أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الأب مارون عطالله - راهب أنطوني

غسان الشامي: مساء الخير.

طالما كان الحديث عن التراث في المشرق يحمل في طيّاته همّاً وإشكاليات. فأهل هذه البلاد ونُخَبها انكفأوا عن تظهير تراثهم العريق، فيما دخل غربيون كثر إليه من باب الاستشراق وتناست الدول الوطنية ومراكز الأبحاث أن كنزاً عميقاً وجمعيّاً يستوطن تراب هذه البلاد وعادات ناسها. تصوّروا مثلاً أننا نقع في آخر لائحة الدول التي تهتمّ بالأنثروبولوجيا أي علم الإنسان. وهكذا بات تراث المشرق المادي والروحي خبيئاً أو هاجساً لأفراد دفعهم انتماء عميق أو قلق على الهوية إلى البحث فيه.

الأب مارون عطا الله واحد من الذين لا يزالون منذ أكثر من نصف قرن بخمس أو ست سنوات يولون تراث المشرق همّهم من خلال البحث والعمل والثقافة والشباب وعلى الرغم من الحروب والمآسي. وأجراس المشرق في ضيافته اليوم للحديث معه عن هذه المسيرة الطويلة. سنعرّفكم به ونعود لنبدأ الحوار معه:

 

التقرير

 

وُلد عبدو الياس عطا الله الذي عُرف باسم مارون في الليلكي عام 1928. ودرس في دير مار شعيا ودير مار أنطونيوس بعبدا، ودخل الابتداء في الرهبنة الأنطونية المارونية عام 1943، وأبرز نذوره المؤبّدة عام 1950. سيم شدياقاً عام 1956، وشمّاساً ثم كاهناً عام 1957. وحاز إجازتين في الفلسفة واللاهوت من معهد القديس يوسف في العام نفسه.

عمل مديراً للدروس الابتدائية في المعهد الأنطوني بعبدا بين عامي 1955 و1964، ومساعداً في رعيّة مار الياس أنطلياس عام 1964 فأسّس نادي الشراع. وفي عام 1966 ترأّس دير مار يوسف زحلة حتى عام 1969، ليعود إلى دير مار الياس أنطلياس مساعداً ثم رئيساً فمساعداً من جديد حتى عام 1981، فرئيساً مرة أخرى حتى عام 1987 إذ شارك بتأسيس الحركة الثقافية عام 1979 وبات اسمه لصيقاً بهذا الدير الشهير.

تابع دروساً في جامعة لوفون الكاثوليكية بين عامي 1970 و1971، وفي جامعة باريس الكاثوليكية بين عامي 1978 و1990.

أسّس مركز الدراسات والأبحاث المشرقية عام 1989 وترأّسه حتى عام 2005. كما شغل منسّقاً لانتظارات الشباب بين عامي 1995 و2007. ومنذ عام 2005 هو من جمهور دير مار يوسف بحرصاف ومنه يتابع نشاطه وأعماله.

يُتقن العربية والفرنسية واللاتينية والسريانية.

 

غسان الشامي: أهلاً بكم. أهلاً بك أبونا عطا الله في "أجراس المشرق". أهلاً بك في بيتك وكنيستك ومكتبتك وتاريخك.

سأبدأ من نقطة فاتحة. بعد هذا العمل العميق كيف توصّف التراث المشرقي؟

الأب مارون عطا الله: التراث المشرقي يتزامن العمل فيه على الحداثة والحضور اليوم. إذا بقينا في التراث فقط نكون في متحف، والحياة خارج ، عملنا على التراث وعلى مجالات التحديث. بدأنا بالتراث الآرامي السرياني كونه التراث الأول في الحوض هذا، وأقمنا 12 مؤتمراً بين لبنان وسورية، وكان هناك مؤتمر للعراق لا يزال مجمّداً ( ....) خلال هذه المؤتمرات بمشاركة عدد كبير من كبار العلماء في الغرب وعددهم يتجاوز المئة، كان بينهم اثنان أو ثلاثة من الشرق. كما أشرت الغرب يهتمّ بتراثنا. وتراثنا هو تراث الغرب ونحن غافلون. أنا شاهدت بأمّ العين في غير مكان يقلون البيض على المخطوطة. شاهدت في غير مكان أنهم يضعون المخطوطة بطانة لـ (..)، ويعتبرون أن هذا من الماضي. يعتبرون أيضاً أن لدينا التراث البيزنطي، لدينا التراث اللاتيني، فلماذا التراث السرياني؟ لماذا؟ هذا السؤال وُجّه إلى كبار الاختصاصيين في العالم في التراث السرياني البروفسور سيبستيان بروك، هذا قدّيس أوكسفورد، أنه لماذا الاهتمام بالتراث السرياني؟ لدينا التراث البيزنطي والتراث اللاتيني. إذا فُقد التراث السرياني ماذا نخسر؟ قال لهم: تخسرون النضارة.

غسان الشامي: من بلادنا، من عنديّاتنا، مَن اهتمّ بتراثنا؟

الأب مارون عطا الله: من أجل توضيح كلمة بلادنا نحن نعمل على بلاد آرام. بلاد آرام، هذه بلادنا.

غسان الشامي: بلاد آرام تمتدّ إلى فارس.

الأب مارون عطا الله: بلاد آرام على حدود فارس. أي جبل عيلام كأنه الحدود. فمن لبنان إلى سورية إلى العراق إلى الأردن إلى فلسطين إلى قسم من العراق. بغداد ليست من بلاد آرام. بغداد للعرب، أي للعرب الرُحَّل.

غسان الشامي: نعم، وهم مَن بنوها أصلاً.

الأب مارون عطا الله: وبالتالي، إذا أردت حدوداً لبلاد آرام فهي البرغل.

غسان الشامي: البرغل.

الأب مارون عطا الله: البرغل هو حدود بلاد آرام.

غسان الشامي: هل يمكن أن نتكلّم على ثقافة البرغل؟

الأب مارون عطا الله: حضارة البرغل. على سبيل المثال الموصل كل مطبخه برغل. في بغداد ليست هناك أية طبخة فيها برغل. الآن صار هناك برغل في باريس.

غسان الشامي: ولكن كمؤسسات مَن اهتمّ بالتراث؟

الأب مارون عطا الله: كمؤسسات لافتة كان العمل اجتراراً، إعادة طبع، ليس بصورة علمية. لا أعلم أن مؤسسة رسمية عُنيت بهذا التراث بصورة علمية.

غسان الشامي: الكنيسة لم تهتمّ بالتراث؟

الأب مارون عطا الله: قليل، قليل، قليل. الكنيسة اهتمّت بتراثنا الليتورجي، بتراثها الكنسي التنظيمي، وليس بالتراث الأدبي الفكري الحضاري. في أول مؤتمر سنة 1972 في روما، "سمبوزيوم سيرياكوم" من أكبر المؤسسات العلمية تعمل على التراث السرياني والتراث العربي معاً. يقوم أحدهم، ميشال غالو الكبير، ويقول لهم في الافتتاح سنة 1972: إذا قالوا لكم إن ثمة مخطوطة لـباسيليوس باليونانية لم يكتشفها أحد بعد ولم يعمل عليها أحد، ألا تتعلمون كلكم اليونانية حتى تعملوا عليها؟ قالوا له: بلى.
قال لهم: إذا قالوا لكم إن ثمة مخطوطة لاتينية من أوغستينوس لم يعمل عليها أحد، ألا تتعلمون اللاتينية خصيصاً؟ قالوا له: بلى. قال لهم: التراث السرياني كله غير معمول عليه، كله ما زال بكراً. ما زال إمّا في الصناديق أو متعفّناً.

غسان الشامي: وهذه أيضاً مع الوعي الذي جاء من الغرب، جاءت حركة استشراق واضحة، وهي حركة تأسيسية في البحث بالآثار، الأركولوجية المشرقية، وهي كانت في رأي البعض رحلة تمهيدية لاستعمار هذه البلاد بعد نبش كنوزها. ماذا قدّم الاستشراق لعملية التراث في المشرق؟

الأب مارون عطا الله: إذا تركنا جانباً الوجهة السياسية...

غسان الشامي: البعد الاستعماري.

الأب مارون عطا الله: ..البعد السياسي، وبقينا في التراث والعلم، صارت هناك حفريّات، إنطلاقة جديدة انطلاقاً من الحفريات، إن كان في بلاد ما بين النهرين السفلى أو العليا وهنا، من أوغاريت إلى بابل وأكاد وأشور. في هذه الحفريات لم يكن لدينا جون بوتيرو، لم يكن لدينا جون موريسييه، لم يكن عندنا هؤلاء العلماء الذين واكبوا هذه الأمور وكتبوا. جون موريسييه أعطوه مفتاح الموصل الدومينيكاني. معه أسّسنا المؤتمرات. فلأخبرك، أول مؤتمر أقمناه مؤتمر التراث السرياني الأول، كان كوكتيلاً من بائع الكشّة، كان أنطون مقدسي وأنطون سيف، وكل يتكلم كما يريد. ليست لهم علاقة بالتراث السرياني. يقول لي أبونا سمعان عطا الله، المطران.

غسان الشامي: المطران السابق لبعلبك.

الأب مارون عطا الله: يقول لي: يا ليتك تحضر لنا سيبستيان بروك. ذهبت إليه وقلت له: علينا أن نقيم مؤتمراً عن التراث السرياني. قال لي: أهلاً وسهلاً. أول مؤتمر ، هذا عنوانه. وزّعه فصولاً وقال لي: ترولي يأخذ هذا الفصل، فرانسواز( ...) تأخذ هذا الفصل. وزّعها على 50 اختصاصياً. ذهبت إليهم وقلت لهم: سيبستيان بروك عيّنكم لهذا الأمر، لم يقل أحد لا. وانطلق. حينها في المؤتمر حتى أتذكر كان عندي يوسف حبّة  فقط مشاركاً من هنا، وبولس الفغالي والياس خليفة. ثلاثة من خمسين. والمؤتمر الثاني والثالث والعاشر والحادي عشر الذين شاركوا فيها من الشرق بقليل من التنازلات من قِبلي بالاختيار لا يتعدّون العشرة.
أمّا هؤلاء فنحو مئة.

غسان الشامي: كان في العراق في ما سبق تصدر مجلة، لنقُل التراث الشعبي، أو لنقُل هناك اهتماماً بالآثار البابلية الأكادية الأشورية. في الشام، في سورية، كانت تصدر الحوليّات الأثرية، وهي قيّمة إلى حد كبير. في لبنان لا نجد اهتماماً مؤسساتيّاً بالتراث. هذه الدول الوطنية، فعلياً، في خلال جمعك هذا التراث ماذا قدّمت؟

الأب مارون عطا الله: وكأن عهد الانحطاط يمتدّ عبر النهضة لأن النهضة وُئدَت في وقتها لأسباب نستغني عنها. الوعي للأمر وتحقيقه وكأنه لم يحصل بعد إلّا لمعات. لكن ليست هناك منظومة، ليست هناك مؤسّسة بالخط هذا.

غسان الشامي: لا يقتصر التراث المشرقي على المسيحي. هناك تراث إسلامي. مَن اهتمّ به؟ هل أيضاً أنتم في وارد الاهتمام بهذا التراث؟

الأب مارون عطا الله: في البداية لو وضّحنا قليلاً معنى التراث.

غسان الشامي: تفضّل.

الأب مارون عطا الله: الدين من التراث، ليس هو التراث. المدينة التاريخية الأثرية من التراث، ليست هي التراث. الأعلام الكبار هم من التراث، ليسوا هم التراث، وإلى آخره. التراث له نحو 15 نبعاً.

غسان الشامي: وتختلف قراءته من بلد إلى بلد.

الأب مارون عطا الله: أتكلّم على بلاد آرام التي سمّيناها: لبنان وسورية والعراق وفلسطين والأردن. الـ15 نبعاً يمكننا أن نعدّدها، لكن التراث هو مجموعة القِيَم والمواقف والأخلاق والدين والتاريخ والتطوّر. هذا هو التراث. بالتالي، ليست الكنيسة هي التراث. الكنيسة ساهمت في التراث. ليس الإسلام هو التراث. الإسلام ساهم في التراث. ليست اليهودية هي التراث، ساهمت بالتراث، أي نبع من الينابيع الـ15. بالتالي إذاً عليك أن تُجري مسحاً لهذه الأمور، أن تكشفها، أن تقول ما هو وتطبعه وتذيعه بين الناس. عليك أن تعمل أمراً للجمهور الكبير وليس لأصحاب الاختصاص بين بعضهم البعض. "سمبوزيوم سيرياكوم" هو لأصحاب الاختصاص. يأتي كلٌّ ويقول للباقين ماذا عمل وماذا اكتشف. بينما الاكتشافات هذه وتوضيحها وتظهيرها هي لكل الناس.

غسان الشامي: ولكن من الواضح في ظل هذا السياق التطييفي في هذه المنطقة أن المسيحيين اهتمّوا بتراث المسيحية، والمسلمون يبدو أنهم اهتمّوا بتراث الإسلام.

الأب مارون عطا الله: بلا شك، بلا شك. لكن مَن يكون تراثياً يعمل على كل التراث، أكيد هناك اختصاص. لديك أناس مسيحيون الآن اهتمامهم مثلاً بالأوزاعي، اهتمامهم بالحلّاج، اهتمامهم برابعة العدوية، اهتمامهم بالغزالي، اهتمامهم بابن ميمون، اهتمامهم بابن رشد. لا تعود المسألة دينية أي خارجة من دينه أو من طائفته. لكن هناك أناس في الكنيسة عليهم أن يعملوا على الكنيسة أيضاً. من الضروري. لكن مَن يتعاطون التراث، هذا المُعطى الحضاري للبشرية هو موضوعهم.

غسان الشامي: منذ المستوطنات الزراعية الأولى، أي نتكلّم على عشرة آلاف عام، ثمانية آلاف عام قبل المسيحية هي تراثات: تراث زراعي، تراث معماري، تراث إنساني، تراث روحي. هذا التراث ما هو حضوره بين الذين يبحثون عن تراث هذه المنطقة؟

الأب مارون عطا الله: أولاً، هذا التراث هو حال حضارية، حال ثقافية، والدين خرج منها.

غسان الشامي: الدين خرج من هذه...

الأب مارون عطا الله: الحضارة خلّفت الدين، وليس الله مَن أتى وركّب الدين. والحضارة هي التي تصوّرت الله ما هو وبَنَت الله وتركيباته مثلما يُبنى القصر للملك والحاشية. بالتالي، الإنسان يعمل، الإنسان في علاقته مع الله، بوحي، بكذا، أنا لا أنسى هذه الأمور. لكن الإنسان هو الذي عمل الدين، الإنسان هو الذي كتب الكتاب، الإنسان هو الذي قام بالتشريع وبالتالي، أكان في القرآن الكريم أو في الإنجيل، الإنسان هو ابن الله في المسيحية. الإنسان في الإسلام هو خليفة الله. الخليفة والابن ليسا أمرين خارجيين. هما من الداخل. فأنت بُعدك إلهي. أنت الذي تتعاطى الرياضيات، تتعاطى علوما ً مضبوطة، أنت بُعدك إلهي. لا أعرف كيف يقولونها بالعربية: "…"، أي الإنسان أكبر من الإنسان. البعد هذا هو ما نعمل عليه في التراث. وبالتالي، أنا إن لم أكن حضارياً فلا أعمل ديانة مسيحية ولا أتبع الديانة المسيحية. بالتالي، الديانة، أية ديانة عندنا اليوم، هناك نحو 15 ديانة فاعلة ما عدا تلك التي ماتت، مع كتبها المقدسة. آخر ظاهرة هي البهائية والكتاب الأقدس. هؤلاء خرجوا من قلب حضارة من أجل الأحسن. خرجوا من ديانة ليؤسسوا ديانة أخرى. تسميهم بدعة، المِلل والبِدع. بدعة معناها مسألة حلوة. إبداع البدع، ليس sect بالمعنى السلبي

غسان الشامي: السلبي.

الأب مارون عطا الله: نعم، بهذا المعنى. وبالتالي، الديانات يجب أن تكون من قلب حضارتك، تعطيك وتعطيها أنت.
وبالتالي حين نقول حضارة الدين من قلب الحضارة وليس هو الحضارة.

غسان الشامي: هناك عشرات آلاف الصفحات منذ أوائل القرن عن تراث هذه المنطقة. من الواضح جداً أنها لم تترجَم. كل ما أنجزته جامعة برنستون عام 1898 حتى 1901 وبعثة هاوارد غروسبي بتلر وهي تكلّمت من حوران إلى المدن الميتة في شمال سورية، من شمال الأردن. حتى كتب جورج تشالينكو عن المدن الميتة لم تترجَم. على مَن يقع عبء هذا العمل؟ وما هو موقع مركزكم مركز الدراسات المشرقية؟

الأب مارون عطا الله: هذه الهمّة على عاتق مَن تسمونهم البحّاثة. يسمّون أنفسهم بحّاثة بتواضع. هم العلماء. لكن بحّاثة أي أنهم لم يكتشفوا بعدُ كل شيء.

غسان الشامي: لماذا لم تعرّبوها؟ لماذا لم تعرَّب؟ لماذا لم تعرَّب إلى اللغة العربية؟

الأب مارون عطا الله: لماذا لم تعرَّب؟ العرب جملةً ما عدا ظاهرات حضارية أيام العباسيين ... والأندلس، ظاهرات حضارية مهمّة، وما عدا العصر الذهبي السرياني، كل الباقي اجترار. ما يسمونه التراث العربي ويطبعونه ... ويأخذونه "بالتريلّات" تكرار طبع، إعادة طبع. ما كُتب منذ 700 سنة يطبعونه من جديد. لا دراسة علمية، لا استنتاجات، لا ... بالحياة، لا شيء. "تريلات" على حيلها تمرّ. درعون فيها 40 مطبعة. 40 مطبعة تطبع 90 بالمئة تراثاً عربياً والباقي شيء آخر. هذا ليس تراثاً. هذا ... متحف. السريان، كل السريان، الكلدان والأشوريون والسريان الكاثوليك والسريان الأورثوذكس ... والموارنة، 90 بالمئة من مطبوعاتهم عواطف. مار أفرام أكبر شاعر، كنّارة الروح القدس. يا أخي، أفهِمْني ...

غسان الشامي: شعارات.

الأب مارون عطا الله: شعارات. قل لي ماذا فعل مار أفرام. حين يأتي سيبستيان بروك ليتحدّث عن مار أفرام ...، هذا التجدّد. ... ... فارسية شيعية تكتب عن الأشورية بغرام، ماذا جلب الأشوريون على درب الحرير. أنت مشيت حاملاً معك باروداً وحصاناً وكذا، ورجعت معك حرير من هناك. الأشوريون حملوا الإنجيل. وصلوا الحضارة الفارسية المسيحية بالحضارة الصينية.

غسان الشامي: مركزكم بماذا اعتنى؟

الأب مارون عطا الله: في مركزنا اثنان: مركز الدراسات والأبحاث المشرقية التي أول ما عُنيت بهذا الشأن انحصرت بالسرياني. اكتشفنا بعد 20 سنة أن التراث المشرقي ليس هو السرياني.

غسان الشامي: سنتابع ذلك.

أعزائي، نتوقف مع فاصل، ثم نعود لمتابعة هذا الحوار مع الأب مارون عطا الله. انتظرونا إذا سمحتم.

 

المحور الثاني

 

غسان الشامي: تحية لكم. نذهب إلى تقرير عن الرهبانية الأنطونية التي أمضى فيها الأب مارون عطا الله حياته ولا يزال يعمل. نعرّفكم بها، ثم نعود للحوار معه.

 

التقرير

 

أنشأ أسقف حلب الإصلاحي والمجدّد جبرائيل البلوزاوي جماعة رهبانية عام 1673 في دير سيّدة طاميش، وجعل منه كرسي أسقفيته. وفي عام 1698 أرسل رهباناً ليشيّدوا ديراً على اسم القديس أشعيا الراهب ابن والي حلب وذلك قرب برمانا.
ومن قدّاسهم الأول فيه عام 1700 انطلقت رهبانية مجدّدة بحياة توحيدية مشرقية أصيلة ومنفتحة على الأديان والمذاهب ومتغلّبة على تحدّيات الحياة المشتركة وبعلاقات ودّ مع أمراء الدروز والسنّة ومع العامّة. كما عاش بعضهم نسّاكاً.

ثبّت البابا إقليموس الثاني عشر قوانين الرهبانية عام 1740، ومنحها جميع حقوق المؤسسة الرهبانية وامتيازاتها.

نالهم الاضطهاد كغيرهم، فاستبيحت أديرتهم وكنائسهم بين عامي 1842 و1860، وذبح الجيش العثماني 40 راهباً في دير مار روكز الدكوانة. وفي الحرب العالمية الأولى استهدفهم العثمانيون كغيرهم فدمّروا وأحرقوا وهجّروا. ولم توفّرهم الحرب الأهلية فقدّموا الشهداء والضحايا، ودُمّرت الكثير من أديرتهم وكنائسهم ومدارسهم في أرجاء لبنان.

استعادت الرهبانية قواها وعادت الحياة إلى الأديرة وتثبّت الابتداء نهائياً في دير مار أشعيا منذ عام 1938. وأنشئت فيه عام 1941 الرهبانية الإكليريكية الصغرى، ثم نُقلت مع الكبرى عام 1949 إلى دير مار أنطونيوس بعبدا. ومنذ عام 1958 يتابع الرهبان الأنطونيون دروسهم الفلسفية واللاهوتية في روما. وأسّسوا الجامعة الأنطونية كما دخلوا كإخوة إلى جامعة ليون الكاثوليكية وأنشأوا دير مار أنطونيوس في شابونو وتنتشر مدارسهم في لبنان.

 

غسان الشامي: أبونا مارون، قبل أن أذهب معك قليلاً إلى حياتك الرهبانية سأنطلق من آخر جواب لك وهو حول أنك بعد 20 عاماً في مركز التراث من العمل على السريانية اكتشفتم أن السريانية ليست هي الأساس؟

الأب مارون عطا الله: وحدها.

غسان الشامي: وحدها. ماذا اكتشفتم؟ وإلى ماذا سعيتم بعد ذلك؟

الأب مارون عطا الله: الأمر بسيط للغاية. خلال 12 مؤتمراً خلال 20 سنة كانت جماهير تأتي. مؤتمر حلب في المركز الثقافي، 500 كرسي لخمسة أيام منذ الصباح حتى المساء. في مكتبة الأسد لثلاثة أيام، 350 كرسياً مليئة. لاحظنا مَن الذين يأتون؟
يأتي الموارنة والسريان والحزب السوري القومي الاجتماعي. المسلمون شبه غائبين.

غسان الشامي: ودار الإفتاء، المفتي حسّون أيضاً، جاركم في حلب.

الأب مارون عطا الله: شبه غائبين. البيزنطيون شبه غائبين. اللاتين شبه غائبين. هل شعبنا كله ماروني؟ شعبنا كله سرياني؟ شعبنا كله حزب قومي؟ أين هم أولئك؟ اكتشفنا أن أولئك ليسوا أبناء هذا التراث وحده، أولاد تراثات مهمّة مثل التراث السرياني. إذا استثنينا الكنعاني الفينيقي..التراث العربي، التراث العبري. هذه كلها تشكّل التراث المشرقي. كلها، ليس التراث السرياني. التراث السرياني على أهميته، ونحن اهتممنا به لأنه مهمل، بينما التراث البيزنطي مشغول كثيراً أو أن ثمة مؤسسات تعنى بهذه المسألة. هذا ما جعلنا نهتم بالتراث المشرقي المشترك، قاعدة الوحدة والحافز على التجدّد والحداثة. هذا موضوعنا. وهنا أكلّمك مطوّلاً على السلسلة التي بدأنا نصدرها. ستصدر في 400 كتاب بالفرنسية عند غيرنر و400 كتاب بالعربية هنا لكل العالم العربي.

غسان الشامي: سأذهب إلى الرهبانية الأنطونية. ماذا أعطتك؟ ماذا أعطيتها؟ من البيت في الليلكي وأنت آتٍ.

الأب مارون عطا الله: هناك خوف مني إذا تكلّمت على الرهبنة الأنطونية. يقولون: هذه رهبانيته، مثلما أن كل واحد رهبانيته هي أحسن رهبنة وديانته أحسن ديانة وحزبه أحسن حزب.

غسان الشامي: هذا طبعنا.

الأب مارون عطا الله: الليلكي والرهبنة الأنطونية كأنهما واحد. والواقع أن الليلكي مليئة بالرهبان الأنطونيين. في الليلكي كأن معلّم الابتدائية لي هو عائلتي وليس الرهبنة. أمي كانت حاضرة جداً وقوية: اخفضوا أصواتكم يا أولاد. ماذا هناك؟
القربان مصمود في دير اللعازارية قبالتنا أول جمعة من الشهر. حسناً، خفضنا أصواتنا. بعد نصف ساعة: اخفضوا أصواتكم يا أولاد. ماذا هناك؟ الشيخ يصلّي وقت الأذان. ... لم يعد هناك مسلمون ومسيحيون. هناك ديانة واحدة، ومع احترام ومحبة، ليس احتراماً فقط. قد يكون ساهياً عن بالك أيضاً. الرهبنة مؤسّسها ابن وادي قاديشا، جبرائيل الذي من بلوزا، يقولون له جبرائيل البلوزاني. كان مطران حلب، وحلب حضارة، حلب أهم منهم بكثير.

غسان الشامي: حلب التي تتألّم الآن.

الأب مارون عطا الله: كل وادي قاديشا له ملكه لغاية اليوم. وكل الرهبنات التي تأسّست وتجدّدت وادي قاديشا. وأين وضعنا؟ رمانا في برمّانا سنة 1695، وظهرنا للعيان عام 1700. لماذا؟

غسان الشامي: لأنه يريد أن يضعكم في مناطق مختلطة.

الأب مارون عطا الله: عيني عليك. الحكّام دروز. كنا نبني في الليل ويهدمون لنا في النهار، نبني في الليل ويهدمون لنا في النهار، نبني في الليل ويهدمون لنا في النهار. أتوا كلهم سوية وتعمّدوا. أليست هذه ظاهرة؟ مار شعيا، بحرصاف، بسكنتا، هذه كلها منطقة أبي اللمع. هم حكّامنا. ذهب من هنا، إلى أين ذهب؟ إلى جزّين. في جزين 80 بالمئة شيعة. قطّين أي قضاء جزين 70 بالمئة منه دروز. لا تصدّق. ليس لدينا أي دير في منطقة مارونية محض إلّا دير مار سركيس فقط.

غسان الشامي: أنت ماذا أعطيت الرهبنة؟

الأب مارون عطا الله: أنا ماذا أعطيت الرهبنة. الرهبنة أعطتني كل شيء. أنا أحضرت معي الورثة من الليلكي. الرهبنة لم يكن بإمكانها أن تعطيني إياها. لو كنت ربيت على أن هؤلاء شيعة ونحن مسيحيون أو أن هؤلاء كتائب وهؤلاء كذا وهؤلاء كذا، لما أمكن الرهبنة أن تفعل شيئاً.

غسان الشامي: متى ترتاح؟

الأب مارون عطا الله: كانت لنا أخت نحبها كثيراً اسمها وردية. كانت تقول: يرتاح المرء من العمل بتغيير العمل.

غسان الشامي: جميل.

الأب مارون عطا الله: والواقع هكذا. تقرأ، تتعب، فتكتب. تتعب فتقوم وتجلو الصحون، تنكش ... في الجنينة. بمعنى أن بإمكانك أن تعمل ليس أقل من 18 ساعة من دون أن تتعب.

غسان الشامي: أنت عرّاب الحركة الثقافية في أنطلياس. سعيت إلى الثقافة هذا لافت والندوات ومعارض الكتب، في زمن قرقعة السلاح والقتل. أين أثمرت هذه الحركة مع تأكيد الكثيرين أننا لم نتعلّم من مآسي الحرب؟

الأب مارون عطا الله: أريد أن أخبرك خبرية وأعمل خلاصة. كنت عائداً من باريس، وكان بجانبي امرأة ورجل. قلت: يا صبي، أربع ساعات ونحن ساكتون؟ قلت لهما: الأب مارون عطا الله. قالا لي اسميهما. هو من بانياس وهي من طرابلس. وهما في باريس يعملان في المجوهرات، ليست لهما علاقة بالثقافة. قالا لي: من أين؟ أن أقول لهما من الليلكي فيسألانني أين الليلكي، فقلت لهما: من أنطلياس. فقالا لي: من الحركة الثقافية؟ تصوّر. ليست لهما علاقة بالثقافة. قلت لهما: نعم. هكذا من دون اهتمام. قال لي: أتعرف تاريخ الحركة الثقافية؟ قلت له: ما تاريخها؟ قال: تاريخ الحركة الثقافية قسيس أي راهب، قسيس، علّم الرحابنة فكانوا وطنيين، وأتت الحركة الثقافية لتكمل. جئنا لنقف في وجه هذا المدّ الطائفي، في وجه بيروت الغربية وبيروت الشرقية.
لم نكن نقول بيروت الغربية وبيروت الشرقية. كنا نقول: غربي بيروت وشرقي بيروت، بيروت واحدة. كلمات، نكون متعنّتين على الكلمة، بهذا المعنى. وبالتالي كم كانت هناك حواجز، الحاجز يسمونه معبراً. ليس حاجزاً بل هو معبر. كنا نتجوّل في كل لبنان ويعرفوننا ونحبهم ويحبوننا.

غسان الشامي: هل فعلاً هناك رؤى مشتركة لأي بلاد نريد في هذه المنطقة المختلفة؟ حتى الإخوة في قرانا يختلفون على حافّة الطريق أو على حافّة الأرض.

الأب مارون عطا الله: منذ سنة 1964، نشوء نادي الشراع، إلى سنة 2011، نشوء "معاً نعيد البناء"، صارت هناك عدة حركات وعدة ظاهرات، كلها عنوانها كيف نكون سويّة. لا عنوانها ثقافة ولا عنوانها تراث، بل كيف نكون سويّة. إذا لم نكن سويّة فليست لنا حياة. بدأنا بخلق قدّاس، قدّاس للشباب. نحب أن تحضر واحداً منها. كانوا يأتون من طرابلس، من بعلبك، من الهرمل، من صيدا، كل نهار أحد في الساعة السابعة. القدّاس يبدأ في الساعة السابعة وينتهي في الساعة الثانية عشرة. هناك قضايا الشباب، قضايا الوطن. مثلاً كان هناك قدّيس مكرَّس لمزارعي التبغ في الجنوب، أتَذكُر؟ مع هاني فحص؟ كان القدّاس .... كان هناك قداس للإكليريكيين المعتصمين في بكركي ضد البطريرك، قدّاس ...، إلى آخره. فأنت في قلب الحياة. وبالتالي، كان يأتي الروم والماروني والكاثوليكي والأرمني والمسلم يحضرون القداس معاً. مثلاً، مكان رسالة مار بولس كانت هناك قصيدة لنزار قبّاني: "جارتنا المسيحية" إذا كنت تذكر.

غسان الشامي: نعم. على الشبّاك جارتنا المسيحية.

الأب مارون عطا الله: في قلب الحياة. منها خرج ... الشباب. ارتاحت الدنيا قليلاً، واعتبرنا أنه انتهت الحرب، حرب السنتين. على هبل اعتقدنا أنها انتهت. جئنا اجتمعنا وقلنا كيف نعمل كي يكون هناك مكان لهؤلاء الشباب في هذه المسألة. أقمنا مؤتمراً فوراً اسمه تجديد العيش المشترك عام 1993، حين قالوا: ما تجديد العيش المشترك؟ لم يكن هناك عيش مشترك وجئنا لنعمل غيره؟ يقول لهم إدمون صعب وقتها: تجديد العيش المشترك كواحد يحب فتاة، فيقول لها: جئت لأجدّد لك حبي. أي لم يكن يحبها من قبل؟ هذا المؤتمر كان جميلاً جداً. أتوا من العراق: ناصر الدين الأسد. أتوا من سورية: علي عقلة عرسان، أنطون مقدسي، حافظ الجمالي. كانت خلاصته: العيش مع بعضنا البعض هو القاعدة، أمّا العكس فشواذ. أي أن الأحداث شواذ. نحن ... مع بعضنا البعض. كنت في جولة في بلاد البترون وبلاد جبيل لمشوار غلبون، أفرح أن الكنيسة بجانب الجامع، والمسلم يعتبر أن له جامعين، والمسيحي يعتبر أن له كنيستين.

غسان الشامي: أليست هذه صورة وردية لما يحدث في المنطقة؟ لأن ما نراه نحن حالياً يمكن أن يكون الأقرب إلى قول البصير المبصر أبي العلاء المعري الذي قُطع رأس تمثاله:

"كُلٌّ يُعَظِّمُ دينَهُ                              يا لَيْتَ شِعْري ما الصَحيحْ".

نحن الآن يمكن أن نعيش في هذا، وأنت ترسم فعلاً صورة وردية. طبعاً جميعنا نأملها. عملياً على الأرض كيف يتم جمع الشباب المسيحي والمسلم والعلماني والمُلحد في سياق واحد؟

الأب مارون عطا الله: في البداية، المطلب الأساسي والجوهري والعميق هو ذاته عندك وعند المسلم وعند الدرزي وعند المُلحد. إذا ذهبت إلى هؤلاء تجده.

غسان الشامي: هو إنسانيتك؟ هو الإنسانية والمنطلق الإنساني؟

الأب مارون عطا الله: إنسانياً حياتياً اليوم. المطلب الأساسي هو عند الإنسان ليس عند المسيحي فقط أو عند الشيعي فقط.
هذا نتحقق منه على الأرض. وبالتالي، حين تحتك بهؤلاء تجدهم. هكذا في الدين. حين تذهب إلى جوهر الدين لا تعود هناك أديان، تصبح هناك مذاهب. لا تعود المسيحية ديناً، لا يعود الإسلام ديناً، لا تعود اليهودية ديناً. تصبح مذاهب. ما غاية الدين؟ أن تلتقي ربّك. أليس كذلك؟ أن تلتقي ربّك. لقاء ربّك أنت المسيحي بواسطة يسوع المسيح أو الإنجيل. لقاء ربك أنت اليهودي بواسطة التوراة. لقاء ربك أنت المسلم بالقرآن الكريم والحديث. هذا مذهب. وحين يكون بالمستوى هذا، الدروب تلتقي. في النهاية كل الدروب توصل إلى الطاحون كما يقولون في القرية. عملياً، لا نتفلسف.

غسان الشامي: لا أحد خرب لنا هذا الطاحون ...

الأب مارون عطا الله: لا، وحياتك. أعطيك مثلاً: في القرن الثامن في العراق كانت هناك فتاة في البصرة اسمها رابعة العدوية في حي الأبولا، بيتها في حي أبولا. وكان قبالتها من أكبر المتصوّفين في الشرق أي يوحنا الدلياتي. كان في زاخو. بينهما ألفا كيلومتر. كانا يتكلمان مثل بعضهما البعض. لا تعرفهما من بعضهما البعض. أنا أحياناً أكون مع رابعة وأحياناً أكون مع يوحنا الدلياتي، وأكثر المرات مع رابعة. فكل ما يرتقي يلتقي. بهذا المعنى لا يعود هناك... نحن نظل ذاهبين إلى بعضنا البعض من حزبنا أو من كنيستنا أو من عقيدتنا. عليك أن تذهب إنساناً. عليك أن تؤمن بالإنسان. إذا لم تؤمن بالإنسان فإيمانك بالله باطل.

غسان الشامي: سأذهب في هذا الجزء الأخير من الحوار إلى أمرين: جمعية معاً نعيد البناء. ماذا بنيتم أولاً؟

الأب مارون عطا الله: قبل ذلك...

غسان الشامي: لأنني أريد أن أذهب إلى ما أخبرتني عنه: هذا المسير الذي ستقيمونه في القرى والبلدات وأعلامها.

الأب مارون عطا الله: قبل "معا ًنعيد البناء" كان هناك النادي اللبناني للكلاب. نرجع إليه. كان هناك ... وأماكن الرجاء في العالم. هذا في 17 آب 1994، وأيام الرجاء عام 1980، ظاهرة. أحتاج إلى شهر كي أخبرك عنها. لنأتي إلى "معاً نعيد البناء". مجموعة الأمور التي كانت تُعمل كلها بهدف واحد: كيف نكون معاً، كيف نكون معاً. ليس كيف نكون معاً كمسيحيين، كيف نعمّد المسلم، عندما يعمّدون المسلم ينزعجون. اعمله مسلماً. الإسلام طريق خلاص. اعمله مسلماً. جاؤوا من روما وقالوا إنهم يريدون أن يجددوا الكنيسة هنا فعملوا الروم الكاثوليك وعملوا الأرمن الكاثوليك وعملوا السريان الكاثوليك. هذه بدعة. هناك كنيسة.
الكنيسة هنا كما هي التي تسميها أورثوذكس...

غسان الشامي: على أساس أن البدعة جيدة؟! البدعة بالمعنى السلبي؟

الأب مارون عطا الله: بدعة بالمعنى السيئ. تاريخياً، المؤرخون يقولون إنها غلطة، غلطة تاريخية. الأورثوذكس هنا، وهم كنيسة. الأرمن هنا، الأقباط هنا. مَن هم الأقباط الكاثوليك؟ هل يمكنك أن تقول لي؟ مَن هم؟ 170 ألفاً من 13 مليوناً. أليست هذه مضحكة؟ بهذا المعنى. ما لنا ولها. لكن ما أريد أن أقوله لك: حين تفهم الديانة بشكل صحيح تحترم سائر الديانات، مثل ذاك الذي رأوه يُعِدّ حقيبة السفر، قالوا له: إلى أين أنت ذاهب؟ وهو كان في لندن. قال لهم: ذاهب إلى لندن لمدة شهر. فقالوا له: ولكنك في لندن! قال لهم: نعم، لكنني ذاهب إلى باريس، إلى ستوكهولم، كي أفهم مدينتي.

غسان الشامي: ماذا ستفعلون في هذا المسير؟ ماذا ستفعلون في هذه البلدات والقرى؟ مَن ستقصدون فيها؟

الأب مارون عطا الله: مسألة بسيطة جداً. شعارنا "Vivre Ensemble Vivre avec". هذا الشعار. نريد أن نعيش سويّة ونريد أن نعيش مع بعضنا البعض كما نحن. حين تنطلق من هذا تصبح المسألة سهلة، اللّهم أن تكون مؤمناً بها وليست شعارات. المختلف عنك هو غنى لك، إن كان دينياً أو فكرياً. سويسرا صارت نموذجاً أمامنا. عملوا أحسن بلد وأحسن كنيسة. كاتدرائية مار بطرس في جينيف هي كاثوليكية. أتى كالفن فأخذوها. فيها قسّيسان يخدمانها. ذهبنا وقدّسنا معهم وصلّينا معهم. واحد يؤمن بالثالوث الأقدس وواحد يحب العذراء، وهم إخوة يتعاطون التعليم المسيحي والنشاط وكذا. عندنا حين يغيّر كلمة يكفّرونه فوراً.

غسان الشامي: أنا قُضي وقتي. ماذا تقول بكلمتين للشباب؟

الأب مارون عطا الله: ماذا أقول للشباب. هم يجب أن يقولوا لنا، هم يجب أن يقولوا لنا. لا يمكن أن تتصوّر.. حين سمّينا، بولس خوري اخترع لنا الاسم "انتظارات الشباب". لم يكن في اللغة. هل رأيت انتظارات؟

غسان الشامي: لا.

الأب مارون عطا الله: انتظار.

غسان الشامي: الانتظار الوحيد في الشرق هو انتظار غودو، لا يأتي.

الأب مارون عطا الله: لا يأتي. دائما هو سيّد هنا. انتظارات الشباب أي الشباب ماذا ينتظرون، الشباب ما المنتظَر منهم، والشباب ماذا ينتظرهم. هذه الأمور الثلاثة. لا يمكن أن تتصوّر انتظارات الشباب ماذا كانت.

غسان الشامي: أنا أريد أن أشكرك شكراً جزيلاً.

في أزمات الأمم يهرع الباحثون والكتّاب إلى النقاط المضيئة في تاريخ بلادهم ليؤسسوا عليه حضور مستقبلهم. أمّا النقاط المظلمة فيقتضي شيطنتها علمياً. وهذا ما لم نفعله تاريخياً.

شكراً للأب مارون عطا لله على حضوره في "أجراس المشرق".
شكراً للزملاء في البرنامج وقناة الميادين الذين يقرعون معي هذه الأجراس.
شكراً لكم على متابعتكم واهتمامكم.

وسلام عليكم وسلام لكم.