بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الفنان الاستاذ انطوان كرباج

المحور الأول

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. هذا رجلٌ كالنبيذ، كلّما تعتّق وتخضرم كلّما ازداد سحراً وتوهجاً، وهو في الإبداع اللبنانيّ أشبه بخميرةٍ مُباركة. حضوره في أيّ عملٍ مسرحيٍّ أو تلفزيوني بمثابة قيمةٍ مضافةٍ له، أيّ للعمل ذاته. واحدٌ من الروّاد ومؤسسي الحركة المسرحيّة الحديثة في "لبنان" والوطن العربيّ. يجمع بين أمرين لا يجتمعان كثيراً في قامةٍ واحدة وهما الثقافة العميقة والنجوميّة الجماهيريّة. نذهب معه في حوارٍ هو جولةٌ ممتعة في خزائِن الذاكرة المُترعة وحقل التجارب المزهرة الفوّاحة. يُسعدني الترحيب بقامةٍ إبداعيّةٍ عالية، أهلاً وسهلاً بالفنّان الأُستاذ "أنطوان كرباج"

أنطوان كرباج: يا أخي و يا حبيب قلبي أنتَ يا أُستاذ "زاهي وهبي"، يا كبير أنت

زاهي وهبي: العفو

أنطوان كرباج: أنتَ أيضاً من كبارنا ومن مثقّفينا الكبار، أنا لا أستأهل هذا كلّه اسمح لي

زاهي وهبي: تستأهل أكثر بكثير

أنطوان كرباج: ألله يخليك لي، ألله يخلّيك. أريد أن أقول لك أمراً، أنا أحبّ مهنتي وأخدمها من قلبي، وأنا لا أعتلي المسرح لمجرّد أن أُظهِر نفسي وكذا، أنا لا أحبّ أن يشبّهني أحد بالنجمة لأنّ النجوم الفنانين يا عيني عليهم، هلّ هناك أحد في الكون متواضِع مثل النجمة؟ النجمة في وضح النهار لا تظهر وإذا ظهرت في الليل تظهر خجولة وخجِلة من ذاتها وكذا، لكن النجوم عندنا، نجوم الفنانين،" أنظروا لي و يا أرض اشتدّي وما حدا قدّي وكذا"، على ماذا كلّ هذا؟

زاهي وهبي: على كلّ حال سنتوسّع في كلّ هذه الأمور ولكن لو سمحت نبدأ حوارنا بفقرةـ "علامة فارِقة"، نشاهدها سوياً إذا أردت

علامة فارِقة:

أنطوان كرباج: أنا " أنطوان كرباج"، ممثل، أنا ممثّل ولست نجماً. لا تؤاخذونني، هذه الدمعة كانت تمثيلاً. أُحبّ أن أتشبّه بالنجمة كي أكون متواضعاً مثلها وأخدُم مهنتي مثلما تفرضها عليّ حتّى أُوصلها للناس بكلّ تواضع. نقطة قوّتي في التمثيل هي عندما يختفي "أنطوان كرباج" ليُصبِح هو الدور، وعندما الشخصيّة التي يؤدّيها يلبسها ويتقمّصها. إذا أردت أن اُفضِّل دوراً مميزاً قليلاً فهو دوري في "المهرِّج". أين يوجد مسرح الآن في "لبنان"؟ أنا منزعِج من عدم وجود مسرح في "لبنان"، بمعنى أنّ الناس تتجه إلى الأمام ونحن نتراجع إلى الوراء. اليوم في "لبنان" مع الأسف لا يوجد مسرح. أكيد إذا لم يكن الفن لمجرّد الفن فلماذا يكون؟ أنا فنّي أُحبّه وأُحاول أن أُعطيه من روحي وقلبي وعقلي وفكري وكلّ كياني. العائلة هي أحلى شيء يكوّنه الإنسان في حياته، العائلة، وفي حياتي الشخصيّة لا يوجد شيء أندم عليه. أنا اُحبّ أن يتذكّرني الناس كما أنا وكما همّ يحبّون أن يرونني ولا أريد منهم أكثر من هذا وأكثر الله خيرهم

زاهي وهبي: بعد أن شاهدنا هذه المشاهِد وسمعنا هذه الآراء الموجزة لحضرتك في فقرة "علامة فارِقة"، سنتوسّع فيها كلّها في حوارنا، ولكن استوقفني أنّ "أنطوان كرباج" يذوب ويتلاشى لمصلحة الشخصيّة. إلى هذه الدرجة تلبسك الشخصيّة التي تؤدّيها؟

أنطوان كرباج: هي لا تلبسني، أنا ألبسها. الممثل ليس من يُلقي استظهاراً بل عليه أن يكون خلاّقاً. هناك نصّ، وأوّل ما على الممثل أن يقوم به هو أن يلتقط النص ويقرأه كلّه، ثم يعود إلى البداية مجدداً حتّى يُفعِّل النصّ. بمعنى، أنا أقرأ وفي قراءتي لهذه الجملة ماذا أفعل؟ عليّ أن أضع فعلاً، هلّ أنا حزين؟ كيف هو حزني؟ حزني على ماذا؟ عليّ أن أضع فعلاً، وهذا الفِعل عليّ أن اُظهره في هذه الجملة. أُفعِّل نصّي ليصبح نصاً مفعّلاً ولا يعود النص سمعياً فقط بوتيرة واحدة

زاهي وهبي: هلّ ما زلت تستعِد بنفس الطريقة لكلّ شخصيّة

أنطوان كرباج: دائماً وأبداً

زاهي وهبي: ألا تشعُر أنّك امتلكت أدواتك؟

أنطوان كرباج: حتّى لو امتلكت أدواتي أو كنت أمتلكها علي أن أُجالس الشخصية وأسهر عليها وأُكوّنها وأراها أمامي بكلّ دقائقها وتفاصيلها، ورويداً رويداً يصبِح هذا الشخص هو أنا وأقول له " اقترِب إلى قلبي، اقترب، اقترب"، فألبس هذه الشخصيّة وأُصبِح أنا هذه الشخصيّة

زاهي وهبي: من الشخصيّة إلى "أنطوان كرباج" الإنسان. تحبّ الليل أكثر من النهار، لماذا؟

أنطوان كرباج: أجل كي أقول لك، لأن النهار يفضح كثيراً بينما الليل يجعلك تعاود الولوج إلى أعماق ذاتك لتتأمّل وتُخرِج ما عندك من أشياء تضيء الليل بها

زاهي وهبي: هلّ لا يزال الليل ليلاً؟ أي ليل القرية، ليل "زبّوغة" الذي عشته في طفولتك، وليل المدينة يشبهان بعضهما البعض؟

أنطوان كرباج: ليل القرية شيء وليل المدينة شيء آخر، وشتّان بين الليلين. ليلة المدينة صخبٌ وكذا وأشياء أُخرى وليلة القرية سهر وحبّ

زاهي وهبي: هلّ لا تزال القرية قرية؟

أنطوان كرباج: قريتنا لا تزال قرية ولم نلمس فيها حجر

زاهي وهبي: قريتكم في سفح " صنّين"، نمسّي أهلها بالخير. الرياضة أساسيّة في حياتك أُستاذي لدرجة أنّك تقول أنّ شيخوخة الإنسان تبدأ من معدته

أنطوان كرباج: صحيح

زاهي وهبي: أو في بطنه. كم الرياضة أيضاً تخدمك كممثِل وليس فقط من الناحية الصحيّة؟

أنطوان كرباج: أنا الميزان دائماً عندي هنا (يشير إلى بطنه). أنا إذا وجدت هنا ينتفخ قليلاً أُجنّ، من أجل هذا أنا في ثلاثة أيام أسبوعياً هنا، عندما أستيقظ صباحاً في كلّ صباح، في كلّ يوم عندما أستيقظ صباحاً أوّل ما أقوم به أن أنهض من تختي

زاهي وهبي: وتقف على رأسك

 أنطوان كرباج: وأقف على رأسي لخمس دقائِق. وإذا أردت أن أقف الآن أمام الكاميرا أنا مستعد، مستعد أن أقف على رأسي، سأريك كيف، (يقف على رأسه فعلاً)

زاهي وهبي: هذا العمل يلزمه التصفيق ( تصفيق في الاستديو)

أنطوان كرباج: (يبقى واقفاً على رأسه لفترة أطول)

زاهي وهبي: يعطيك ألف عافية أُستاذي. ما شاء الله، يجب أن ندقّ على الخشب أُستاذ "أنطوان"، عمرك ثمانون عاماً والعمر كلّه إن شاء الله مُضاعف، أي ثمانين ضرب اثنان وضرب ثلاثة، ليت ذلك يحدث!

أنطوان كرباج: ألله يخلّيك، طبيب صديقي كنت أزوره وكنّا نتجالس ونحكي فقال لي: " "أنطوان" كم عمرك؟" قلت له، "في الرابع من أيلول/ أغسطس يصبح عمري ثمانون عاماً" ، فقال لي :"نعم؟ وتكذب عليّ أيضاً؟"، قلت له، "الإنسان يكذب كي يقلِّل من عمره الحقيقي وهل يكذب لكي يكبِّر في عمره؟ أنا ولدت سنة 1935 في الرابع من أيلول الساعة الرابعة بعد الظهر" فقال لي " يخرب بيتك، وما زلت تتذكّر الساعة التي زمطتُّ فيها من بطن أُمّك أيضاً؟"، قلت له " أجل، هكذا كان، فماذا تريدني أن أفعل؟"

زاهي وهبي: لكن هذه الحركة التي قمت بها قبل قليل وتقوم بها صباح كلّ يوم ما هي فائدتها؟

أنطوان كرباج: هذه تُنزِل الدمّ من الجسم إلى الدماغ وتغذّيه وتنشّطه وتقوّي الذاكرة، أجل كيف إذاً؟

زاهي وهبي: تقول أُستاذي أنّ الموهبة وحدها لا تكفي، "النظام" كما يقول "ستانسلافسكي" أحد أركان المسرح العالمي

أنطوان كرباج: طبعاً وكيف إذاً؟

زاهي وهبي: ماذا يعني "النظام" للذين مثلنا، للمتفرِّج؟ ربّما الممثلون يعرِفون ماذا يعني "النظام"

أنطوان كرباج: "النظام" يعني أنّك أنتَ كفنّان يجب أن تهتم بنفسك، أي  في صباح كلّ يوم إذا كنت ممثلاً عليك أن تبدأ يومك بالتمارين، بالتركيز، بالـ Relax، بالارتياح الجسدي والفكري والتركيز. التركيز مسألة أساسيّة كثيراً، تضع ربّما فكرة كي تُركِّز عليها، تركِّز على شيء. ولا يعني هذا أن تنظر إلى شيء وتركز عليه بينما أنت تُفكِّر في شيء آخر، عليك أن تُركِّز عليه كلياً لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة كلّ يوم على الأقل

زاهي وهبي: هذا التركيز ماذا يُفيدك كمُمثِل؟

أنطوان كرباج: هذا يفيدني كي أُركِز على الشخصيّة ولا أخرُج منها، ألبسها وأُصبِح أنا هذه الشخصيّة ولا أعود "أنطوان كرباج"

زاهي وهبي: هلّ تعلَم أُستاذي لماذا أسألك؟ اليوم هناك الكثير من الناس الذين ربّما يظنّون أنّ التمثيل هو مجرّد أن نقف أمام الكاميرا ونتصوّر أو نعتلي خشبة المسرَح

أنطوان كرباج: هذا غلط كبير

زاهي وهبي: ويؤثِّر. صرخت حضرتك قبل قليل في الربورتاج بأنّه "لا يوجد مسرح، أين المسرح"

أنطوان كرباج: أجل، واليوم أين المسرح؟

زاهي وهبي: لماذا في رأيك، لماذا تراجع المسرح؟ وهلّ يتراجع عندنا في "لبنان" فقط أم يتراجع في العالم كلّه؟

أنطوان كرباج: في "لبنان" وصلنا إلى مرحلة سابقة كانت العين تتابع ما يجري في "لبنان" من كلّ أنحاء العالم العربي وحتّى من الغرب. "مصر أمّ الدنيا"، كان يأتي المصريون إلى هنا ويتساءلون عمّا يحدُث في "بيروت"، كان في "بيروت" أربع أو خمس فِرَق تتنافس على الأحسن والأفضل والأحلى، وكنت تشاهِد أيّة مسرحيّة تريدها

زاهي وهبي: هذا التراجع والتدهور هلّ هو جزء من التدهور العام؟

أنطوان كرباج: طبعاً، لأنّ كلّه يلحق بعضه البعض، كلّه يلحق بعضه

زاهي وهبي: إذا اعتبرنا أُستاذي أنّ تمرين الفنان أو المُمثِّل هو خارجي وداخلي. فهمنا أن التمرين الخارجي هو رياضة وتركيز لكن تمرين الروح، كيف يُمرِن روحه الإنسان؟

أنطوان كرباج: أولاً، إن كنت تؤمن بالله؛ الصلاة التي تُصلّيها هناك من يصلّها وكأنه حفظ الصلاة ويرددها كلاماً. لا يا أخي عليك في صلاتك وفي الكلام الذي تقوله أن تحاول بروحك وعقلك وتفكيرك أت تتّصل بالله ليراك وأن تحاول رؤيته بروحك. إن كنت تصلّي لـ "العذراء" أو لـ "يسوع" أو لـ "محمد" أو لـ "الإمام" أو كذا عليك أن تحاول رؤيتهم وأن تحاول التحاور معهم، وليست الصلاة في ترداد كلامٍ تحفظه فقط وتقوله

زاهي وهبي: شغفك بالتمثيل من أين مصدره؟ نحن سبق وتحدّثنا كما قلت عن بداياتك عن كيف كنتُ تُمثِّل على سطيحة البيت لرفاقك عندما كنتُ طفلاً، بعد ذلك مثّلت مع الأُستاذ "منير أبو دبس" الذي سنسمع رأيه هذه الليلة في تجربتك، لكن هذا الشغف الداخلي الذي ما زلت تحمله لغاية اليوم، من أين لك كلّ هذا الشغف؟

أنطوان كرباج: هذا  الشغف أتاني في الجينات وأنا اكتشفت ذلك لاحقاً. منذ أن كان عُمري تسع سنوات لم يكن يوجد شيء في "لبنان" اسمه مسرح، لم يكن يوجد لا مسرح ولا ممثّلين ولا شيء من هذا القبيل. أنا كنت ولداً عمره تسع سنوات، ممن أين أتاني التفكير في أن أجمع

زاهي وهبي: نحن نتحدّث عن الأربعينات، أوائل الأربعينات

أنطوان كرباج: أجل، كنت أجمع أولاد خالتي وأولاد الجيران وأولاد عمّتي وكذا ونكتب نصاً ونمثّله على الشُرفة عندنا، كان عندنا شُرفة مربّعة صغيرة، وأصبح أهل القرية يعلمون ماذا يحدُث وماذا يفعل هؤلاء الأولاد فصاروا يأتون من كلّ القرية ولا يجدون مكاناً ليجلسوا، وكان هناك جلال

زاهي وهبي: مثل مدرّجات

أنطوان كرباج: ويجلسون ليشاهدونا. عندما كبِرت لم يكن هناك مسرح، من أين أتتني هذه الفِكرة؟ فهِمت أنّها أتتني من جدّي "إسبر كرم". هذا الرجُل كان ممثلاً مُقنّعاً ولا يعرِف ذلك. كان يغيب لثلاث أو أربع سنوات ويرجع متنكراً وقدّ غيّر شكله وغيّر ثيابه وغيّر صوته بحيث لا يعرِفه أحد في القرية أبداً، كانوا يعتقدون أنّه إنسان غريب وكان هناك حرب في تلك الأيام وخلافه، فكانوا يهربون منه. من كان يكشفه؟ كان يكشفه الكلب

زاهي وهبي: من رائحته

أنطوان كرباج: من رائحته، فيقفز عليه ويداعبه فيعرفون أنّه جدّي، فقلت أنا أنّ هذا الشغف أتاني في الجينات من هذا الرجل "إسبر كرم"

زاهي وهبي: نعم. ماذا بقي في ذاكرتك ووجدانك من هذا الطفل الذي كنته يوماً ما؟ طفل ابن "زبّوغة"، ابن ذاك الجدّ؟

أنطوان كرباج: في طفولتي، أنا الكبير في العائلة وكان والدي أُستاذاً يُعلِّم في المدرسة، كان يُعلِّم في "حملايا"، أي هذا يعني أنني منذ أن كنت صغيراً كنتُ ربّ البيت في غياب والدي ولو كنتُ طفلاً حينها. كان بيتنا في آخر القرية ومكشوف على الأودية والجبال والغابات وكذا. كلّ يوم صباحاً، وهذا ما اعتدت عليه، كان الناس يقولون،" هلّ من المعقول أنّ هذا الصبي الذي عمره عشر سنوات أو 12 سنة تُرسله أُمّه في الليل ومشياً على الأقدام إلى "كفر عقاب" كي يُرسِل سلّة عنب إلى خالته التي كانت تُصيِّف في "ضهور الشوير"؟ ينتظر "البوسطة" أو الحافلة في الساعة الثالثة فجراً أو الرابعة صباحاً وتطلّ امرأة "برجيس" من النافذة وتراه وتقول: "يا ويلي عليك، ما هذا؟ طفل؟ كيف يجرؤ؟" فكسَرت على الخوف منذ أن كنتُ صغيراً وما عاد من شيء يُخيفني

زاهي وهبي: في رأيك، هذا الطفل كيف صار "أنطوان كرباج" اليوم؟ عندما نقول اسمه نجده اسماً مُحترماً في كلّ أنحاء العالم، في كلّ أنحاء العالم العربي، وفي "لبنان" خصوصاً. كيف أصبحت ما أنت عليه الآن؟

أنطوان كرباج: نعم. في هذه الحياة كانت أُمّي تُرسلني في كلّ يوم إلى "دير سيّدة البشارة" في منطقة اسمها "زرعايا"، ولا يزال هذا الديرُ موجوداً في مقابِل بيتنا، إذا ذهبنا غداً إلى القرية سأريك إياه. كنت في كلّ يوم أستيقظ صباحاً وترسلني أُمّي مع "سطيلة" أو مجموعة أطباق في أقدار معدنيّة وأذهب لأحضر الحليب من عند الراهبات في هذا الدير بعد أن أقطع اثنين من الأودية، وكان أحد الأودية منهما لا يجرؤ الناس على عبوره ليلاً على أساس أنّ هذا الوادي يترصّد الناس ويظهر" الجان" عليهم، هلّ فهمت علي؟ فكانت ترسلني أحياناً في الليل، وأنا كنت أذهب وتعوّدت

زاهي وهبي: كسرت حاجز الخوف

أنطوان كرباج: كسرت حاجز الخوف منذ أن كنتُ صغيراً

زاهي وهبي: سأُكمِل هذه الجولة الممتعة مع حضرتك أُستاذي ولكن بعد أن نتوقّف مع موجز إخباري سريع نتابع بعده "بيت القصيد"


المحور الثاني

المحور الثاني

زاهي وهبي: مشاهدينا الكرام، نتابع "بيت القصيد" مع الفنان القدير والأستاذ الكبير "أنطوان كرباج". أُستاذي، قبل أن أطرح المزيد من الأسئِلة سنستمِع إلى رأي بتجربتك من أحد كبار المسرح اللبناني والعربي وروّاد الحداثة المسرحيّة إذا جاز التعبير، الأُستاذ "منير أبو دبس"

كلام يوصل:

منير أبو دبس: في المرحلة الأولى لمدرسة المسرح الحديث كان "أنطوان" العُنصر الأهمّ مع رفيقين أو ثلاثة من رفاقه الذين أدّوا أيضاً أدواراً مهمّة في الوقت نفسه مثل "ميشال نبعة" و" إيدا خوري"، لكن كان عند "أنطوان" مسافة داخليّة ومسافة حضور على المسرح تسمح لي أن أؤدّي هذه الأعمال الكبيرة لأنّها كانت تحتاج شخصاً يمكنه أن يحمِل هذه الأدوار. كنّا في "المغرب" في أوّل عمل أنجزته المدرسة في مهرجان "وليدة" وكان "أنطوان" يؤدّي دوره في مسرحيّة "أوديب الملك".  كنّا نقدّم مسرحيّة "أوديب وأنتيجون " وكان "أنطوان" يؤدّي دور "الكورانثي" الذي يُخبِر "أوديب" أنّ والده مات. "أنطوان" لم يكن ظاهراً كثيراً بين الشباب لذلك كان دوره صغيراً، لكن عندما دخل إلى المسرح صار هناك حضورٌ خاصّ فوراً وحينها عرِفت أنّ هذا الممثل سوف يقوم بمرحلة مهمة جداً في المسرح . الدرب الذي مشيناه سوياً درب خاصّ جداً وجوهري في حياتي وحياته. الذي أدّى دور "أوديب" و"ماكبث" و "فاوست"  سيصعب عليه أن يؤدي دور همرجة أو دور ملِك أو كذا؟ أكيد "أنطوان" يؤدّي هذه الأدوار من رأس أصابعه، وهنا أسأل "أنطوان" عن الحنين الى تلك المرحلة لكن ليس فقط الى تلك المرحلة، بل كل ما كان فيها من أشياء خاصّة وإمكانيّات خفيّة جعلتنا نصل الى هذا الفعل الفنّي الخاصّ، وخاصةً الحنين الى هذا النوع من المسرح، الى هذه الأدوار وهذه المسافات وهذه الظلال في هذا النوع من النصوص المسرحيّة التي هي ذروة الفعل المسرحي من حين أن بدأ المسرح منذ 600 سنة قبل المسيح

زاهي وهبي: شكراً للأستاذ الكبير "منير أبو دبس"

أنطوان كرباج: أنا أريد أن أشكره، "منير أبو دبس" هو أُستاذي وهو تاج رأسي وهو الذي وضعني على الخطّ الصحيح للمسرح الصحيح، هو الذي علّمني كيف يجب أن أشتغِل على نفسي كمُمثِّل حتّى صرت ما أنا عليه. "منير" أُستاذي، أنا أشكرك وأنت لك فضل كبير، وأنت أحد روّاد المسرح الكبار في "لبنان" وفي العالم العربي

زاهي وهبي: في الزمانات أجريت معه حواراً ممتِعاً أتمنّى أن يتكرّر ويعود ليحُلّ علينا ضيفاً إن شاء الله، لكن هلّ عندك حنين؟ عندك Nostalgia لتلك الأيّام؟

أنطوان كرباج: كيف لا؟ كيف لا؟ كان هناك مسرح في "لبنان" يا أخي. كان هناك مسرح، كان يوجد ثلاث أو أربع فِرَق تقوم بحركة مسرحيّة. أنا و"منير" كنّا في فرقة وكان معنا في الفرقة "ميشال نبعة" رحمه الله غاب باكراً، "ميشال" كان من الممثلين المهمّين جداً، وكانت معنا "ثيودورا راسي" وهي من أهمّ الممثلات اللبنانيات قبل أن تترك التمثيل وهي الآن في "أميركا" وتعيش فيها منذ زمن طويل

زاهي وهبي: و"رضا خوري"

أنطوان كرباج: و"رضا خوري" التي توفيت أيضاً، ماذا سأقول لك؟ كان "أنطوان ملتقى" و"لطيفة ملتقى" و"ريمون جبارة" معنا وكنّا جميعاً في الفرقة نفسها، واسمع ما حدث. "منير" كان عنده معهد لتدريب وإعداد الممثل على آخر خط "المنارة" في "بيروت"

زاهي وهبي: صحيح، هذه الأشياء سبق أن تحدّثنا عنها معك أُستاذي، لكن سؤالي الآن، بعد عام 1967، بعد نكسة عام 1967 وهزيمة العرب أمام "إسرائيل" انفصلت حضرتك عن "منير" وعن المسرح الحديث، أي مدرسة المسرح الحديث واعتبرت أن للفن دوراً آخر وهو ليس فناً لمجرّد الفنّ والتجربة الفنيّة وخلافه

أنطوان كرباج: نعم

زاهي وهبي: اليوم، سؤالي عن اليوم، هلّ عندك فهم لدور الفنّان ودور الفنّ في الحياة يتخطّى العمل الفنّي؟

أنطوان كرباج: طبعاً، لا يتخطّى العمل الفني بل الفن هو مسؤول عن توجيه الناس والشعب لكي يدلّهم على أشياء ويضيء عليها في حياتهم العائليّة والشخصيّة، في حبّهم لوطنهم، أن يضيء على الناس بمعنى أنّ المسرح ليس فقط أن نؤدي نحن مسرح الكبار والعظماء، هذا عظيم ونقوم به لكننا نريد أن نؤسس لمسرح نخدم فيه بيئتنا ووطننا وعالمنا وكذا

زاهي وهبي: هلّ تعتقد أنّ المسرح "الرحباني"، الذي كنت حضرتك جزءاً أساسياً منه، كان في هذا الإطار، أي الإطار الذي تتفضّل به؟

أنطوان كرباج: وكيف لم يكن؟

زاهي وهبي: لكنّ وكأنّه قال الأُستاذ "منير أبو دبس" في كلمته قبل قليل أن الأشياء التي قدّمتها في المسرح مع الأُستاذ "منير أبو دبس" تجعلك تقدّم تلك الأشياء من رأس أصابعك

أنطوان كرباج: لا ليس هكذا أشياء، "الرحابنة"  لم يقدّموا هكذا أشياء

زاهي وهبي: أنا أستعمل التعبير الذي قاله الأُستاذ " أبو دبس" في أنّك تقدمها بأطراف أصابعك، هكذا قال

أنطوان كرباج: لا، "الرحابنة" خدموا المسرح وكتبوا مسرحاً ولا ننسى أعمال "الرحابنة" وخصوصاً في أيّام "عاصي" و"فيروز" أيضاً

زاهي وهبي: هلّ يمكننا أن نتوقّف لدقيقتين كي نرى مشاهِد لحضرتك من المسرح "الرحباني"؟

أنطوان كرباج: نعم

 زاهي وهبي: إذا سمحت لي

أنطوان كرباج: معلوم

Ÿ تُعرض مقاطع قصيرة من مسرحيّة "صيف 840" ومن مسرحيّة "بيترا" ومن مسرحيّة "يعيش يعيش"

زاهي وهبي: أيّها أحبّ أدوارك في مسرح الرحابنة؟ قلت بشكلٍ عام "المهرِّج" ولكن في المسرح "الرحباني" أيّهُ أكثر دور تحبّه؟

أنطوان كرباج: كلّ الأدوار، لا يمكنني أن أُميّز بين دور وآخر. دوري في مسرحيّة "الشخص" من أهم الأدوار التي أدّيتها

زاهي وهبي: والتي هي أوّل مسرحيّة شاركت فيها مع الأخوين "رحباني"

أنطوان كرباج: دور اليوزباشي "عسّاف"، هذا الدور كان لا يُطاق في مسرحيّة "بيترا"، هذا دور مكروه وهو دور شخص مجرِم وكذا. بدأنا مسرحيّة "بيترا" في "البتراء" في "الأردن"

زاهي وهبي: نعم، تحكي عن تلك المنطقة

أنطوان كرباج: هذا الدور المكروه غير المعقول، تصوّر أنّه يخطف بنتا صغيرة ليقتلها، ليقتل "بترا" ولا أدري ماذا، عندما أصل أنا في آخر المشهد، في هذا المونولوغ، أبدأ برفعه ثمّ أرمه على الأرض في أوّل ليلة عرض لـ "بيترا" واشتعلت الصالة بالتصفيق، وقلت لنفسي أنّ الجمهور يقول له "أجل هكذا، تستأهِل. مرمغ وجهك في الأرض لأنك تستحق ذلك وكذا ولا أدري ماذا"، وقل لنفسي "هذا حقهم"

زاهي وهبي: بل كانوا يصفّقون لك على الأداء

أنطوان كرباج: أنا لم أعلم ذلك وفي كلّ ليلة القصّة نفسها. جئنا إلى "الشام" وعُرِضت المسرحية لخمسة عشر يوماً وفي كلّ ليلة القصّة نفسها. أتينا إلى "بيروت" وعرضناها في "كازينو لبنان" والقصّة نفسها، فيقول "عاصي" لـ "منصور" حينها: "منصور، هذه المرّة الأولى في مسرحنا يصفّقون للممثل..

زاهي وهبي: الشرّير

أنطوان كرباج: .. للممثل الشرّير على تمثيله وليس على النصّ الذي كتبناه"

زاهي وهبي: نعم. إذا اعتبرنا أنّ مسرح الأخوين " الرحباني" ينتصر للحريّة والعدالة وضدّ الظلم وضدّ الاضطهاد، كم وجدت نفسك في هذا المسرح؟ بمعنى أنّك تحمل قيماً وأفكاراً مطابقة

أنطوان كرباج: أجل طبعاً، الرحابنة لم يكونوا يقومون بمسرح فارغ كي يُضحكوا الناس وغيره، كان عندهم رؤية في مسرحهم كان عندهم

زاهي وهبي: منظومة قِيَم

أنطوان كرباج: نعم، وقيم يريدون تقديمها وإعطائها للناس، هكذا كان مسرح "الرحباني"

زاهي وهبي: يعطونا في مسرح "الرحباني" هذا الوطن الجميل. هلّ كان "لبنان" حلماً أم وهماً أم حقيقة؟ هذا الـ "لبنان" "الرحباني" وصوت "فيروز"

أنطوان كرباج: هم أنشأوه لنا حلماً كي يُصبِح حقيقة، لكن نحن أُنظر ماذا فعلنا به. هذا الوطن "الرحباني"، بدل أن نسعى الى تحقيق هذا الحلم ليصبح واقعياً، حوّلنا هذا الوطن الحلم في النهاية إلى "مزبلة"

زاهي وهبي: المشهد الذي شاهدناه قبل قليل، الذي تتحدّث فيه عن المهرّبين وكأنّه الآن

أنطوان كرباج: أجل، طبعاً

زاهي وهبي: وكأنّه اليوم، وما أشبه اليوم بالبارِحة

أنطوان كرباج: نعم، وكيف لا؟ كان "الرحابنة" يضيئون على أشياء ليست خياليّة يا أخي

زاهي وهبي: أي لم يبيعونا الوهم

أنطوان كرباج: طبعاً لم يبيعونا الوهم

زاهي وهبي: مسرح "منصور" أُستاذي في ما بعد، بعد وفاة "عاصي"، حضرتك جزء منه أيضاً. بمعنى بدءاً من مسرحيّة "صيف 840" هلّ أضاف إضافة مختلِفة إلى المسرح "الرحباني"؟

أنطوان كرباج: لا، لم يضف على المسرح "الرحباني" وبقي ضمن مسرح "الرحباني". مسرح "الرحباني" هما "عاصي" و "منصور" وبصورة خاصّة "عاصي"

زاهي وهبي: لماذا بصورة خاصّة؟

أنطوان كرباج: "عاصي" للحقيقة هو الخلاّق، وذلك أصبح واضحاً عندما غاب "عاصي"

زاهي وهبي: المسرحيّات التي شاركت فيها مع "منصور" رحمه الله ألم تكن خلاّقة؟

أنطوان كرباج: بلى ولكنّها كانت مدروسة مع "عاصي"، كانوا قد درسوا أمورها كلّها

زاهي وهبي: كلّ المسرحيّات؟ أي "زنّوبيا" و" طائر الفينيق" و "صيف 840" ؟

أنطوان كرباج: كلّ المسرحيّات كانت مدروسة مع "عاصي" قبلاً ومحضّرة أجل. أين هم الرحابنة الآن؟ عندما غاب "عاصي" غاب نجم كبير جداً

زاهي وهبي: ما من شكّ، ما من شكّ في أنّ قيمة "عاصي" كبيرة جداً ولكن "منصور" استمرّ لسنوات طويلة

أنطوان كرباج: استمرّ أجل لكن ليس بالمستوى الذي كان "عاصي" فيه، ليس في نفس المستوى. مستوى مهمّ جداً ولا ننكر ذلك

زاهي وهبي: نعم

أنطوان كرباج: لكن ما أقوله أنا أنّه ليس في المستوى الذي كان عليه هو و"عاصي" سوياً، أقلّ بقليل ولا ننكر فضل "منصور"، نحن لا ننكر فضله. وكأنّك تقول أنّ هذا فنان عظيم وذاك فنّان عظيم أيضاً لكن أحدهم أعظم بقليل من الآخر، وهذا لا يعني أنّ الآخر ليس جيّداً!

زاهي وهبي: على كلّ حال، حضرتكَ أدرى و" أهل مكّة أدرى بشعابها " كما يقولون. حضرتك تتحدّث من صميم التجربة ونحن نتحدّث كمتلقّين

أنطوان كرباج: طبعاً

زاهي وهبي: كمتفرّجين وكمشاهدين. سأُتابِع مع حضرتك وسنسمع مزيداً من الآراء في تجربتك ولكن نتوقّف لحظات قليلة ثمّ نتابِع "بيت القصيد"


المحور الثالث

المحور الثالث

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام، نتابِع "بيت القصيد" مع القدير "أنطوان كرباج". نتابع أيضاً أُستاذي الاستماع إلى شهادات بتجربتك الثريّة والمتميّزة وهذه المرّة من الفنّان الدكتور "نبيل أبو مراد"، نسمعه سوياً

كلام يوصل:

نبيل أبو مراد (ممثل): للحقيقة تعرّفت على "أنطوان كرباج" منذ زمنٍ بعيد، منذ بداية الحركة المسرحيّة في الستّينات، وكنت أُتابعه لأنني كنت أُشاهد المسرحيات التي يؤدّي فيها، وبما أنني كنت أرغب في أن أكون ممثلاً كنت أشاهده أثناء التمثيل وكنت أشعر بخوف وأتساءل بأنّه هل من المعقول أن أتمكّن من أن أصير ممثلاً في هذا الفنّ الصعب؟ بعد ذلك تابعته في الأعمال الرحبانيّة واشتركت معه في بعض الأعمال الرحبانيّة حيث أدّى "أنطوان" للحقيقة أهمّ أدواره، في رأيي، في المسرح اللبناني. "أنطوان كرباج" هو حياة طويلة في ممارسة الحياة المسرحيّة في "لبنان" وصار له بصمة كبيرة في الحركة المسرحيّة. هو إنسان في الحقيقة عنده أيضاً هموم ككلّ إنسان لبناني، أي يريد أن يكون بلده بلداً فيه عدالة اجتماعيّة وفيه كرامة للإنسان وبلدٌ فيه حياة ثقافيّة راقية، لذلك هو ليس مسرحياً فقط، إنّما هو أيضاً أنسان عنده هذه الهموم.  أنطوان هو ممثل الأدوار الصعبة أي كلّما كان الدور صعباً بالمعنى الدرامي، بالمعنى الكتابي كلّما أجاد "أنطوان" في تمثيله، وأتمنّى عليه أن يحافظ على صحّته كي يظلّ يستطيع أن يعطي هذه الأشياء القيّمة والأشياء الجيّدة. لكن مع الأسف، الأعمال المسرحيّة الجيّدة اليوم صارت قليلة. السؤال الذي يطرح نفسه من وحي المُناسبة كوننا كنّا نقول أنّ "أنطوان" هو فنّان وإنسان وكان يهمّه كثيراً أن يعيش إنسان بلده في كرامة، فأسأله: "يا أنطوان، بعد كلّ هذا التاريخ وكلّ هذا التعب، وكلّ هذا العُمر، هلّ تشعُر أنّك تعيش بكرامة في هذا الوطن؟

زاهي وهبي: شكراً للأستاذ الدكتور "نبيل أبو مراد". سألك، هلّ تشعُر أنّك تعيش بكرامة في هذا الوطن؟ على الوتر هذا السؤال

أنطوان كرباج: أعيش بكرامة؟

زاهي وهبي: نعم

أنطوان كرباج: أنا لا أحد يستطيع أن يجرَح لي كرامتي، لا أحد يمكنه أن يجرح لي كرامتي، أنا أعيش بتواضعي، بإمكانيّاتي المعنويّة والثقافيّة والماديّة وهذا يكفيني، وأكثر الله من خير ربّي

زاهي وهبي: ربّما خلفيّة السؤال أنّ الفنّان في هذا البلد أو في هذا الشرق عموماً لا ينال ما يستحقّ من اهتمام، من رعاية، من تكريم

أنطوان كرباج: يا أخي، الفنّان يعيش لأنّ الفنّ من روحه، من قلبه ولا يمكنه أن يتخلّى عنه. أنا لا أقوم بشيء من أجل أن أطلُب أن يكرّموني أو كذا، أنا أقوم بهذه المهنة لأنني أُحبّها من قلبي ومن ذاتي وهذه تنمّي بي حالات عاطفيّة وحالات

زاهي وهبي: روحيّة

أنطوان كرباج: وحالات روحيّة لا نهاية لها. أمّا أن أُمثِّل وأنتظر أن يأتي أحدهم ليكرّمني أو يشكرني أو كذا؟

زاهي وهبي: أنت لا تهتمّ لمثل هذه الأمور

أنطوان كرباج: لا أبداً، الناس الذين يكرّمونني أكثر الله خيرهم، لكن أنا لا أمتهن هذه المهنة من أجل هذه القصّة

زاهي وهبي: على كلّ حال، إسمك أُستاذي بحدّ ذاته هو صفة وليس موصوفاً، صفة. عندما نقول "أنطوان كرباج" نعني القيمة الفنيّة والإبداعيّة والجهد والمثابرة إلى آخره. أريد أن أعود إلى ما كنّا نتحدّث عنه، عن دور الفنّ. اليوم كما تعلم أُستاذي، العالم العربي في خراب كبير، وتعلم أكثر منّي والمشاهدون يعلمون ما هو دور الفنّان. هلّ هناك دور للفنّ؟ هلّ يوجد دور للمُبدِع العربي في مواجهة هذا الخراب؟

أنطوان كرباج: الآن، نحن نريد كُتّاباً ليعالجوا الأمور التي تحدث في العالم العربي بطريقة يوجّهون فيها رسالة عن الذي من اللازم أن يصير وكيف يمكننا أن نتخطّى هذه الأخطار والأوضاع الصعبة التي يمرّ فيها العالم العربي بأكمله. الآن نحن نريد رجال مسرح يكتبون

زاهي وهبي: حضرتك قدّمت "الدكتاتور"، قدّمت "المهرِّج" قدّمت "المارسيلياز العربي"، قدّمت "أمرك سيدنا" التي هي من كتابتك، وفي الإذاعة قدّمت "فلبي على بلدي " من كتابة الأُستاذ "أنطوان غندور"، لماذا قلبك على بلدك مثلاً؟

أنطوان كرباج: "فلبي على بلدي"؟

زاهي وهبي: نعم، والعالم العربي كلّه بلدك وليس "لبنان" فقط

أنطوان كرباج: أجل، لكن "لبنان"

زاهي وهبي: بشكلٍ خاص "لبنان" طبعاً        

أنطوان كرباج: نعم، بشكلٍ خاص "لبنان"

زاهي وهبي: ولكن اليوم الوجع، في الأوّل كان

أنطوان كرباج: كيف لا يكون "قلبي على بلدي" وأنا أُشاهد بلدي ينهار رويداً رويداً نتيجة وجود سياسيين يجعلون منه في آخر الأمر مزبلة؟ كيف لا يؤلمني قلبي على بلدي؟ كيف؟ هذا شيء يوجّعك، شيء يقهرك، شيء يؤلمك

زاهي وهبي: ما المطلوب إذاً؟ ما هو المطلوب؟ اليوم "أنطوان كرباج" المواطن اللبناني والفنّان اللبناني، وكنتُ نقيباً حضرتك أيضاً للممثّلين، ما هو المطلوب من الفنّان في ظلّ هذا الوضع؟ نزلوا الشباب الى الشارِع

أنطوان كرباج: يا أخي، المطلوب أن يكون عندنا في المقام الأوّل دولة. لا يوجد عندنا دولة، بلد متروك، مهمل، هذا الذي أعطانا الله إياه. أنا أُستاذ تاريخ وتخصصت في التاريخ، نحن ثروتنا الكبيرة تاريخنا، هذه هي ثروتنا الكبيرة، هذه الثروة التي يجب أن تستجلِب كلّ أُمم الأرض

زاهي وهبي: ليتفرّجوا على "بعلبك" وعلى "بيت الدين" وعلى "صور" وعلى "جبيل"

أنطوان كرباج: ليس على "بعلبك" فقط، يا أخي أنا أريد أن أقول لك شيئاً. حسناً، "بعلبك" منذ 74 سنة قبل المسيح وكذا ولا أدري ماذا، يا أخي من "جبيل" كان الحرف، من "جبيل" أو "بيبلوس" التي أعطت اسمها للكتاب المقدّس في العالم كلّة الـ Bible باللاتيني، "بيبلوس" التي خرج منها الحرف الأبجدي، أوّل حرف كتابي خرج من "بيبلوس" والأحرف الأبجديّة منقوشة على رؤوس تماثيل "أحيرام" ملك "جبيل". حسناً، في "لبنان" وفي وسط "بيروت" السياسيون الذين عندنا شاطرين في أن يمحوا لنا ذاكرتنا. أنت هلّ تذكر "بيروت" القديمة؟

زاهي وهبي: إلى حدٍ ما. من الصُوَر والأفلام 

أنطوان كرباج: أنا أذكر "بيروت" القديمة، أين هي "بيروت" القديمة التي نعرِفها؟ أين هي "بيروت" ؟ أين وسط "بيروت التي كنّا ننظر إليها؟ أين هي سينما "الريفولي"؟ أين سينما "الروكسي"؟ أين سينما "الأمبير"؟ أين "الترمواي" الذي كان يقلّك من "فرن الشبّاك" الـى "المنارة" بخمسة قروش؟ أين هو هذا من تاريخنا ومن تراثنا؟ محوه لنا!  "بيروت" القديمة أنا الآن لا أعرِفها

زاهي وهبي: بلا مسرح، كلّ وسط "بيروت" لا يوجد فيه مسرح

أنطوان كرباج: ليس هذا فقط، لقد تهدّم وسط "بيروت". أمام مجلس النوّاب، في وسط "بيروت"

زاهي وهبي: "ساحة النجمة"

أنطوان كرباج: "ساحة النجمة"، يوجد كنزٌ تاريخيّ كبير

زاهي وهبي: الذي هو؟

أنطوان كرباج: "مدرسة الحقوق الرومانيّة" التي خرج منها قانون "جوستينيانوس" الذي أخذت منه كلّ أُمم الأرض 

زاهي وهبي: نعم

أنطوان كرباج: نهدّم وسط "بيروت" وبدل أن ننبُش هذا الكنز ونخرجه، ألا يستجلب لك هذا كلّ أُمم الأرض؟ كلّ أُمم الأرض أخذت من قانون "جوستينيانوس" . "مدرسة الحقوق الرومانيّة"، إسمع. ماذا فعلنا نحن؟ بدل أن نُخرِج هذا الكنز صببنا الباطون والزفت على تاريخنا وأقمناه ساحة "أراجيل"، هل تريد أحسن من هذا؟

زاهي وهبي: للأسف

أنطوان كرباج: أكثر من هذا، جاء علماء آثار من الخارِج عندما بدأت الحرب وكذا ووجدوا أثاراً تعود إلى 20 ألف سنة، للإنسان الأوّل الذي بدأ يقف على رجليه، آثاره هنا في "لبنان" منذ 20 ألف سنة، لأنّ الإنسان كان مثل السعدان يمشي على الأربعة. حين وجدوا هذه الآثار وضعوا لها خبراً في مُلحَق "النهار" ومحوه ولم يعُد أحد يذكره بكلمة

زاهي وهبي: في ذات نهار أخبروني أُستاذي بأنّهم يرمون النفايات في "الوادي المقدّس" في "قاديشا"، ماذا تريد أكثر من هذا؟ ما هو موقفك من الحِراك الشبابي؟ هناك جزء من الشباب اللبناني نزل الى الساحات، نزل الى الشارع  ضدّ الفساد وضدّ

أنطوان كرباج: وأنا نزلت معهم

زاهي وهبي: نزلت حضرتك

أنطوان كرباج: أجل، طبعاً. نزلت معهم وسألوني ماذا أنت آتٍ لتفعل، وقلت لهم حينها، أنا آتٍ وأنتم رددوا ورائي وقولوا: "رجال السياسة بـ لبنان عا كلامهم ما فيش رباط؛ بيوعدوا بأوّل نيسان و بيوفوا بـ 30 شباط" . هذا شعار ضعوه وعلّقوه على الجدران وأينما كان وكذا ولا أدري ماذا

زاهي وهبي: أُستاذي سأُتابِع مع حضرتك، سنتحدّث قليلاً عن التلفزيون لأننا لم نتحدّث. أخذنا المسرح والمسرح أهمّ بكثير ولكن نتوقّف للحظات سريعة ثمّ نُتابِع "بيت القصيد"


المحور الرابع

المحور الرابع

زاهي وهبي: شاهدنا مشاهِد من فيلمين لحضرتِك، أعلم أن فيلم "سيلينا" لست راضياً كثيراً عليه. لماذا أنت لست راضياً عن فيلم "سيلينا"؟

أنطوان كرباج: يا أخي، سأقول لك لماذا. السينما في "لبنان"، نحن لم نتمكّن من هذه الصناعة وأهم سينمائي ما اسمه رحمه الله، كنّا نتأمّل فيه كثيراً. فقط ذكّرني باسمه

زاهي وهبي: "مارون بغدادي"؟

أنطوان كرباج: "مارون بغدادي" نعم. هذا كان أملنا، وغادرنا باكراً جداً "مارون". حسناً الأفلام التي تُصنّع عندنا غير ناجحة جداً

زاهي وهبي: ولماذا شاركت إن كنت غير راضٍ

أنطوان كرباج: نعم؟

زاهي وهبي: في فيلم "سيلينا" لماذا شاركت؟

أنطوان كرباج: شاركت في فيلم "سيلينا" على اعتقادي أنّ له هدفا أو كذا، لكن الآن عندما يُعرَض عليّ دور في فيلم لا أوافق

زاهي وهبي: هو على كلّ حال تحويل عمل مسرحي إلى فيلم سينمائي مسرحي من مسرح " الأخوين الرحباني"، مهمّة صعبة قليلاً

أنطوان كرباج: أكيد

زاهي وهبي: هو عن مسرحيّة "ناطورة المفاتيح"

أنطوان كرباج: نعم، أكيد

زاهي وهبي: التجربة السينمائيّة بأكملها تحتاج إلى نقاش طويل، ربّما في مرّة نقدّم حلقة عن السينما. لكن قبل أن أتحدّث عن تجربتك التلفزيونيّة اسمح لنا أن نستمِع إلى رأي في تجربتك أيضاً من المسرحي الأُستاذ "فريد صبّاغ"

كلام يوصل:

فريد صبّاغ (مسرحي): تعرّفنا على الأُستاذ "أنطوان كرباج" منذ حوالى عشر سنوات. كنّا حينها نعرِض مسرحيّة "تشي غيفارا"، ومن بعدها كان لنا حظّ التعاون معه في مسرحيّة "من أيام صلاح الدين" في مهرجانات "بعلبك" الدولية سنة 2011، وهو بصراحة أخذ دوراً من أصعب الأدوار التي يمكن أن يأخذها مُمثِل وهو دور كاتب مسرحي لكنّه ينتقِل إلى ثلاث حالات مختلِفة في شخصيّته. في البداية كان في حالة "الزهايمر" ثمّ ينتقل إلى "الـ Coma" ثمّ يتحرّر من جسمه ليخرج إلى شخصيّاته الموجودة في رأسه ويُحاول أن يقنعهم بالسلام العالمي. أنا يمكنني أن أقول لكم أمراً عن الأُستاذ "أنطوان كرباج"، هذا الشخص حين يعتلي المسرح يمتلِك المسرَح. عنده صدق في التعبير وعنده قدرة في تغيير شخصيّته وفي إقناعك، وكأنّ هناك هالة حوله لا يمكن إلاّ أن تجذب الناس اليه ويقنعهم بالفكرة التي يقولها، وهذه ميزة مهمة جداً عند أيّ ممثِل. يمكنني أن أقول لك أنّه على خشبة المسرح يليق به لقب "ملك المسرح". الشيء الذي لا يعرفه الكثير من الناس عن الأُستاذ "أنطوان كرباج" هو شخصيّته وراء الكواليس. نحن تعاملنا معه في عمل صعب جداً لأنّه كان عملاً مباشراً في "بعلبك"، وحتى في أصعب الأوقات وفي أكثر الأوقات التي يمكن أن يكون فيها الإنسان عصبياً كان الأُستاذ "أنطوان" أوّل من يصل، قبل كلّ الفرقة ، أي قبل نصف ساعة من أصغر دور في المسرحيّة،  يصل وينتظرنا كلّنا. ثانياً، يقوم بتمارين ويُحضّر نفسه ويدخل في الجوّ. ثالثاً، يتعاطى مع الممثلين رفاقه باحترام كلّي، حتّى مع الصغار تجدينه يعلّمهم ويساعدهم بشكلٍ متواصل. وبعد ذلك، عنده احترام كلّي لأصحاب العمل وكيفية إيصالهم الى فكرتهم بمعنى عنده هاجس دائم في أن يوصل لكِ الفكرة التي تريدينها من خلال تمثيله ومن خلال تحرّكه وهو مُحترِف جداً بأدائه، أي يلتزم كثيراً بالتحرّك الذي تعطيه إياه وبأيّة ملاحظة تعطيه إياها. من النادر أن يكون ممثل محترف عنده التزام بهذا الشكل. في النهاية أريد أن أقول لكِ، نيّال الذي كان له فرصة العمل مع أُستاذ "أنطوان كرباج"، هذا شخص لا يتكرر في المسرح اللبناني، وبالنسبة الينا كانت مسألة عظيمة جداً أن صار لنا مجال للعمل معه ونطمح أن نعمل أكثر معه. في هذه المناسبة، أريد أن أوجِّه لك تحيّة أُستاذ "أنطوان" وأريد أن أسألك سؤالاً. منذ حوالى سنة ونصف السنة كنّا نعرِض مسرحيّة "الطائفة الـ19"، وإذا تتذكّر خرجت حضرتك من المسرحيّة وقلت للتلفزيون أن " الطائفة الـ  19" هي خلاص هذا البلد. في رأيك، بعد كلّ الذي حدث ويحدث منذ سنة ونصف السنة إلى اليوم، هلّ تُفضِّل أن تبقى "الطائفة الـ 19" على المسرح أو تنتقل الى الأرض وتلعب دورها بفعالية في خلاص هذا البلد؟

زاهي وهبي: شكراً للأستاذ "فريد صبّاغ". إذاً، هل  تُفضّل "الطائفة الـ 19"؟ طبعاً لمشاهدينا العرب المقصود بـ "الطائفة الـ 19" في "لبنان" الناس الذين لا يريدون الانتماء إلى أيّة طائِفة، ويريدون أن يكونوا مواطنين

أنطوان كرباج: صحيح                    

زاهي وهبي: طائفة المواطنين هي "الطائفة 19". طبعاً أنت تؤيِّد هذه الفكرة

أنطوان كرباج: طبعاً أكيد، أكيد يا أخي

زاهي وهبي: لكن الحلو في هذه الشهادات التي سمعناها هذه الليلة عن تجربتك أُستاذي أنّها من أجيال مختلِفة، من الأُستاذ "منير أبو دبس" الرائِد والمؤسس إلى الأُستاذ "نبيل أبو مراد" إلى الأُستاذ "فريد صبّاغ" أيّ ثلاثة أجيال وكلّهم يُجمعون على هذه القيمة التي تمثّلها حضرتك. من المسرح إلى التلفزيون، وكأنّ المسرح شغفك أكثر من التلفزيون

أنطوان كرباج: أكيد

زاهي وهبي: لماذا؟ قدمت أعمالاً في الذاكرة مثل "من يوم ليوم" مع " الأخوين رحباني" و "بربر آغاً"  

أنطوان كرباج: نعم، أنا لا أنكر فضل التلفزيون ولكن المسرح قصّة مختلفة، المسرح غير قصّة

زاهي وهبي: أيّهُ أحب أدوارك في التلفزيون إلى نفسِك؟ "البؤساء" مثلاً؟

أنطوان كرباج: أـوه، هذا "البؤساء"

زاهي وهبي: لا يُنسى

أنطوان كرباج: سأقول لك شيئاً عن قصّة "البؤساء". جاء إلى "تلفزيون لبنان" رئيس مجلِس إدارة هو الذي أسّس وقام بـ "تلفزيون لبنان" وهو "بول طنّوس"

زاهي وهبي: "بول طنّوس"

أنطوان كرباج: نعم، "بول طنّوس". ألله يرحمك يا "بول"، يا ألله على "بول" يا ألله. هو الذي أسس "تلفزيون لبنان" وعندما راح خرب "تلفزيون لبنان". كانوا يعرضون عليّ مسلسلات وكنت أردّها لأنّها لا تعجبني، فيتصلون بي من التلفزيون ويقولون لي : "أُستاذ أنطوان، أُستاذ بول طنّوس يريد أن يتحدّث معك"، فقلت لهم "حسناً"، قال لي : "أنطوان كرباج أنا بول طنّوس" فقلت له أهلاً أُستاذ بول لنا الشرف، ماذا تريد منّي؟"، فقال لي: " أنطوان، ماذا أريد منك؟ لماذا أنتم رجال المسرح مقاطعين لتلفزيون لبنان؟ " فقلت له: "نحن مقاطعون لتلفزيون لبنان لأنّ في تلفزيون لبنان لا يهتمّون بالمسرح بل يهتمّون بتلفزيون لبنان، وأنت أتيت الآن فغيِّر لنا سياسة تلفزيون لبنان حتّى يصير تلفزيون ونحن يهمّنا كثيراً أن نتعاطى مع تلفزيون لبنان". صار يبعث لي بهذه القصص وأنا أُردّها، فقال لي: "يا أنطوان قلّ أنك لا تريد أن تمثّل على التلفزيون" فقلت له، " يا أستاذ بول أنا أريد أن أشتغِل لكن هذه النصوص التي ترسلها لي..

زاهي وهبي: لا تليق

أنطوان كرباج: .. لا تليق. اتصل بي هاتفياً في يوم وقال لي: " لاقِني في الثامنة والنصف في التلفزيون" وكان يمشي صباحاً في السادسة والنصف وكذا. ذهبت إلى التلفزيون، فقال لي: "نحن نعطيك وأنت تقول لا، اقترح علينا. ماذا تُحبّ أن تؤدّي على تلفزيون لبنان؟ قلت له: "هناك مسلسل أخذ ضجّة في العالم كلّه واسمه "البؤساء"

زاهي وهبي: "البؤساء لـ "فيكتور هيغو"

أنطوان كرباج: لـ "فيكتور هيغو" وهذا نجاحه ضجّ في العالم كلّه

زاهي وهبي: وهكذا كان

أنطوان كرباج: وهكذا كان. قال لي: "البؤساء؟"،  قلت له، "اجل"، فقال لي : "أعطني فرصة للغد صباحاً" وفي اليوم التالي اتّصل بي وقال لي: "تعال، نريد أن ننتج البؤساء" ، فقلت له ، "أنت تمزح" فقال لي: "ماذا؟ هلّ غيّرت فكرك؟" قلت له ، " لا، من قلبي ومن عيناي"، فقال لي: "خلص، نريد أن ننتج البؤساء"

زاهي وهبي: هلّ أنت راض اليوم على الأعمال التلفزيونيّة التي تُشارِك فيها؟

أنطوان كرباج: نعم، العمل الذي أقبل به أكون راضياً عنه، لن يكون هدفي الكبير لكن أكون مقتنعاً بأنّه معقول

زاهي وهبي: ليس فقط موافقة لأجل الشغل

أنطوان كرباج: لا، لا. لغاية الآن يبعثون لي بالكثير من الأعمال وأنا حالياً لا أشتغِل. يبعثون لي وأقرأ ولا أُوافِق

زاهي وهبي: ما الذي تتبعه حين تقول نعم أو لا؟ هلّ هو حدسك؟

أنطوان كرباج: لا، أتبع الموضوع وما يُعالِج، ما هي المشكلة أو الموضوع. إذا كانت قصّة غراميات ولا أدري ماذا لا أقبل لكن إذا كان الموضوع يُعالِج مشكلة مهمّة بشكلٍ موضوعيّ وجيّد أوافق بالتأكيد

زاهي وهبي: وكأنّ هناك نوعا من الشراكة بينك وبين الأُستاذ " أنطوان غندور"؟

أنطوان كرباج: طبعاً

زاهي وهبي: أي ترتاح لنصّه

أنطوان كرباج: نعم، لأنّ "أنطوان غندور" يعلم أنّه حين يريد أن يكتُب لـ "أنطوان كرباج" يعرِف ماذا يكتُب له

زاهي وهبي: هل هناك القليل من التحسّن في الدراما اللبنانيّة؟ أي في الأعمال الأخيرة التي تُنتَج؟

أنطوان كرباج: يا أخي أجل ولا نريد أن نقطع الأمل، لكننا نحتاج إلى أعمال

زاهي وهبي: ماذا ينقصها؟

أنطوان كرباج: ينقصها القصّة والموضوع الكتابي

زاهي وهبي: أي النص بالأساس

أنطوان كرباج: النص في الأساس

زاهي وهبي: وليس الإنتاج والإخراج  والتمثيل إلى آخره!

أنطوان كرباج: لا، لا

زاهي وهبي: النصوص

أنطوان كرباج: النصوص في الأساس. مع " البؤساء" وجدنا "محيي الدين القابسي" وهو كاتب سوري كان قد كتب النصّ واستوفى تماماً لشروط العمل. أتينا وتساءلنا عمّن سيقوم بالإخراج، فكان شخص اسمه "باسم نصر" وكان هذا العمل مجد "باسم نصر". حقيقةً "باسم" كان وفياً بشكلٍ غير معقول، غير معقول

زاهي وهبي: في مجالٍ ثانٍ أُستاذي، قلت حضرتك في بداية ربورتاج "علامة فارقة" أنّ العائِلة أهمّ شيء

أنطوان كرباج: طبعاً

زاهي وهبي: اليوم حضرتك جدّ ولست أباً فقط، كيف هي علاقتك بأحفادك؟

أنطوان كرباج: لا تسأل، هؤلاء زينة الدنيا ولا يمكنني أن أُخبرك، لا يمكنني أن أُخبرك كيف يحبونني وكيف اُحبّهم. لا يمكنني أن أقول لك

زاهي وهبي: كم حفيد صار عندك ألله يخلّيهم؟

أنطوان كرباج: عند "وليد" إبني عندي حفيدان "تالا" البنت و"مكرم"، و"مازن" إبني عنده

زاهي وهبي: الرسّام المعروف طبعاً

أنطوان كرباج: نعم، الرسّام، عنده "إيفان" وعنده صبيتان توأم "نور" و"عليا"

زاهي وهبي: والبنت؟

أنطوان كرباج: والبنت عندها صبي وبنت وابنتي في "كندا" في "مونتريال" وهذه البنت "تيا" عمرها 12 سنة وتُحبّ الباليه. بعثوا لي بصُوَر لها في المدرسة، بنت عمرها 12 سنة تقف على رأس أصابع رجلها الأولى وترفع رجلها الثانية صعوداً باتجاه رأسها. تبنّوها الآن وأقاموا لها مدرسة للباليه خصيصاً يدرّس فيها أهم من درّسوا الباليه في "روسيا"، خصيصاً لها. قبل الظهر ممنوعة من الذهاب إلى المدرسة وتذهب لتشتغل في الباليه وبعد الظهر فتحوا لها مدرسة خصوصيّة لكي تدرِّس "تيا" في فترة بعد الظهر في "مونتريال"

زاهي وهبي: حلو جداً، على كلّ حال نمسّيهم جميعاً بالخير وخصوصاً زوجتك السيّد والفنّانة التشكيليّة "لور الغريِّب"، صديقتنا وحبيبة قلبنا. دمعتك سخيّة أُستاذ "أنطوان"، هل حضرتك شخص عاطفي؟ لماذا دمعتك قريبة إلى هذه الدرجة؟

أنطوان كرباج: لأنّ أي شغلة تهزّني، إذا كانت فرحة تخرُج دمعة الفرح منّي، وإذا كانت مؤثِّرة دمعة الحزن تخرُج منّي، لا أعرِف، لا أستطيع، أبكي فوراً

 زاهي وهبي: حسناً، بعد هذا المشوار كلّه، ماذا بقي اليوم من أحلامك؟ ابن الثمانين سنة بماذا يحلم؟

أنطوان كرباج: أنا لا تزال أحلامي متواصلة ولا أتوقّف عن الحلم وأتمنّى أن أُتوِّج حياتي، قبل أن يأخذني القدر، بعمل أُتوِّج به حياتي ويكون يرضي طموحي كفنّان ويُرضي وطني والناس الذين اعتادوا عليّ والذين يحبّونني

زاهي وهبي: أتمنّى أن تُحقّق هذا الحلم، وأحب أن أختم بسؤال: لو صار لك أن تسترِد شخصيّة من هذه الشخصيّات التي سأذكرها، "عاصي"، "منصور"، "فليمون"، "سعيد عقل"، من تسترِد؟

أنطوان كرباج: لا أستطيع أن ألغي أحداً منهم، ولا أي أحد. كلّهم ثروة فنيّة ثقافيّة روحيّة لا تُعوّض. ما من كبير في "لبنان" يذهب ويأخذ أحداً مكانه

زاهي وهبي: أطال الله في عمرك أُستاذ "أنطوان كرباج"، استمتعت بالجلوس في مقابلك وفي الحوار معك

أنطوان كرباج: ألله يخلّيك لي يا أخي "زاهي"، أنت إنسان نفتخر أيضاً به. أنت إنسان مثقّف وأنت إنسان فضيل، والأهم أنّك إنسان متواضِع وأنا من الناس المتواضعين وهم أقارب لي كثيراً وأحبّهم

زاهي وهبي: نحن بالتأكيد أقارب، في هذه المسألة بالذات أكيد أقارب، لكن حضرتك تظلّ أُستاذنا بقامتك هذه العالية جداً. شكراً لفريق العمل، لمخرِج البرنامج الأُستاذ "علي حيدر"، للمنتجة "غادة صالِح"، لمشاهدينا في كلّ أنحاء العالم نلتقيكم على خير في الأُسبوع المقبل بإذن الله