أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

أمين الريحاني والتنوير

من الفلسفة والفكر والأدب والدعوة إلى الإصلاح إلى وصية الجهاد من أجل حقّ تقرير المصير.

المحور الأول

الفلسفة والفكر عند أمين الريحاني
المحور الأول

غسان الشامي: مساء الخير.

ربما كان الحديث عن أمين الريحاني هو الأصعب في تناول ما أنتجه النهضيون التنويريون لأن محيطه واسع ومتلاطم، فتحار من أين تتناوله، وهو الشاعر والروائي والقاصّ والمسرحي والباحث والمؤرّخ والرحّالة، وهو الناقد والخطيب والرسّام. وفي مجموع هذا هو المربّي والسياسي والإصلاحي في عصر مفصلي. ومَن غير الدكتور أمين ألبرت الريحاني الأمين على كنز عمّه المعرفي، وهو الشاعر منذ لُمَع مشرقيّة قبل 50 سنة إلّا قليلا، والمثقّف المسكوني والمتفكّر في قضايا الوجود والناقد الحصيف في مسيرته الغنيّة منذ كتابه مرايا متعاكسة، ليتكلم على الريحاني الذي ملأ الدنيا وجاب الأقطار وخصّ المشرق ونهضته بنتاج وفير وأفعال شجاعة.

أعزائي، قبل الحديث مع الدكتور أمين ألبرت الريحاني، سندعكم مع تقرير عن أمين الريحاني في متحفه حيث نصوّر هذه الحلقة، ثم نعود إلى الحوار:

 

التقرير

 

لا يُختصَر أمين الريحاني المولود في هذا البيت في الفرَيكة عام 1876 بمتحف. لكن أخاه ألبرت كرّمه به عام 1953 ليضمّ مؤلفاته ومقتنياته والهدايا التي تلقّاها وتمثالا نصفيّا له صنعه النحّات اللبناني الشهير يوسف الحويّك.

أرسله والده مع عمه إلى أميركا في صيف عام 1888، فتعلّم هناك الإنكليزية واطّلع على أعمال شكسبير وهوغو وسبنسر وهاكسلي وكارلايل وآخرين، ودرس الحقوق لسنة.

عاد إلى لبنان عام 1898 وبدأ يكتب في جريدة الإصلاح مهاجما الدولة العثمانية. لكنه قفل عائدا إلى أميركا بعد عام ليعمل في التجارة والأدب. وأصدر عام 1902 كتابه موجز الثورة الفرنسية وترجم إلى الإنكليزية
 ورباعيات أبي العلاء المعرّي.

قبل أن يعود إلى لبنان عام 1904، زار الخديوي عباس حلمي في مصر، واتّصل بأبرز الأدباء والزعماء باحثا معهم أحوال الشرق العربي. وكان يتنقّل خطيبا ومحاضرا بين المدن داعيا إلى الحرية ومهاجما الإقطاع والاستعمار والجهل. وكتب ونشر في المجلّات والصحف العربية والإنكليزية.

اختير عام 1911 عضوا مراسلا للمجمع العربي في دمشق. وعاد إلى نيويورك وطبع كتاب خالد وبات يتنقّل بينها وبين الفريكة. واشتُهر في أميركا وإنكلترا وكندا والبلاد العربية.

أسّس مع جبران ونعيمه وآخرين لجنة للدفاع عن سورية ولبنان ضد الأتراك، ولجنة لإغاثة المنكوبين في البلدين، وفيلق الشرق. وزار عام 1922 الجزيرة العربية، وقابل الحسين بن علي والإمام يحيى وعبد العزيز آل سعود وغيرهم. وكتب عن زياراته ولقاءاته.

لم ترتَح فرنسا له فنفته. وفي عام 1940 سقط عن درّاجته فقضى نحبه.

وهذا المتحف يعبّر عن أبي الأدب العربي الأميركي والأدب المهجري، صاحب التسعة والعشرين مؤلفا بالإنكليزية وستة وعشرين مؤلفا بالعربية.

 

غسان الشامي: أهلا بكم في "أجراس المشرق".

أهلا بك دكتور ألبرت الريحاني.

أمين ألبرت الريحاني: شكرا.

غسان الشامي: شكرا على استضافتنا في متحف الريحاني.

أمين ألبرت الريحاني: أهلا وسهلا.

غسان الشامي: تُفصِح طفولة الريحاني عن تمرّد وشغب. ما هي معطيات ذلك؟ ما هو مردّ ذلك؟ وما هو تأثير ذلك على نتاجه الفكري؟

أمين ألبرت الريحاني: صحيح كما ذكرت أن طفولة الريحاني تنطوي على كثير من التمرّد وكثير من الشغب.
مردّ ذلك برأيي أنه عائد إلى شخصية هذا الكاتب والمفكّر اللبناني العربي. ويبدو أنه منذ الصغر وعى هذه الخاصّة من خصائص تلك الشخصية، فأحبّ التمرّد لكونه شاء أن يكوّن لنفسه الرأي الخاص والموقف الخاص مهما كان مختلفا. وهذا يستوجب شجاعة عُرف بها الريحاني طوال حياته. تأثير ذلك على أدبه وفكره وفلسفته تأثير واضح. أعطي بعض الأمثلة أنه في كتابه الأول العربي الذي صدف، أو بالأحرى ليس من باب الصدفة أن يأتي بكتابه العربي الأول بموضوع غربي وتحديدا الثورة الفرنسية. لماذا؟ ليس فقط لأنه آمن بمبادئ تلك الثورة، بل ليردّ على كل مَن أخذها بخفّة وسخرية كـكارلايل. هدفه كان أن يردّ على هذا المؤرّخ البريطاني تعزيزا ودفاعا عن مبادئ الثورة الفرنسية التي آمن الريحاني بأن تلك المبادئ يمكن أن تطبَّق في هذا المشرق. مثل آخر: ليس أيضا من باب الصدفة أن يكون أول كتاب بالإنكليزية للريحاني هو بموضوع عربي بحت، وتحديدا ترجمته لأبي العلاء المعرّي، وتحديدا أيضا ترجمة الريحاني لرباعيّات المعرّي؛ لأنه آمن، أي الريحاني آمن، بأن هذا الشاعر هو شاعر الفلسفة العربية بل فيلسوف شعراء العربية.

غسان الشامي: الذي دُمّر تمثاله في بلدته معرّة النعمان.

أمين ألبرت الريحاني: للأسف، نشهد اليوم في جملة المآسي التي نشهدها تدمير المعرّة وتدمير ضريح المعرّي.
فمنذ البداية كان الريحاني يكتب بالعربية عن الغرب باختصار، ويكتب بالإنكليزية عن الشرق، لإيمانه بهذا التلاقي الحضاري بين شرق وغرب.

غسان الشامي: أول كتاب كما ذكرت هو عن الثورة الفرنسية.

أمين ألبرت الريحاني: نعم.

غسان الشامي: لا أحد يكتب كتابا عن الثورة الفرنسية من دون أن يكون إمّا مستمتعا بها أو مؤمنا بأفكارها، أو هل كان لديه نزوع أن هذه الثورة التي نجحت في تثبيت ثلاثة مبادئ والانطلاق عبرها يمكن ترجمتها إلى الواقع العربي مثلا؟

أمين ألبرت الريحاني: أعتقد أن الريحاني منذ نشأته في نيويورك.. كما نعلم هاجر مع العائلة وكان في عمره ال 11، ولكن النشأة الفكرية إذا صحّ التعبير كانت في نيويورك. ومنذ تلك الفترة الباكرة كان مقتنعا بأن ثمة مبادئ أو قيما إذا صحّ التعبير بشكل أهم وأعمق يمكن الإفادة منها لصالح الشرق أو يمكن الإفادة منها لصالح الغرب.
فكان الريحاني من الكتّاب العرب الأوائل الذين لم يقلّدوا الغرب بقدر ما انتقدوا الغرب وبحثوا عن فضائله لصالح الشرق، والعكس أيضا: انتقد الشرق وبحث عن فضائله لصالح الغرب. وهذا موضوع واسع للتحدّث عنه.

غسان الشامي: أين يظهر برأيك تأثير فولتير، كارلايل، شكسبير، في نتاج الريحاني؟

أمين ألبرت الريحاني: تأثُّر الريحاني بـفولتير وروسو مثلا ناتج من موقفه المتحرّر من شؤون الوجود. ويبقى السؤال قائما: من أين جاء بهذه النزعة المتحرّرة؟ أعتقد أن البداية كانت مع نظرية النشوء والارتقاء التي اطّلع عليها وفيرا ووجد نفسه مناهضا لنظرية داروين على الرغم من أنه وجد نفسه مؤيّدا لنظرية النشوء، ووجد الجواب الذي استجاب معه مع تفسير هاكسلي وسبنسر لنظرية داروين.

غسان الشامي: على عكس شبلي الشميّل.

أمين ألبرت الريحاني: تماما. بمعنى أنه عوّل على البُعد الروحي وأسماه الترقّي الروحي بدل النشوء والارتقاء. فصحيح أن الريحاني تأثّر بالنشوء والارتقاء، لكنه إذا شئنا التمعّن بنوعية هذا التأثّر وطبيعته كان ذلك من باب التأثّر السلبي وصولا إلى ما أسماه الترقّي الروحي.

غسان الشامي: بين 1898 و1920 زجّ الريحاني نفسه في نشاط سياسي وطني اجتماعي محموم عبر تأسيس جمعية تحرير سورية وجبل لبنان وجمعية إغاثة منكوبي سورية وجبل لبنان. كيف تقرأ هذا الانغماس المُغرِق في الحركة السياسية في تلك الفترة؟ وهو في الغرب. قسم من حياته كان في الغرب.

أمين ألبرت الريحاني: ما تقوله في صلب الموضوع بالنسبة لاهتمام الريحاني بالشأن السياسي. ولكن أعوّل على ذلك أو أمهّد لذلك بشقّ له علاقة بسؤالك الأول: كيف ولماذا تأثّر بـشكسبير مثلا؟ ولي تفسير سياسي لهذا الأمر الأدبي.

غسان الشامي: تفضّل.

أمين ألبرت الريحاني: أن تأثّر الريحاني بالمسرح الشكسبيري كان بسبب انخراط الريحاني واهتمامه بالتمثيل. والسؤال الكبير: لماذا يهتمّ شابّ في مطلع العمر بهذا الشأن المتخصص في فن من الفنون؟ إلّا إذا كان يسعى إلى أن يصبح ممثّلا كبيرا. لا. الجواب عندي، ربما ثمة أجوبة أخرى، ولكن أرى أن في ذلك بداية اهتمام الريحاني السياسي من خلال المسرح. كيف؟ بالتوعية والتنوير وبداية النهضة العربية للمهاجرين عن طريق المسرح. وهذا تكلّل في مراحل برز فيها الريحاني في اهتماماته السياسية. قبل لجنة تحرير سورية ولبنان، في كتابه كتاب خالد الذي يخصّص فصلا فيه لنقد الديمقراطية الأميركية ويخصّص فصلا آخر لما أسماه حلم إمبراطورية، الحلم بإمبراطورية العالم العربي. إذاً، اهتمامه السياسي ينتقل من محطّة إلى أخرى باتجاه وبنموّ أوضح.

غسان الشامي: ألم يكن هنا التتريك، فعل التتريك.. نحن أمام عصب قتل ما بين 1898 و1920 التي مرّت خلالها الثورة العربية.

أمين ألبرت الريحاني: تماما.

غسان الشامي: ألم يكن هذا مثلا، وهو في الغرب، دافعا لهذا الأمر في المشرق؟

أمين ألبرت الريحاني: تماما. كان الريحاني، وله نشاط في ذلك بأن الحرب العالمية الأولى تركت ليس في فكره وحسب إنما في نشاطاته العدد من المواقف السياسية التي دفعته إلى أن يحارَب في المكسيك لكون الحكومة المكسيكية آنذاك مع المحور وهو مع الحلفاء لظنّه ولكتاباته، كما يشير غير مرة بهذا الاتجاه، بألا بد من الخلاص من الظلام والظلم العثماني، وبالتالي نشوء الإمبراطورية العربية كما بدأ بتسميتها إلى أن وصل في ما بعد إلى ما أسماه نشوء الولايات العربية المتّحدة.

غسان الشامي: نحن أمام الريحاني، ومعه فارسان آخران، الفرسان الثلاثة إذا جاز التعبير: الريحاني، جبران، ونعيمه. انغرسوا في المشروعين السياسيين الكبيرين كانوا مع بعضهم البعض موجودين، والريحاني كان له سبق الفعل التأسيسي في اللجنة الأولى. ما تفسير وجود هؤلاء المتنوّرين الثلاثة وبالمعنى الذي لم يكن لبنانَويّا صغيرا، بمعنى مشرقي، وتحديدا بالمعنى السوري؟ هل جمعتهم البيئة الواحدة: اثنان من المتن وآخر من بشرّي؟ هل جمعهم هاجس واحد أو أن ناظما آخر كان ينظم علاقاتهم وتفكيرهم تجاه المشرق؟

أمين ألبرت الريحاني: أعتقد أن مقدّمة ملوك العرب تجيب بعض الإجابة عن هذا السؤال الهام؛ بمعنى أن الريحاني توقّف عند السؤال: لماذا وكيف اهتمّ بجذوره العربية ولم يتقيّد بحدود نعرفها اليوم؟ والإجابة كما أوردها في مقدّمة ملوك العرب أنه عاد إلى جذوره العربية للتعرّف إلى هذه الجذور عن طريق كاتبين فيلسوفين ومؤرّخين هما واشنطن إيرفينغ في كتابه عن الحمراء ما أعاد بالريحاني إلى أمجاد عربية سابقة حتى في الغرب مع الحمراء وبلاد الأندلس، ومع كارلايل في كتابه الأبطال وتحديدا في الفصل المتعلق بالرسول، بالنبي محمد الذي ترك أثرا بعيدا عند الريحاني بمعنى أنني أنتمي إلى أمّة فيها جذور غنيّة حضاريّا وتراثيّا لا يجوز إهمالها ولا يجوز إلّا البناء عليها في سبيل حلم سياسي كبير.

غسان الشامي: هذا متأخرا، ولكن في تلك المرحلة كانت مرحلة من السَرْيَنة واللبننة أي بين 1898 و1920.
هذا النزوع لدى هؤلاء الفرسان الثلاثة، ومن بينهم الريحاني، ما هي جذوره؟ في ذلك الوقت كتب جبران "جاع شعبي". كتب الريحاني في تلك الفترة المقالات المطوَّلة في وضع المآسي وأنشأوا "إغاثة منكوبي سورية ولبنان" على هذا الأساس. هل فقط.. أو أنه كان لديه نزوع سياسي ما في المشرق؟

أمين ألبرت الريحاني: أيضا أعود بك إلى كتاب خالد. كتاب خالد عام 1911.

غسان الشامي: نعم.

أمين ألبرت الريحاني: في هذه المرحلة، وقبل تحقيق أو محاولة الريحاني تحقيق حلمه العربي في عشرينات القرن الماضي، ثمة فصل محدد حول حلم إمبراطورية كما سبق وذكرت. في هذا الفصل، وقبل تعرّفه عبر كارلايل وواشنطن إيرفينغ إلى معالم من الحضارة العربية القديمة، يقول الريحاني: ثمة محاولة، أو لا بد بالأحرى من محاولة لبناء إمبراطورية عربية في هذا المشرق توازي الإمبراطوريات الغربية وفي طليعتها الولايات المتحدة الأميركية لأن تلك التجربة نجحت على الرغم من مآخذه العديدة على ديمقراطيتها، ولا بد من محاولة لتجربة مماثلة في هذا المشرق العربي.

غسان الشامي: تذكّرني حالهم بحال المشرق حاليا. لقد حاولوا، وهذه خطوة متقدّمة، تجنيد ما سمَّوه السوريين في ما يسمى فيلق الشرق. قطعوا شوطا باتجاه عسكرة النضال ضد العثماني. ولكنهم فشلوا. لماذا فشلوا؟

أمين ألبرت الريحاني: أعتقد أن واحدا من أسباب ذلك الفشل، على الرغم من هذا التفكير العسكري إن صحّ التعبير...

غسان الشامي: وهذا حق.

أمين ألبرت الريحاني: طبيعي، طبيعي.

غسان الشامي: القتال في سبيل قضية.

أمين ألبرت الريحاني: بلا شك. ولكن أرى أن سبب الفشل يعود إلى أن المشرق آنذاك لم يكن بعد قد توصّل إلى مستوى من الوعي والتنوير الذي كان يتوقّعه الريحاني وصحبه من أمثال جبران ونعيمه. هم في أحلامهم الكبيرة والمستقبلية، والمشرق لا يزال، ونحن نتحدث قبل الحرب العالمية العظمى الأولى، وبالتالي كل معالم الظلم والتفكّك والانقسام على الذات وما إلى ذلك كانت مستبدّة في الحياة العربية بتتويج من العثمانيين.

غسان الشامي: كيف تقارب حال المشرق اليوم بالحال التي كان بها على أيام الريحاني والفارسين الآخرين؟

أمين ألبرت الريحاني: سؤال مهم جدا، وأحاول الإجابة ولو سريعا. اليوم أنا من القائلين إننا في تردٍّ مريع؛ بمعنى أننا منذ مئة عام كنا في حال أفضل بكثير ممّا نحن عليه اليوم. أمثلة سريعة: الطائفية التي نشكو منها على الدوام نسبتها أو طبيعتها اليوم أبشع بكثير ممّا كانت عليه منذ مئة عام. مثل آخر: كان الهدف أوضح في ذلك الوقت أي منذ مئة عام بالسعي للتحرّر من العثمانيين في سبيل حرّيّة ما في إطار سياسي ما لم يتوضّح آنئذٍ. ولكن اليوم الانقسام على اختلاف مستوياته وعلى اختلاف قُطُره ومواقعه الجغرافيّة. أضف إليه هذه الهمجيّة البشعة في طبيعة القتال أو التصدّي أو المواجهة بحيث إن الاختلاف أصبح جذريّا. ولذلك أقول إن وضعنا اليوم أسوأ بكثير ممّا كنّا عليه منذ مئة عام.

غسان الشامي: وليس لدينا تنويريّون؟

أمين ألبرت الريحاني: تماما. السؤال: أين دور(...)

غسان الشامي: وقتها كان ثمة وضع: كان ثمة تتريك، كانت ثمة عثمنة. الآن هناك عثمنة، هناك تتريك، وهناك تغريب، ولكن الآن هل نحن عراة وليست لدينا حالة من التنوير في هذا الظلام؟

أمين ألبرت الريحاني: تماما. الملاحظة بمحلّها بمنتهى الصدق والصراحة. ولكن تفسيري لذلك، وقد لا يشاطرني الكثير في هذا التفسير، أنه حتى مَن توقّعنا منهم متابعة حركة وحملة التنوير، للأسف أننا تأثّرنا جميعا، ولا أستثني أحدا، ولكن بنِسَب مختلفة، بما نشاهده اليوم من أمراض طائفيّة وأمراض عرقيّة وأمراض إقليميّة. هذه الأمراض المتراكمة كادت تصبح مستعصية كي لا أجزم بكونها مستعصية.

غسان الشامي: كي تترك بريقا من تفاؤل.

أمين ألبرت الريحاني: لنترك بريقا من التفاؤل.

غسان الشامي: لم يثق الريحاني بالحلفاء.

أمين ألبرت الريحاني: نعم.

غسان الشامي: الحلفاء في ذلك الوقت الذين هم الآن الغرب...

أمين ألبرت الريحاني: الذين هم الغرب، صحيح.

غسان الشامي: وقال إنهم لو حرّرونا فسوف يستعمروننا لأن مصالحهم تقتضي ذلك. ولكن في الوقت نفسه عوّل على الأميركيين. هذه إشكاليّة. كيف يمكن طرح هذه الإشكالية؟

أمين ألبرت الريحاني: هذه إشكالية هامّة لا بد من توضيحها. وشكرا لإثارة الموضوع. الريحاني في ذلك الوقت، لا ننسَ أنه كان ينظر إلى الدولة الأميركية، كان يسمّيها كذلك، من خلال مبادئ ولسون وفي طليعتها المبدأ العظيم الذي حاول الإفادة منه كما لا نزال حتى اليوم نحاول الإفادة منه: "حق الشعوب في تقرير مصيرها". انطلاقا من هذا المبدأ، اعتبر الريحاني أن الخلاص قد يكون في دولة تؤمن بمثل هذه المبادئ. وسرعان ما تبيّن له أن حتى هذا الأمل لم يكن في موقعه وفي مكانه وفي زمانه الصحيحين.

غسان الشامي: كان سرابا.

أمين ألبرت الريحاني: لذلك كان هذا التباين: من جهة عدم ثقة بالغرب، ومن جهة أخرى ثقة بالدولة الأميركية بمعنى بمبادئ ولسون التي سرعان ما تبيّن أنها مبادئ لا تسعى الولايات المتحدة أو لا تساعد مَن يسعى إلى تحقيقها، وفي طليعتها "حق الشعوب في تقرير مصيرها".

غسان الشامي: جاء الريحاني إلى لبنان. أتكلّم بعد 1920 وبعد هذا الترحال والذهاب والإياب، ولكن لم يجد من فرنسا المنتدبة إلّا عملية إبعاد. لماذا لم تحتمل فرنسا أمين الريحاني؟

أمين ألبرت الريحاني: ذلك الخطاب الشهير بين عهدين، لم تتحمّل فرنسا بنت الثورة الفرنسية أن يأتي مَن يقارن سياسيّا بين ظلم العثمانيين وظلم الفرنسيين.

غسان الشامي: اسمح لنا سيدي، اسمحوا لنا أعزائي أن نتوقف مع فاصل ثم نعود لمتابعة هذا الحوار مع الدكتور أمين ألبرت الريحاني عن أمين الريحاني.


المحور الثاني

علاقة الريحاني بالدين وترحاله ودعوته الى الجهاد من أجل حقّ تقرير المصير
المحور الثاني

غسان الشامي: أهلا بكم من جديد في "أجراس المشرق".

دكتور أمين ألبرت الريحاني، اسمح لي أن أفتح قوسا.

أمين ألبرت الريحاني: تفضّل.

غسان الشامي: وهو له علاقة في الحقيقة بعلاقة أمين الريحاني بالدين والكنيسة. وهذا أعتقد أنه جرّ إشكاليات معيّنة على هذا الرجل. أنتم من أسرة فيها أساقفة في هذه المنطقة من لبنان. ولكن أمين الريحاني منذ نعومة أظفاره يبدو أنه ازورّ عن الكنيسة وعن التديّن. لماذا؟ 

أمين ألبرت الريحاني: صحيح تماما هذا الكلام. لموقف واضح جدا منذ البداية. لا ننسَ أن الكتاب الثاني بالعربية للريحاني هو بعنوان المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية. وغير صحيح ما يقوله الكثير من البحّاثة هربا من الحقيقة، وأنا أستغرب مثل هذا الموقف، بأن الريحاني كان ضد رجال الدين. صحيح كان ضد رجال الدين، ولكن محور المسألة هو أعمق من ذلك، أنه كان ضد بعض المعتقدات المسيحية والإسلامية على السواء. ونحن في زمن لا يجرؤ الكثيرون على المجاهرة بمثل هذه الحقيقة. في كتابه المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية، صحيح أنها على لسان الحيوانات، ولكنه قصد وحدّد عددا من الموضوعات الإيمانية في الكنيسة التي، كما يقول هو، لم تقنعه منطقيّا. لذلك، من حق الإنسان أو المواطن المسيحي أن يعترض على مثل هذه المعتقدات، وإلّا لما أعطاه الله هذه القوى العقلية.

غسان الشامي: كما اعتراضات البابا الحالي على بعض المعتقدات، البابا فرانسيس.

أمين ألبرت الريحاني: تماما. البابا فرانسيس الحالي قد يكون أقرب رجالات الكنيسة إلى الريحاني.

غسان الشامي: نعم. في الواقع، على ما أعتقد أن أمين الريحاني يقول: أنا سوري أولا، لبناني ثانيا. في جريدة السائح؟

أمين ألبرت الريحاني: في جريدة السائح، نعم.

غسان الشامي: ومسيحي ثالثا.

أمين ألبرت الريحاني: نعم.

غسان الشامي: ويتبدّى ذلك في كتابه القوميات. هل أعطى الريحاني الأولوية للأرض على التديّن؟ على الانتماء الديني؟

أمين ألبرت الريحاني: تفسيري الخاص أنه لم يقصد بذلك أولويات مختلفة، إنما قصد، وكما أشار إلى ذلك في غير مكان وفي غير موقع، أن ضرورة الفصل بين الانتماء للأرض أو للوطن والانتماء إلى معتقد ديني روحاني قد يصل به إلى الله مسألتان مختلفتان. ليست المسألة عند الريحاني هل الأولوية للأرض أو لله. الأولوية هي في الفصل بين الأمرين: أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر. قد تكون هذه المقولة المسيحية بامتياز على لسان المسيح نفسه ما دفع بالريحاني للفصل بين الأمرين. هذا لا يعترض ذاك، ويمكنني أن أسير بالاتجاهين من دون تعارض بينهما.
الأمر الذي لم يستسِغه الكثيرون، وبالتالي كانت الحرب على الريحاني، وهو حاول غير مرة وبغير طريقة وبغير موقع كتابي أن يعزّز فكرة الفصل بين الدين والدولة بالعربية والإنكليزية. ولا ننسَ أنه ربيب الثقافة الأميركية التي نعرف أنها نشأت على هذا الفصل بشكل أنه كان من الواضح وحتى اليوم: الدين لله والأرض أو الوطن لجميع أبنائه.

غسان الشامي: ولكن أيضا هو رفض ممارسات رجال الدين المسيحي. كان واضحا في رفضه هذه الممارسات.
لا بل تقدّم وقال إنها ضد السيد المسيح نفسه. في جريدة البشير في رسالة بمناسبة الميلاد قال إن السيد المسيح لا أحد معه. بماذا تفسّر ذلك؟

أمين ألبرت الريحاني: تماما.

غسان الشامي: حتى لا يكون ضد الدين، واضح أنه كان ضد رجال الدين.

أمين ألبرت الريحاني: صحيح. بلا شك. لم أقصد بجوابي أن أغيّب موقف الريحاني ضد رجال الدين وخصوصا رجال الدين المسيحي؛ لأنه كان من المؤمنين بأن معظم هؤلاء، لقصد أو لغير قصد وعلى الرغم من كل النوايا الحسنة افتراضا، يمارسون طقسيّتهم بشكل يتناقض مع تعاليم المسيح. وانطلاقا من هذه الفكرة أن الكثير من الممارسات التي يقوم بها رجال الدين تُبعد الناس عن الإيمان الحقّ بدلا من أن تقرّب الناس من هذا الإيمان الحق.
هذا برأي الريحاني. لذلك، هذا الموقف الديني ذو شقّين: موقف ضد بعض المعتقدات بحدّ ذاتها، وموقف آخر ضد الممارسات لرجال الدين التي تتناقض مع الرسالة.

غسان الشامي: من أجل هذا كتب المكاري والكاهن.

أمين ألبرت الريحاني: في كتابه المكاري والكاهن، أو قصّته، المكاري هو الإنسان الذي يحاول أن يتحرّر في إيمانه ويبقى على هذا الإيمان. والكاهن هو الكاهن، هو رمز لرجال الإكليروس.

غسان الشامي: يبدو أن الريحاني سبق جبران في خلافه مع رجال الدين، في التوقيت التاريخي. وكان قاب قوسين أو أدنى من الحرم الكنسي. ولكن قضية أسعد الشدياق، أخي أحمد فارس الشدياق، وما تم معه في الديمان أعتقد أنها هي التي رجّحت عدم الوصول إلى هذا الحرم. ومن ثم زار البطريرك عريضة، وجاء البطريرك عريضة إلى هنا إلى حيث نحن لزيارته. كيف تصالح الريحاني مع الإكليروس؟

أمين ألبرت الريحاني: أيضا عودة إلى كتابات الريحاني نفسه وإلى رسائله في هذا الموضوع بالذات، وهنا أحاول أن أستشهد بأقوال الريحاني ما خلاصته: أنني لست ضد رجال الدين بالمطلق. أنا ضد رجال الدين الذين ينحرفون عن الطريق السويّ. وقلائل هم الذين في مواقفهم تتطابق هذه المواقف مع جوهر الرسالة. أنا مع مثل هؤلاء صديق ومقدِّر ولا خلاف إطلاقا. ولكن الأكثرية التي تخرج عن الطريق المتوقَّع عندئذ أتّخذ هذه المواقف المعارضة لمثل هؤلاء من رجال الدين والإكليروس. ويعطي بعض الأمثلة. ذكرت البطريرك عريضة. أذكر أيضا المطران الزغبي الذي كان صديقا للريحاني وكتب الريحاني غير مرة في رسائله وفي كتابات أخرى من أن هؤلاء مثال للإكليروس الذين يحاولون التطبيق بين جوهر الرسالة والممارسة الطقسية.

غسان الشامي: سأنتقل إلى الرحلات. ولكن قبل أن أذهب إلى رحلاته إلى جزيرة العرب وزيارته ملوك الجزيرة العربية ومشايخها، من الواضح أن الريحاني كان كثير الترحال والتنقّل. الآن تجده في الجمعية في نيويورك، بعد قليل تجده في إسبانيا، بعد ذلك تجده في مكان آخر. هل كان هذه الشخصية القلقة غير المستقرّة على حال؟ لماذا؟
بماذا تفسّر ذلك؟

أمين ألبرت الريحاني: هذه الشخصية استقرارها الوحيد كان في محاولة شبه مستحيلة لتحقيق الأحلام. ولا أُنكِر أن هذه الأحلام تتوزّع بين الحلم السياسي والحلم الأدبي والحلم الفلسفي.

غسان الشامي: هذه مشكلة الكون الكبرى.

أمين ألبرت الريحاني: لذلك، برأيي، هذا الذي يفسّر الترحال الدائم للريحاني بشكل يظن البعض أنه غير مستقرّ ولا يستطيع أن يستقرّ لا في مكان معيّن ولا في فكرة معيّنة. ولكن، كما أراه، الفكرة الوحيدة التي تستقطبه باستمرار هي حلمه الأدبي في التحرّر وحلمه السياسي أيضا في التحرّر وحلمه الفلسفي المتشعّب. وإذا شئت نتحدث عنه لأنه يستوجب بعض الوقت.

غسان الشامي: ولكنني أيضا أريد أن أشرح للمشاهدين هذه الأمور الفلسفية لأنه قد قطف من كل بستان فلسفي لَمّة صغيرة من الأفكار. هل يمكن شرحها بسرعة؟

أمين ألبرت الريحاني: باختصار شديد، وأرى أن هذا محور أساسي في فكر الريحاني، المفاتيح التي تكوّن الفلسفة الريحانيّة تكاد تقتصر على بعض مفردات: العقل، الحرية، الحقيقة، الشرق والغرب، الروح والمادّة. ولكن المحاور الفلسفية التي حاول أن يبني منها فلسفته الريحانيّة المتماسكة أعتقد أنها تتعلّق بالربط بين السياسة والفلسفة. كيف؟ بموقفه من الإصلاح، وهو القائل إنه لا إصلاح للأمّة قبل إصلاح المجتمع، ولا إصلاح للمجتمع قبل إصلاح الفرد، ولا إصلاح للفرد قبل إصلاح الروح. إذاً، هذا يناقض كل تفسير من أن الريحاني كان مادّيّا. كان واقعيّا روحانيّا، وهذا ما أسميته في كتاباتي عن الريحاني بـ"الوَقْرَحِيّة"، الواقع الروحي. والمثل الأكبر على ذلك فلسفته في المدينة العظمى التي تجعل من القومية العربية قومية إنسانية تتحقّق في المدينة العظمى التي تبنى على الإنسان المتفوّق. هذا الإنسان المتفوق كيف يفسّره؟ هو ذاك الذي يجمع روحانيّة الشرق إلى الفنون الأوروبية والعلوم الأميركية. لماذا الأميركية؟ لأن العلوم أصبحت أكثر تقدّما في الولايات المتحدة. لماذا الفنون الأوروبية؟ لأن الفنون الأوروبية تبقى في قمّة الفنون التشكيلية الكلاسيكية والحديثة والمُحدَثة. ولماذا الروحانية؟ لأن لا بد من التمسّك بقيم روحانية تغلّف كل تلك المزايا الأخرى في الإنسان المتفوّق. هذا باختصار شديد.

غسان الشامي: شكرا. سأذهب الآن إلى الرحلات. من عام 1922 بدأ بزيارة الجزيرة العربية. في سنة 1924 كتب ملوك العرب. ثم كتب كتاب ابن سعود: شعبه وبلاده. حقيقةً، مقارنةً في ذلك الوقت عندما نقرأ الواقع الاجتماعي أو نرصد الواقع الاجتماعي عبر الصور التي أتى بها الرحّالة ومن بينهم الريحاني نفسه، ما الذي أعجبه في بنيان ذلك المجتمع؟ يتساءل الكثيرون، ونحن الآن نرى ماذا يُنتِج هذا المجتمع.

أمين ألبرت الريحاني: في بعض كتاباته العربية والإنكليزية يجيب عن هذا السؤال بأن الكثيرين يستغربون موقفي لماذا أنا القادم من لبنان أو من الولايات المتحدة متمسّك بالعروبة وبالقومية العربية. لماذا؟ لأنني أؤمن بأن هذه الأمّة التي تنام على الرمل وبالكاد تؤمّن قوتها اليومي تؤمن أيضا بالكرم والإباء والشهامة وما إلى ذلك. إذاً، كأنه كان يبحث عن مجموعة من القيم الإنسانية الصافية، ولا نتحدث عن مصالح سياسية بعد، التي إن تغلّبت على الزعماء والملوك والرؤساء والسياسيين في هذا العالم العربي تتراجع المصالح السياسية لصالح ما أسماه بـالولايات العربية المتحدة. لماذا أو كيف؟ لأنه كان من المؤمنين بأن هذه العروبة إمّا أن تعود إلى صفائها فتنتصر أو تبقى ضحيّة خلافاتها وقيد مصالحها إمّا الشخصية أو السياسية وما إلى ذلك فلن تنتصر.

غسان الشامي: هنا بالعقل النقدي، وأنت ناقد، ألا ترى أنه رأى في الجزيرة العربية ما هو مستوى عالٍ في المجتمع ولم ينزل إلى بنية المجتمع ...، لم يعرفها؟

أمين ألبرت الريحاني: على العكس تماما. عدد من الباحثين، كي لا أحصر الجواب برأيي، ويمكن أن أقوم بذلك، اعتبروا أن ما كتبه الريحاني عن العرب وخصوصا في ملوك العرب وتاريخ نجد وابن سعود: شعبه وبلاده وقلب العراق وفيصل الأول والمغرب الأقصى ونور الأندلس لأن هذا الكتاب أيضا يُعتبر كتابا في الإرث العربي الكبير، هذا الإرث الذي كتبه الريحاني عن العرب ينطوي على صوغ نقدي يتناول الإنسان العربي، ووفق ما كتب بعض البحّاثة الأوروبيين لا يمكن فهم الإنسان العربي المعاصر بعيدا عن الخصومات السياسية أو المصالح السياسية قبل أن نقرأ هذه المؤلفات لأمين الريحاني لأنك تصادف الصورة الصحيحة والصافية والنقيّة عن الإنسان العربي في القرن العشرين. إذاً، كتب عن الإنسان العربي، عن المواطن العربي، كما كتب عن الحاكم العربي.

غسان الشامي: وفي نفس الآن، برأيك، هل انتقل من مفهوم السوريّة واللبنانية إلى مفهوم الأمّة العربية أو إلى مفهوم العروبة؟ بهذا المعنى. وهل صدّق الملك عبد العزيز عندما قال له: "حِنّا العرب"؟ ونسي أن العرب منتشرون في كل هذه الأسقاع.

أمين ألبرت الريحاني: أعتقد أن الريحاني كان يستوعب ويعرف كيف يستوعب ملوك العرب على اختلاف شخصياتهم ونظرتهم للأمور. هذا في أقلّ الاعتبارات. ولكن في حقيقة الأمر هل كان ينظر إلى أمّة عربية أو إلى العروبة كحضارة، أعتقد أنه كان يسعى إلى تحقيق نموذج أثبت نجاحا في الغرب وهو النموذج الأميركي، سواء أسميناه أمّة أو قومية

غسان الشامي: أو ولايات.

أمين ألبرت الريحاني: أو الولايات المتحدة العربية كما هو أسماها. والملاحَظ أنه لم يصل إلى هذه التسمية إلّا في العقدين الأخيرين من حياته، وكأنها في مواقف تصاعدية في الفكر السياسي عند الريحاني وصولا إلى هذه النتيجة. فتفسيري أنه آمن بالعروبة وآمن بالقومية العربية. ويصعب أن تؤمن بقومية ما من دون أمّة ما. ولكن كان دائما يوضح: إيّاكم أن تظنّوا أن هذه الأمّة إن ارتكزت على قيم دينية مهما كانت، سواء إسلامية أو مسيحية أو يهودية، يُكتَب لها النجاح. هذه الأمّة يجب أن تنجح بالفصل بين إيمانها الديني أيّا كان وإيمانها القومي العربي الذي يُنتظَر منها.

غسان الشامي: أليس سباحة عكس التيّار هذا الماروني من جبل لبنان الذي يتكلّم على العروبة بهذه الصورة؟

أمين ألبرت الريحاني: صحيح. تماما. هذا كلام يبدو واضحا حتى اليوم، إن لم يكن أكثر من أي يوم مضى، هذه سباحة عكس التيّار. كنّا نتوقّع أن تتأكّد نبوءة الريحاني بتحقيق بعض خطوات باتجاه العروبة أو القومية العربية، وإذ بنا نتراجع.

غسان الشامي: وهنا سؤالي الأخير لأنه بقيت لديّ دقيقة. هؤلاء الرؤيويّون، الريحاني ونعيمه وجبران وغيرهم، أنا أسألك أنت، الذين حكَوا بفصل الدين عن الدولة، أين هو حضورهم في بلادنا؟ ماذا يشكّلون الآن؟ أين رؤاهم؟
أين تفكيرهم؟

أمين ألبرت الريحاني: للأسف أن الفكر العلماني العربي في تراجع، ولا يجوز أن نخبئ هذه الحقيقة المؤلمة. ولكن أنا من المؤمنين بأننا نمرّ في مرحلة مخاض. صحيح أنها مؤلمة جدا وبشعة جدا ويبدو في شكلها وفي مضمونها أنها بعيدة كل البعد عن أية نظرة علمانية في بناء الدولة بالمفهوم الغربي، ولكن أعتقد أن هذه مرحلة مخاضيّة لا بد من اجتيازها للعودة إلى العقل العربي الذي أثبت أنه ناجح في غير مرة وفي غير موقع من التاريخ. وهذا العقل العربي لا يمكن له أن يتقهقر. تتقهقر القوى المسلّحة، تتقهقر الأنظمة السياسية، يتقهقر الحكّام، وربما يتقهقر كنتيجة مؤسفة لذلك ولوقت محدّد بعض الشعوب. أمّا العقل العربي فلن يتقهقر.

غسان الشامي: شكرا سيدي. أعزائي، ما من خاتمة تعادل وصيّة أمين الريحاني التي نصّها عام 1931، وتكمن أهمّيّتها في راهنيّتها إذ يقول: "أوصيكم إخواني في الإنسانية أن حقّ الشعب في تقرير مصيره لَحقّ مقدّس، فأوصيكم بالجهاد في سبيله أينما كان. وإنّ الأمّة الصغيرة وهي على حق لأعظم من الأمّة الكبيرة وهي على باطل. وإنّ الأمّة القويّة الحرّة لا تستحقّ حرّيّتها وقوّتها وما زال في العالم أمّة مستضعفة مقيَّدة."

شكرا للدكتور أمين ألبرت الريحاني على حضوره في "أجراس المشرق" واستقبالنا في متحف أمين الريحاني.
شكرا للزملاء في "الميادين" الذين يقرعون معي هذه الأجراس.
شكر خاص للأستاذ جون داية على دعمي بوثائق لديه عن أمين الريحاني.
شكرا لكم على متابعتكم ودعمكم.

أمين ألبرت الريحاني: وشكرا لك.

غسان الشامي: وسلام عليكم وسلام لكم.