أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

معلولا الآن ... والمستقبل

المحور الأول

part 1.mp4

غسان الشامي: هوخا معلولة، هنا معلولة بالعربية. البلدة التي لا تزال منذ ثلاثة آلاف عام ونيّف تتكلّم الآرامية لغة السيد المسيح الذي قال بالآرامية: "إيلي، إيلي، لما شبقتني؟" أي إلهي، إلهي، لمَ تركتني. نقول بالآرامية:
إيلي، إيلي، لا تترك أي معذّب في الأرض، لا تترك هذه الأرض، لا تترك معلولة. معلولة التي يرتاح على كتفها الضابط السوري الشهير القدّيس سركيس "مار سركيس" ورفيقه باخوس، وبين حناياها هنا مار تقلا تلميذة بولس الرسول وأول شهيدة في المسيحية، وعلى كتفها مغاور الإنسان النياندرتالي الأول قبل مئة ألف عام.
هنا لأنه بعد عام على عودة بعض أهالي معلولة إليها، نجيء لنتكلم معهم في وضع معلولة الآن وفي المستقبل.
ولكن قبل الحوار نترككم مع تقرير عن هذه البلدة الموغلة في القِدم:

 

لم تتوقف الحياة في معلولة منذ الإنسان الأول حتى اليوم، ومغاورها تحكي حكايته منذ مئات آلاف السنين.

في وسط جبال القلمون تقع معلولة، الشاهد الحي على الآراميين والآرامية. اللغة سادت في المشرق طيلة الألف الأول قبل المسيح وحتى القرن السابع بعده، وبها تكلم.

ولأن المسيحية حلّت فيها باكرا، حَوَت معلولة نحو 30 كنيسة ومصلّى، يتقدّمها في أعلى البلدة كنيسة ودير القديسين السوريين الضابط سركيس ومرافقه باخوس، ومعنى اسمه سراج، ومدينته الرصافة وتضمّ أول مذبح مسيحي في العالم وأيقونات نادرة سرقها التكفيريون عند اجتياحهم البلدة وتخريبهم معالمها.

وعلى مدخل الفَجّ مغارة وكنيسة ودير على اسم القديسة تقلا، تلميذة بولس الرسول في آسيا الوسطى، ارتبط بحكاية شعبية عن هروبها من أبيها الوثني عبر شِعب جبل انشقّ بعد تضرّعها كي تستطيع الهرب من جنود أبيها وتلجأ إلى مغارة تحوّلت إلى مزار يقصده المرضى والمتعبون. وقد طالها التكفيريون أيضا كما كل معالم معلولة.

 

غسان الشامي: أهلا بكم من معلولة في حلقة لأجراس المشرق بمناسبة عام على عودة أهلها.

أرحّب بضيوفي: الأستاذ الكاتب والباحث في تاريخ معلولة الياس نصر الله، الدكتور جوزف سعادة عضو المجلس البلدي في معلولة، والآنسة أنّا مسعد عاملة مع شباب معلولة على عودة الحياة إلى هذه البلدة.

أستاذ نصر الله، من عندك، لنبدأ بمعلولة قبل المسيحية. ماذا تعني معلولة قبل المسيحية؟

الياس نصر الله: أهلا وسهلا بكم أستاذ غسان، وآيخون إبرخ ومشيحا أقم. وإن شاء الله مع قيامة المسيح هذه ستقوم سورية من الوضع الذي أراده لها الشيطان، وستنتصر على الشيطان وإرادته. يقولون عن سورية إنها تختزل التاريخ الإنساني، ومعلولة تختزل تاريخ سورية. فمعلولة هذه البلدة البسيطة الواضحة الجميلة سكنها الإنسان منذ ربع مليون عام وترك بصماته فيها وخلّف الأدوات التي استخدمها من أجل حياته في تلك الآونة التي كانت تُعَدّ هذه الأدوات فيها قفزة بين أيدي البشر، خلقها الإنسان المعلولي ليستطيع التوافق والانسجام مع هذا العالم الذي يعيش فيه. منذ ربع مليون سنة إذاً عاش الإنسان فيها وخلّف آثاره. ومَن يدخل متحف دير عطيّة والكهف التاريخي بشكل خاص، في هذا المتحف الجميل سيرى بعض الأدوات التي استخدمها الإنسان المعلولي في تلك الفترة.

غسان الشامي: نعم، لنذكر أننا أمام الإنسان النياندرتالي. لنوصّف هذه الحالة في معلولة قبل أن نبدأ بالمسيحية.

الياس نصر الله: هذا الإنسان النياندرتالي عاش في هذه الفترة، والأبحاث الأركيولوجية تؤكّد أنه وُجد منذ ما لا يقل عن ربع مليون سنة بالضبط. واستمر هذا الإنسان وطوّر ما بين يديه من أدوات وبدأ في العصور الحجرية القديمة والحديثة قبل العصور المعدنية باستخدام الأدوات الحجرية لحفر مغاوره، لحفر كهوفه التي عاش فيها، أو لتعديل الكهوف الطبيعية التي كان يسكنها. وبالتالي، ترك بصماته واضحةً في هذه الأرض لكل الناس، لكل العالم، لتشهد له.

غسان الشامي: الحضور الإنساني إذاً، نحن أمام ربع مليون سنة. هذه المغاور وكهوف ما قبل التاريخ موجودة.
ولكن أيضا الكهوف والآثار الرومانية مَن يهتمّ بها الآن؟

الياس نصر الله: الآثار هذه أيضا موجودة وبكثرة. البعض يسمّيها الآثار الرومانية. ولكن الكثير من الباحثين والمؤرّخين، وأنا أؤيّد هذا الاتجاه، يقولون إنها آثار سوريّة تأثّرت بها الحضارة الرومانية.

غسان الشامي: في العصر الروماني. لنقُل: في الحقبة الرومانية.

الياس نصر الله: نعم، في العصر الروماني. ولذلك نجد الكهوف المتعددة، بيوت السكن، والنواويس التي كان المعلولي يضع جثامين موتاه فيها، والمعابد التي كان يعبد فيها آلهته ما زالت حتى الآن: معبد إله الشمس؛ معابد إله الشمس وليس معبدا واحدا لإله الشمس التي كان يقدّم فيها القرابين لآلهته، ثم صارت معابد مسيحية في ما بعد. إذاً، حتى المعاصر، معاصر الدبس ومعاصر النبيذ، وبعض الباحثين يقولون إن هذه المنطقة كانت تنتشر فيها أيضا أشجار الزيتون فكانت معاصر لعصر الزيتون أيضا. وما زالت كما هي موجودة وإن كانت صارت خارج الاستعمال.

غسان الشامي: أستاذ سعادة، أنت عضو المجلس البلدي وطبيب مقيم في هذه المنطقة، تطبّب جميع الناس، ومعلولة بحاجة إلى تطبيب أيضا؛ تطبيب عمراني كما نرى. الصور تشي بحال معلولة. واضحة للناس هذه الصور التي نأخذها. ما هو وضعها حاليا بعد استهدافها من التكفيريين؟

الدكتور جوزف سعادة: بدايةً نرحّب بكم. أهلا بكم في معلولة. ونترحّم على أرواح الشهداء الذين سقطوا من أجل تحرير معلولة. الجيش قدّم أكثر من 200 شهيد من أجل تحرير معلولة.

غسان الشامي: والمقاومة

الدكتور جوزف سعادة: والمقاومة اللبنانية قدّمت شهداء وقدمت شهداء إعلاميين. اليوم كان هناك احتفال لتخليد ذكرى شهداء معلولة وشهداء الجيش العربي السوري وشهداء المقاومة. بالنسبة للدمار الذي خلّفه الإرهاب، فقد خلّف دمارا كبيرا في معلولة. لم تسلم منه لا الكنائس ولا الأديرة ولا البيوت ولا أي شيء، حتى الطرق وحتى البنى التحتية فجّروها. فالعمل سيكون بالتأكيد شاقّا وكبيرا لإعادة إعمار معلولة من جديد.

غسان الشامي: كما سمعت، حتى إن هناك بيوتا سُرقت أو نُهبت. لم يُبقوا شيئا في البيوت.

الدكتور جوزف سعادة: إمّا حُرقت أو سُرقت أو دُمّرت، وخصوصا البلدة القديمة الأثرية. البلدة القديمة فيها أكثر من 85 بيتا بين تهديم كامل وجزئي.

غسان الشامي: البيوت على النموذج المعماري الآرامي القديم.

الدكتور جوزف سعادة: طبعا.

غسان الشامي: البيوت الطينية تقصد.

الدكتور جوزف سعادة: منها الطينية ومنها الحجرية.

غسان الشامي: ما هي متطلبات معلولة؟ أنتم لكم سنة هنا. عاد البعض بعد سنة. ما هي متطلباتها؟ ما هي احتياجاتها؟

الدكتور جوزف سعادة: طبعا عدنا منذ شهر نيسان؛ بدأ أهالي معلولة بالتوافد والعودة إلى البلدة. وهذا بفضل تضحيات الجيش العربي السوري. ومعلولة الآن أأمَن من دمشق. أؤكّد هذه النقطة.

غسان الشامي: تؤكّد أن معلولة آمنة.

الدكتور جوزف سعادة: آمنة بفضل الجيش العربي السوري الذي يحمي معلولة من كل الجهات.

غسان الشامي: نعم، ولكن ما هي متطلباتها؟

الدكتور جوزف سعادة: المتطلبات هي بشكل رئيسي وأهم شيء هو إعادة تأهيل البلدة القديمة الأثرية التي دُمّرت بأغلب بيوتها وسُرقت. هي بحاجة إلى تعاون لأن البلدة القديمة الأثرية ليست ملك سورية فقط، بل هي ملك العالم، هي ملك التراث العالمي.

غسان الشامي: ولكن معلولة غير موضوعة على لائحة التراث العالمي.

الدكتور جوزف سعادة: هناك دراسات ومحاولات لوضعها على هذه القائمة. فيجب أن يكون هناك اهتمام من كل الجهات العالمية. هناك حظر على سورية يمنع المساعدة من أية هيئة دولية. هذا الحظر أساء إلى عملية إعادة التأهيل أو إعادة إعمار البلدة القديمة. هناك صعوبة أحيانا في تمويل بناء منزل بسبب العقوبات التي فرضتها الدول الأوروبية والدول الغربية على سورية.

غسان الشامي: الهيئات المدنية هل تقوم، هل تسدّ هذا النقص في ما يقدّمه العالم لمعلولة؟

الدكتور جوزف سعادة: إلى الآن هناك هيئات قامت مثل جمعية العلاقات المسكونية في بطريركية الروم الأورثوذكس.
هناك جمعية "من أجل مسيحيي الشرق" في فرنسا، مدينة ليزييه، قدّموا. ونحن الآن في هذا الدير. قاموا بترميم كنيسة. والآن هناك عمليات لإعادة إعمار بدأت فعلا في دير مار سركيس.

غسان الشامي: سنتكلم عليها.
آنسة أنّا، أنت ولدت في المغترب.

مسعد: نعم.

غسان الشامي: وما زلت مرتبطة بمعلولة. أريد أن أقول للسادة الذين يشاهدوننا إنك من هذا الجيل الذي يحب بلاده، يحب بلدته. أتمنى أن تخبري الجميع، أن تخبرينا أولا بقصّة كيف تمّت إعادة الباب الأثري لدير مار سركيس وباخوس إلى معلولة.

مسعد: أولا أهلا وسهلا بكم، بونخون بالآرامية. أنا ولدت في الخارج، ليس في سورية، ليس في معلولة. لكن في النهاية الأم هي التي تربّي لا التي تلد. فأنا كان لي الحظ بأن أهلي أعادوني من إسبانيا حتى نعرف ما القيم التي تربَّوا عليها ويعلّموننا إياها. وصار التعلّق بمعلولة بشكل خاص وبسورية بشكل عام تعلّمناه بالفطرة. لم يعلّمونا كيف يجب أن نحب البلد. فجأة وجدنا أنفسنا بحقّ منتمين الى هذا البلد، ليس فقط معلولة وسورية، بل بالعكس، للمنطقة كلها شعرت بهذا. بعد إقامتي لنحو ثلاث سنوات في إسبانيا، عرفت أنه لا شيء يشبهني في بلاد الاغتراب. أنا شخص شرقي جدا ويحب كثيرا البلد الذي هو فيه.

غسان الشامي: لندخل إلى باب مار سركيس.

مسعد: باب دير مار سركيس، بالصدفة، البحث الذي حدث أعتقد أنه ترتيب ربّاني. أنا ليس لي دور سوى أن الأمر يجب أن يتم عن طريقي. صادفت مختار رأس بعلبك الأستاذ سهيل نعوم حين عرف أنني من سورية سألني: من أين من سورية؟ قلت له: من معلولة. قال: لديّ شيء من معلولة. أراني صورة لدير مار سركيس.
قلت له: أين هو؟ قال لي: موجود في رأس بعلبك. طبعا الإرهابيون كانوا سرقوا كل شيء من هنا. لم يسرقوا فقط الباب، بل سرقوا كل شيء.

غسان الشامي: نعم، نحن نشير إلى أن الإرهابيين لم يُبقوا على أية أيقونة من الأيقونات التاريخية، وتمّت سرقة باب دير مار سركيس، وهو باب أثري يعود إلى مئات السنين.

مسعد: عمر الباب 1700 سنة تقريبا. سرقوا كل شيء. من بين السرقات كان الباب. كان موجودا في عرسال. وشخص من عرسال، لن نقول اسمه حفاظا عليه، عرف قيمة الباب وإلاما يرمز الباب فطلب من مختار رأس بعلبك أن يوصله إلى معلولة بطريقة ما. وشاءت الصدف أن أتعرف إلى المختار وتمّت استعادة الباب.

غسان الشامي: ونقلتِ الباب إلى هنا.

مسعد: طبعا.

غسان الشامي: وهو بالأمان؟

مسعد: هو بالأمان وفي مكانه.

غسان الشامي: أنت كشابّة، ما المطلوب لعودة جميع الشباب إلى معلولة؟

مسعد: ليس فقط إلى معلولة بل إلى سورية كلها. أولا مطلوب منا كشباب المحبة. أعتقد أن هذه الأزمة علّمتنا كثيرا ما المبادئ الأساسية للحياة، ونحن الشباب ماذا نريد. إزالة كثير من القشور الشبابية فلنقُل، ومَن يهتم بالأمور الظاهرية. لكن أعتقد أن المطلوب الآن من معلولة، وأنا كوني من معلولة، يجب أن يكون هناك اهتمام أكثر. الاهتمام الحكومي موجود وكبير أيضا. وهذا الأمر نعرفه لأننا لمسناه في فترة معيّنة في معلولة. لكن غير الموجود هو الحلقات التي تكون بين الرأس وأرضية معلولة. فثمة حلقات مفقودة لا نعرف أين تذهب ولا نعرف ماذا تفعل بهذا الاهتمام كله. مطلوب من هذه الحلقات أن تعود وترتبط حتى يصل الاهتمام بشكل صحيح إلى معلولة. هناك شباب مضطرّون إلى أن يتركوا معلولة وينزلوا إلى العاصمة أو يخرجوا خارج البلد لأنه لا يوجد مكمّل تأهيلي هنا لهم إن كان عمليا وإن كان...

غسان الشامي: دراسيا.

مسعد: لا يوجد هذا الأمر.

غسان الشامي: وثمة شباب مضطرّون إلى أن يكونوا كي يدافعوا أيضا عن...

مسعد: تماما. نحن لدينا جيل شباب ضيّق، وضاق أكثر الآن بسبب الحرب، تركوا دراستهم وتركوا أعمالهم وتركوا بيوتهم وأهلهم، والآن موجودون هنا. هم يدافعون بمساعدة الجيش السوري. لكن هذا الأمر لا يكفي. نحن يجب أن نساعدهم إمّا لكي يبقوا موجودين وإمّا، إذا بقوا هم، الجيل بعدهم لا يذهب. نحن الآن نعود لأننا تعلّمنا.

غسان الشامي: مَن نحن؟

مسعد: نحن الشباب؛ هذه الفئة العمرية الشبابية. نحن الآن بقينا، لكن لاحقا ماذا؟

غسان الشامي: أستاذ نصر الله، ماذا يعني ثبات الآرامية، اللغة التي تكلّم بها السيد المسيح؟ المسيح تكلّم الآرامية تماما كما نعرف جميعا. وماذا يعني بقاؤها هنا في ثلاثة قرى: معلولة، جبعدين، بخعا، بلدتان مسلمتان وبلدة مسيحية، واختفاؤها في كل أنحاء المشرق؟

الياس نصر الله: في الحقيقة، منذ أواسط الألف الثاني قبل الميلاد أخذت معلولة طابعها الآرامي وما زالت حتى الآن أي منذ ثلاثة آلاف و400 سنة أو ثلاثة آلاف و500 سنة. وهذا الطابع هُدّد لأول مرة بالزوال والفناء في هذه الأحداث الأليمة التي حلّت على سورية. فالآراميون دخلوا أواسط سورية ودخلوا من جملتها إلى معلولة.
ومنذ تلك الفترة أُطلق على هذه البلدة، لا نعرف ماذا كان اسمها من قبل، أُطلق على هذه البلدة اسم معلولة التي تعني المكان المرتفع من جهة، أو التي تعني المدخل الضيّق؛ لأن معلولة حتى تدخلها يجب أن تمرّ في مدخل طويل وضيّق إن كان من جهة الشرق باتجاه البادية أو من جهة الغرب. عندنا الفَجّ الشرقي وعندنا الفج الغربي. إذاً، معلولة أخذت اسمها منذ تلك الفترة وما زالت. تصوّر أن هذه البلدة التي حافظت على هذه اللغة ثلاثة آلاف و500 عام كيف يجرؤ هؤلاء الأشرار على تدمير هذا الإرث؟ استمرّت اللغة في هذه البلدة، والباحثون اللغويون يُطلقون على لهجة معلولة التي ما زالت حتى الآن وما زالت أيضا في بلدة بخعا وفي بلدة جبعدين، يُطلقون عليها اسم اللغة الآرامية الغربية الفلسطينية المسيحية. فهي من بقايا اللغة التي كانت منتشرة في هذه المنطقة في تلك الآونة والتي كان يتحدث بها السيد المسيح وتلامذته ووالدته القديسة مريم المقدسة. وكان رسل السيد المسيح قبل حلول الروح القدس عليهم لا يعرفون سوى الآرامية. فتصوّر أن بلدة محافظة على هذا الإرث، لذلك أنا أقول عبارة قالها الدكتور بوروفيو، هذا المتخصص، بروفسور متخصص بالدراسات الشرقـأوسطية وبشكل خاص دراسات اللغات الساميّة ومنها بشكل أخصّ اللغة الآرامية، هكذا يقول بالحرف الواحد: يجب على كل سوري أن يمتلئ صدره فخارا بأن هذه اللغة ما زال هناك بعض السوريين يحافظون عليها. فهذا إرث. هذا إرث ليس ملكنا نحن أبناء معلولة. هذا الإرث ملك أبناء معلولة وملك سورية وملك العالم أجمع. فهو تراث إنساني بكل معنى الكلمة.

غسان الشامي: هذه أهمية اللغة. كيف يمكن الآن الحفاظ على هذه اللغة؟

الياس نصر الله: تماما. كان أحد أهداف الإرهابيين إفناء هذه اللغة وتدميرها ومنع الناس من التكلّم بها. لذلك، الطريقة الوحيدة التي يجب أن نعتمدها هي مساعدة الناس على العودة إلى بلدهم ليعيشوا بكرامة، ليعيشوا مواطنين بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وأيضا إعادة العمل بمعهد تعليم اللغة الآرامية الذي أُوقف بقرار جائر، بكل معنى الكلمة بقرار جائر. والذي أصدر هذا القرار جاهل. ليس جائرا فقط، بل هو جاهل في الوقت نفسه. أصدر قرارا نتيجة تقرير صحافي من صحافية طفلة صغيرة، أصدر قرارا بوقف العمل بمعهد تعليم اللغة الآرامية واستمر ست سنوات.

غسان الشامي: هل تعلّمونها في بيوتكم؟

الياس نصر الله: نتحدث بها في بيوتنا.

غسان الشامي: أنا أتخوف على هذه الطريقة أن يكون الجيل القادم الجديد، ابن الثلاث أو الأربع سنوات، الخارج من معلولة ألّا يعرف الآرامية أو أن يهاجر وتموت.

الياس نصر الله: للأسف، للأسف هذا ما يهدّد هذا الإرث الخالد الذي هو أثمن من كل الأوابد الأخرى الموجودة في معلولة. على الرغم من أن معلولة متحف بكاملها، في كل حجر تجد أثرا، في كل منطقة تجد أثرا، في كل صخرة تجد أثرا للإنسان المعلولي، إلّا أن هذه اللغة الآرامية هي أثمن من كل هذه الآثار. وهذا ما يجب أن نحافظ عليه وبإرادة وتصميم منا كأبناء معلولة ومن الدولة التي يجب أن تساعدنا بأية وسائل من أجل الحفاظ عليها.

غسان الشامي: أستاذ سعادة، عمليا، فعليا، حقّا، لماذا لم يعد أغلب أهالي معلولة إليها؟

الدكتور جوزف سعادة: عاد تقريبا النصف حتى الآن.

غسان الشامي: بالتحديد كم عائلة؟ لنكن واقعيين، إذا سمحت.

الدكتور جوزف سعادة: بالعدد؟

غسان الشامي: نعم.

الدكتور جوزف سعادة: نحو 300.

غسان الشامي: 300 عائلة.

الدكتور جوزف سعادة: 300 عائلة. السبب الرئيسي والأول الذي لم يسمح للأهالي بأن يعودوا هو تدمير منازلهم. المنازل إمّا محروقة أو مهدّمة بالكامل أو حتى مسروق الأثاث منها أو أي من متطلبات الحياة مسروق. فهذا ما أثّر أكثر على ألّا يعود الناس. طالبت أنا بالإسراع بإعادة تأهيل البلدة القديمة وحتى البلدة الحديثة. نتمنى أن تكون هناك جمعيات أهلية تتبنى إعادة إعمار البيوت لعودة السكان إليها. والبلدة لا تعود إلا إذا عاد سكانها إليها.

غسان الشامي: هل تكلفة إعادة الإعمار كبيرة؟ هل قدّرتم تكلفة إعادة الإعمار للبلدة مثلا؟

الدكتور جوزف سعادة: طبعا، هناك كميات كبيرة، وخصوصا بالنسبة للبلدة الأثرية التي يجب أن تبنى على نمط معيّن.
وهذا النمط مكلف لأهل البلدة. فلهذا السبب يجب أن يكون هناك تعاون من جميع الجهات.

غسان الشامي: هل لديكم صورة عن الأكلاف؟

الدكتور جوزف سعادة: ليس عندي تقدير محدّد بعد بِكمّ مليون. لكن هناك كلفة تتجاوز الأربعة أو الخمسة ملايين لكل منزل.

غسان الشامي: بالليرة السورية.

الدكتور جوزف سعادة: طبعا. ومبلغ كهذا لا يمكن الآن تأمينه.

غسان الشامي: وببساطة، هذا التلوّث العمراني. هذه البلدة الآرامية تخرج منها أعمدة إسمنتية. ماذا تفعلون بها؟
هل فكّرتم بذلك؟

الدكتور جوزف سعادة: الآن هناك إعادة تأهيل ضمن مشروع كلفته نحو 900 مليون من قِبل محافظة ريف دمشق أُقِرّ لإعادة تأهيل واجهات الأبنية في البلدة القديمة، إعادة تأهيل كل ما يشوّه المنظر الأثري في البلدة القديمة. المشروع الآن تقريبا في طور الإقلاع لأنه توقّف بسبب الأزمة السورية والحصار على الدولة السورية.

غسان الشامي: آنسة أنّا، ماذا يمكن أن يفعل أهل المغترب لبلدهم؟

مسعد: أنا أتكلم بطريقة شبابية. أهل المغترب يُفترض أن يعملوا أكثر من أهل البلد الساكنين فيه. دورهم يكون مضاعفا. كل واحد منا خارج البلد يجب أن يمثّل البلد بكل شيء: بثقافته، بحضارته، بعلمه. يجب على كل سوري وكل شخص ترك بلده وذهب إلى الخارج أن يكون سفيرا، أن يشعر بأنه سفير هذا البلد وهو يوصل الصورة بطريقة ما. نحن أجراس المشرق. يجب على كل مَن في الخارج أن يشعر بأنه (.. )دمّرتم الحجر، فنحن البشر، نحن نريد أن نتكلم.

غسان الشامي: اسمحي لي أن أتوقف مع فاصل. سنعود أعزائي. سنذهب إلى فاصل، على أن نعود نحن وإياكم لنتحدث عن معلولة بعد عام على تحريرها من التكفير. انتظرونا إذا أحببتم.


المحور الثاني

المحور الثاني

غسان الشامي: أهلا بكم في "أجراس المشرق".

سنذهب أيضا إلى تقرير عن معلولة بعد ما حصل بها، معلولة الآن: حياتها، كيف تعيش، ومن ثم نتابع الحوار.

 

بعد عام على تحرير معلولة من تكفيريي النصرة الذين احتلّوها لأربعة أشهر، تبدو البلدة المدمّرة والمحروقة والمنهوبة محتاجة إلى الكثير لاستعادة الحياة. ولأهمية معلولة في الثقافة والزيارات الروحية والدينية، فإن معالمها من مار سركيس إلى دير القديسة تقلا وغيرها تحتاج إلى سرعة الترميم حتى تبدأ الحياة بالعودة رويدا رويدا.

"رسالتنا للكل أن أهل معلولة بعودتهم إلى معلولة هي انتصار لإرادة الحياة عند أهل معلولة وعند السوريين كلهم. نحن نتمنى ألّا يتوقف أحد أو يخاف من الإرهاب والإرهابيين. على الكل أن يواجهوا ويصمدوا ويضحّوا.
عودة أهالي معلولة إلى معلولة هي نوع من التضحية والصمود والتصدّي. وإن شاء الله ينطلقون من جديد ويبرهنون أن إرادة الحياة هي الأقوى."

ولأن العودة الكاملة لأهالي معلولة تتطلّب جهودا مضاعفة لتجهيز البنى التحتية وترميم الأبنية، فإن هذه البلدة التاريخية تحتاج إلى الكثير من المساعدات والجهود الاستثنائية.

"نحن نقول لكل شخص لمّا يعدْ إلى معلولة: مهتمّون بعودته ونتساعد سوية كأهالي معلولة وكمؤسسات الدولة وكمنظمات مانحة كي نعيد الحياة إلى معلولة."

 

غسان الشامي: أهلا بكم.

آنسة أنّا، سأبدأ من حيث ختمنا معك: هل يقوم المغتربون المعلوليون بدورهم في سبيل إعادة إحياء معلولة؟

مسعد: المغتربون المعلوليون حسبما أعرف، كثيرا. لأن مَن ذهب خارج معلولة متشبّع كثيرا من هنا. فلا تستطيع أن تذهب إلى الخارج وكأن كل شيء اختزنته من هذه الأرض ذهب ولا توجد وسيلة أخرى. لكن يجب أن يكون هناك تواصل بين المغتربين في الخارج والمواطنين هنا. هذا ما يجب أن نعمل عليه، أن يكون هناك تنسيق، أن تكون هناك خطة عمل واحدة وهدف واحد هو إيصال الصورة والعمل على بناء معلولة الجديدة من الخارج ومن الداخل.

غسان الشامي: مثلا أنتم الشباب، هل تظنّون أنه يجب أن تُترك البلدة القديمة كما هي وتبنى على طرفها بلدة جديدة مثلا؟

مسعد: طبعا. أحزن حين أرى أن هذه البيوت هُدّمت، بالتأكيد. لكن حين أعود وأرى الصور التي التقطها من قبل الأهل أو الأجداد حتى، نرى أن ثمة تغييرا كبيرا. فذهبت الصورة الحلوة الحقيقية للبلدة، ذهبت. هذا ما نحب أن نعمله من جديد، أن يكون ثمة قسم قديم للبلدة وقسم جديد، كما في كل بلدان العالم. أن يبنوا فهذا من حقهم، هذا التمدّد السكاني.

غسان الشامي: أستاذ نصر الله، تكلّمنا على الآرامية. سنعود للكلام عليها قليلا. هذه اللغة قبل أن تذهب إلى حتفها..
إن شاء الله لا يحصل هذا الأمر.

الياس نصر الله: إن شاء الله، يا رب.

غسان الشامي: في الحقيقة، كيف يمكن فعليا أن نقدّم مقترحات عملانية لذلك؟

الياس نصر الله: مقترحات عملانية: أولا، كما قلت، لا بد من الحفاظ على معهد تعليم اللغة الآرامية بأي شكل من الأشكال. نقطة ثانية: عندنا مدارس رسمية وبعض الرياض الخاصة، رياض أطفال خاصة، لا بد من إدخال تعليم اللغة الآرامية في مناهج هذه المدارس الابتدائية والإعدادية حتى وإن كانت هناك ضرورة لتعليمها أيضا في المرحلة الثانوية كما ندرّس أية لغة أخرى. فنحن ندرّس مادة التاريخ، ندرّس مادة التربية الوطنية، وتعليم هذه اللغة جزء من هذا التاريخ وجزء من التربية الوطنية لأن السوري يجب أن يكبر ولديه شعور بالاعتزاز بهذا البلد وما أورثه الأجداد وما فيه من مزايا تميزه وتجعله خاصا أو تعطيه خصوصية لا تجدها في أي مكان آخر في العالم.

غسان الشامي: يحضرني هنا الممثّل ميل غيبسون. عمل فيلم "آلام المسيح" بالآرامية. سؤالي الأول: هل هي آرامية صحيحة؟

الياس نصر الله: في الحقيقة أنني لم أفهم منها أية كلمة بالآرامية. إنما سأقول شيئا.

غسان الشامي: المسيح تكلّم بالسنسكريتية في الفيلم؟

الياس نصر الله: لا، إنما ثمة لهجات بعيدة عن اللهجة الأم. فالآرامية في الحقيقة توزّعت إلى غربية وشرقية.
الشرقية عدة لهجات والغربية عدة لهجات. وبعضها قريب من اللغة الأم وبعضها بعيد عن اللغة الأم. ولذلك صار لا بد من مترجم في الحقيقة من لهجة إلى لهجة أخرى. إنما أقول على ضوء ما قاله بعض أشهر علماء السريان ومنهم المطران إقليموس داود، مطران السريان في مدينة دمشق، الذي توفي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. قال بالحرف الواحد، وهو عالم ومتخصص بلهجات اللغة الآرامية بمجموعها: إن اللغة الآرامية التي يتحدث بها أهل معلولة هي إحدى اللهجات الأقرب إلى اللهجة الأم. ولذلك أنا لم أفهم بعض الكلمات أو معظم الكلمات التي وردت في كلام السيد المسيح.

غسان الشامي: هل هي أقرب إلى العبرية مثلا؟

الياس نصر الله: أنا لا أعرف العبرية. إنما اللهجة التي تحدّث بها هي ربما آرامية ولكن من اللهجات البعيدة.

غسان الشامي: أستاذ سعادة، ماذا فعلت الكنائس لمعلولة؟ معلولة مليئة بالكنائس. فيها مار سركيس، فيها مار تقلا، فيها مار جرجس، فيها خمس كنائس أو ست كنائس ومصلّيات. الكنائس المشرقية ماذا فعلت في هذا العام المنصرم؟

الدكتور جوزف سعادة: كان هناك تقصير وتأخير جدا في العمل الذي بدأوا به بالنسبة لترميم الأديرة والكنائس. الآن انتهت، كما ذكرت قبل قليل، كنيسة مار جرجس. تقريبا انتهت وليس الدير كاملا. فقط الكنيسة. دير مار سركيس دير أثري قديم جدا. بدأوا به منذ نحو أسبوعين أو ثلاثة فقط. كان هناك تأخير بالنسبة لبدء العمل بالترميم وبناء ما تهدّم وما حُرق. دير القديسة تقلا إلى الآن بدأوا تقريبا ببعض الأجنحة وليس الكنيسة أو بناء الدير بالكامل. نسمع أن هناك إعانات أو مساعدات تأتي على اسم معلولة وبأرقام كبيرة جدا. لم يصل منها إلى الأهالي أي شيء حتى هذا اليوم. طبعا نطالبهم بأن يكون العمل أكبر مما أُنجز حتى الآن وخصوصا بالنسبة للأهالي. الكنيسة لا تقوم إلّا إذا كان هناك أناس موجودين في البلدة، هم الذين يبنون الكنيسة، هم الذين يبنون البيوت والأديرة وكل شيء. أهم شيء أن يوجد الإنسان في البلدة ثم نبدأ بالباقي.

غسان الشامي: هذه المواقع الدينية، أليس من واجب الدولة أيضا أن تعيد الحياة إليها؟ ما المطلوب من الدولة في هذا الأمر؟

الدكتور جوزف سعادة: الدولة قدّمت البنى التحتية. بدأت بها وأُنجز قسم كبير منها كبنى تحتية. طبعا نحن نطالب باستكمال إنجاز البنى التحتية بشكل كامل. لكن ليس المطلوب من الدولة أن ترمّم هي الكنائس. الدولة مطلوب منها أن تساعد في ترميم البيوت. وهناك قسم من التعويضات دُفع وهناك تأخير أو نوع من البطء أحيانا أو إعاقات بتعويض الأهالي. أمّا بالنسبة للكنائس والأديرة فهي مسؤولية البطريركيات: بطريركية الروم الأورثوذكس وبطريركية الكاثوليك.

غسان الشامي: لا يوجد زوّار لمعلولة أبدا كسياحة دينية؟

الدكتور جوزف سعادة: السياحة لم تبدأ. حتى الآن لا توجد سياحة.

غسان الشامي: لا أحد يغامر حتى اللحظة. هل هذا تخوّف؟

الدكتور جوزف سعادة: مجرّد رحلة أو رحلة حج كل فترة من دمشق طبعا ورحلة واحدة من لبنان فقط.

غسان الشامي: رحلة واحدة من لبنان.

الدكتور جوزف سعادة: طبعا التخوّف ليس من وضع معلولة. هذه المشكلة تعاني منها كل سورية وليس فقط معلولة. معلولة آمنة. ليست ثمة مشكلة.

غسان الشامي: هل جاء أحد من لبنان ليقول لكم: كيف حالكم؟ صلّى معكم مثلا؟

الدكتور جوزف سعادة: تقصد رجال الدين؟

غسان الشامي: رجال الدين أو رجال السياسة.

الدكتور جوزف سعادة: وفود شعبية أو وفود من الأهالي. ليست هناك جهة رسمية. حتى الوفود الأوروبية، الوفد الفرنسي وفد شعبي. وهو حتى معارض للحكومة الفرنسية.

غسان الشامي: آنسة أنّا، في الواقع ما المطلوب لعودة الشباب إلى معلولة؟ هل يريدون بيوتا؟ هل يريدون مدارس؟
ما المطلوب كي يعود الشباب إلى معلولة؟

مسعد: دعني أبدأ من فكرة الأستاذ الياس التي كان يتحدث عنها وهي الآرامية. مثلي مثل باقي الشباب من معلولة، أكثر ما يميزنا ويُشعرنا بأننا مميزون عن الباقي حين نقول إننا نتكلم الآرامية. بدأوا ب(... و... ) تتبع لجامعة دمشق. أُقفل فجأة المعهد وتوقّف تدريس اللغة الآرامية. كمطلب أساسي وأول أن يعود ويُفتح المعهد طبعا ويعود الاهتمام الرسمي والكنسي به لأهمية هذه اللغة كونها دينية وتاريخية.
بالنسبة للشباب، الشباب الموجودون هنا يعيشون ليومهم. ليست هناك أية خطة مستقبلية كما قلنا. يجب أن تكون هناك كوادر كاملة ومجهّزة كي يؤمَّن الشباب اقتصاديا ويكون ثمة مدخول شهري لهؤلاء الشباب كي لا يغرّهم الذهاب إلى الخارج والبحث عن عمل في الخارج أو فرصة للدراسة مثلا. هذا الأمر لم يكن موجودا سابقا، أو لنكن صريحين: كان موجودا لكن بطريقة بسيطة جدا وأولية جدا. فبالتأكيد حين يخرج الشباب ويرون الخارج فلن يعودوا، بل يعودون فقط ليصيّفوا كما نقول بالعامية.

غسان الشامي: يأتون ليقضوا عطلهم فقط.

مسعد: يقضون العطلة ويحضرون الأعياد ويرون العائلة ثم يعودون.

غسان الشامي: أي يتحول الشباب إلى سيّاح أيضا.

مسعد: تماما. هذا ما يحصل. حتى نحن، لن أتحدث عن نفسي، صرنا نريد أن نعمل، نريد أن نكمل دراستنا. فصرنا نأتي فقط في الصيف أو في الأعياد أو نأتي كسيّاح.

غسان الشامي: أستاذ نصر الله، المسيحية انتشرت في معلولة منذ الجيل الأول.

الياس نصر الله: نعم.

غسان الشامي: يبدو أنها منذ القفزة الأولى بعد الـ313 جاء الذين كانوا يسكنون المغاور ودخلوا إلى المعبد الذي أصبح كنيسة مار سركيس. هل في الواقع هذا يعطي أهمية للحضور المسيحي في معلولة؟ ما هي أهمية انتظار اللحظة الأولى في المسيحية في الجيل الأول ودخولها إلى معلولة؟

الياس نصر الله: مما يشرّفنا في الحقيقة أن القديس توما الهندي، الذي يُطلقون عليه توما الهندي، الذي انطلق مع جملة التلامذة الآخرين بعد أن طلب منهم السيد المسيح أن اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، كان من حظ معلولة أن القديس توما أول مَن دخل إلى معلولة مبشّرا. جاء، كما يقول التاريخ، من الجادّة الرومانية، وصل إلى بعض قرى القلمون: منها صيدنايا وجبعدين ومعلولة وعين التينة، ومنها ذهب بالتالي إلى تدمر وإلى الخليج العربي ثم إلى الهند حيث استشهد. إذاً هذا مما يشرّف معلولة أن القديس توما تلميذ السيد المسيح المباشر، وقصته معروفة مع السيد المسيح بعد القيامة...

غسان الشامي: هو الذي شكّك.

الياس نصر الله: نعم. الذي طلب أن يرى آثار المسامير على يديه وقال: لا أؤمن قبل أن أراها وقبل أن أضع إصبعي على أثر المسامير وعلى جنبه.

غسان الشامي: والتي جاء على إثرها: طوبى لمن آمن ولم يرَ.

الياس نصر الله: بالضبط. وبعده أيضا جاء مبشّرون آخرون. وعلى هذا الأساس أقيمت في هذه البلدات التي مرّ فيها مقامات وكنائس وصارت أديرة على اسمه في ما بعد. إذاً، أبناء معلولة هم شهود لذلك الجيل من الرسل. واستمروا يتحدثون بلغة السيد المسيح وبلغة تلاميذه أيضا.

غسان الشامي: أو السيد المسيح يتحدث بلغتهم.

الياس نصر الله: بالضبط. هم والسيد المسيح كانوا يتحدثون لغة واحدة، اللغة الآرامية الغربية الفلسطينية المسيحية التي تُعَدّ لغة معلولة، ولهجة معلولة واحدة من آثارها. فانظر إلى هذه العظمة في هذا الأمر. وبالتالي، اللغة الآرامية والمسيحية كانت منذ القرن الأول الميلادي مركزا لأسقفيّة على الرغم من عدم اعتراف الدولة الرومانية بها. ونحن نعرف أن المرسوم الإمبراطوري صدر في عام 312 للميلاد للسماح بالحرية الدينية. عندئذ أقاموا كنائسهم. كانوا يصلّون في المغاور. عندئذ أقاموا كنائسهم وكانت كنيسة القديسين سيرجيوس وباخوس أولى الكنائس التي أقيمت في معلولة. وتعدّدت بعدها عشرات الكنائس والمقامات على أسماء قديسين في آسيا الصغرى التي كانوا يطلقون عليها اسم آسيا الرومانية ومن مصر ومن فلسطين ومن روما قوزما ودميانوس وغيرهم.

غسان الشامي: هل هناك استمرارية لهذا الإيمان؟ أو أنه قد خفت قليلا قليلا؟

الياس نصر الله: الاستمرارية موجودة. ولولا هذا الإيمان لانتهت معلولة وانتهى المعلوليون منذ فترة طويلة، لأن ما عاناه أبناء معلولة وخصوصا في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر، نحن نعلم أن السلطات الجائرة التي كانت في تلك الفترة قطعت ألسنة الناس الذين كانوا يتحدثون بهذه اللغة، ومع ذلك أصرّوا على بقائها. فإيمانهم هو الذي دعمهم للحفاظ على هذه اللغة لأنهم يعرفون أنها لغة السيد المسيح.

غسان الشامي: أستاذ سعادة، هناك مسألة حسّاسة بالنسبة لأهالي معلولة. الشهداء سقطوا، نترحّم على جميع الشهداء وعلى زملائنا الإعلاميين من قناة المنار أيضا وعلى كل شهداء هذه البلاد وعلى كل المظلومين الذين قضَوا. ولكن هناك أيضا مسألة حساسة كبيرة هي مسألة المخطوفين من أبناء معلولة. ماذا عنهم؟ مَن يعمل لأجلهم؟

الدكتور جوزف سعادة: بالنسبة للمخطوفين، كما ذكرت، بالتأكيد هي مسألة حساسة جدا. لا شيء جديدا بالنسبة للمخطوفين منذ سنة وسبعة أشهر حتى الآن. لا نسمع إلّا عبارة عن شائعات وكلام واهٍ ولا يمتّ إلى الحقيقة بصلة.
المخطوفون ما زال حتى الآن مصيرهم غامضا.

غسان الشامي: لا تعرفون أين هم أبدا.

الدكتور جوزف سعادة: غير معروف أين هم ولا مَن يعمل بشكل جدي لعودة المخطوفين. والأمر الحساس الأهم أن مَن خطفهم هم من معلولة، مجموعات هي من معلولة ومن القرى المجاورة. وهذا الأمر الذي يزيد حساسية هذا الموضوع ويمنع حتى عودة بعض العائلات إلى معلولة حتى عودة المخطوفين.

غسان الشامي: أنا أرى هذا الشعور لديك بالحرج في الكلام على هذا الأمر. ولكن ألا يوجد لا اتصال ولا رسالة ولا أي شيء عن هؤلاء الذين خُطفوا من هذه البلدة؟

الدكتور جوزف سعادة: بعد ثلاثة أشهر من اختطافهم تقريبا لم يكن هناك أي اتصال هاتفي معهم.

غسان الشامي: أبدا. هل شكّل هذا حساسية ما كبيرة لدى البعض؟

الدكتور جوزف سعادة: طبعا. أهالي المخطوفين وأهالي معلولة يعرفون مَن خطفهم بالتحديد، والجهات الأمنية تعرف مَن خطفهم. طبعا الخاطفون هم مع المسلّحين.

غسان الشامي: كيف ترى النسيج الاجتماعي في معلولة بعد انتهاء هذه الأزمة؟ في معلولة وسورية؟

الدكتور جوزف سعادة: طبعا عودة المخطوفين بالتأكيد ستُحدث صدى إيجابيا لتهدئة أهالي المخطوفين، لتهدئة أهالي معلولة. عودة المخطوفين أمر أساسي جدا قبل البدء بأي أمر آخر. وأهل معلولة لم يعيشوا أية فترة من الفترات طيلة وجودهم في معلولة منعزلين عن محيطهم. طبعا هم على علاقة وعلى ارتباط مع كل المحيط المجاور لهم.
أنا أعمل في بلدة عين التينة وأعالج، ستستغرب إذا قلت لك، حتى أناسا من دوما.

غسان الشامي: نعم، أنا أعرف ذلك.

الدكتور جوزف سعادة: أهل معلولة ليسوا منغلقين وليسوا منعزلين عن العالم. هم لديهم علاقات قديمة، ويمكن للأستاذ الياس أن يفيدنا، لهم علاقات قديمة مع كل قرى القلمون. لكن ما حصل في معلولة صعب جدا أن تتجاوزه بسهولة.
على الأقل أن تكون هناك بادرة بعودة المخطوفين.

غسان الشامي: آنسة أنّا، في أقل من دقيقة، ماذا تقولين للشباب في المغترب وخارج معلولة من أجل معلولة، من أجل مستقبل معلولة؟

مسعد: نزار قباني يقول: "هنا جذوري". لا جذور أعمق من الجذور السورية وفي معلولة بشكل عام. "هنا قلبي". هنا بيوت مَن يحبوننا وهنا تراب مَن سبقونا. "هنا لغتي". أكثر من هذا أن يشعروا بهذا الانتماء. لأنهم إذا لم يشعروا به داخل البلد فلن يشعروا به في الخارج ولن ينجحوا في الخارج.

غسان الشامي: شكرا.

أعزائي، لا يمكننا أن نمشي المستقبل إلا معا. التعصّب والقتل لا يعطي وطنا بل أحقادا، والإعمار غاية ومطلب. وبالآرامية: داي لحكيما بزميزا، أي إن اللبيب يفهم من الإشارة.

شكرا للأستاذ الياس نصر الله والدكتور جوزف سعادة والآنسة أنّا مسعد ولأهالي معلولة جميعا على حضورهم في "أجراس المشرق".

شكرا للزملاء: نيكول كماتو وجهاد نخلة ويارة أبي حيدر وجمال حيدر على قرعهم معي أجراس المشرق من معلولة.

شكرا لكم على محبتكم ومتابعتكم.

وبلغة المسيح الجليلي الباقية في معلولة: شلوما ليخون.

سلام عليكم وسلام لكم.