كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

قضية تشارلي إيبدو

المحور الأول

المحور الأول

جورج غالاواي: أهلاً بكم إلى "كلمة حرة"، معي (جورج غالاواي) على قناة (الميادين)، القناة التلفزيونيّة الأسرع نمواً في العالم العربي، باللغة العربيّة. "كلمة حرّة" تعني التعبير الحرّ عن الرأي، وهذه مسألة مركزيّة في النقاش الذي سنخوضه في هذه الحلقة، ما مدى حرّية الكلمات ؟! إلى أيّ مدى يجدر بالكلمات أن تكون حرّة؟! ما حدود حُريّة التعبير؟! ونحن نعلم أن هناك حدوداً واضحة، لكن ما مداها؟ ومن قِبَل من؟ في الفعل المروع للقتل الجماعي، في مكانين من (باريس) في عمليّة (تشارلي إيبدو) أريق الكثير من الدماء، وهذه الدماء أُريقت بسبب الحبر الذي استخدمه رسّامو الصحيفة الكاريكاتورية (تشارلي إيبدو) التافهة والسيئة السمعة والعنصريّة المعادية للإسلام التي تتخفّى وراء عنوان حرّية التعبير. أهانت بأكثر الأساليب إباحيّة وبذاءة وفحشاً الرسول "محمد" وكثيراً من الرُسل الآخرين وكثيراً من القادة الدينيين الآخرين، على الرغم من أنّهم، ومن دون شكّ، خصّصوا في هجومهم أكثر القطاعات تهميشاً وأكثرها ضعفاً في المجتمع الفرنسي. إنّهم يهاجمون السود بانتظامٍ رتيبٍ وقبيح، لقد هاجموا حتّى الفتيات في (نيجيريا) اللواتي كنّ عُرضةً للخطف الجماعي، الفتيات الخمسمائة، لقد صوّروهنّ على أنّهنّ ملكات الرفاه ببطونٍ تحملُ أطفالاً سائلين متى ستدفع لهنّ إعانات الأطفال. إنّها نشرات مقزِّزة وعلى وشك أن تُنشر بالإنجليزيّة، وقد بيعت عشرات الملايين من النُسخ حول العالم عقب عمليّة (تشارلي إيبدو). خارج كلّ التوقّعات فإنّ حجم المبيعات اختلف تماماً عمّا كان عليه في السابق، لقد كانت تبيع 40 ألف نسخة لكلّ طبعة، أمّا هذه الطبعة عقب عمليّة القتل قد نشرت على الأقل 10 ملايين مرّة أكثر. إذاً، نحن سنناقش الأسباب التي قادت إلى ذلك، وأريد أن أوضح هذا الأمر تماماً في البدء، عمليّة القتل الجماعيّة البغيضة تماماً على يدّ ثلاثة إرهابيين. لقد شملت قتل رسّامي الكاريكاتور والصحافيين وعاملي المكاتب وحتّى الزوّار في مكتب (تشارلي إيبدو) في (باريس). لقد شملت قتل شرطيين كانا يحرسان مقرّ القوى المُحفِّزة لرسّامي الكاريكاتور. أحد هذين الشرطيين مسلم اسمه "أحمد" مع أنّ مدوّنة "أنا أحمد" لم يكن لها صدى واسع في العالم مقارنة بـمدوّنة "أنا تشارلي". بشكلٍ كاد يكون متزامناً يُهاجم إرهابي ثالث متجراً يهودياً في مكانٍ آخر من (باريس) وقتل بدمٍ بارد البائعين اليهود والعاملين في المتجر واحتجز كثيرين آخرين رهائن، لكن الناس الذين كانوا في المتجر أُنقذوا بمعظمهم وحُرّروا على يد مسلم آخر من (مالي) الذي مُنِح الجنسيّة الفرنسيّة ومنزلة بطوليّة، ويسعدني القول أنه وبفعله هذا فقد استعاد احترام المُسلمين في (فرنسا). دعوني أكون واضحاً تماماً حيال مواقفي، لا أحد يجب أن يتعرّض للأذى فضلاً عن أن يُقتل بسبب أيّ شيء يقوله أو يكتبه أو يرسمه. هذا لا يعني في أي حال أنني أدعم أو أؤيّد رسّامي الكاريكاتور أو الصحافيين كي يسيؤوا بهذا الأسلوب المُبتذل برسوم إباحيّة وفاحشة  يطلق عليه خطأً تسمية كاريكاتور، يُطلق عليها على نحوٍ مغلوط فيه أنّها تصوير للرسول. إنّها لم تكن تصويراً للرسول بل كانت مُلصقات حقد فاحشة و إباحيّة تخصّصت بها صحيفة  (تشارلي إيبدو). إذاً ما الذي نفعله حيال هذه القضيّة؟ أوّل ما نفعله هو أن نرفُض العنف والجريمة من أيّ نوع ونسمّي أولئك الذين يتعاملون بالعنف والجريمة بالإرهابيين والمجرمين، وهذه هي حقيقتهم. آما أن يكون هذا الأمر مُعطى مسلّماً به، إنني لا أعرف أيّ مسلم في أيّ مكان يوافق على الجريمة التي حدثت بدمٍ بارد في (باريس) على يد هذين الإرهابيين. لكنني مُدرك وبشكلٍ مستاوٍ أنّ الـ 1.6 أو 1.7 مليار مُسلِم في العالم يستشيطون غضباً من الرسوم المسيئة إلى الرسول التي عرضتها هذه الصحيفة وصحف أُخرى الآن، خصوصاً الآن ضمن نشراتها الموزّعة في العالم. إذاً، وفي أقلّ تقدير فإنّ هذا وضعٌ خطرٌ قابلٌ للتفجّر. إنني أؤمن بالكلمات الحرّة وإلاّ ما كان ليُطلق على هذا البرنامج "كلمة حرّة" لكنني لا أؤمن أنّ لأي كلمات حُرّية غير محدودة، وبأسلوب ما فإنّ هذا جلي. إن أقدمت على التشهير بأي منكم الآن، أطلقت عليكم الصفات السيّئة في كلامي ، والتشهير أمرٌ غير صحيح ومن شأنه التقليل والانتقاص والاستهانة بكم في عيون الآخرين، فأنني سأُقاضى على ذلك وهذا أمرٌ محِق وسأدفع ثمناً غالياً جداً في حال أُحيل هذا التشهير إلى المحكمة. إذاً، هذا هو الحدّ الأول الذي يقيّد حرّية الرأي والتعبير، لكن هناك حدود أُخرى. إنني لست حرّاً، ولن أفعل أبداً، في أن أزرع الحقد ضدّ أيّ مجموعةٍ من الناس بسبب صفات أو انتماءات لديها لا تمتلك سيطرة عليها. على سبيل المثال، هنا في (لندن) لا يُسمح لي بالتحدّث ضدّ السود أو اليهود أو مثليي الجنس أو ذوي الاحتياجات الخاصّة بأسلوب يدفعكم إلى كراهيّتهم، هذا غير قانوني والأمر الذي سأخضع بسببه للمحاكمة. إذاً هذا هو حدٌ آخر على حريّة التعبير والرأي. لقد جرى في الواقع عددٌ من المحاكمات على هذه الأمور تحديداً بل وحتّى على أمور أُخرى وهو ما سأتطرّق إليه لاحقاً. لكن هناك محاذير أُخرى واضحة تماماً على حُريّة التعبير، القياس الذي أستخدمه دائماً هو أنني حرّ في قول كلمات "هناك حريق"! أنني حرٌّ في قولها في الشارع لكنني لستُ حرّاً في قولها في الاستديو إن كان هناك احتمال التسبب بالرعب لكم جميعاً ودوس البعض على الآخر بهدف الخروج، الحالة التي قد تتمخّض عن إيذاء أحدهم. إذاً فإنّ حقّ المرء في الصراخ قائلاً "هناك حريق" في سينما مُكتظّة لهو أمرٌ ممنوعٌ تماماً. في مقياس المنطق السليم للإنسان إنّ هذه الكلمات التي أُطلقت بحرّية ستكون لها عواقب على الآخرين، وقد تتسبب في حالٍ متطرّفة إلى تهدّيد حقّ أحدهم في الحياة. إذاً فإننا سنستكشف في خضمّ هذه الحلقة في "كلمة حرّة" على قناة "الميادين" الأحداث التي جرت في (باريس)، ما الذي قاد إليها؟ وما الذي جرى فيها؟ وما هي الحدود التي يجب أن تُفرَض على حرّية الرأي وحرّية التعبير، وأنتم أحرارٌ في قول رأيكم تماماً. سأعود بعد الفاصل


المحور الثاني

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون "كلمة حرّة" على قناة "الميادين" تأتيكم من (لندن)، ونُناقش فيها مجريات حادث (تشارلي إيبدو)، عمليّة القتل الجماعي في (باريس) على يد إرهابيين والحدود على حُرّية التعبير. لقد جمعتُ هنا جمهوراً موهوباً جداً من المختصّين والهواة الموهوبين أمثالي، فلنأخذ المُشاركة الأولى. نعم سيّدي، أنت في الصفّ الثاني

بن ريدل (مدير مُحاسبة): مرحباً (جورج)، اسمي (بن) وسؤالي هو، ما مدى الحُرّية التي يجب أن نتمتّع بها في التعبير عن رأينا؟

جورج غالاواي: حسناً، مثل الجَمَل الذي يُصعب تعريفه ولكن تسهل مُلاحظته. لا بدّ من وجود مسار متوازن ما بين حقّك في التعبير عن نفسِك والتنبؤات المُحتملة لعواقب تعبيرك عن رأيك. قبل الفاصل وحسب، ضربت مثلاً عن الرجل الذي يصرُخ "هناك حريق!" في سينما مُظلمة. أنا حرٌ في قول هذه الجملة بالإنجليزيّة لكنني إن فعلتُ ذلك في سينما مُكتظّة فإنني سأُحاكم، وبوجه حق، لتسبّبي بالخطر للآخرين، وقد كنت مؤيّداً في البرلمان البريطاني لقانون الكُفر، القانون المشابه لقانون الكراهية العُنصري، الذي يمسّ المجتمعات الدينيّة بحيث، على سبيل المثال اليهوديّة ليست عرقاً، إنها ديانة لكن هناك الملايين من الناس في (بريطانيا)، ربع مليون إنسان يُعدّ هذا الإيمان مركزياً لوجودهم. أنا لا أوافق على أن لأيّ أحدٍ الحق في أن يرتدي زياً نازياً وأن يسير جيئةً وإياباً في شارع (غولدرز غرين) مُنكراً المحرقة لأنّ حرّية التعبير هذه لهي مؤلمة جداً وعدائيّة بما في ذلك على الناجين من تلك المحرقة لكونها قد تتسبّب بأذى كبير لهم نفسياً وعاطفياً بحيث لا يُمكن تعليل حرّية السير الاستعراضي والتعبير عن النفس بهذه الطريقة،  لذلك يجب تقييد ذلك. في بعض الدول الأوروبيّة بما فيها (فرنسا)، من غير القانوني إنكار المحرقة ويُمكنك أن تُسجَن لهذا السبب. أنا أتّفق وهذا الأمر وأعتقد أنه يجب أن يكون غير قانوني هنا، إنّه فعلاً أمر غير قانوني في (فرنسا). إذاً، إن كان غير قانوني أن تُنكر المحرقة في (فرنسا) فلماذا يٌعدّ قانونياً أن تُصوّر الرسول (محمد) في كاريكاتورات مسيئة وإباحيّة؟ لأنّ هذا أيضاً يتسبّب بالأذى العاطفي والنفسي لمجموعة كبيرة من الناس ممّن يُعدّ الرسول (محمّد) مركزياً لوجودهم، لكن هذا لا يندرِج في ما هو غير قانوني بل يُطلق عليه "حرّية التعبير". حتّى في (تشارلي إيبدو) جرت إقالة صحافيّ لأنّه رسم كاريكاتوراً لابن الرئيس السابق وربّما المستقبلي الرئيس (ساركوزي) الذي سيرشِّح نفسه مجدداً مع أنّ بعضاً من أصدقائه قد ذهبوا وقد يجد صعوبةً أكبر في حملة جمع التبرّعات لانتخاباته التالية، لقد أقالته صحيفة (تشارلي إيبدو) لأنّه رسم كاريكاتوراً لابن (ساركوزي) متحوّلاً إلى اليهوديّة. وفق ما قاله الصحافي الذي رسمه أنّه عمل ذلك لأسباب ماليّة بحتة. إذاً، بعض الرسوم الكاريكاتوريّة كان مسموحٌ بها في (تشارلي أيبدو) من دون غيرها، نرى ازدواجيّة في المعايير تظهر هنا. لقد صوّتت وأيّدت الحظر على زرع الحقد العرقي والديني مع أنّ هناك مسائل فلسقيّة وصعوبات في ذلك، لأنّك طبعاً إن ولدت أسود أو أبيض فإنّك لا تمتلك الخيار في ذلك. لذا فإن كان أحد يزرع الحقد ضدّك بسبب لونك ليس أمراً فاسداً وحسب بل هو غير منطقي البتّة. لكن لديك الحقّ في اختيار الديانة التي تعتنقها، إذاً فقد اتّخذت خياراً في اعتناقك لتلك الديانة، إنّك لم تختر فعلاً لأنّك وُلدت على هذا الدين ولكن بإمكانك نظرياً على الأقلّ اختيار التخلّي عنها. إذاً، هناك بعض الاختلافات الفلسفيّة حيال دمج هاتين المسألتين، وفي النهاية فقد أخفقنا جداً في البرلمان البريطاني في أن نتّفق على تعريفٍ حيال مسألة زراعة الكراهية الدينيّة ولكنني أعتقد أنّ علينا المحاولة مُجدداً. أعتقد أنّ علينا القول أنّ هناك بعض الأشياء المقدّسة جداً والمركزيّة جداً للناس بحيث أن تشويهها المقصود في رسم الكاريكاتور ما وراء المُحاكاة الساخرة لهو أمرٌ مهينٌ جداً ويُحتمل أن يتسبّب بالمشاكل. أترون، هذا هو الجانب الآخر للأمر. إنّه لا يقتصر على الأذى اللاحق بالمسلمين بسبب هذا النوع من المُلصقات الحاقدة بل هو في احتماليّة أن يُقدِم بعض المسلمين على ردّ فعلٍ غاضب يتسبّب بمشاكل للمُجتمع. وأعتقد أنّ على واضعي القوانين الابتعاد عن مبدأ قد يتسبّب بمُشكلاتٍ في المُجتمع. إننا نفعل ذلك بطُرقٍ شتّى، إننا نفصل مُشجّعي كُرة القدم في ملاعب كُرة القدم لأنّه على الرغم من أنّ للجميع الحقّ نظرياً في الجلوس أو الوقوف حيثما يشاء، لكن في ملعب كرة القدم نعرف احتمالات وقوع المشاكل خاصّةً إن كان مشجّعو (الرينجرز) و(السلتك) يجلسون بشكلٍ متداخل على المدرج. إذاً، ولكلا هذين السببين، في مسألة زرع الحقد الديني أعتقد أن علينا كمشرِّعين أن نُحاول مجدّداً. ما دور رسّام الكاريكاتور الساخر والصحافي؟ الدور الأخلاقي المُشرِّف لمثل هؤلاء الناس يكمن في مُحاسبة صاحب السلطة وصاحب المال، وليس في إضافة ضربة أُخرى على ظهور الناس الذين يُعانون التهميش أصلاً، يعانون أصلاً صعوبات. من الصعب أن يكون المرء مسلماً في (فرنسا)، من الصعب أن يكون المرء مسلماً في (بريطانيا)، ولكن الأمر الأكثر صعوبةً في (فرنسا) أصلاً من دون كلّ هذا الذي يزيد الزيت على النار, لا أرى كيف يستطيع أيّ صحافي أو أيّ رسّام كاريكاتوري أخلاقي ومعنوي أن يرى أنّ دوره يكمن في إضافة المُشكلات والأعباء التي تواجهها الأقلّيات أصلاً. آمل أن يكون هذا قد أجاب عن سؤالك. من يريد أن يسألني السؤال الثاني؟ نعم أيّها السيّد في المُقدّمة

أحمد أحمد (طالب): مساء الخير سيّد (غالاواي)، أنا على يقين بأنني أتحدّث باسم كلّ مواطن مُخلِص من أصول عربيّة، وأنا أشكر لك جهودك ودوافعك النبيلة جداً

جورج غالاواي: لا شكر على واجب

أحمد أحمد: بصرف النظر عن التحيّات فأنا أرغب في التطرّق إلى هذه الأحداث البالغة الأهميّة التي حدثت على يدّ من هُم غير مُسلمين في مدينة (باريس). منذ فترة ليست طويلة شهدنا طفرةً هائلةً في المشاعر المُعادية للإسلام عبر الطيف الأوروبي. هناك قضيّة تلقّت حداً أدنى من التغطية على وسائل الإعلام البارزة وهي تلك التي تُناقش السبب الجذري وراء دفع تلك العناصر المتطرِّفة إلى الهيجان لأنّ من الحق أن نقترح أو نقول أنّ هؤلاء الناس لا يمثّلون الإسلام، وأنّ 1.7 مليار مسلم في العالم يوافقونني. في واقع الأمر، ليس الإسلام من منح هؤلاء المتطرّفين الفُرصة والدافع إلى فعل ما يفعلونه. فقبل عامين أقدم الرئيس الفرنسي بنفسه على ذلك مع أصدقائه الأطلسيين. يقولون لنا أنّ أُناساً كهؤلاء همّ متمرّدون علمانيون يُحاربون من أجل العدالة والحقيقة والديمقراطيّة

جورج غالاواي: في (ليبيا) و(سوريا)

أحمد أحمد:  في (ليبيا) و(سوريا) وفي بُلدان أُخرى شرق أوسطيّة. في واقع الأمر، ألا يجدر بتلك المشاعر المُعادية للإسلام في (أوروبا) أن تتوجّه نحو هؤلاء لا نحو الإسلام نفسه؟ لأنّ ما من كتاب مقدّس يُعلِّم أحداً أن يفعل ما يفعلونه الآن

جورج غالاواي: أشكر لك أولاً كلماتك اللطيفة وسؤالك العميق جداً. قبل أن أُعالجه بشكلٍ خاصّ، أودّ الإشارة إلى مسألة عامّة. ما من شكّ في أنّ الإرهابيين الثلاثة، على الأقلّ ثلاثة، الذين كانوا متورّطين في سلسلة عمليّات القتل تلك في (باريس) عدّوا أنفسهم مسلمين. لقد صرخوا باسم الله في أثناء ارتكابهم تلك الجرائم بعد ماضٍ متقلّب من السلوك الإجرامي والفاسق في السنوات السابقة، ولأغراض النيّات والمقاصد أصبحوا متعصّبين دينياً في الوقت الذي ارتكبوا فيه الجريمة. لكنّك محقٌ تماماً، الإسلام يُحرِّم تماماً العمل الذي ارتكبوه. هلّ ساهموا من خلال ما فعلوه في إدانة أنفسهم والدين بأسره بحكم المواقع؟ ما من شكّ لديّ ، مع أنني لا أريد أن أبدو مُدّعياً معرفة مصيرهم يوم القيامة بسبب ما فعلوه وما ترتّب على باقي المسلمين بسبب فعلتهم، ولكن هذه ليست بالمسألة المنوطة بي بل بالخالق . الواقع هو، أنّ على كلّ مُسلم أن يُبجِّل ويحترم (المسيح)، على كلّ مسلم أن يُبجِّل ويحترم (موسى)، على كلّ مسلم أن يحترم (التوراة)، على كلّ مسلم أن يحترم (الإنجيل)، لا يمكن أن يكون المرء مسلماً ويكره المسيحيين، لا يُمكن أن يكون المرء مسلماً ويكره اليهود ، لا يمكن أن يكون المرء مسلماً ويرتكب جريمة بحقّ شخص لأنّه مسيحي أو يهودي. هذا محرّم تماماً في الدين، ولهذا أعتقد أنّه ويوم القيامة هؤلاء الناس سيخضعون للعقاب المُستحِق. وقد أثاروا كما أشرت حضرتك مستقبلاً مخيفاً وأكثر عنفاً للمسلمين في (فرنسا) يفوق ما واجهوه أصلاً. لقد سبق وواجهوا رهاب الإسلام من الدولة ومن وسائل الإعلام ومن قطاعات في الطبقة السياسيّة وبالتالي من قطاعات من الجمهور الفرنسي. (ساركوزي) الذي ذكرناه سابقاً، الرئيس السابق لـ (فرنسا) قدّم قوانين تمنع على السيّدات المُسلمات ارتداء ما يردن في المباني الحكوميّة وفي المؤسسات العامّة. السيّدات الفرنسيّات لديهنّ الحريّة في ارتداء أقلّ ما يُمكن من الملابس كما يشأنَ لكنّهن لا يمتلكن حُرّية ارتداء أكثر ما بإمكانهنّ كما يشأنَ وفق القانون. هذا تمييز، تمييز مُشرّع ضدّ المتديّنين. التمييز والتعصّب الأعمى ضدّ المهاجرين عامّةً والمسلمين من المُهاجرين أو ما يسمّون المُهاجرين، فالكثيرون منهم ولدوا في (فرنسا) ، لهو أمر خُرافيّ وسيئ السُمعة وكلّ الأمور أصبحت أسوأ نتيجةً لأفعال هؤلاء القتلة. لقد جرى مئة حادث، بل ما يفوق ذلك بكثير منذ آخر مرّة اطّلعت فيها على الأمور، أكثر من مئة هجوم على المسلمين تحت شعار "رهاب الإسلام" في (فرنسا) منذ حدوث هذه الجرائم. جرى الهجوم على المساجد بالقنابل اليدويّة والعبوات الناسفة وهجمات الحرق بالبنزين. السيّدات المسلمات تعرّضن للهجمات والرجال المُسلمون تعرّضوا للهجمات ورجل مُسلم من أصلٍ مغربي قُتِل في منزله على يد قاتلٍ يصرُخ بشعارات مناوئةٍ للإسلام، طعنه 17 مرّة حتّى الموت أمام زوجته وطفله الرضيع. طبعاً فإن القاتل قد أُدخل إلى مصحٍ عقلي، قيل أنه لم يكن هجوماً بدافع " رهاب الإسلام" بل أنّ المُهاجم كان مختلاً عقلياً. هذا التبرير لم يأخذوه في الاعتبار ولو لحظة بالنسبة إلى القتلة لإي "تشارلي إيبدو" بالدرجة الأولى، لقد افتُرِض تلقائياً أنّ دافعهم كان دينياً، لم يمرّ في خُلد أحد أنّهم قد يكونوا فعلاً مجانين، لكن الرجل الذي قتل المغربي أمام عائلته افترض رأساً أنّه مجنون. إذاً، أعتقد أنّ من غير الصحيح أن نقول أنّ من ارتكبوا الفعلة لم يكونوا مسلمين بل قد أقول أنّهم توقّفوا عن كونهم مسلمين عندما نفّذوا الهجوم، وهذه علامة فارقة سنتطرّق إليها في الجزء التالي لأنّها متعلّقة أيضاً بجريمة أقلّ مهارةً ولكنّها مساوية من حيث ما حملته من رعب والتي حدثت هنا في (لندن) عندما قُتل الشاب البريطاني عازف الطبل (لي ريغبي) في أحد شوارع جنوبي (لندن). سنعود بعد الفاصل


المحور الثالث

المحور الثالث

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون "كلمة حرّة" معي (جورج غالاواي) على قناة (الميادين) هنا للمرّة الأولى في (لندن). إننا نناقش حادث (تشارلي إيبدو). عنوان هذا البرنامج "كلمة حرّة" ونحن نناقش هنا ماهيّة الكلمات أو الرسوم التي يجب ألاّ تكون حرّة. لقد أوضحنا، على الأقل أنا والجمهور حتّى الآن، على نحوٍ لا لُبس فيه أنّ أياً ما يقوله المرء أو يكتبه أو يرسمه يجب ألا يُشكِّل الفُرصة لارتكاب العُنف والجريمة، لا سيما القتل وهو الأكثر كرها. لكن ماذا عن حقوق الأقليّات الدينيّة وهم بأغلبيّتهم الساحقة من أقلّيات عرقيّة في بلدان مثل (فرنسا) و(بريطانيا)، ليس بشكلٍ حصري ولكن بأغلبيّة ساحقة. ماذا عن حقّهم في الحماية من جلد التعصّب الديني والتحيّز والتحريض على الكراهية؟ هذه هي القضايا التي أُعالجها مع هذا الجمهور من الخبراء الحقيقيين والهواة الموهوبين مثلي . من يرغب في طرح السؤال التالي؟ نعم أيّتها السيّدة

أمينة صالحي (طالبة): مرحباً (جورج)، اسمي (أمينة صالحي) وأودّ أن أؤيّدك في ما قلته سابقاً عن كون الإرهابيين قد توقّفوا عن كونهم مسلمين عندما نفّذوا هجومهم لأنّه كان من الجلي عبر وسائل الإعلام في العالم أن المصطلحات التي استخدمها هؤلاء الإرهابيون أشارت إلى أنّهم إسلاميون مُتطرّفون. تباعاً، هذا يعني أنّهم يُمارسون الحدّ الأقصى من المبدأ الأصلي. هذا الأمر يوضح سؤالاً، كيف يمكن للمسلم أن يقتُل ويذبح الناس في حين أنّ الإسلام هو ديانة السلام. هذا أيضاً يقودني إلى أن أطرح عليك سؤالاً، هلّ تعتقد أنّ ردّ الفعل العنيف على المُجتمع الإسلامي بعد هجومي (باريس) على أقلّ تقدير ستؤججه عمداً وسائل الإعلام بهدف إبراز صورة شرّيرة للإسلام في العالم؟ وربّما لكسب الدعم لأيّ اجتياحات أو تدخّلات مُستقبليّة على الدول المُسلمة في الشرق الأوسط مثلاً؟

 جورج غالاواي: حسناً، إنّه سؤال جيّد جداً (أمينة) ومجدداً، وقبل أن أجيب بشكلٍ محدّد سأتطرّق إلى بعض المسائل العامّة. ما من شكّ في أنّ هناك ضمن الأمّة الإسلاميّة قسماً من الناس المتطرّفين جداً والطائفيين جداً والمهووسين بتعريفهم وتفسيرهم الضيّق للإسلام ما يجعلهم مُستعدّين لتنفيذ هجمات مروّعة على الآخرين ممن لا يتبنّون نهجهم الديني. لقد حدث هذا الأمر حتّى في الدول الأوروبيّة لكنّه يحدث على نطاقٍ واسعٍ جداً عالمياً. في اليوم الذي سجّلنا فيه هذه الحلقة أُلقيت قُنبلة أُخرى على مسجد شيعي في (باكستان) أودت بحياة العشرات من الناس وشوّهت عشرات آخرين. الشخص الذي نفّذ هذا العمل أقدم عليه باسم هذا التيار التكفيري المتعصّب. في (سوريا) وفي (العراق) حتّى وآسف أن أقول في بعض الحالات في (لبنان). مثل هذه الأفعال المتطرّفة مارسها أُناس باسم الإسلام مع أنّ الناس الذين يذبحون هم مسلمون! في واقع الأمر، في (سوريا) وفي (العراق)، الكثير من الذين ذُبحوا على يد هؤلاء الناس لم يكونوا مُسلمين وحسب إنّما كانوا مُسلمين سنّة لم يتقبّلوا هذه النزعة التكفيريّة في تفسير الدين. ولكن في معالجة سؤالك تحديداً فإنّه ما من شكّ في صحّة وجود أُناس مُستفيدين من فظاعاتٍ كهذه، فلنحاول التعرّف عليهم . أولاً أولئك الذين يكرهون كلّ المسلمين، يكرهون الإسلام، وإن كان الإسلام غير موجود في هذه الدول فإنّ كُرهم سينصبّ على السود والملوّنين عامّةً. هؤلاء الساسة العنصريّون وأتباعهم، من خلال مسيرتي الطويلة يمكنني أن أقول لكم أنّه عندما لم يكن هناك مسلمون في (بريطانيا) كانوا ينتهجون تلك الدعاية الإعلاميّة البغيضة والهجمات العنصريّة على السود من (الكاريبي)، رعايا المُستعمرات الإمبراطوريّة السابقة الذين كانت قد طلبت منهم الحكومة البريطانيّة المجيء إلى هنا لأداء الوظائف التي احتاجوا إلى ملئها كقيادة الحافلات ودفع العربات في المُستشفيات والتنظيف وكلّ الوظائف الأُخرى في القطاع العام التي كانت تُعاني بشكلٍ حادّ نقصاً في اليد العاملة. لقد رأيت إيرلنديين يخضعون للنوع نفسه من المُعاملة المتعصّبة والتمييز. في واقع الأمر، عائلتي الخاصّة كانت ضحيّة لمثل هذا النوع من المُعاملة قبل عقود. إذاً، هناك كلاسيكيون في كرههم للآخر، غالباً تحديداً كما في الولايات المتّحدة حيث العنصريون الأكثر تشدّداً على السود في جنوبي الولايات المتّحدة كانوا من الفقراء البيض الذين لم يمتلكوا سوى بضع قروشٍ أكثر من السود، الذين كانوا يعيشون في أكواخٍ مثل عائلات السود تماماً ولكن التفوّق الوحيد الذي تصوّروا أنّهم يمتلكونه هو أن وجوههم بيضاء فيما الشخص على الجانب الآخر كان أسود. لطالما كانت هناك أمورٌ كهذه. لكن يأتي مع ذلك جنباً إلى جنب أحزاب يمينيّة شوفينيّة مُعادية للأجانب ومنظّمات مثل "رابطة الدفاع الانجليزيّة"، مثل "الحزب القومي البريطاني الفاشي"، لكن حتّى وإلى حدِّ أقل وضوحاً بقليل ولكن بنجاحٍ أكبر أحزاب مثل "حزب استقلال المملكة المتّحدة" الذي يُدرِك أنّ هناك أصواتاً يجب دعمها من خلال تشجيع هذا النوع من المشاعر العنصريّة بين أفراد المُجتمع. هناك أيضاً صُحفٌ يجب بيعها على هذه الأُسس، "الدايلي إكسبرس"، "ذي صن"، و"الدايلي ستار" حتّى "الدايلي ميل" التي تتمتّع بأعلى مبيعات في البلاد. تُباع الصحف يومياً من خلال النشر على صفحاتها الأُولى شعارات معادية للمُهاجرين بدأت تأخذ بازدياد أخيراً طابع العداء للمُهاجرين المسلمين. حتّى وكما قلت سابقاً، فإنّ الناس الذين يُهاجمون ليسوا مهاجرين البتّة، إنّهم بريطانيون تماماً وكذلك الصحافيون الذين يكتبون المقالات، بل هم بريطانيون أكثر من مالكي هذه الصُحف الذين هم في معظم الأحيان مواطنون يتجنّبون دفع الضرائب ويعيشون لأسباب ضريبيّة أبعد ما في إمكانهم عن (بريطانيا). لكن هناك فوائد أكثر إثارةً للدهشة، الليبراليون. من كان يظنّ أنني قد أقول هذا؟ كما ترون، التحيّز ضد المسلمين هو النسخة الأخيرة المحترمة من العنصريّة، إنني أتحدث عن أُناس في (هامستيد)، في (إيزلينغتن)، في الأماكن الفاخرة من (لندن) بحفلات غذائهم الذين ما كانوا ليحلموا بأن يجلسوا حول مائدة طعامهم مع ضيوفهم متحدّثين بالسوء عن السود أو اليهود أو الكاثوليك، ولكنّهم من الذين يشهّرون بالإسلام والمسلمين من دون تأنيب ضمير. هناك مجموعة من المُلحدين المُحترفين الذين يعتبرون الإلحاد ديناً جديداً، الذين يكرهون الإسلام ولا يحبّون المسلمين كثيراً لأنهمّ يعدّون إخلاص المُسلمين لإيمانهم بطريقةٍ ما جريمة بحقّهم، إنّهم لا يكتفون بكونهم مُلحدين بل يريدون الدعوة إلى الإلحاد. ليست لديّ مُشكلة مع أحد غير مؤمن دينياً، إنني أشعر بالشفقة عليهم وحسب. لكن هؤلاء الناس لديهم مهمّة شبيهة بالحملات الصليبيّة في أن يشهّروا ويصموا بالعار أولئك الذين لديهم إيمان، من بين المؤمنين يُعدّ المُسلمون أكثرهم وضوحاً للناظر. إن كان هناك شخصٌ مخلصٌ لإيمانه المسيحي في (بريطانيا) أو شخص مُخلص لإيمانه اليهودي في معظم الأحيان ولكن ليس في كُلّ الحالات فإنه ليس من السهل معرفة ذلك بمجرّد النظر إليه ولكن من السهل جداً معرفة ما إذا كان الشخصُ مسلماً مؤمناً وخصوصاً السيّدات، بخاصة إن كنّ يرتدين الحجاب، بخاصةً إن كنّ يرتدين ما هو أكثر من حجاب، نقاباً أو بُرقعاً إلى آخره. غالباً ما يركّزون على رجال ملتحين يبدون أجانب، يعتقدون أنّ هذا أحد مظاهر التديّن والإخلاص الديني، وهذا ما يؤدّي إلى عدد من حالات الاعتداء على غير المُسلمين في منازلهم لأنّه جرى الافتراض أنّهم مسلمون بسبب لونهم ولُحاهم. إذاً، هناك مالٌ يُجنى من وراء ذلك وأصوات انتخابيّة يجب الحصول عليها وهناك إشباع لرغباتٍ في بعض الأحياء من إهانة، والتقليل من شأن، والانتقاص من المسلمين. لهذا السبب فإنّ كثيراً من المُنتمين إلى الطبقة الوسطى من الليبراليين الذين يصنّفون أنفسهم تقدّميين سياسياً كانوا حريصين جداً على إظهار أنفسهم ليسوا معارضين للجريمة التي حدثت في (تشارلي إيبدو) وحسب فجميعنا معارضون للجريمة التي حدثت في (تشارلي إيبدو)، إنّما لصحيفة (تشارلي إيبدو) في أن ترسم وتنشر تلك الرسوم التي نشروها بين الطبقة الوسطى المُتعلّمة والمتحضّرة والليبراليّة في (بريطانيا). هلّ عالج هذا سؤالكِ؟

أمينة صالحي: نعم، شكراً

جورج غالاواي: شكراً لكِ، نعم السيّد في الوسط

عيسى إدريس (طالب): مساء الخير سيّد (غالاواي)، إسمي (عيسى إدريس) وأودّ أن أطرح عليك سؤالاً بخصوص ردّ الفعل على هجوم (تشارلي إيبدو). فكما تعلم على الأرجح، هم بعد الهجمات يسعون لإصدار نشرة أُخرى عن الرسول. هلّ تعتقد أنّهم استغلّوا الحشد الداعم من العالم المُسلم ضدّ تلك الهجمات؟ ومن أشخاص مثل (ماجد نوّاز) من مُنظّمة (كوليام) الذي يدعم كما يدّعي الإيديولوجيّة المسلمة ولكنّه في الوقت نفسه يدعم رسوم (تشارلي إيبدو)؟  

جورج غالاواي: سأقول لك ما فعلته أنا شخصياً في مدينتي (برادفورد) شمالي (إنجلترا) التي تحتوي على عدد كبير من المُسلمين. دعوت إلى تظاهرة وسط المدينة لإيضاح ما أنا بصدد إيضاحه هذا المساء، رفض فعل الإرهابيين ورفض أفعال صحيفة ( تشارلي إيبدو) وهذا هو الموقف الذي كان من المُفترض أن يُتّخذ في كلّ مكان. بعض الناس خافوا من القيام بذلك وبعض الناس دُفع إليهم للقيام بالعكس تماماً. معظم مُشاهدينا لا يعرِف (ماجد نوّاز)، إنّه إرهابي سابق في واقع الأمر، سُجن لاتّهامه بأعمال إرهابيّة مزعومة أبان حُكم الدكتاتوريّة المصريّة، أقصد الديكتاتوريّة المصريّة السابقة، لقد بدأنا نفقد المسار الآن لتعدّد الديكتاتوريات، (ماجد نوّاز) كان متطرّفاً، متطرِّفاً حقيقياً يمكنني أن أؤكّد لك، فقد عشت بما يكفي لأسمع (ماجد نوّاز) يُندّد بي من المواقع الإسلاميّة الأكثر تطرفاً. إنه ليبرالي الآن، في الواقع هو مُرشّح عن الكتلة النيابيّة الليبراليّة لكنّه عميل مأجور للدولة البريطانيّة. إنه يتلقّى في منظّمته (كويليام) تلك، وهو ما يشوّه (كويليام) بصراحة، يتلقّى ملايين الدولارات للقيام بما يُسمّى مُكافحة التطرّف بين المُجتمع المُسلم والذي يُختزل عادةً بتلقين شهادة المُسلمين، بالشهادة ضد المُسلمين لترفيه البرامج البريطانيّة المُتلفزة والسياسيين البريطانيين، مع أن هذه فئة قليلة جداً من الناس. هناك كومبرادور مدفوع له في المجتمع الإسلامي في (بريطانيا)، لكن الدولة البريطانيّة لا تدفع ما يكفي من المال لإرضاء عدد كبير من أُناس كهؤلاء، بالتالي فإن طول الصفّ على تلقّي المال لا يتعدّى (ماجد نوّاز) وشخصاً أو شخصين آخرين. يجب ألا يخشى المسلمون إظهار موقفهم من هذا الأمر بل عليهم وبشكلٍ لا لُبس فيه إدانة جرائم الإرهابيين وبالتأكيد الدفاع عن إيمانهم وعن رسولهم وعن حقّهم في ألاّ يتعرّضوا لهذه الإهانة المتزمّتة بحيث تُصبِح إمكانيّة تقدّم المجانين والتسبّب بدمار المُجتمع. هذا هو الموقف الذي اتّخذته منذ اللحظة الأولى وهو الموقف الذي كان على الآخرين اتّخاذه. شكراً مجدداً، سؤال ممتاز. سنُناقش أكثر بعد الفاصل


المحور الرابع

المحور الرابع

جورج غالاواي: شكراً لكم، أنتم تشاهدون "كلمة حرّة" معي (جورج غالاواي) على قناة "الميادين" تأتيكم للمرّة الأولى وليست الأخيرة في اعتقادي من مدينة (لندن) في (إنجلترا). إننا نناقش أحداث (تشارلي إيبدو) وتبعات جريمة القتل الجماعي في (فرنسا) وعبر (أوروبا) وهُنا في المملكة المُتّحدة . أعلم أنّكم تعتقدون أنّ المملكة المتّحدة جزءٌ من (أوروبا) ولكن الناس بمُعظمهم في المملكة المتّحدة لا يعرفون، لذلك قمت بهذا التقسيم الزائف ما بين (أوروبا) و(المملكة المتّحدة)، لكنّه أمرٌ مُنتشر هنا بالتأكيد. إننا نناقش المسألة مع جمهورٍ من الخبراء والهواة المتحمّسين. فلنأخذ مزيداً من المُداخلات، نعم السيّد في الخلف

أيمن داعوق (ناشط): مرحباً (جورج)، اسمي (أيمن الداعوق). سأضيف إلى السؤال الأخير، أشعر اليوم أنّ المسلمين يعانون أسوأ سُمعة على الإطلاق ربّما لأن بعض الناس يجدون من الأسهل عليهم وضع المُجتمع بأسره في خانةٍ واحدة. هلّ تعتقد أنّه وبالتقدّم إلى الأمام فإنّ مستقبل المُسلمين هو في أن يكون لهم دعاية على غرار "معاداة الساميّة" أو آليّة دفاع بهدف النجاة؟

جورج غالاواي: إنني أعتقد فعلاً أنّ هناك تهديداً حقيقياً للفرد المُسلم. هناك تهديد لمُمتلكات المُسلمين للمساجد خصوصاً وللمدارس أيضاً. هناك تهديد من المتعصّبين العنصريين المُنتقمين لما حدث، لكن هناك تهديد كذلك من تجنيد القيود القانونيّة على حقّ المُسلمين بممارسة ديانتهم بالطريقة التي يختارونها. لقد ذكرت سابقاً أنّه وفي (فرنسا) فإن من غير القانوني لسيّدة مُسلمة أن تضع الحجاب في ظروفٍ مُعيّنة وفي أماكن مُعيّنة. جرت مقاومة هذا الأمر في (بريطانيا) حتّى الآن لكنّه ليس بالأمر الذي لا يُمكن تصوّره في أنّ إحدى نتائج الانتخابات العامة البريطانيّة المقبلة قد تتجسّد بظهور حكومة تكون تحت الضغط في أن تسلك الطريق الفرنسي في هذه المسألة. على سبيل المثال، إحدى النتائج المُحتملة للانتخابات قد تكون في حكومة أقلّية مُحافظة يقودها (ديفيد كاميرون) ولكنّها تعتمد على "حزب استقلال المملكة المتّحدة"، الحزب المعادي جداً للإسلام، بحيث يضغطون على الحكومة كأحد بنود صفقتهم في أن تتخذ خطواتٍ تشريعيّة مُعيّنة لإشباع شهوة العنصريين في "قمع المسلمين". أعتقد أنّ هناك خطراً على التعليم الإسلامي في هذه البلاد. لقد سبق أن شهدناه، حتّى ضمن البرلمان الحالي. لقد كان هناك غضبٌ زائف على ما سُمّيَ "حصان طروادة" الذي تضمّن كما يُزعم في أن يصبح الآباء والأمهات المسلمون مُديري مدارس من أجل أسلمة مدارس أبنائهم العامّة. يكاد يكون من المؤكّد، الوثائق التي استندت إليها تلك المؤامرة المُزيّفة كانت مُزيّفة فعلياً أصدرها شخصٌ حاقدٌ على مجموعةٍ مُعيّنة من الآباء المسلمين الذين كانوا مُديرين في مدرسة في (بيرمينغهام). لقد قاد هذا إلى حملة مُطاردة مُطلقة عبر البلاد ضدّ مدارس تحتوي على عدد كبير من المواطنين المُسلمين. مثلاً، هناك بعض المدارس ضمن دائرتي الانتخابيّة ومدارس أكثر في (بيرمينغهام) في (ميدلاندز) الإنجليزية حيث 95 في المئة أو أكثر من الطلاّب مُسلمون. كان يأتي المفتّشون ويُبلغون عن اكتشافهم أجواء إسلاميّة في المدرسة، وهو ما قد يكون مُشابهاً للذهاب إلى مدرسة تكون فيها نسبة السود 95 في المائة والتذمّر من وجود صور لـ (نيلسون مانديلا) عوضاً عن صور الملكة على الجدار. طبعاً لا أحد يحلم أو يجرؤ على إثارة فضيحة لهذا السبب، لكنّهم فعلوا ذلك في قضيّة ما سُمّيَ "حصان طروادة". لدينا الآن آباء مُسلمون يتركون مناصب إدارة المدارس مغيبين أنفسهم عن تعليم أبنائهم خوفاً من أن يُتّهموا بأنّهم متطرّفون إسلاميون متورّطين في مؤامرةٍ ما، والتلاميذ المُسلمون الذين تمتّعوا، إن أصبت التعبير، وتمكّنوا من تحقيق إنجازات ما ضمن مُنشآت المدرسة مثل الطعام الحلال المضمون وما إلى هنالك، فإنّ هذه الأمور الآن تخضع للتهديد وقد تسوء تلك الأمور أكثر. قد نصل إلى مرحلة تُحظّر فيها المدارس الإسلاميّة في (بريطانيا). هناك الكثير من الآباء المسلمين الذين لا يريدون لأبنائهم الذهاب إلى مدرسة مُسلمة، يريدون منهم الذهاب إلى مدرسة ذات روحٍ دينيّة ولكنّهم يريدون أن يكونوا في مدرسةٍ حكوميّة، لكن هناك بعض الآباء المسلمين الذين يُريدون لأبنائهم الذهاب إلى مدارس إسلاميّة تماماً كما هناك آباء يهود يُريدون أن يذهب أبناؤهم إلى مدارس يهوديّة. والمسيحيون، الروم الكاثوليك على وجه الخصوص، يريد الآباء أن يذهب أبناؤهم إلى مدرسة للروم الكاثوليك لذا سيكون من الصعب تقديم قوانين جديدة تستثني المُسلمين وحدهم على أنّهم المُجتمع المُتديّن الوحيد الخطر في البلاد غير المسموح له بامتلاك مدارس خاصّة به. لذا، فإنّ على المسلمين التماسك وعليهم أن يكونوا متّحدين عبر طوائفهم واتجاهاتهم المُختلفة وسياساتهم المُختلفة. عليهم أن يكونوا معاً وحذرين ضدّ أيّ انتهاك للحقوق التي يتمتّعون بها. فضلاً عن ذلك، فإنّ عليهم إيجاد روابط ووحدة مع غير المسلمين المُستعدين للدفاع عنهم والمستعدّين للوقوف معهم. لهذا السبب فإنّ المنظّمات الإسلاميّة المتطرّفة في (بريطانيا) وهي موجودة، مخطئة جداً. هذه الأحزاب مثل "حزب التحرير" ومُنظّمات أكثر تطرّفاً تريد عزل المسلمين على صخور من الانفصاليّة والتطرّف. تُريد القول أنّ ليس لدينا حلفاء، هؤلاء جميعاً كُفّار. لا يمكننا التصويت فهذا حرام، لا يمكننا أن نتعامل مع غير المُسلمين. هذا جنون! لا يوجد سوى مليوني مُسلم في (بريطانيا). هناك 65 مليوناً من أديان أُخرى. إن أراد المسلمون الدفاع عن موقعهم فإنّ عليهم  بناء الصداقات والتأثير في الناس وعليهم أن يتصرّفوا بطريقة لا تُبعد الناس عنهم. لدى الناس يا (أيمن) انطباع سيئ عن المُسلمين في (بريطانيا) وأحياناً تقع الملامة في هذا الانطباع السيئ على المُسلمين أنفسهم. لا أحد أعرفه قد يسمح لزوجته بالسير في شوارع ( إيدجوير) في الصيف لأنّ عدداً هائلاً من الرجال المسلمين يدخّنون النارجيلة خارج المقاهي ويقومون بملاحظاتٍ غير لائقة ويتقدّمون بمُقترحاتٍ لهنّ. إن دخلت إلى كُشك للهاتف في شارع (إيدجوير) لا يمكنك رؤية النوافذ بسبب المُلصقات بالعربيّة التي تسوّق الدعارة والرذيلة بكلّ أنواعها. هذا يُعطي انطباعاً سيئاً جداً. عندما يرى أحدهم شيوخاً خليجيين يطوفون في شوارع (لندن) الرئيسيّة بسيارات يبلغ ثمن كلٍ منها نصف مليون دولار ويتصرّفون كالوحوش، يعتقد الجمهور أنّ هذه هي صورة المسلم وهكذا يتصرّف المُسلِم، أو أنّه متطرِّف لا يكلِّم جاره ولا يبني علاقات جيّدة مع الناس الذين يعيش بينهم

ديفيد لاولي ( مخرِج ناشط ضدّ الحروب): سأطرح عليك سؤالاً سريعاً مُستطرداً على ما تقوله، هل يمكنك القول أنّ المجتمع اليهودي في بريطانيا العظمى الذي يبلغ تعداده 300 ألف، أي أنّه سُدس المُجتمع المُسلم كان أكثر نجاحاً في إقامة علاقات صداقة والتأثير في الناس؟

جورج غالاواي: إنّ قسماً من المجتمع اليهودي قد أقام علاقات صداقة مع أشخاص مُتنفّذين جداً وقد أثّر في الناس بقوّة ولكن على العموم، ليس الجزء المتديِّن من المُجتمع اليهودي. أحد الأمور التي قد تُفاجئ الكثيرين أنّ قسماً هائلاً من اليهود، ليس هنا وحسب إنّما فيما يطلقون عليه تسمية (إسرائيلي) غير مُتديِّن البتّة. وهؤلاء لا يتبعون أيّ التزامات دينيّة وإن فعلوا فبأُسلوبٍ غير منهجي ويقتصر ذلك على المُهمّين منهم. الصهاينة أنفسهم عندما طلبوا إلى  (بلفور) صاحب الوعد السيئ السمعة في إقامة موطن يهودي في (فلسطين) ، كلّ القادة الصهاينة الذين جلسوا أمامه، ومن دون استثناء، كانوا مُلحدين وقد أعلنوا أنّهم ملحدون. إنني أقول دوماً أنّ الصهاينة لا يؤمنون بالله ولكنّهم يؤمنون أن الله وعدهم بـ (فلسطين). هذا القسم من المُجتمع اليهودي قد أقام علاقات الصداقة القويّة مع المتنفّذين من الناس  وعليك أن ترفع قُبّعتك احتراماً، لقد كانت عمليّة ناجحة بامتياز. الصحافيّون في (بريطانيا) يُصابون بالهلع من كتابة أيّ شيء في صُحفهم ومجلاّتهم من شأنه أن يُغضِب هذا القطاع من المُجتمع اليهودي في (بريطانيا). عادةً فإنّهم لا يأبهون لأنّ أصابعهم تتوقّف فوق لوحة المفاتيح  ويعلمون أنّهم إن كتبوا ما يشاؤون سيكون عليهم أن يُمضوا الأسبوعين التاليين في التعامل مع مجموعة هائلة من الشكاوى والمزاعم والإهانات والاتّهامات وما إلى ذلك. لذا فإنّهم عادةً ما يكتبون عن شيءٍ آخر، لكن أكثر اليهود تديّناً يعيشون حياة عزلة شديدة في أماكن مثل (ستانفورد هيل) في (هاكني) في شرق (لندن)، كانت حياتهم منعزلة جداً، وقبل مجيء المُسلمين فقد كانوا هم ضحايا التعصّب الديني والتمييز الذي تحدّثنا عنه آنفاً. لا أعلم إن كان أحدٌ يعرف ذلك، ولكن أحد أهمّ الكُتب التي قرأتها وأنا شاب يسمّى "المُحسنون بالسراويل الرثّة" كتبه رجلٌ اسمه (روبيرت تريسيل) في عام 1901 أي قبل أكثر من مئة عام، والحوار في افتتاحيّة الكتاب مع الدهّان  وعُمّال الأثاث من اليهود المُهاجرين مُطابق لنوع الحوارات التي قد تجدها اليوم. يقولون أن هؤلاء اليهود يأتون إلى هنا ويتكلّمون لغتهم الخاصّة، حتّى أنهم لا يتكلّمون الإنجليزيّة. يغطّون رؤوس نساءهم ويأكلون طعاماً مختلفاً، رائحتهم مختلفة، كافة أوجه العُنصريّة التي ترونها اليوم ضدّ المسلمين جرت ممارستها في عام 1901 على اليهود الذين يعيشون في المجتمعات اليهوديّة الدينيّة التي كانت في (لندن). لكن درساً واحداً بالإمكان تعلّمه (ديفيد) من سؤالك هو التالي: إذا كانوا، هل قلت ستّة أضعاف؟  إن كان فعلاً عدد المُسلمين يفوق بستّة أضعاف عدد اليهود فلماذا لا يتمتّع المُسلمون إلاّ بقليلٍ من السُلطة والنفوذ؟ علينا أن نتساءل حول سبب حيازة هؤلاء اليهود غير المتديّنين تحديداً كلّ تلك القوّة والنفوذ، بل السؤال الأصح هو، كيف آل بكم المطاف إلى ألا تمتلكوا أيّ سُلطةٍ أو نفوذ والإجابة بالطبع هي الوحدة. اليهود مولعون بالجدل، لديهم عدد من التوجّهات المُختلفة والتيارات. إن نظرتم إلى البرلمان الإسرائيلي فإنّهم كثيراً ما يصلون إلى حدّ العراك بالأيدي والاشتباك. إنّهم ليسوا موحّدين على جميع الصُعُد، لكن ثمّة شيئاً واحداً يوحّدهم  وهو الدفاع عن (إسرائيل) والصهيونيّة. إنّهم مستعدّون دوماً لتجسيد أقوالهم، إنّهم مستعدّون لتمويل وتنظيم القوّة والنفوذ. الردّ الأمثل على ذلك يكمن في قيام المسلمين بالدور نفسه ولكنّهم لا يفعلون. لقد اصطحبني مرّةً إلى العشاء أحد أبناء، ولن أذكر اسمه، أحد أبناء الراحل العظيم الشيخ (زايد) الحاكم السابق للإمارات العربيّة المتّحدة، وسألني هذا الأمير: " لماذا يتمتّع اللوبي الصهيوني بقوّةٍ أكبر بكثير من تلك التي يتمتّع بها اللوبي خاصّتنا في (بريطانيا)؟" فقلت له: " يا سموّ الأمير" ، كان يدفع ثمن العشاء لذا كان عليّ أن أدعوه سموّ الأمير. قلت له: " يا سموّ الأمير، ليس لدينا لوبي". "ماذا تقصد بأقوى من اللوبي خاصتنا ، فليس لدينا لوبي"، كان ذلك في (ميثيا) طبعاً ، قلت له: " بإمكاني اصطحابك بقطرِ ميلٍ واحد فقط حول هذا المطعم لتجد هناك عربٌ في كلّ كازينو يُنفقون على طاولات القمار أموالاً تفوق ميزانيّة عشرة لوبيّات مُجتمعة تمكّننا من أن يصبح لدينا اللوبي الأكثر قوّة في البلاد إن لم يُبدد من يمتلكون المال على الرذيلة بأنواعها المُختلفة. سأعود إليكم بعد الفاصل 


المحور الخامس

المحور الخامس

جورج غالاواي: أهلاً بكم في القسم الأخير من "كلمة حرّة" على قناة "الميادين" معي (جورج غالاواي) في (لندن). إننا نتحدّث عن حادث (تشارلي إيبدو) والزلزال الذي تسبّب به للمُسلمين في (أوروبا) ليصل عبر القناة الإنجليزيّة إلى (المملكة المتّحدة) نفسها، والتي تكون في العادة معزولةً عن كثيرٍ من المُجريات التي تحدُث في البرّ الأوروبي الرئيسي ولكن ليس هذا الحادث لسوء الحظّ. من يرغب في طرح السؤال التالي؟ نعم أيّها السيّد

أحمد قحطاني : ( إعلامي): مرحباً سيّد (جورج)، أنا "أحمد القحطاني" وأنا إعلامي في "بريطانيا". أحبّ أن أسأل عن القضيّة التي حدثت في "فرنسا" والإرهاب الذي حدث في "فرنسا". لماذا لم تضع الصحف الفرنسيّة قضيّة الإرهاب هذه في محور أساسي ولماذا لم يركزّوا على أن هذه القضيّة لا تحتوي شيئاً أكثر من محتواها؟ فسؤالي وهو المهمّ وهنا القضيّة، لماذا الفرنسيون، حسناً هم يعبّرون عن رأيهم الشخصي صحيح ولكن التعبير عن الرأي الشخصي بهذه الطريقة ليست صحيحة حسب ما أعتقد. أنا أحببت أن استشيرك في هذا الموضوع وأسألك، هل التعبير عن الرأي هو تجاوز على حقوق الآخرين ومقدسات الآخرين؟

جورج غالاواي: حسناً، بالطبع هذا هو السؤال الكبير، سؤال الـ 64 ألف يورو. إنّ تصوير الرسول أمرٌ ممنوعٌ على المسلمين، إنّه لم يكن كذلك فعلياً في صدر الإسلام ولكنّه أصبح مصدر قلق لدى الأمّة الإسلاميّة وخشية من الوثنيّة والتعبّد إلى الرسول عوضاً من الله. لذا أصبح تصوير الرسول مسألة محظورة. ما نتحدّث عنه ليس تصويراً. إنني أُناضل مع هذا المفهوم وأكرّر ما أقول حيثما أذهب مراراً وتكراراً. في النسخة الأخيرة من صحيفة (تشارلي إيبدو) هناك رسم كاريكاتوري، وطبعاً كيف لنا أن نعلم لكنّه لا يحمل أيّ تشابه مع الرسول أبداً. إنّها أيقونة مُخترعة استُخدِمت لتكون تصويراً للرسول. لو كان كلّ ما فعلته (تشارلي إيبدو) هو ذلك النوع من التصوير لما كنّا نُجري هذه المناقشة الآن. في نهاية المطاف (تشارلي إيبدو) لا يديرها مسلمون، رسّامو الكاريكاتور ليسوا مُسلمين، لكنني لن أُغضب جمهورنا بوصفي نوع الحقد الذي تحمله تلك الرسوم الكاريكاتوريّة التي نشرتها (تشارلي إيبدو) بانتظام للرسول (محمد)، لقد كان ذلك مُغالياً في التطرّف. ولكن أكثر الأمور تطرّفاً التي بإمكانكم تصوّرها قد أقدموا فعلاً عليها، وهذا ما سبّب الغضب والإهانة. بالنسبة لي، فإنّه أمرٌ غير قانوني. أولاً، ليس على أيّ رسّام كاريكاتور أو صحافي القيام بذلك، لماذا قد ترغب في ذلك؟ لماذا قد ترغب في ذلك بحقّ أيّ شخص يُنظر إليه بوقار وإجلال بصفته رسولاً لأيّ ديانةٍ كانت ، لماذا قد ترغب في القيام بذلك؟ ما المكسب من القيام بذلك؟ كيف تكون تنفِّذ بذلك أي شكلٍ من أشكال الأعمال الشريفة؟ لكنّهم إن أرادوا، فإنّ هذا من المُفترض أن يكون هذا عملاً غير قانوني أن ترسم بشكلٍ فاحش وإباحي لهذه الدرجة كاريكاتورا لرسول أيّ أحد أو بصراحة، أيّ شخصٍ على الإطلاق. يُفترض بأن يكون هذا أمراً غير قانوني، وأنا أُناضل لهذه المسألة هُنا. المشكلة الوحيدة هي أنّه وبالنسبة إلى المسيحيين، فإن رسم (يسوع المسيح) ليس بالأمر المحظور، ليس محظوراً بلّ إنّك وفي واقع الأمر فإنّك ستجد خارج كلّ كنيسة للروم الكاثوليك في العالم تمثالاً للمسيح على الصليب. إنّه ليس محظوراً بالنسبة إليهم، لذا من الصعب على كثيرٍ من المسيحيين إحصاء ما بإمكانهم فعله، مثل رسم وتصوير وجه رسولنا وقائدنا (يسوع المسيح). إذاً، ما الخطب في تصوير الرسول (محمد)؟! طبعاً، يحق للمسيحيين أن تكون لهم قوانينهم ويحق للمُسلمين أن تكون لهم قوانينهم الخاصّة، لكن عندما يصل الأمر إلى رسم كاريكاتورات فاحشة يُصبح الأمر كما الحال في ثلاثينات القرن الماضي في (ألمانيا). كانت هناك صحيفة تُدعى "دير شتورمر" كانت متخصصة بهذا النوع الفاحش من الرسم الكاريكاتوري لليهود. في واقع الأمر، فإنّ خصائص الوجه لليهود الذين رُسمت صورهم الكاريكاتوريّة في الصحيفة النازيّة "دير شتورمر" تكاد تكون مُطابقة للرسوم الفاحشة للمُسلمين في صحيفة (تشارلي إيبدو). لا أحد يمتلك عقلاً سليماً الآن ، وربّما في ذلك الوقت حتّى، يجرؤ على القول أنّ "دير شتورمر" تتمتّع بحريّة الرأي. لقد كان يُشار إليها باشمئزاز حينذاك في ثلاثينات القرن الماضي. إذاً، سأعود مُجدداً إلى هذه النقطة. إن كان الأمر غير قانوني، كما يُجدر به أن يكون، القيام بأمورٍ كهذه بحقّ اليهود، لماذا يُعدّ قانونياً القيام به بحقّ المُسلمين؟ هذا هو سؤالي. نعم أيتها السيّدة

جوليا قاسم (طالبة): مرحباً (جورج)، إسمي (جوليا). إنني أُوافق على كثيرٍ مما قلته، ولكنني أريد وحسب أن أعرِف، إلى أيّ حدّ سنستمرّ في وضع القيود على حريّة التعبير عوضاً عن تحويل إيديولوجيّة الشباب، أو ربما تعليمهم أسس الإسلام وما هو الصح والخطأ في المفاهيم الإسلاميّة بحيث أنّهم لا يتبنّوا حين يكبرون تلك الإيديولوجيّة المتطرّفة كحقيقة

جورج غالاواي: أعتقد أنّ المسألة لا تكمن في هذا أو ذاك، أعني على سبيل المثال من خبرتي بين الشباب اليوم فإنّ العنصريّة أقلّ تفشّياً عمّا كانت عليه قبل 30 عاماً، ويعود الفضل جزئياً في هذا إلى التغيير في مكوّنات المجتمع البريطاني. أحد أبنائي يذهب إلى المدرسة مع صبيّ (نصف أبيض) ولكنّه الطفل النصف أبيض الوحيد في صفّه، جميع الآخرين في صفّه هم من السود أو الآسيويين أو من العرب على وجه الخصوص. لذا فإنّه لن يخطر في باله أبداً أن تكون لديه مشاعر عنصريّة بحقّ التلاميذ في صفّه. صديقه المقرّب صبيّ صومالي اسمه (مسعود). إنّه لم يذكر لي أبداً ولم أعرِف أنّ (مسعود) أسود حتّى التقيته. لذا، فقد أصبحت العنصريّة أقلّ شيوعاً بكثير أو أقلّ قبولاً على مرّ العقود فقط بفضل تلك العمليّة التعليميّة التي ذكرتها، ولكنّه ممسِك به بفضل القيود القانونيّة على العنصريّة. لقد كانت هناك قوانين منذ 40 عاماً في هذه البلاد قوانين تمنعُ الناس من التصرّف بأسلوبٍ عنصري. هذا لا يوقف كلّ الناس عن التصرّف بتلك الطريقة طبعاً. إذاً هناك قوانين ضدّ العنصريّة وهناك تغيير في السلوك بين الشباب تجاه العنصريّة وأعتقد أنّ هذه هي المُقاربة الصحيحة، المنع بالتشريع. بالقوانين ولكن قبل كلّ شيء فإننا بحاجة إلى تغيير في السلوك. السيّد في القبّعة في الخلف، أحب القبعات

حسين بابا ( طالب): مرحباً سيّد (جورج) معك "حسين بابا"، شكراً جزيلاً وأنا سعيد وتشرّفت بلقائك. سؤالي أن أفهم أنّ العنصريّة موجودة في شتّى بقاع العالم. في دولنا العربيّة توجد بين السنّة والشيعة، في الدول الآسيويّة كـ "الهند" و"بورما" توجد بين المسلمين والبوذيين، حتّى في أميركا مقتل الشاب الأسود قبل فترة قليلة أثبت أنّ العنصريّة ما زالت موجودة وبنسبٍ متفاوتة. ما لا أفهمه أنّ في مجتمعات مثل "بريطانيا و"فرنسا" والدول هذه، أوّل الدول التي تبنّت الحرّيات وادّعتها، كيف لها ألا تميّز بين تصرّف فردي وتصرّف جماعي؟ سيّما أنه لم يحدث لها  في الحادي عشر من سبتمبر كما حدث في أميركا حتّى تكون هناك ردّة فعل لشعب بكامل، فما هي أسباب هذه العنصريّة في هذه الدول؟

جورج غالاواي: من دون شكّ العنصريّة موجودة. الفرق هو، وكما أشرت في سؤالك. عندما أقدم (أنديرز بريفيك) المسيحي الأبيض الفاشي النرويجي على قتل 70 طفلاً في مدرسة قبل بضع سنوات في (النرويج)، لم يُخيّل إلى أحد أن يلوم كُلّ بيض البشرة ولمّ يُخيّل إلى أحد أن يلوم كُلّ المسيحيين، ولم يقل أحد إنّ على المسيحيين أن يعتذروا عن فعلته ولم يقل أحد إنّ البيض مسؤولون عن فعلة رجلٍ أبيض وإنّه مسيحي وإنه فاشي وقد قتل كثيراً من الأطفال الأبرياء في سنّ المدرسة. ذلك النوع من العقاب الجماعي والمتطلّبات الجماعيّة لم يحدث قط. (روبرت مردوخ)، إمبراطور أقوى إعلام على الأرض أصدر تغريدةً في أعقاب أحداث (تشارلي إيبدو) أنّه يجب تحميل المُسلمين مسؤوليّة ما جرى في (باريس) إلى أن يقتلعوا ويستأصلوا عُنصر التعصّب والتطرّف من بينهم. بعبارة أُخرى، على 1.7 مليار شخص تحمّل مسؤوليّة ما حدث! ما الذي يعنيه هذا؟ يُحاكمون؟ يُسجنون؟ يُهاجمون أكثر؟ يُكرهون؟ عندما يقول أكثر الرجال نفوذاً في مجال الإعلام العالمي شيئاً كهذا وبالمقارنة مع مثال (بريفيك) الذي ذكرته آنفاً و(بوش) و(بلير)، لقد قتل (بوش) و(بلير) مليون إنسان، لا أحد يلوم كلّ الأميركيين ولا كلّ البيض ولا كلّ البريطانيين ولا كلّ المسيحيين فكلاهما يضع مسيحيته على كُمّ قميصه ولكن أحداً لا يُحمّل المسيحيّة ولا أحد يُحمّل (عيسى المسيح) مسؤوليّة أفعال (بوش) و(بلير)، وهذا هو الفرق الأبرز في هذه القضيّة. نعم، أيها السيّد في الخلف

وسيم عبّاس (ممثل): مساء الخير، لدي سؤال يقول، كيف لنا كمُجتمع أن نتعلّم من هذا؟ وكيف لنا أن نكون أكثر ثقافة في مسألة الحدود على حُريّة التعبير؟ وكيف يُمكن أن نستخدم حُرّية التعبير وسيلةً لخدمة المجتمع والإنسانيّة؟

جورج غالاواي: بطريقة ما فإنّ سؤالك هو الأكبر الآن، وكما قلت سابقاً فإنّ الجمل يصعب تعريفه ولكن تسهل مُلاحظته. حقّي في أن أُلوِّح بنهاية قبضتي ينتهي قبل أن تُلامس قيضتي فكّك لأنني أمتلك الحق في التلويح بقبضتي ولكن ليس لي الحق في أن أُلحق بك الأذى وليس لي الحق في أن أُلحق الأذى ببقيّة المُجتمع بما قد يحدث تالياً لأنني إنّ ضربتك على فكّك فإنّك ستردّ الضربة وسينشب هناك شجارٌ كبير وسينشب كثيرٌ من المُشكلات وسيتأذّى أُناس آخرون. إذاً، هذه هي النقطة الفلسفيّة التي أحاول إيضاحها. طبعاً فإنّ النقد الشرعي لفعل الناس يجب الحفاظ عليه والدفاع عنه مع أنّه غير موجودٍ البتّة عند بعضهم. ألقيت خطاباً في (ليدز) الصيف الماضي  مُنادياً بمُقاطعة كلّ ما هو إسرائيلي، ليس كلّ ما هو يهودي وحسب إنّما كلّ الإسرائيليين، وقد زارتني الشرطة واستجوبتني تحت الحراسة، تصوّر. من السهل وقف حُرّية خطابي، أو كما كان في السابق بعدم السماح لي بالظهور على التلفاز وبعدم اقتباس أقوالي في الصُحُف لأنّ التلفاز والصُحف كانا يمتلكهما عددٌ صغير من الناس المتنفّذين والأثرياء جداً، اليوم أصبح لدينا تلفزيوننا الخاص، طبعاً. إذا، فإنّ هناك حريّة تعبير لبعض الناس تتيح لهم انتقاد أفعال وصِفات الناس الشخصيّة وطبيعة الناس والمؤسسات غير أنّها غير متاحةٍ جداً لآخرين. هذا هو اللاعدل واللامساواة اللذان علينا مواجهتهما بأنفسنا. لكن أُحافِظ على موقفي وهو أنّ الأمور التي تهدّد السلام الاجتماعي بترويع عددٍ كبيرٍ من الناس عمداً من خلال الهجوم بأسلوب لئيم وفاحش ما هو مقدّس ومُبجّل لهم يجب ألا يُسمح به. على الأقلّ يجب أن يخضع للمُساءلة القانونيّة ، وقد يكون أفضل طبعاً أن يعتمد على أخلاقيّات الصحافي ورسّامي الكاريكاتور، وقد يكون أفضل لو أنّ الشخص توقّف قليلاً وهو يحمل قلمه قائلاً: "ما الذي أفعله هنا؟ ولماذا أفعل ذلك؟"، ولكن في غياب الأخلاق والشرف المهنيّين لدى البعض بما في ذلك مهنة السياسي، يجب أن تكون هناك قيود تشريعيّة وقانونيّة ضدّ ما يمكنهم فعله في إيذاء الآخرين. شكراً جزيلاً، تلك كانت "كلمة حرّة" معي (جورج غالاواي) هنا في (لندن) على قناة (الميادين)