أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

القس عمانوئيل غريب - رئيس الكنيسة الإنجيلية الوطنية في الكويت

المحور الأول

المحور الأول

غسان الشامي: مساء الخير.

يمكن أن تستغربوا محاورة رجل دين مسيحي كويتي لأننا في زمن الإلغاء نبحث عمّن يفتح أفقا حقيقيا لحوار الإنسان مع الإنسان قبل حوار الأديان. تصوّروا كم بات صعبا وكم يجب كسر هذه الصعوبة كي نفتح أبوابنا على بعضها بعضا بعد استطالة حيطان التكفير وقصر جلابيبه ودماغه. القس الكويتي عمانوئيل غريب، وعمانوئيل تعني "الله معنا"، ضيف "أجراس المشرق". عرفت عائلته الشقاء بعد قتلها وتهجيرها من منطقة مديات في شمال شرق سورية عام 1915، الآن جنوب شرق تركيا. إلى بيروت، وبعدها إلى الكويت عام 1928 فالبحرين فالموصل ثم إلى الكويت حيث وُلد عام 1950 ودرس الجيولوجيا وعمل في مجال النفط حتى تقاعده عام 1996. وبات أول كويتي يترأس الكنيسة الإنجيلية الوطنية في بلاده عام 1999. ونأمل ألّا يكون الأخير. سنتحدث معه عن المسيحيين في الكويت والخليج وعن تاريخهم ودورهم ومستقبلهم. لكن قبل ذلك سندعكم مع تقرير عن المسيحية والمسيحيين في الكويت كي تتعرّفوا إلى هذا الحضور:

 

التقرير

تشير الآثار إلى وصول المسيحية إلى الكويت في القرنين الخامس والسادس إذ اكتُشفت بقايا كنائس من تلك الفترة في وسط جزيرة فيلكة وجزيرة عكاظ، وعُثر على لوحتين نُقش عليهما صليب.

عادت المسيحية إلى المنطقة بين عامي 1900 و1903 عبر الإرسالية الأميركية إذ زار القس سامويل زويمر والقس فرد بارني الكويت. وفي عام 1909 دعا الشيخ مبارك الصباح الدكتور آرثر بينت إلى الإقامة والخدمة الطبية، وبُنيت مستشفى الإرسالية عام 1913. كما بدأت الخدمة الطبية للنساء على يد زوجة القس أدوين كالفارلي، وبُنيت المستشفى النسائي عام 1917. في عام 1926 أقام الشيخ يعقوب شمّاس إبراهيم أول صلاة بالعربية. وفي عام 1931 دُشّنت أول كنيسة أُطلق عليها عام 1966 اسم الكنيسة الإنجيلية الوطنية في الكويت بعدما جرى عام 1954 انتخاب أول مجلس عربي لها. كما بُنيت كنيسة سيدة الجزيرة العربية في الأحمدي عام 1948. وفي عام 1999 رُسم الشيخ عمانوئيل غريب أول قس وراعٍ كويتي للكنيسة الإنجيلية المشيخية.

وهناك أيضا كنيسة للأقباط وكنيسة ومدرسة للأرمن الذين يعدّون نحو ستة آلاف شخص، وكنائس للروم الأورثوذكس والكاثوليك ومجمع للكنائس في قلب العاصمة يخدم نحو 450 ألف مسيحي عربي وآسيوي وأوروبي.

 

غسان الشامي: أهلا بكم. قسيس غريب، أهلا بك في "أجراس المشرق" في بيروت.

القس عمانوئيل غريب: شكرا.

غسان الشامي: لنبدأ من التاريخ علّنا نصل إلى المستقبل. لماذا غابت المسيحية قرونا طويلة عن الكويت والخليج؟

القس عمانوئيل غريب: المعلومات التاريخية تقول إنه في القرن السادس الميلادي وُجدت آثار لكنيسة مسيحية في إحدى الجزر الكويتية وهي جزيرة فيلكة.

غسان الشامي: وهناك جزيرة أخرى أيضا على ما أعتقد فيها آثار؟

القس عمانوئيل غريب: نعم. لكن المشهورة أكثر هي جزيرة فيلكة. فالتاريخ القديم يقول إن المسيحيين وُجدوا في القرن السادس الميلادي. لكن الوجود المسيحي في العصر الحديث بدأ قبل نحو مئة سنة عندما جاء المرسلون الأميركيون، الكنيسة المصلحة في أميركا، Reform Church of America، وبدأوا العمل الطبي إلى أن انتهى هذا العمل الطبي عام 1967. أثناءها تم إنشاء الكنيسة التي بُنيت سنة 1931.

غسان الشامي: ما بين هذا الوقت هناك فراغ واسع. ألم تكن في الكويت مثلا هذه الكنيسة لها علاقة بكنيسة الحيرة؟ وهي ليست بعيدة عنها في العراق. ألا توجد أية آثار تدلّ على هذا الحضور في القرنين الخامس والسادس، آثار ملموسة؟

القس عمانوئيل غريب: حسب علمي، لا توجد.

غسان الشامي: لا توجد.

القس عمانوئيل غريب: نعم.

غسان الشامي: هذه الآثار الموجودة في فيلكة وغيرها، أنا أعتقد أن هناك رسما مسيحيا، مَن يعتني بها؟ هل هناك دائرة آثار تعتني بهذه...؟

القس عمانوئيل غريب: نعم، تابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. إدارة الآثار هي مسؤوليتها.
وقانون الآثار الكويتي أناط بهذه الهيئة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الاهتمام بهذه الآثار.

غسان الشامي: هل هي على لائحة السياحة؟ هل تزار؟

القس عمانوئيل غريب: نعم.

غسان الشامي: نعم، تزار.

القس عمانوئيل غريب: نعم.

غسان الشامي: وأنتم ما علاقتكم بها؟ هل تسوّقون لها؟ هل تضعونها في اهتمامكم؟ هل مَن يزوركم من الغرب ليطّلع على كل هذا الإرث؟

القس عمانوئيل غريب: صراحةً، فقط رجال السلك الدبلوماسي راحوا وزاروا. لكن حاليا هذه الآثار ليست في دائرة اهتمامنا.

غسان الشامي: والمسيحية في الخليج عموما، هل هي امتداد للمسيحية في الكويت؟ الكويت هي أول مركز بعد 1919.

القس عمانوئيل غريب: حسب معلوماتي أن البحرين وعمان... بداية الإرساليات طبعا بدأت في جنوب العراق: البصرة، العمارة، ثم الكويت، البحرين، عمان في أوائل القرن الماضي.

غسان الشامي: أوائل القرن التاسع عشر.

القس عمانوئيل غريب: القرن التاسع عشر.

غسان الشامي: عادت المسيحية إلى الكويت من بوابة الغرب وليس من بوابة المسيحية في المشرق. وعلى ما أعتقد أن خال أبيك يعقوب الشمّاس كان أول مبشّر عربي جاء إلى الكويت تلا مجيء المبشّرين الغربيين. هل المسيحية في الكويت، فعلا، لنناقش الأمور بشكلها الموضوعي، هي بحماية غربية؟ هل هي تحت رعاية غربية؟

القس عمانوئيل غريب: لا. هي في رعاية الأسرة الحاكمة الكريمة مذ بدأت. العلاقة مع حاكم الكويت المغفور له الشيخ مبارك الصباح، بدأت العلاقة عندما سمح للمرسلين الأميركيين بأن يأتوا ويقيموا الخدمة الطبية في الكويت. واستمرت هذه، وكانت هناك علاقة، ونحن نشكر الله من أجل قيادتنا الحكيمة التي استمرت منذ الشيخ مبارك الكبير إلى أبنائه وأحفاده وحاليا حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير البلاد.

غسان الشامي: جاءت المسيحية في عهد الأمير السابع في إمارة الكويت.

القس عمانوئيل غريب: نعم، الشيخ مبارك.

غسان الشامي: الشيخ مبارك. من الأمير السابع حتى هذه اللحظة هل أنتم فعلا تحت رعاية وحماية الأسرى الحاكمة في الكويت؟

القس عمانوئيل غريب: نعم.

غسان الشامي: وهذا قدّم لكم حماية ما في البيئة الاجتماعية؟

القس عمانوئيل غريب: نعم، نعم.

غسان الشامي: كيف يتعامل الناس معك في الحياة العامة؟ ها أنت قسّيس، تلبس الزي العربي، تضع الحّطة والعقال، وهذا الرمز الأبيض للقساوسة. كيف يعاملك الناس بهذا الزي؟ هل هو مستغرب؟ هل هو خارج التقاليد؟

القس عمانوئيل غريب: لا، طبعا الزي هذا هو الزي الوطني عندنا في الكويت. طبعا البعض ليست لديه فكرة عن أن هناك مسيحيين عربا، البعض، لكن الغالبية من أبناء المجتمع الكويتي يعرفون لأن المسيحيين موجودون منذ فترة طويلة تعود، كما قلنا، إلى مئة عام، وتعاملوا معهم ويعرفون مَن هم المسيحيون. لذلك، لمّا تمّت رسامتي سنة 1999، الصحافة في الكويت، الإعلام، استقبلت هذا الخبر بترحاب، وأيضا المجتمع الكويتي استقبل هذا الخبر بترحاب.
ولمّا أزور الدواوين الكويتية أجد الترحيب وتكوّنت علاقات محبة وود.

غسان الشامي: أنت أول قسيس يلبس الغطرة والعقال.

القس عمانوئيل غريب: الغطرة والعقال.

غسان الشامي: هل هو تقرّب؟ هل هو زُلفة؟ هل هو مشيخة؟ أنا أريد أن تسمح لي أن تقول للمشاهدين، نريد   الصراحة لأنه فعلا ربما يستغرب الكثيرون أن يكون هذا الزي لرجل دين مسيحي.

القس عمانوئيل غريب: حين كنا قريبين من وقت الرسامة، قعدنا نفكّر ماذا ألبس في حفل الرسامة. فطرأت لدينا فكرة الدشداشة والغطرة والعقال وفكرة اللون هذا، وتمّت خياطة الدشداشة هذه بالطريقة هذه، واستمرت. والحمد لله.

غسان الشامي: عندما رأيتك في بيروت استغربت. لأدخل إلى عمق الحالة الاجتماعية في داخل الكويت، هناك رجال دين مسلمون يقومون بتجريح المسيحيين. وهناك حتى في الكويت، لنذهب إلى المجتمع، لنكن واضحين في تقديم هذه الأمور للناس، يدعون على المسيحيين في صلواتهم في صلوات الجمعة. ماذا تفعل وزارة الأوقاف حيال هذا الأمر؟ ماذا تفعل الدولة؟

القس عمانوئيل غريب: وزارة الأوقاف حسب معلوماتي تعطي توجيهات للخطباء في يوم الجمعة بألّا يتعرّضوا بتجريح لأصحاب الديانات الأخرى. طبعا حدث في السابق، ونحن عبّرنا عن حزننا وألمنا لهذا الذي يجري، وطبعا رأينا أن هناك تجاوبا من الشعب الكويتي لأنهم يقولون: نحن لا نرضى أن يتم... كل واحد لدينه، وبالتالي هناك حرية، الكويت تتمتع بحرّيّة ممارسة الشعائر الدينية حسب الدستور، والمجتمع متقبّل ومنفتح ومتسامح نحو الديانات المختلفة التي تمارس شعائرها في الكويت.

غسان الشامي: هل تعتبر أن ما يحصل هو من مجموعة صغيرة فقط تجاه الأديان الأخرى؟

القس عمانوئيل غريب: نعم.

غسان الشامي: ألا توجد ظاهرة اجتماعية مثلا لا تحبّذ العلاقة مع الآخر؟

القس عمانوئيل غريب: هذه أقلية.

غسان الشامي: هذه أقلية.

القس عمانوئيل غريب: الأغلبية هي مع الانفتاح والتعامل مع الآخر واحترام الآخر وبالمثل.

غسان الشامي: مثلا هل هناك حساسية من رفع صليب على كنيسة أو على مقر في الكويت؟ هل ترفعونه؟

القس عمانوئيل غريب: الصلبان موجودة. لمّا أنشئت الكنيسة وُجد عليها صليب لكن داخل جدران الكنيسة.

غسان الشامي: في الداخل.

القس عمانوئيل غريب: نعم.

غسان الشامي: والعبادات تمارَس بشكلها الفعلي. هل تعتقد أن بعض هذه الخطب التي تناولت المسيحيين وكفّرتهم هي ناجمة عن الأوضاع السائدة حاليا في المشرق وبلاد العرب؟ أو أن هذا الأمر كان موجودا سابقا؟

القس عمانوئيل غريب: من فترة كانت تمارَس هذه الانتقادات والدعاء على المسيحيين واليهود. لكن حاليا هناك توجّه بعد الأحداث التي مرّ فيها العالم العربي، الأحداث المأساوية، حاليا الخطاب تغيّر نحو الاعتدال، التسامح أكثر.
نأمل أن يستمر هذا التوجّه. طبعا هناك توجّه لتغيير المناهج أيضا. فكل هذه الأمور تعمل أن يكون هناك تسامح في البلاد العربية وتعايش، والعلاقات تكون أفضل وأفضل.

غسان الشامي: هل هناك إشارات إلى المسيحيين في المناهج التعليمية؟

القس عمانوئيل غريب: حسب معلوماتي، لا إشارة إلى المسيحيين.

غسان الشامي: ولا حتى إلى الحضور السابق للمسيحية في منطقة الخليج؟

القس عمانوئيل غريب: لا، ليست لديّ فكرة.

غسان الشامي: أبدا. بمعنى من المعاني، الحرب العراقية على الكويت أدّت إلى قطيعة ما بين البلدين المتداخلين في الجغرافيا وفي التاريخ. نحن نعلم أن الكويت على مقربة من البصرة، قربها البصرة مركز حضارات العالم، حضارة تل العبيد قبل أربعة آلاف و500 سنة قبل المسيح. هل الحرب العراقية أثّرت عليكم؟ مثلا علاقتكم مع مسيحيي العراق؟ الذين هم الأقرب طبعا.

القس عمانوئيل غريب: لا، علاقاتنا مع مسيحيي العراق لم تتأثّر. لكن الشعب الكويتي طبعا تأثّر بالغزو الذي تم في أثناء حكم صدّام حسين. لكن بعدها، ونظرا لحكمة القيادة السياسية (...) لا تستطيع أن تغيّر الجغرافيا. بعد فترة بدأت تعود العلاقات بين الكويت والعراق، ونأمل أن تتطوّر إلى الأفضل والأفضل لأن الجغرافيا.. نحن جيران، ثم إن هناك مصاهرة بين الكويت والعراق والسعودية وإيران أيضا بصفتها دولا مجاورة للكويت. الشعب الكويتي يتكوّن من مكوّنات أصولها ترجع إلى السعودية والعراق وإيران كونها دولا مجاورة لنا. فبالتالي، المجتمع الكويتي خليط من هذه الأصول. وبالتالي، هناك تعايش، هناك تسامح، هناك محبة، هناك ود. فنشكر الله من أجل المجتمع الكويتي المنفتح المتسامح.

غسان الشامي: في الأزمة التي حصلت للمسيحيين في العراق مؤخرا، هل ساهمتم؟ هل زرتم؟ هل تعاطيتم معهم؟

القس عمانوئيل غريب: حصل تواصل خصوصا بعدما نزحت العائلات.

غسان الشامي: من الموصل؟

القس عمانوئيل غريب: من الموصل. فقمنا بالتواصل مع الكنائس في شمال العراق وأرسلنا بعض المساعدات حسب مصادرنا المالية المحدودة. وأودّ أن أشير إلى أن إخواننا المسلمين اشتركوا معنا بإرسال هذه المساعدات لهذه العائلات النازحة، طبعا وليس العائلات المسيحية فقط، لأننا نساعد الإنسان كإنسان بغضّ النظر عن الجنس أو الدين.

غسان الشامي: هل لكم أي دور في السياسة الكويتية؟

القس عمانوئيل غريب: دورنا في السياسة الكويتية كما أفهمه هو أننا نشجّع المواطنين المسيحيين، كل حسب توجّهه وكفايته، للمشاركة كمواطنين صالحين في المجتمع. إذا كان يرى أي كويتي فيه القدرة على أن يشارك مثلا في الترشّح لانتخابات مجلس الأمّة فليتقدّم. فنحن نشجّع الكويتي المسيحي على أن يكون مواطنا صالحا يعمل من أجل خير البلد وتقدّمه.

غسان الشامي: ما هو فعلا الواقع الذي تعيشونه من موجة التكفير والقتل والذبح؟ وخصوصا أن هناك كويتيين وبعضهم نوّاب شاركوا في هذه الموجة في بلاد المشرق وتحديدا في سورية.

القس عمانوئيل غريب: النواب هؤلاء أقلية. لكن هناك نواب عقلاء يعرفون دورهم ويدعون إلى الخطاب السياسي والخطاب الديني أن يكون معتدلا. وكون الكويت دولة مُحِبّة للسلام ومحبّة للعمل الإنساني، فلمّا تجد أية كارثة إنسانية تحصل، الكويت من أوائل الدول التي تبادر إلى تقديم المساعدة لهذه الدول. لذلك، هيئة الأمم المتحدة في أيلول الماضي منحت صاحب السمو لقب قائد للعمل الإنساني. وهذه أول مرة تحصل أن يُمنح قائد سياسي لقب قائد للعمل الإنساني. وإن الكويت مركز للعمل الإنساني. وهذا أمر نفتخر به ككويتيين لأن الكويتيين جُبلوا على عمل الخير وتقديمه للجميع. فنشكر الله من أجل هذه السمعة الطيّبة.

غسان الشامي: ألا يوجد رد فعل من الناس، من المجتمع، على هؤلاء الذين سمّيتهم قلّة، الذين انغمسوا في الشأن التكفيري في المنطقة؟ قدّموا أموالا، قدّموا أبناء.

القس عمانوئيل غريب: نعم، نعم، نعم. مثلما ذكرت، المجتمع الكويتي مجتمع منفتح ومتسامح. وفي رأيي أو الواقع يقول إن هؤلاء قلة. وبالتالي، طبعا هم أحرار في فكرهم وأحرار في تصرّفاتهم، لكن أيضا هم مسؤولون عن تصرفاتهم أمام القانون وأمام الدولة.

غسان الشامي: اسمح لنا أن نتوقف مع فاصل، على أن نعود. أعزائي، فاصل ونعود لمتابعة هذا الحوار مع القس عمانوئيل غريب، رئيس الكنيسة الإنجيلية الوطنية في الكويت. ابقوا معنا إذا سمحتم.


المحور الثاني

المحور الثاني

غسان الشامي: أهلا بكم مجددا في "أجراس المشرق".

حضرة القس غريب، نحن في زمن رمضان، وأنتم تعيشون في مجتمع ذي أغلبية عظمى إسلامية. وفي الواقع في هذا الشهر، كما تابعت وقرأت، تدعون شخصيات إسلامية لفاعليات تقومون بها في هذا الشهر المبارك. هل هذا مراعاة أو سياسة أو جزء من بنية المجتمع الذي تعيشون فيه أو جزء من توجّهاتكم؟

القس عمانوئيل غريب: في الواقع، مثلما ذكرت، الكويتيون المسيحيون والمسيحيون عموما الذين يعيشون على أرض الكويت هم جزء من نسيج المجتمع الكويتي. فمنذ القدم، منذ أيام المرسلين الأميركيين، العلاقات كانت ودّيّة.
فكان المرسلون الأميركيون يزورون الحاكم في ذلك الوقت مع التجّار ويهنّئونهم بشهر رمضان المبارك، يهنّئونهم بالأعياد: بعيد الفطر وعيد الأضحى. وكانوا أيضا بدورهم، الحاكم والتجّار وأصدقاء المرسلين، يزورونهم لكي يهنّئوهم بعيدَي الميلاد والفصح.

غسان الشامي: بعيد الميلاد وعيد الفصح.

القس عمانوئيل غريب: بعيد الميلاد وعيد القيامة. فالعلاقة منذ القدم. أكرّر غير مرة أن المجتمع الكويتي مجتمع متسامح منفتح. فهذه العلاقة منذ القدم. فنحن نكمل التواصل الذي بدأ منذ أن وطئت أقدامهم...

غسان الشامي: ما زلت ألاحظ أن العلاقة لا تزال بين حاكم وأقلية، حاكم وتجّار. لا أرى، وأنت تقوم الآن في رمضان بدعوة أناس من المجتمع. هل تختار شرائح الناس إلى ما تقومون به؟ ماذا تفعلون في رمضان؟

القس عمانوئيل غريب: في رمضان، في أول يومين في شهر رمضان المبارك جرت العادة أن صاحب السمو أمير البلاد وأفراد الأسرة الحاكمة يستقبلون المهنّئين برمضان. فنحن نحرص كرجال دين أن نكون ضمن الوفود المهنّئة بهذا الشهر الكريم. بعد ذلك، الكنيسة الإنجيلية الوطنية والكنيسة القبطية الأورثوذكسية ومجلس العلاقات الإسلامية المسيحية أقمنا ونقيم وسنقيم غبقات، نحن نسمّيها غبقة، التي هي وجبة بين الفطور والسحور، ونجمع فيها المسلمين والمسيحيين في جو من المحبة والألفة والود. والإعلام الكويتي رحّب بهذه الأنشطة.

غسان الشامي: منذ متى تقومون بهذا؟

القس عمانوئيل غريب: ربما منذ أكثر من عشر سنوات. أكثر من عشر سنوات.

غسان الشامي: ماذا كان يخبرك خالك وأبوك عن العلاقة مع المسلمين العاديين خلال فترة الأعياد ورمضان؟

القس عمانوئيل غريب: أنا كنت مع والدي، وحين تكون الأعياد أذهب مع والدي لنبارك لهم في دواوينهم. لم أسمع فقط لكنني مارستها. وأنا طفل كنت أذهب مع والدي ونبارك لهؤلاء. وكانوا يأتون ويزوروننا في البيت ويباركون لنا بالأعياد.

غسان الشامي: هل هناك حوار إسلامي مسيحي في الكويت؟ أو هو حوار صوري شكلاني؟

القس عمانوئيل غريب: لا، هناك حوار إسلامي مسيحي، طبعا بمبادرة من حركة التوافق الوطني الإسلامية.
بادروا نحونا نحن رجال الدين المسيحي ودرسنا البادرة هذه وتم تكوين مجلس العلاقات الإسلامية المسيحية.
يهدف إلى الحوار وتوعية الأطراف. الحوار الديني.. طبعا هناك قيم مشتركة أو مبادئ مشتركة بين المسيحية والإسلام. وفي الوقت نفسه هناك اختلافات. فنحن نعرف اختلافاتنا، لكن هناك أمور مشتركة كثيرة بيننا. لذلك نحن نركّز على الأمور المشتركة، لأن الأمور العقائدية لا تناقَش.

غسان الشامي: لا تناقشون الفقه واللاهوت. تناقشون الإجراءات العملانية؟

القس عمانوئيل غريب: نناقش التعاون. الحوار الإسلامي المسيحي محاولة فهم الآخر. وأفضل شخص تريد أن تفهم منه مبادئ الدين، تسأل الشخص.. تحب أن تعرف عن المسيحية تسأل شخصا مسيحيا، لتعرف عن الإسلام تسأل شخصا مسلما، وهكذا. فنحن أصحاب الديانات نتحاور مع بعضنا البعض. مزيد من الفهم، مزيد من التعاون في ما بيننا، والهدف هو زيادة الوعي والتآلف والمحبة والعلاقات الطيبة بين أصحاب الديانات.

غسان الشامي: من دون أدنى ريب، الكثيرون يقولون، وجميعنا نشارك في الحوارات الإسلامية المسيحية، إن هذا الحوار قد تحوّل إلى حوار شكلاني. هو يقارب الأمور بشكل "برّاني"، بشكل خارجي. على مستوى الشارع، هل هناك فعلا عملية تقارب مسيحية إسلامية، فهم للمسيحية من قِبل المسلمين في الكويت؟ فهم للمسيحيين، للإسلام، في الشارع العادي؟

القس عمانوئيل غريب: طبعا مجلس العلاقات الإسلامية المسيحية، الندوات التي يقيمها المجلس، أيضا الزيارات المتبادلة في الدواوين، نحن لدينا نظام الديوانيّة الكويتيّة تُعتبَر برلمانا مصغّرا. لك الحرية. فنحن طبعا كي نتواصل مع المجتمع الكويتي عملنا ديوانية.

غسان الشامي: ديوانية لكم.

القس عمانوئيل غريب: في الكنيسة.

غسان الشامي: ديوانية مسيحية.

القس عمانوئيل غريب: ديوانية مسيحية، نعم. طبعا هذه كانت تلبية لرغبة أحبائي إخواني المسلمين الذين لديهم ديوانيات. فأنا لمّا أزورهم يقولون لي: أنت الآن تزورنا في ديوانياتنا. لكن حين نحن نأتي لنزورك يجب أن تعمل أنت ديوانية. فنتيجة لهذه الرغبة عملنا ديوانية، ونشكر الله على أنه لدينا مبنى صغير أيضا مبني على التراث الكويتي القديم. المبنى هذا بُني بالموازاة لمّا تمّ بناء الكنيسة. فكثير من زوّار الديوانية لمّا يأتون يقولون: نحن نرتاح لمّا نرى ونتذكّر نظام البناء التقليدي الكويتي.

غسان الشامي: أي حافظتم على التراث القديم.

القس عمانوئيل غريب: نعم، نعم. بالتعاون مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

غسان الشامي: ذكرتم مجلس العلاقات الإسلامية المسيحية.

القس عمانوئيل غريب: نعم.

غسان الشامي: هو ليس مجلسا قديما. هو مجلس جديد.

القس عمانوئيل غريب: نعم.

غسان الشامي: ماذا فعل فعليّا حتى الآن هذا المجلس؟

القس عمانوئيل غريب: دور هذا المجلس هو دور توعوي. إخواننا الشيعة، وأيضا عندنا رجل دين سنّي مصري، ونحن رجال الدين المسيحيين.

غسان الشامي: إذاً هو شيعي مسيحي بأغلبيته؟

القس عمانوئيل غريب: ككويتيين.

غسان الشامي: ككويتيين.

القس عمانوئيل غريب: لكن هناك رجل دين سني مسلم، معنا عضو في مجلس العلاقات الإسلامية المسيحية.

غسان الشامي: لماذا لم يقترب السنّة من هذا المجلس؟

القس عمانوئيل غريب: نحن نأمل أن ينضمّ أعضاء من السنّة لمجلس العلاقات الإسلامية المسيحية.

غسان الشامي: ماذا فعلتم حتى اللحظة للمجتمع الكويتي؟

القس عمانوئيل غريب: حتى الآن، أقمنا ندوات وطبعا المجلس أيضا أقام غبقات لتقوية أواصر العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في جو من المحبة والألفة. لمّا يرى الشعب أن رجال الدين، مسلمين ومسيحيين، يكونون في لقاءات مع بعضهم البعض، فهذه تشجّع برأيي أن نكون في تعايش، في محبة، نختلف في الفكر ولكن نتّفق أن ثمة محبة وثمة علاقات إنسانية، ود ومحبة وألفة.

غسان الشامي: هل أصدرتم منشورات، كتبا، كتيّبات، حول العلاقات الإسلامية المسيحية؟

القس عمانوئيل غريب: حتى الآن لا. في النيّة إصدار، لكن حتى الآن لم يصدر منشور عن المجلس.

غسان الشامي: هناك نصف مليون مسيحي في الكويت. نحو نصف مليون، أليس كذلك؟

القس عمانوئيل غريب: تقريبا، نعم.

غسان الشامي: فقط هناك 150 كويتيا مسيحيا. هل تستطيعون، على قلّتكم كرجال دين من جميع الكنائس، خدمتهم، التقديم لهم، تيسير أمورهم؟ هل تستطيعون الوصول إلى شراء أراضٍ لبناء كنائس، لبناء خدمات، لبناء مستشفيات أو مدارس مثلا؟

القس عمانوئيل غريب: لا، بالنسبة لموضوع دور العبادة، هناك قلّة لأماكن العبادة التي تقام لإقامة الشعائر المسيحية. فنحن على مرّ الزمن نطالب بتخصيص أراضٍ لإقامة دور للعبادة لكي توَفّي مطالب العدد المتزايد للمصلّين المسيحيين الذين يؤمّون الكنائس لأداء شعائر الديانة المسيحية. فحسب الظروف، مثلا كان هناك مشروع تطوير الطريق الدائري الأول الذي هو طريق سريع. فكان هناك مبنى استأجرته الكنيسة القبطية الأورثوذكسية.
فاضطرّت الحكومة لهدم هذا المبنى. لكن قبل هدم هذا المبنى خصّصت قطعة أرض بمساحة عشر مرات ضعف المساحة التي كانت. وسهّل للكنيسة القبطية الأورثوذكسية بناء كاتدرائية كبيرة. نشكر الله. حين تكون هناك ظروف، يضطرّون أن يهدموا مكانا يُستخدم للعبادة، فالحكومة تبادر.

غسان الشامي: وهل أنتم تطالبون ببناء كنائس جديدة؟ هل علاقتكم مع الأسرة الحاكمة قويّة وجيّدة؟ ألا يعطونكم أراضي لبناء كنائس؟

القس عمانوئيل غريب: نحن قدّمنا طلبات، ونحن في انتظار الردود إن شاء الله.

غسان الشامي: أنت قلت إن الحكومة اضطرّت لهدم مقرّ للكنيسة القبطية، ومن ثم أعطت عشرة أضعاف. ولكن هناك نواب أيضا هدّدوا بهدم الكنائس. هل فعلا، من عندكم من الداخل، تخشون ذلك؟ موقفكم ما هو؟ موقف الدولة من هؤلاء ما هو؟ موقف وزارة الداخلية، وأنت تراهم، ما هو؟

القس عمانوئيل غريب: طبعا لمّا دعا أحد النواب في وقت ما لهدم الكنائس في الكويت، نحن وجدنا ردود فعل إيجابية ضد هذا الرأي أو ضد هذه المطالبة. فكما ذكرت لك، نحن لدينا ديوانية، فجاءنا شباب كويتيون جاؤوا لكي يعبّروا عن رفضهم هذا الرأي الذي يدعو إلى هدم الكنائس. فصراحةً شعرنا بالفرح أن ثمة أغلبية ترفض هذا الفكر، ترفض هذا الرأي. وطبعا الدولة ترفض هذا التوجّه. بل بالعكس، الدولة تقوم بدورها في حماية دور العبادة. طبعا بعد الأحداث المؤسفة التي تمّت في المملكة العربية السعودية بتفجير مسجدين في المنطقة الشرقية في السعودية، قامت الحكومة بمبادرة ممثّلة بوكيل وزارة الداخلية بدعوة وكيل وزارة الأوقاف وممثّلي الكنائس وممثّلي إحدى الطوائف الشيعية أيضا للتعبير عن أن الكويت هي دولة الحرية والانفتاح وأن دور وزارة الداخلية هو حماية دور العبادة كلها من دون استثناء ومن دون تمييز. فنحن طبعا شكرنا الرب على هذه المبادرة وأبدينا استعدادنا وتعاوننا مع وزارة الداخلية في أية توجيهات تراها لكي تخدم أمن دور العبادة.

غسان الشامي: ما الذي يربط بين هذا العدد الصغير من المسيحيين الكويتيي الأصل وهذه الأعداد الكبيرة من المسيحيين من بلاد المشرق والغربيين الذين يعملون في الكويت؟ ما هو الرابط؟ ما الذي يربطكم ببعضكم البعض؟

القس عمانوئيل غريب: الإيمان بالمسيح. هذا ما يربطنا.

غسان الشامي: وغير ذلك؟ عملانيا أقصد، الكنائس بين بعضها البعض.

القس عمانوئيل غريب: نحن طبعا ككنائس عملنا رابطة الكنائس المسيحية في الكويت. وهذه امتداد لتعاون بين الكنائس كان تم في السبعينات حين تم تأسيس مجلس كنائس الكويت. لكن نحن مؤخرا عملنا رابطة الكنائس المسيحية في الكويت لكي نتعاون مع بعضنا البعض ويكون لنا صوت واحد أمام الدولة وأمام المجتمع، وننسّق مع بعضنا البعض، نقيم صلوات من أجل الوحدة المسيحية، إلى آخره.

غسان الشامي: هكذا فقط. أي أنتم تصلّون فقط. ولكن ألا تعملون على الأرض؟

القس عمانوئيل غريب: نقوم بدور. على الأرض نقوم بدور. نساعد الأشخاص المحتاجين للمساعدة. طبعا هم يتقدّمون إلى الكنائس، والكنائس تدرس حالاتهم وتقدّم المساعدة التي تقدر عليها.

غسان الشامي: كنيستكم هي أساس الحضور المسيحي المعاصر في الكويت. ماذا قدّمت للمجتمع الكويتي المحلي حقيقةً؟ يراودني شعور بأنه... مثلا تم إغلاق المستشفى، وهي أول مستشفى قدّمت خدمات. هناك مستشفى للرجال ومستشفى للنساء، تم إغلاقهما. الآن ماذا تقدّمون من خدمات للمجتمع؟: مدارس، مستشفيات. هل لديكم ذلك؟

القس عمانوئيل غريب: نحن نحاول قدر الإمكان وحسب الظروف الحالية، نحاول أن نساعد الناس قدر الإمكان.

غسان الشامي: ليست لديكم مستشفى الآن.

القس عمانوئيل غريب: لا، لا توجد مستشفى.

غسان الشامي: لماذا أُغلقت المستشفى السابقة؟

القس عمانوئيل غريب: المستشفى السابقة أُغلقت سنة 1967 نظرا لتقدّم الخدمات الصحية. ذُكر أنه في البدايات عندما لم تكن هناك مستشفيات جاءت الإرسالية وقامت بعمل الخدمة الطبية في وقت كان فيه الكويت في احتياج لهذه الخدمة. لكن بعد أن بارك الله الكويت بتدفّق البترول وتزايد العائدات من البترول والتطوّر في الخدمات الصحية، وجدت الإرسالية أن الخدمة الطبية ليس هناك احتياج لها بالقدر الماضي. فبالتالي، تم إغلاق المستشفى الأميركية سنة 1967.

غسان الشامي: هي كانت مستشفى مبنيّة على الطريقة القديمة من الطوب.

القس عمانوئيل غريب: طبعا تاريخ إنشائها يعود إلى أنه أول ما أنشئت كانت مستوصفا صغيرا سنة 1914. ثم بعد ذلك تم هدمه وإعادة بنائه سنة 1955. واشترك في افتتاحها حاكم البلاد صاحب السمو الشيخ عبد الله السالم الصباح.

غسان الشامي: كيف ترى مستقبل المسيحيين في المشرق وبلاد العرب؟

القس عمانوئيل غريب: تبدو الصورة مظلمة. لكنني متفائل بأن المسيحية وُجدت لتبقى. وبفضل الرب ونعمته ستستمر المسيحية في المشرق لأنها ابتدأت في المشرق وستستمر بنعمة الله في المشرق.

غسان الشامي: هل تخشى من أن تكون آخر قسيس من أصل كويتي للكنيسة الوطنية الإنجيلية؟

القس عمانوئيل غريب: لا. لا أخشى.

غسان الشامي: هل هناك مَن سيرثك بعد عمر طويل؟ من جيل شابّ؟

القس عمانوئيل غريب: الأمر هذا أننا نؤمن بأن الله يقيم لنفسه شهودا أمناء في كل زمان. لذلك، أنا جئت في مرحلة وأؤمن بأن الرب سيقيم شخصا أو أكثر لكي يكمل العمل في كرم الرب.

غسان الشامي: شكرا. أعزائي، نهنّئ جميع المؤمنين المسلمين بشهر رمضان الكريم، آملين صياما مفطورا على الخير ووقفا لسفك دماء أبناء هذه البلاد التي نتغنّى بأنها مهد الديانات السماوية والحضارات، وأن يعمّ السلام الذي يبتدئ به المسلمون والمسيحيون تحيّتهم ووداعهم.

شكرا للقس عمانوئيل غريب على حضوره في "أجراس المشرق".
شكرا للزملاء في "الميادين" الذين يقرعون معي هذه الأجراس اليوم من دير مار يوحنّا القلعة في بيت مري.
شكرا لكم على ألفة المتابعة.

وسلام عليكم وسلام لكم.