عاماً تجدهم يفعلون الشيء نفسه مع الشباب في شوارِع (باريس). في الضواحي وفي العشوائيات الفقيرة خارِج محور العاصمة الرئيس لـ (باريس) يُغرِّبون جيلاً كاملاً ولا يلاحظون هذا. إنني قلق فعلاً، والمغزى من سؤالي هو أنّه في العام 2017، كلاًّ من (نيكولا ساركوزي) و (ماري لوبان) سيُشكلان تهديداً حقيقياً لمُستقبل (أوروبا) وما نفهمه من القِيَم الليبرالية الأوروبية، كلاهما كما تقول سيتمّ محوهما. كيف لنا أن نؤثِّر على هذا؟ وما الذي يُمكننا فعله؟

جورج غالاواي: إنها مُداخلة قويّة جداً في رأيي، لكن لا يُمكننا. أيّ تدخّل أجنبي في سياسات الآخرين كان له دوماً التداعيات المُعاكسة عن تلك التي كان مأمولاً بها. طبعاً، من غير المؤكّد أن المعركة الرئاسية النهائية ستكون بين متطرِّف يميني من جهة وفاشي من جهة أُخرى، لكنها محتملة. تقديرات الرأي في استفتاءات (هولاند)، في يوم تسجيل هذه الحلقة، هي 14 % فقط. أقول في يوم تسجيل هذه الحلقة لأنّها بالتأكيد ستكون أسوأ لاحقاً إلى حين بثّ هذه الحلقة. لذا، أعتقد أنّ فُرَص الرئيس الحالي في المُشاركة في الانتخابات النهائية تصل تقريباً إلى الصفر، وهذا يتركنا أمام (ساركوزي) مقابِل (لوبان)، يُزايدان أحدهما على الآخر فيمن قد يكون أكثر تطرّفاً حيال هذه المسائل. إنّ هذا من دون شكّ يُشكِّل تهديداً حقيقياً على أيّ نوعٍ من القِيَم الحضارية في (فرنسا)، ومن غير المُرجّح أن تبقى هذه التهديدات مُقتصرة ضمن الحدود الفرنسية. إذاً، كنت أتمنّى لو كان في إمكاني القول أننا نستطيع القيام بهذا وذاك، لكن لا يُمكننا ذلك. هذه ظاهِرة فرنسيّة، وهي ليست فرنسيّة وحسب. فلنستَمِع إلى الشابة الجالِسة في الصفّ الأمامي

مونيكا: مرحباً، اسمي (مونيكا). كنت أتساءل عن رأيك، هلّ تعتقد أنّ بلداناً أُخرى في (أوروبا) ستبدأ بحظر "البوركيني" أيضاً؟

جورج غالاواي: حسناً، أشُكّ في أن يحدُث هذا، إمّا لأنّه ليس لديهم مُسلمون أو لأنّه ليس لديهم شواطئ. في (بريطانيا) يوجد مسلمون وتوجد شواطئ لكننا لن نُحظِّره، بل في واقع الأمر، إحدى شركات التلفزة البريطانية اليوم نظّمت مواجهة ما بين ضابط شُرطة وامرأة ترتدي "البوركيني"، لكن المواجهة لم تكن حقيقية بل كان ممثلاً يلعب دور رجل الشرطة، ورجل الشرطة ذاك كان يتنمّر على تلك المرأة بسبب ما ترتديه وبدا وكأنّه على وشك أن يُلقي القبض عليها، والاستجابة من الناس على الشاطئ أثلجت قلبي فعلياً. الناس على الشاطئ كانوا عملياً يعتدون على رجل الشُرطة ويقول له، " كيف بإمكانك أن تُعامِل هذه الامرأة على هذا النحو؟ ما الذي اقترفَتْه؟" وما إلى هنالِك. كان عليّ ما بين مُزدوجين أن أقول أنّ مُعظم هؤلاء المُحتجّين كانوا من السود البريطانيين، لكن هذا أيضاً كان مُشجعاً بالنسبة لي، لأنّه كانت هناك إشارة أو اثنتان مؤخراً على انقسامات ما بين السود غير المُسلمين والسود المُسلمين. بالتالي، لا أعتقد أنّ هذا سيحدُث أبداً في (بريطانيا)، وهو ما يُعدّ مثيراً للسخرية، لأنّ (بريطانيا) لا تدّعي أبداً أنّها الممثلة العليا لليبرالية كما ادّعَت (فرنسا) دوماً. إنّه لمثير للسخرية أنّ (فرنسا) هي التي تتصرّف على نحوٍ ليبرالي

مونيكا: الناس أحرار في ارتداء ما يشاؤون

جورج غالاواي: نعم، مُجدّداً لديّ من العُمر ما يكفي لأذكُر حين جرى تصميم تنّورة "الميني"، أعلم أنّ هذا يجعلني أبدو مُسنّاً جداً. عندما جرى تصميم وابتكار تنورة "الميني" القصيرة، وسائِل الإعلام الرائجة آنذاك وآباء وأجداد الشبان والشابات كانوا يشعرون بالترويع تماماً. كان كلّ الناس يناقشون بشكلٍ صريح تماماً مسألة حظر تنورة "الميني"، إنني لا أمزح. عندما صمّموا ثوب السباحة "البيكيني" ناقش الناس بصراحة على التلفاز ما إذا كان يجب السماح به أو لا، وأُناسٌ مثلي اتّخذوا، حسناً لقد كُنتُ شاباً يافعاً لكن أُناساً يُشبهون ما أصبحتُ عليه لاحقاً كانت وجهة نظرهم كالتالي، يحقّ للنساء ارتداء ما يرِدنه، وإلاّ من الذي سيفرِض الأمن على رجال الشُرطة؟ من الذي سيُقرّر من هو الحارِس؟ عليّ القول في ما يتعلّق بما تقدّم به (جيمس) في الخلف أن الفارق الوحيد الكبير بين الجيل الذي جُعِلَ راديكالياً بعد فضيحة (درايفوس) هو أنّ كلّ الذين كانوا يؤيّدون (درايفوس) هم الآن ضدّ المُسلمين، بالتالي كان لـ (درايفوس) حلفاء نموا على نحوٍ مُتزايد لكن مُعظم هذا النوع من الحلفاء هم في الواقع على الجانب الخاطئ من هذا الجدال الآن. نعم

بو جمعة سليمية – صحافي: أودّ فقط الإجابة على أُختنا الفرنسية المُحتَرمة. بشكلٍ أساسيّ قد منحتنا وصفاً واضحاً حول كون المُجتَمع الفرنسي عُنصرياً أو كارِهاً للغير، هذا صحيح، كما أنّ اُختنا تحدّثت عن الدافِع وراء حظر الحِجاب. لكن أتعلَم؟ لقد كنت في (فرنسا) بضع مرّات، مرّة أثناء حدوث الهجوم على (شارلي إبدو) ومُجدداً بصفتي الصحافية، وبعدها في (نيس). لقد أدركتُ أنّه بشكلٍ أساسي، الرأي العام من الفرنسيين في الشوارِع في الواقع لا يأبهون حيال هذه الأُمور أو أنّهم لا يُجرّمون المُسلمين في ما يتعلّق بتلك الهجمات. كلّ هذه الأُمور في رأيي يجري التلاعُب بها سواء من قِبَل وسائِل الإعلام أو من قِبَل السياسيين كما قُلت، حيث أنّ (ساركوزي) يلعبُ دوراً ريادياً، وكذلك (ماري لوبان) ومن يدور في فلكيهما. في واقع الأمر، الخطر الآن يتجسّد في مُحاولة تقسيم (فرنسا) حيثُ أنني في (فرنسا) لم أُلاحِظ أنّ الجميع يدّعون أنهم مُسلمون، حتّى بعد الهجمات الثلاث. لقد رأيتُ على سبيل المثال مسؤولاً من السُلطة الإسلامية العُليا في (فرنسا) التي يُسمّونها "مسجِد (باريس)" يُصرِّح بشكلٍ واضح تماماً عن تنديده بما حدث باسم كلّ المُسلمين، وقد دُعِمَ من قِبَل كلّ الجمعيات أو من قِبَل كلّ المُنظّمات الإسلامية. لذا أعتقد أنّ المُشكلة الآن في (فرنسا) ليست بين الفرنسيين أو المُجتمع الفرنسي وبين المُسلمين الذي هم أيضاً جزء من هذا المُجتَمع. أعتقد بشكلٍ أساسي أنّه لُعبة على المُستوى الرفيع ألا وهو المُستوى السياسي، وأعتقد أنّه بعد ذلك، كما قلت الآن، أنّ (فرنسوا هولاند) لن يتمكّن من الفوز مُجدّداً في الانتخابات المُقبلة، حتّى أنّه لم يُعلِن إن كان سيترشّح أم لا، لكن ليست لديه فرصة في البقاء في قصر (الإليزيه). على الأرجح سنكون أمام (ساركوزي) وليس (لوبان) وأعتقد أنّه بعد هذه الانتخابات سيبقون صامتين حيال مسألة "رهاب الغير" و " رُهاب الإسلام" أو مسألة التركيز على هذه المُمارسات المتعلِّقة باللباس في (فرنسا). والمسألة الأُخرى التي أردتُ الإجابة عنها للأُخت، منذ سنوات ظهر لدى الفرنسيين ذاك الموقف العُنصري أو التمييز إن صحّ التعبير تجاه الناس من الأقلّيات، حتّى إن كانوا يمتلكون المؤهّلات العالية للوصول إلى موقِع مُعيّن أو وظيفة مُعيّنة. في حال قدّمت سيرتك الذاتيّة تحت اسم "مُحمّد" مثلاً، حتّى إن كنت تمتلِك مؤهلات عالية تُخوِّلك الحصول على الوظيفة فإنّك لن تحصل عليها. لكنّهم في ما بعد وضعوا "التمييز الإيجابي"، ليضغطوا على الشركات أو المُوظّفين بهدف توظيف أُناس معيّنين من ذوي الخلفيات الأُخرى. لكن المُشكلة الحقيقية الآن في (فرنسا) هي في الأساس مُشكلة مُتعلِّقة في، من هو الذي سيحصل على مفاتيح قصر (الإليزيه)؟ وفي ما بعد سيقلبون الصفحة وسيحاولون التركيز على أُمور أُخرى ومن جملتها الوضع في (ليبيا) وكيفيّة التعامل حياله، ليس لحلّ المُشكلة في (ليبيا) بل كيفية مُحاولة حجز

جورج غالاواي: حسناً، ما من شكّ في أنّهم يجب أن يُحاولوا الانسحاب من الصراعات، لكنّهم على العكس، يعمّقون من تورّطهم أثناء انهيار (ليبيا) إلى عددٍ غير معروف من الدول، إلى ثلاث أو أربع بلدان أو دُوَل. البريطانيون والفرنسيون يدعمون أمير حربٍ مُعيّن ضدّ أُمراء الحرب الآخرين، ويُفترض أنّ تكون تلك هي المرحلة التالية من الحرب. لديهم الجنود على الأرض، عدا عن الدور الذي لعبوه من الجوّ في تدمير (ليبيا) في المقام الأوّل. كذلك هو الأمر في (سوريا)، حيث أنّ الحرب لن تنتهي في وقتٍ قريب هناك بل أنّها تزداد تعقيداً أكثر فأكثر وتزداد دمويّةً أكثر فأكثر، والفرنسيون غارقون تماماً فيها

بو جمعة سليمية: نعم، لكن هذا هو برنامجهم لتلك الحروب. على المدى البعيد لا بدّ لهم من أن يُثيروا الصراعات حول العالم بهدف تمكّنهم من السيطرة على مصادِر تلك الدول الطبيعية، كذلك في ما يتعلّق بتجارة السلاح وما إلى هنالِك من أمور

جورج غالاواي: نعم، الكلمة الأخيرة أعتقد منك دكتور  

مُصطفى توريه- خبير في الدراسات العرقية: نعم، أنا لا أتّفق مع ما قاله في ما يتعلّق بالعُنصرية، أعتقد أنّ (فرنسا) لطالما كانت عُنصريّة، ربّما لأنني ترعرعت هناك فبالتالي أعلم تماماً ما يعنيه أن تكون مسلماً أسوداً في (فرنسا). بالتالي، هم لن يتغيّروا، العُنصريّة ستستمر، ولدينا اليوم هؤلاء القادة والسياسيون الذين يلعبون في مسألة الإرهاب لسبب واحِد، لأنّهم يعلمون أنّها مسألة مُهمّة

جورج غالاواي: لو لم يُدركوا أهمّيتها لما لعبوا بها

مُصطفى توريه: نعم      

جورج غالاواي: مع كلّ احترامي، لا يُمكن أن يكون الوضع في كون الناس العاديين لا يشعرون بـ "رهاب الإسلام" وإلاّ ما كان للسياسيين أن يلعبوا بورقة "رهاب الإسلام". تابع كلامك

مُصطفى توريه: هذا تحديداً ما أعتقده، وفي ما يخُصّ الانتخابات المُقبلة، أعلم أنّ هناك الكثيرين من المُسلمين والسود والشمال أفريقيين الذين سيُصوّتون لصالِح (ماري لوبان) لسبب واحِد وحسب، وهو رغبتهم في أن ينهار النظام بأكمله، بالتالي يعتقدون أنّه من غير الضروري التصويت لمُرشّح لن يقول سوى الأكاذيب ويستمرّ في فعل الأمور ذاتها. بالتالي، لماذا نُصوِّت لطرفٍ سيعمل على انهيار النظام بأكملِه؟ بالتالي نعم

جورج غالاواي: هذه احتمالية مُشابَهة لما يحدُث في الولايات المتحدة الأميركية حيث أنّ طيفاً واسعاً من الناس الذين يمتلكون وجهات نظر مُختلِفة تماماً عن (دونالد ترامب) سيُصوّتون له آملين في أن يفوز لأنّه قد يعمل على انهيار النظام بأكمله. إنّها مُقارَبة حدسية بامتياز، حتّى أنّها أقرب لأن تكون عدميّة. إنّها ليست بالمُقاربة التي قد أُحبّذها أنا نفسي أو أُشجِّعها حتّى، لكن من المُثير للاهتمام أنّها تحدُث بالفِعل في (فرنسا) وفي الولايات المتحدة الأميركية. أخشى أنّ الوقت المُخصّص لحلقتنا قد انتهى. لقد كان نقاشاً مُدهشاً، آمل أنكم توافقونني الرأي، وكانت حلقة ستُعرَض لأكثر من مرّة. لقد كنت معكم أنا (جورج غالاواي)، وهذه كانت "كلمة حرّة" من على قناة "الميادين"، وأشكركم على مُتابعتكم