أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

لبنان بعد الطائف: بين الطائفية السياسية والطائفية الاجتماعية

لبنان بين الطائفية السياسية والطائفية الاجتماعية، هل بات تأبيدهما أمراً واقعاً؟ ما دور الرعاية الخارجية واستدعاء الدول في الاستقواء الطائفي داخلياً؟ بعد الحرب الأهلية والطائف، هل خفّت التبعيات والطائفية أم وصل لبنان إلى الطريق المسدود نحو الدولة الحديثة؟

 

غسان الشامي: مساء الخير.

إذا كان لبنان الصغير قد رُكّب منذ ما بعد عام 1860 على مبدأ التوازنات الطائفية، وجرى تثبيت ذلك بعد تأسيس لبنان الكبير عام 1920، وفيما نحن على بعد خطوات من مئوية هذا اللبنان الكبير، لا بد من استقراء بعض جوانب هذه التركيبة والتساؤل: كيف استمرت وتعاظمت على الرغم من كل ما حصل في لبنان وفي المنطقة من هزّات وزلازل سياسية واجتماعية بحيث بدت الطائفية قدر اللبنانيين المحتوم؟

الدكتورعبدالرؤوف سنّو أصدر عام 2014 كتابه
لبنان الطوائف في دولة ما بعد الطائف: إشكاليات التعايش والسيادة وأدوار الخارج، طارحاً الأسئلة المفصلية حيال التاريخ القريب للتطييف الاجتماعي والسياسي.

سنطرح عليه الأسئلة التي سألها لنأخذ إجابات عنها من وجهة نظره البحثية، لكن بعد أن نعرّفكم به:

 

التقرير

 

وُلد الدكتور عبد الرؤوف سنّو في بيروت عام 1948. وحصل على الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر من جامعة برلين الحرّة عام 1982، وعلى دبلوم التعليم العالي والتنمية الدولية من جامعة كاسل عام 1983.
ودرّس في الجامعة اللبنانية حتى عام 2012. وكان عميداً لكلية التربية بين عامي 2001 و2004. كما درّس وأشرف على رسائل وأطروحات في جامعة القدّيس يوسف حتى عام 2011.

الدكتور سنّو عضو الهيئة الاستشارية للمعهد الألماني للأبحاث الشرقية منذ عام 2008. ومُنح وسام الاستحقاق الألماني عام 2009 تقديراً لكتبه ودراساته عن العلاقات بين ألمانيا والمشرق العربي ولبنان. وحاز على جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2011. وعُيّن عام 2002 عضواً في الهيئة الاستشارية للمركز الدولي للعدالة الانتقالية في لبنان. وكرّمته وزارة التربية والجامعة اللبنانية واللجنة الوطنية لليونسكو والحركة الثقافية أنطلياس.

من مؤلفاته بالعربية: السعودية في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز،
السعودية ولبنان من عام 1943 حتى عام 2011،
لبنان الطوائف في دولة ما بعد الطائف: إشكالية التعايش والسيادة وأدوار الخارج،
حرب لبنان من عام 1975 حتى عام 1990: مجلّدان، ألمانيا والإسلام في القرنين التاسع عشر والعشرين، النزاعات الكيانية الإسلامية في الدولة العثمانية من عام 1877 حتى عام 1901.

وله مؤلفات بالألمانية وعشرات الأبحاث والدراسات والمقالات حول الدولة العثمانية وعلاقاتها بأوروبا وبالمشرق العربي وحول لبنان.

 

غسان الشامي: أهلاً بكم في "أجراس المشرق". أهلاً بك دكتور عبد الرؤوف سنّو.

عبد الرؤوف سنو: أهلاً.

غسان الشامي: تشرّفنا استضافتك في ما كتبته. قبلاً كان ثمة كتاب عن الحرب اللبنانية وكتاب موسوعي من جزءين عام 2008. ولكن هذا الكتاب الذي هو عن لبنان: طوائف ما بعد الطائف. بالفعل تلفت النظر فيه مجموعة من الأمور، اسمح لنا بأن نناقشها لأن هذه المسألة في لبنان هي مسألة أليمة ومسألة مزمنة وتاريخية.
هناك نوعان من الطائفية صوّبت عليهما: الطائفية السياسية والطائفية الاجتماعية. إذا أخذنا الأولى، الطائفية السياسية وآلياتها، كيف تركّبت واستقرّت وتنامت في لبنان؟

عبد الرؤوف سنو: أنا أفضّل أن نبدأ بالطائفية المجتمعية التي كانت موجودة قبل الطائفية السياسية. نحن نعرف أن الطائفية السياسية بدأت تقريباً بعد الاحتلال المصري للبنان عندما تأسّس نظام القائمقاميتين وجرى تقسيم جبل لبنان إلى طائفتين: مارونية ودرزية.

غسان الشامي: أي الطائفية الاجتماعية هي أساس بذور الطائفية السياسية؟

عبد الرؤوف سنو: لا، المجتمعية موجودة في جبل لبنان قبل المصريين بقرون.

غسان الشامي: أي قبل 1840.

عبد الرؤوف سنو: كانت موجودة طائفية مجتمعية. نحن نعرف أن الجبل كان في الأساس جبلاً درزياً.
هجرة الموارنة في القرن الرابع عشر إلى الجبل، ولاحقاً أيام فخر الدين بدعم من الأمير فخر الدين ومن الأمير أحمد صار ينزل موارنة من المنطقة الشمالية ويأتون إلى الجبل ويسكنون بين الدروز وبين الشيعة، على اعتبار أن الأمير فخر الدين كان يتّبع سياسة غير طائفية. حتى إن مستشاريه كانوا من الطائفة المارونية.

غسان الشامي: ما هي الطائفية الاجتماعية؟ على الرغم من أنك تقول إنه مثلاً في فترة فخر الدين لم تُتَّبَع سياسة طائفية.

عبد الرؤوف سنو: نحن نعرف أن في فترة فخر الدين كان الانقسام حزبياً بين القيسية واليمنية؛ هذا الانقسام العربي الذي نعرفه. في القيسية كنا نرى طوائف متعدّدة، أحزاباً متعدّدة تابعة لطوائف، وكذلك في اليمنية.
لكن الطائفية المجتمعية تتمثّل في أن كل طائفة على عقيدتها، كل طائفة على خصوصيتها، على تجاربها التاريخية. في المدن نرى بعض الاختلاط وفي القرى نرى فصلاً تقريباً واضحاً بين القرية الدرزية والقرية المسيحية. على الرغم من هذه الخصوصية كانت ثمة علاقات وظيفية، الاقتصاد يؤدّي دوراً فيها، وعلاقات بروتوكولية وتحالفات سياسية بعيداً عن الطائفية المجتمعية. كان يسير الجبل بهذه الطريقة. ليس هناك تسييس للطائفية باعتبار أن القيسية واليمنية تنضويان تحت كل الطوائف. لكن هذا تغيّر خلال الاحتلال المصري لجبل لبنان، وبعد ذلك بإنشاء...

غسان الشامي: تعتبر أنه مع مجيء حملة إبراهيم باشا بدأ تكريس الطائفية المجتمعية والطائفية السياسية معاً؟

عبد الرؤوف سنو: الطائفية المجتمعية موجودة، لكن الطائفية السياسية عندما حصلت خلافات في لبنان بين 1841 و1845 وأدّت في عام 1843 إلى إنشاء نظام القائمقاميتين لمنع الاشتباكات أو المناوشات بين الدروز والموارنة، لأننا نعرف أنه خلال الاحتلال المصري لجبل لبنان الطائفة الدرزية ضعفت منذ إعدام بشير جنبلاط سنة 1825. بدأ الموارنة يكسبون أكثر، أولاً على الصعيد الاقتصادي، هجرة الدروز إلى حوران، فأراضيهم ابتاعها الموارنة، اشتروا أراضي الدروز. عندما عاد الدروز بعد الاحتلال المصري لجبل لبنان وجدوا كل أملاكهم أصبحت بأيدي الموارنة. بدأت الطائفية تؤدّي دوراً. وثمة نقطة يمكن أن أضيء عليها.

غسان الشامي: تفضّل.

عبد الرؤوف سنو: قبل أن يتوفى الأمير أحمد المعني سنة 1697، ولم يكن له ولد، مَن سيستلم حكم الإمارة؟
هو من الحزب القيسي. فكّر بأن يأتي بآل علم الدين الذين هم من الحزب اليمني ولكن دروز، ينصّبهم على الإمارة. لكن زعماء الدروز فضّلوا الأمير بشير، أمير شهابي، وهو قيسي، على اليمني الدرزي. وحذّرهم الأمير أحمد يومها، قال لهم: هؤلاء الشهابيون سوف يتحوّلون إلى نصارى عندما يحكمون.

غسان الشامي: وهذا ما حصل.

عبد الرؤوف سنو: هذا في عام 1697. لكن هذه إشارات ضعيفة.

غسان الشامي: إذاً، لنذهب إلى الطائفية السياسية بعد هذا، كيف تركّبت واستقرّت آليّاتها؟

عبد الرؤوف سنو: وصل نظام القائمقاميتين إلى طريق مسدود سنة 1858، في الأحداث التي حصلت في الجبل، وبعد ذلك عام 1860، وركب نظام المتصرفية الذي عمل مجلس إدارة في جبل لبنان من 18 عضواً على أن يكون عدد الأعضاء لكل طائفة حسب حجمها الديمغرافي. هنا بدأت الطائفية السياسية تدخل أن كل طائفة تتمثّل حسب عددها. فحصل الموارنة على أربعة أعضاء، بينما حصل الدروز على واحد والشيعة على واحد والسنّة على واحد، على اعتبار أن جبل لبنان 80 بالمئة من سكّانه كانوا مسيحيين و58 بالمئة من المسيحيين كانوا موارنة. فمن هنا ركب النظام الطائفي السياسي في لبنان بشكل رسمي صحيح من الطائفية، لكن إشاراته في نظام القائمقاميتين.

غسان الشامي: هل يمكننا اعتبار أن الطائفية السياسية والمجتمعية سارتا بركب واحد في...؟

عبد الرؤوف سنو: من هنا بدأتا مع بعضهما البعض وتتغذّيان مع بعضهما البعض. لا يمكن أن أرى طائفية سياسية إلّا وأرى طائفية مجتمعية. أنا أقول إن النظام الاجتماعي، الخلافات الاجتماعية التي انفجرت عام 1840 ثم عام 1860 هي التي أفرزت هذا النظام الطائفي. صحيح أن بعض المؤرّخين يقولون إن أوروبا أدّت دوراً والدولة العثمانية أدّت دوراً في الوصول إلى هذا المنحى الخطير في الانقسام الطائفي. هذا صحيح. ولكن المجتمع هو الذي أفرز هذا النظام الطائفي.

غسان الشامي: دستور لبنان عام 1926 أبّد هذه الطائفية. هل يمكن تأبيد حالة؟ ألم يلفتك بحثياً أن هذه الطائفية حالة مغايرة لركب العصر، لتطوّرات العصر؟ كل ما يحصل في العالم هو معكوس الحالة الطائفية، الحالة الإقطاعية. كيف يمكن أن تترسّخ على هذه الصورة؟ هل باتت الطائفية جينية في بنية المجتمع اللبناني؟

عبد الرؤوف سنو: يمكن أن تقول جينية، ولكن هذا الجنين الذي تتكلم عليه كبر. الدستور قال إن الطائفية مؤقّتة. الفرنسيون عملوا على الدستور اللبناني واعتبروا الطائفية حالة مؤقتة. لكن هذا المؤقّت لم ينتهِ، ورأيناه مرة أخرى في اتفاق الطائف: مرحلة مؤقّتة، وهنا مؤقّتة. لماذا نمت؟ لماذا الارتداد إلى الطائفة وخصوصاً بالنسبة للمجتمع وللسياسة؟ إذا أردنا أن نرى مناخ ما بعد الحرب العالمية الأولى، هو عزّز المناخ الطائفي السياسي، اتجاه المسيحيين، الموارنة تحديداً، نحو القومية اللبنانية. تطلُّع المسلمين إلى سورية، إلى الوحدة السورية.
هذه عزّزت الانقسام في لبنان بحيث إنه لمّا الشيخ محمّد الجسر سنة 1932 رشّح نفسه لرئاسة الجمهورية كان هناك امتعاض ماروني. تأييده من قِبل إميل إدّه كان تأييدا تكتيكياً بسبب صراع إميل إدّه مع بشارة الخوري.
ولكن بشكل عام، المسيحيون، والموارنة تحديداً، اعتبروا لبنان الكبير تأسّس من أجلهم. هناك وثائق فرنسية تبيّن أن هذا الكيان الذي تأسّس عام 1920 وأصبح جمهورية سنة 1926 هو تأسّس من أجل الموارنة، على الرغم من أن الفرنسيين منذ الثلاثينات بدأوا يقرّبون الطوائف أكثر. فالإتيان بأورثوذكسي أول رئيس للجمهورية اللبنانية لإعطاء إشارة طمأنة للطوائف غير المارونية بأننا أيضاً نريد كل الطوائف أن تتمثّل في النظام السياسي اللبناني.

غسان الشامي: ذكرت أنت قبل قليل أن الطائفية دائماً برعاية خارجية فقط، هل فعلاً هناك رعاية خارجية للطائفية؟ أو أننا نضع كل أعبائنا على الخارج، كل أحمالنا على الخارج، كل الأخطاء من الخارج؟ أو أن هناك توافقاً، أكان مضمراً أو معلناً، لوجود هذه الطائفية في بنانا الاجتماعية السياسية؟

عبد الرؤوف سنو: في القرن التاسع عشر عندما كانت تحصل تدخّلات أوروبية أو عندما الدولة العثمانية تتدخّل بين الطوائف، كانت العملية على أساس كسْب طائفة على حساب طائفة أخرى. هذا التلاعب بالطوائف هو أمر موجود. الإنكليز تلاعبوا، احتضنوا الطائفة الدرزية، الفرنسيون الطائفة المارونية، الدولة العثمانية: ظلّ المسلم السنّي يتبع الدولة العثمانية. لكن في القرن العشرين أصبح النظام السياسي الطائفي هناك مَن يدعمه من الداخل، أي أن قوى سياسية لبنانية لا تريد أن يتغيّر هذا النظام. لم يكن ثمة طرح عام 1920 للبنان دولة مدنية أو لبنان دولة علمانية، ربما لأن ضمّ لبنان مناطق إسلامية... جبل لبنان كان جبلاً مسيحياً بشكل عام؛ 80 بالمئة.
لكن عندما تأسّس لبنان الكبير وجرى إحصاء سنة 1932 كان الفارق بين المسيحيين والمسلمين فارقاً بسيطاً: اثنان بالمئة أو ثلاثة بالمئة. فالدخول في دولة علمانية ودولة مدنية في ذلك الوقت كان مستبعداً.
ولذلك، المسيحيون الذين اعتبروا أن لبنان بُنِي من أجلهم وهم قاموا بإنجازات كثيرة من أجل هذا الوطن صاروا يدافعون عن هذا النظام الذي تكرّس في الدستور اللبناني وبعد ذلك في الميثاق الوطني حول الصيغة والميثاق، تقاسم السلطة والتعاطي مع الخارج. فصار ثمة أناس يدافعون عن هذا النظام، حتى الزعماء المسلمين كانوا يدافعون عن هذا النظام. ولكن في الستينات والسبعينات دخلت عوامل خارجية غيّرت رأيهم.

غسان الشامي: سنأتي إليها. من غرائب المصادفات أن لبنان الطوائف حطّ في مدينة الطائف ووُقّع هناك اتفاق الطائف. لاحظ القرب.

عبد الرؤوف سنو: العنوان هذا اخترته.

غسان الشامي: هذا الاتفاق أوقف حرباً أهلية. هذا الاتفاق منذ أكثر من ربع قرن. هل اتفاق الطائف قائم وصامد؟ أو أنه مترنّح؟

عبد الرؤوف سنو: أنا أريد أن أقول: ماذا بقي من اتفاق الطائف لمّا كان هناك احتلال سوري للبنان؟
سوريا كدولة وصيّة على لبنان لم تعمل على تطبيق اتفاق الطائف.

غسان الشامي: سنأتي إلى هذا. ولكن، هل هو اتفاق يحمل في طيّاته بذور الديمومة في تركيبة لبنان الطائفية الاجتماعية السياسية؟

عبد الرؤوف سنو: برأيي هو اتفاق لإخراج لبنان من صفة الحرب إلى صفة حالة السلم فقط، ليس أكثر من ذلك؛ لأنه أبقى على التناقضات. ظلّت تناقضات الطائفية. مشروع الطائف تضمّن إلغاء الطائفية السياسية. هذا لم يبحثه أحد. الطائف حدّد المحافظات دائرة كبيرة للانتخابات النيابية، هذا كله تغيّر. القوانين التي عُملت، التجنيس والإعلام وكذا، لم يبقَ شيء من الطائف بتاتاً. الطائف نُفّذ بشكل استنسابي لمصلحة سوريا وحلفائها في لبنان.

غسان الشامي: وبعد خروج سوريا وحلفائها من لبنان؟

عبد الرؤوف سنو: لا نزال على حالنا. اليوم نعمل قانون انتخاب. لم نستطع أن نعمل قانوناً سنة 2009 فأحضرنا قانوناً من سنة 1960. هذه واضحة. نحن لم نتمكّن من أن نخرج من الحالة الطائفية إلى حالة شبه دولة مدنية أو دولة علمانية. لم نتمكّن من الخروج.

غسان الشامي: الميثاق الوطني، ما يلفت، وهذا جزء منه في كتابك، صمد ثلاثة عقود. ميثاق الطائف قريباً سيصبح عمره ثلاثة عقود. هل من فروق بين الميثاق والاتفاق؟

عبد الرؤوف سنو: لدينا الصيغة ولدينا الميثاق. الميثاق تعاطى أكثر بالسياسة الخارجية للبنان: تحييد لبنان عن الصراعات، ألّا يتطلّع المسلم إلى الوحدة العربية وألّا يتطلّع المسيحي إلى الغرب لطلب المساعدة، وكذا.
لكن الصيغة التي هي تقاسم السلطة.. نحن إذا نظرنا إلى دولة الاستقلال، رئيس الجمهورية كان يتمتّع بصلاحيات ضخمة جداً: هو يستطيع أن يحلّ مجلس النواب، هو يستطيع أن يقيل رئيس الوزارة، هو يمسك بالسلطة العسكرية، والكثير من الصلاحيات. لكن في اتفاق الطائف رئيس الجمهورية جُرّد كثيراً من صلاحياته.
أصبح منصبه تمثيلياً أكثر منه تنفيذياً على الأرض. وهذا بوضوح يظهر أنه يحضر جلسات مجلس الوزراء ولكنه لا يصوّت وهو لا يتدخّل، ومجلس الوزراء يرسل المراسيم إليه فإذا لم يوقّعها خلال 15 يوماً يفرض مجلس الوزراء على رئيس الجمهورية المراسيم والقوانين التي يريدها. فالميثاق هو عصر المارونية السياسية بالنسبة لرئاسة الجمهورية، لكن اتفاق الطائف جرّد المسيحيين من... صحيح أنه أعطاهم المناصفة، ولكن تبيّن لاحقاً أنها مناصفة وهمية. ولكن اتفاق الطائف جرّد المسيحيين ورئيس الجمهورية من كثير من الامتيازات التي كان حصل عليها في الميثاق الوطني.

غسان الشامي: هذا النظام منذ 1920 حتى اليوم، إذا أخذنا فقط منذ 1920، يقترب من القرن. لبنان الكبير يقترب من القرن. حكمه متطيّفون سياسيون، أبناؤهم وأحفادهم. وأنت تطالب بالدولة المدنية. هل هؤلاء يقبلون بالدولة المدنية؟

عبد الرؤوف سنو: لا، بالتأكيد لن يقبلوا. أنا حين اقترحت دولة مدنية، البعض قال لي: هل أنت تحلم؟ مَن سيطبّق دولة مدنية؟ وأنا وضعت في الداخل: أول بند للتطبيق أن يكون خياراً لبنانياً، نابعاً من القوى اللبنانية. هل كل اللبنانيين اليوم متّفقون على دولة مدنية؟ بالتأكيد لا. لدينا مشكلات اليوم تجاوزت. أنا أقول: قبل أن نتكلم بدولة مدنية فلنحافظ اليوم، بعد أن كتبت هذا الكتاب في عام 2014، فلنحافظ قليلاً على هذا الكيان المهترئ والذي ظلّ. ما بقي من الدولة اللبنانية، قبل أن أتكلم بدولة مدنية.

غسان الشامي: سنعود في القسم الثاني أيضاً لنتكلم في جزء قليل على الدولة المدنية. سنذهب إلى فاصل إذا سمحت.

أعزائي، فاصل ونعود إلى الحوار مع الدكتور عبد الرؤوف سنّو. انتظرونا.

 

المحور الثاني

 

غسان الشامي: تحية لكم من "أجراس المشرق". نقدّم لكم تقريراً عن اتفاق الطائف، ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور عبد الرؤوف سنّو.

 

التقرير

 

اتفاق الطائف هو اسم وثيقة الوفاق الوطني اللبناني التي أُقِرّت في مدينة الطائف السعودية في الثلاثين من أيلول عام 1989 برعاية إقليمية ودولية، أنهت الحرب اللبنانية بعد 15 عاماً على اندلاعها. وتضمّنت إقرار هويّة لبنان ونظامه السياسي وإصلاحات إدارية واجتماعية واقتصادية.

الاتفاق يتمحور حول أربع مواد هي:

أولاً: المبادئ العامة والإصلاحات: تضمّنت تأكيد استقلال لبنان وهويّته العربية وأنه دولة جمهورية برلمانية ديمقراطية، وتوزيع مقاعد مجلس النواب مناصفةً بين المسلمين والمسيحيين، وصلاحيات رؤساء الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب، وإلغاء الطائفية السياسية، وإصلاحات في الإدارة والقضاء وقانون الانتخابات النيابية والتربية والتعليم والإعلام.

ثانياً: بسط كل سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية وحلّ الميليشيات وتعزيز قوى الأمن الداخلي والقوّات المسلّحة وحلّ مشكلة المهجّرين.

ثالثاً: تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 425.

رابعاً: تأكيد العلاقات المميّزة التي تجمع لبنان وسوريا وألّا يُسمح بأن يكون ممرّاً أو مركزاً لاستهداف الأمن السوري، وحرص سوريا على أمن لبنان واستقراره.

وعلى الرغم من مرور 27 عاماً على إقرار الاتفاق، لم يُطبَّق العديد من بنوده، فيما شاب ما طُبّق منها الكثير من الثغرات.

 

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدداً.

دكتور سنّو، الخارج أوجد الطائف. الخارج فرض اتفاق الطائف. هل بإمكان لبنان النأي بنفسه عن الخارج؟

عبد الرؤوف سنو: أريد أن أقول أمراً إنصافاً للحقيقة: ليس كل الطائف أتى من الخارج. نحن نرى أنه بين 1976 و1988 عُملت عدة أوراق داخلية لحلّ الأزمة اللبنانية، أخذوا بها وذهبوا بها إلى الطائف. ولكن بالدعم الخارجي السعودي والأميركي فُرض اتفاق الطائف وخصوصاً بالنسبة لتموضع القوّات السورية. كانت القوى اللبنانية الممثّلة في الطائف تريد أن تُبحث قضية الوجود السوري أولاً، ولكن تركوا الوجود السوري إلى الأخير بعدما حلّوا قضايا لبنانية. وبعد ذلك تم الاتفاق بضغط خارجي. أثبت لبنان أنه لا يستطيع أن يحلّ مشكلاته وحده؛ أولاً لأن الدول الخارجية تتلاعب بلبنان. انظر تاريخ لبنان منذ 1920: ولادة دولة لبنان الكبير ليست ولادة أنتجها الشعب اللبناني؛ ولادة لأن فرنسا انتصرت في الحرب العالمية الأولى، عملت انتداباً على لبنان، خلقت لبنان الكبير والجمهورية. المسلمون انفتحوا على سوريا. سوريا كانت تتدخّل ... في الثلاثينات. لغاية 1930، المعاهدة السورية الفرنسية، نرى أن المسلمين كانوا لا يزالون يعوّلون على الوحدة مع سوريا. بعد المعاهدة اعترفت تقريباً سوريا باستقلال لبنان، انسحبت...، وأتت الثورة المصرية، تطلّع المسلمون نحو عبد الناصر، أفل نجم...

غسان الشامي: صار عبد الحميد غالب...

عبد الرؤوف سنو: السفير المصري هنا. أفل نجم عبد الناصر. أتت المقاومة الفلسطينية عام 1967 بعد الهزيمة بديلاً. تطلّع إليها المسيحيون. على أبواب الحرب، لمّا اندلعت الحرب، المسيحيون وجدوا أن ما أنجزوه في لبنان وما حقّقوه من امتيازات وإنجازات عظيمة جداً هو في خطر. فأيضاً تطلّعوا نحو إسرائيل أولاً، ولكن إسرائيل سنة 1975 لم يكن يهمّها أن تتدخّل في الأزمة اللبنانية. تطلّعوا نحو سوريا. سوريا كانت لها مصالح في لبنان، أن يكون لبنان تابعاً لها في ظل الصراع العربي الإسرائيلي بعد الحرب سنة 1967، وأن تكون لحافظ الأسد كلمة في ملف الشرق الأوسط من خلال الإمساك بالفلسطينيين ومن خلال الإمساك بلبنان.

غسان الشامي: أي دائماً هناك خارج.

عبد الرؤوف سنو: دائماً هناك خارج.

غسان الشامي: وقبل 1920 أيضاً كانت هناك امتيازات لدول خارجية لدى الطوائف.

عبد الرؤوف سنو: الامتيازات العثمانية هي مسألة قديمة جداً تعود إلى القرن السادس عشر.

غسان الشامي: والنمساوية والإنكليزية والفرنسية.

عبد الرؤوف سنو: كل دولة كانت لها امتيازات. كل دولة قوية على الدولة العثمانية كانت تحصل على امتيازات. وما أن تحصل دولة أجنبية على امتيازات معيّنة حتى تأتي دولة أجنبية أخرى وتفرض على الدولة العثمانية أن تعطيها الامتيازات نفسها. لكن أقوى دولة حصلت على امتيازات وأساس الامتيازات، على الأقل في الدولة العثمانية لأن ثمة امتيازات في أيام الدولة المملوكية، هي فرنسا منذ عام 1530 أو 1536، أول معاهدة امتيازات.

غسان الشامي: التكوين اللبناني، يتّضح من قراءة السياق العام وما أوردته في كتابك، هو من الثنائيات، وقد ذكرتها في المحور الأول: المارونية والدرزية السياسية، وصولاً إلى السنّيّة والشيعية السياسية، إلى مؤخراً مفهوم المناصفة المسيحية الإسلامية. كيف إذاً ضمن مفهوم الثنائيات يمكن للبنان أن يكون ولّاداً لسلام دائم بمنأى عن القلاقل إذا صار هناك تضارب مصالح طوائفية ضمن الثنائيات أو الثلاثيات؟

عبد الرؤوف سنو: هذه الثنائية التي تتحدّث عنها هي ثنائية طائفية. وأية ثنائية تُبنى على الطائفية أو أي شيء يُبنى على الطائفية لا بد من أن يصطدم بجدار المصالح الطائفية لكل فريق. وهذا تاريخ لبنان، وهذه الديمقراطية التوافقية: consensual democracy. فهو ميزان، إذا طائفة أخذت أعلى بقليل، أكثر بقليل، يختلّ التوازن. كيف لمّا كانت عندنا الترويكا: الشيعي والسنّي والماروني يسيرون معاً؟ هكذا يجب أن تسير العلاقات بين الطوائف على أساس المصالح التي يأخذها كل واحد. أنا أشكّ في الثنائية الطائفية، أنا أفضّل دولة مدنية على الثنائية الطائفية لأن الدولة المدنية هي ضمان لبنان المستقبل، بينما الثنائية الطائفية، ربما تدخّل خارجي.
نحن اليوم ضمن الثنائية الشيعية السنّية لدينا مشكلات، وليس فقط المسيحية الإسلامية. فلدينا ضمن الطائفة الواحدة مشكلات وخصوصاً أن الخارج يتدخّل في هذه.

غسان الشامي: أو نحن نستجلب تدخّل الخارج. للإنصاف: الخارج يتدخّل، ونحن نستجلب التدخّل.

عبد الرؤوف سنو: أنا كتبتها: في البداية كنا نتطلّع إلى الخارج ليدعم أية طائفة من الطوائف. اليوم نحن أدوات للخارج، للأسف، يحرّكنا الخارج مثلما يريد هو. انظر إلى مصالح الدول اليوم، من إيران إلى السعودية إلى كذا تجد أن كل طائفة لديها مرجعيتها بحيث ليس لدينا قرار لبناني وطني. هذه هي المشكلة. ولذلك أنا ضدّ الثنائية.
أنا أريد دولة مدنية تقوم على المساواة والعدالة والديمقراطية وأن يكون كل شخص، كل أبناء الطوائف تابعين لدولة، مواطنين.

غسان الشامي: عنونت الفصل الأول من كتابك، لافت هذا العنوان: "لبنان: الطريق المسدود إلى الدولة الحديثة". صفة المسدود قطعت الدرب على ثغرات يمكن أن تُفتح في هذا الدرب. لماذا هذا الانسداد؟ وإذا أردنا أن ننشئ دولة حديثة في لبنان، كيف يمكن أن ننشئها؟

عبد الرؤوف سنو: لا يمكن أن تنشأ دولة حديثة في لبنان طالما هناك نظام طائفي. الدولة الحديثة لا تقوم على الطائفية، بل تقوم على علاقات الدولة بمواطنيها القائمة على المساواة والديمقراطية. أنا رأيت أن هذا النظام الطائفي لن يؤدّي إلى الوصول إلى الدولة الحديثة. كيف تصل بدولة طائفية إلى دولة حديثة قائمة على الديمقراطية؟ أين هي الديمقراطية؟ نحن نتغنّى بالديمقراطية التوافقية.

غسان الشامي: ما الديمقراطية التوافقية؟ هل يوجد تعبير في أنظمة العالم إلّا في لبنان هو ديمقراطية توافقية؟ على ماذا يتوافقون؟ أليس تقاسم مصالح؟

عبد الرؤوف سنو: الديمقراطية التوافقية تنشأ في المجتمعات المركّبة التعددية: ديني أو عرقي أو لغوي أو هذه الأمور كلها، بحيث لا تتفوّق طائفة على أخرى ولا تُتّخَذ قرارات من الأكثرية ضد مصلحة الأقلية، وألّا تخرّب الأقلية المصلحة العامة. لكن في لبنان رأينا أنه "ما مشي الحال". الديمقراطية التوافقية تؤدّي بك إلى: إمّا أن تسير الأمور معاً أو لا تسير فتحصل انقسامات، أو يذهب أحد إلى الفدرلة والفدرالية تؤدي إلى التقسيم.

غسان الشامي: دائماً هناك كلام فدرلي، يظهر مَن يحب الكلمة.

عبد الرؤوف سنو: النائب سامي الجميّل لديه موقع "لبناننا"، يدعو... لا أعرف. ثمة دول وجدت في الفدرالية حلّاً. أميركا نظام فدرالي، ألمانيا دولة فدرالية. ولكن الفدرالية تحتاج إلى ثقافة، ثقافة الاعتراف بالآخر وثقافة العيش إلى جانبه؛ لأننا في الفدرالية سنعيش معاً جنباً إلى جنب. في الفدرالية ثمة مسألتان أساسيتان هما:
السياسة الدفاعية والسياسة الخارجية. هذه موحّدة لكل الدولة.

غسان الشامي: وثمة هوية واحدة أيضاً.

عبد الرؤوف سنو: نعم، لكن نحن على ماذا نختلف في لبنان؟ انسَ الهوية. نختلف على السياسة الدفاعية ونختلف على السياسة الخارجية. كيف أعمل دولة موحّدة إذا كنت مختلفاً على هذه؟

غسان الشامي: إذاً الديمقراطية التقاسمية هذه إلى حدّ ما.

عبد الرؤوف سنو: التقاسمية نعم، التقاسمية.

غسان الشامي: مقولة العيش المشترك، هذه مقولة طبلت آذان اللبنانيين بعد الطائف: العيش المشترك.
أغنية وسائرة. على ماذا تقوم؟ ما العيش المشترك؟

عبد الرؤوف سنو: أنا عملت محاضرة في معهد غوته لمّا أتيت عام 2000 من ألمانيا. هم صاروا يقولون: العيش المشترك والعيش الواحد. أنا كنت أقول: التعايش coexistance، ليس العيش المشترك بل التعايش. وهذا يحمل احتمالين: احتمال النزاع واحتمال الوفاق، حسب مصالح الطوائف وماذا تتأثر. العيش المشترك أعتقد أنه أكبر منا بكثير. واليوم التعايش بين الطوائف أيضاً هذا أكثر علينا. بعد أن وصلت الأمور بيننا إلى أن نختلف على التعيينات ونختلف على النفايات أين نوجِد لها مطامر ونختلف على كل شيء، على الكهرباء: هل نحضر سفينة وأين نوقف السفينة، فهذا ليس عيشاً مشتركاً بل أقل من العيش المشترك، للأسف.

غسان الشامي: أي تعايش بالحد الأدنى؟

عبد الرؤوف سنو: أقل من تعايش، بالحد الأدنى.

غسان الشامي: بالحد الأدنى.

عبد الرؤوف سنو: سألت سؤالاً وجيهاً جداً: أننا بقينا 30 سنة حتى أنهينا الميثاق. انتهى الميثاق. والآن ستصبح لنا 30 سنة. ألا تلاحظ أن اتفاق الطائف في نهاياته؟ أنا أشعر بأن اتفاق الطائف في نهاياته.

غسان الشامي: تطبيقياً.

عبد الرؤوف سنو: هناك دعوات للمثالثة. أنت تعرف. الثلث الضامن الذي طُبّق في عام 2008 لغاية مجيء حكومة نجيب ميقاتي أيضاً كان مخالفاً للدستور. ثمة أمور تُريك أن الطائف وصل إلى طريق مسدود. لماذا أخفق الميثاق الوطني؟ لأننا لم نعمل آليات. اليوم المسيحيون اثنان أو ثلاثة بالمئة أكثر من المسلمين، لربما صار المسلمون ثلاثة أرباع، ماذا نفعل؟ هذا لم يُجِب عنه الميثاق الوطني. اليوم ثمة خلافات كثيرة حول الطائف لا يجيب عنها الميثاق. اليوم عملنا نظاماً انتخابياً جديداً بـ15 دائرة، كنا 26 دائرة في عام 2009، اليوم 15 دائرة. أنا أريد أن أسألك: هل هذا قانون نسبي؟ هذا ليس قانوناً نسبياً.

غسان الشامي: أنا مَن يجب أن يسألك، لأنني أريد أن أبحث في هذا الموضوع من منطلقه الأكاديمي والفكري. قانون نسبي في بلد مكاسب وتقسيمات طائفية، كيف يمكن أن يكون على المعيار الدستوري؟ كيف يمكن أن يُقرأ؟ أي صوغ له؟

عبد الرؤوف سنو: أنا لا يمكنني أن أجيبك عن المعايير الدستورية. هذا ليس اختصاصي. لكن أولًا القانون يجب أن يرضي جميع الفرقاء. القانون يجب أن يُنتج مجلساً نيابياً جديداً. الآن هناك كثير من التوقّعات. وزير الخارجية جبران باسيل سعيد جداً، يقول: وصلنا إلى 54 ينتخبهم المسيحيون. أنا أرى أن هذا معيب جداً لدولة لبنانية أن كل واحد يفتّش عن أن طائفته ماذا تنتخب. تعرف المشروع الأورثوذكسي أن كل واحد ينتخب ذاته. لا، لبنان لن يصبح دولة حديثة ما لم يصبح دائرة واحدة والناس ينتخبون مَن يريدون من أي مكان. أيضاً النظام النسبي لا يقضي على المستقلين. ألمانيا، قلت لك على الهاتف: 50 بالمئة نظام أحزاب، و50 بالمئة مستقلون. نحن هنا عملنا قانوناً وبدأنا ننقل مقاعد من هنا ونضع مقاعد على اليمين وننقلها إلى اليسار، على التركيبة اللبنانية كما يقولون، عملنا نظاماً نسبياً.

غسان الشامي: هل يمكن لهذا اللبنان الذي نتغنّى بجماله، بصغر حجمه، ونقول دائماً إنه مختبر للتعايش، مع كل هذه المشكلات طيلة قرنين؛ إذا أخذنا معك من 1821، على أبواب قرنين، أن يبقى بعيداً عن مشكلات الإقليم، أن يبقى بعيداً عن المحاور الدولية، أن يبقى بعيداً عن كل ما يعتور الخارج في الخارج وفي داخل لبنان؟ كيف؟

عبد الرؤوف سنو: لبنان ليس جزيرة. لبنان يعيش في محيط جيوسياسي موجودة فيه قوى أكبر منه: إسرائيل، سوريا، اليوم إيران، الولايات المتحدة، الدول كلها. لكن مشكلتنا أننا لسنا محصّنين ضد الخارج. قلت قبل قليل إنه ليست لدينا الهوية الوطنية. لدينا الهوية الطائفية. الطائفة تنظر إلى مصالحها. إذا إيران تفيدني أنا أتعاون مع إيران. إذا السعودية تفيدني أنا أسير مع السعودية. يجب أن يكون هناك حسّ وطني ومصالح وطنية.
للأسف، القوى السياسية اليوم الموجودة في لبنان لا تلاحق ولا تعتبر أي شيء للمصالح الوطنية. هذه مشكلة كبيرة في لبنان.

غسان الشامي: أفرز الطائف مصطلح غرائبي حقيقةً، وأنت ذكرته قبل قليل، أننا نتوافق. أولاً هل هذا المصطلح علمي؟ أو أنه علمي وطُبّق استنسابياً في الواقع اللبناني؟

عبد الرؤوف سنو: ما هو؟

غسان الشامي: مصطلح الديمقراطية التوافقية.

عبد الرؤوف سنو: لا لا، مصطلح علمي، وهناك دول تأخذ بهذا النظام. دول، قلت لك ليس فقط على أساس أنها دولة طائفية، حيث هناك أقليات عرقية وكذا.

غسان الشامي: أنت قلت إنه موجود في أميركا، موجود في كذا. ولكن هنا هل طُبّق استنسابياً؟

عبد الرؤوف سنو: بالنسبة للبنان، حلَّ مشكلة، ظلّت الديمقراطية التوافقية لغاية حرب لبنان سنة 1975.
صحيح في عام 1958 تضعضعت قليلاً، ولكن ما أن حصل التوافق المصري الأميركي سنة 1958 بعد انتهاء الحرب اللبنانية القصيرة المدى حتى "ضبط" لبنان. نحن نحتاج فعلاً إذا أردنا ديمقراطية توافقية، لكن وضعنا، الطائفية السياسية والضغط الخارجي والثقافة الداخلية، نحن ليست لدينا ثقافة وطنية. أذهب إلى المدرسة أتعلّم في مدرسة طائفية. أذهب لأتوظّف على أساس طائفي. الأحزاب طائفية. النوادي طائفية. النقابات طائفية.

غسان الشامي: هناك أحزاب غير طائفية.

عبد الرؤوف سنو: هذه الديمقراطية التوافقية أبقت على التناقضات، ولكن عملت توازناً. ولكن هذا التوازن لا يظلّ. البارحة في زحلة تظاهرت القوّات اللبنانية والتيار الوطني الحر لأن مدير الجامعة اللبنانية عيّن سنّيّاً على فرع الجامعة في زحلة محل مسيحي. هذه عملت خللا ًمن وجهة نظر مَن تظاهروا. وأنا لا أعرف معطيات هذا. لكن أنا أقول إن الديمقراطية الحقيقية هي الديمقراطية التي تنقذ لبنان. ولكن للوصول إلى الديمقراطية نحتاج إلى بناء الإنسان، إلى التعليم الديمقراطي، إلى المؤسسات الديمقراطية. لكن حتى السياسيين عندنا ليسوا ديمقراطيين، هم لديهم مصالح، أصحاب مصالح. كان عندنا إقطاع سياسي قبل حرب لبنان. اليوم عندنا إقطاع سياسي جديد من الميليشيات التي خلعت بزّاتها ودخلت إلى الحكم. وأنت تعرفها كلها.

غسان الشامي: نعم. درج أيضاً مصطلح علكته للأسف جميع الأطراف، برأيي حتى امتصاص آخر قطرة سكّر منه، يدعى الميثاقية. كلّما دقّ الكوز السياسي بجرّة المصلحة رفعنا لواء الميثاقية. هل الميثاقية تتّكئ على الميثاق اللبناني الأول، أو على اتفاق الطائف؟ يجب أن نقول للناس أيضاً، أتمنّى عليك أن تشرح ما هي الميثاقية، وكيف يمكن أن تُترجَم سياسياً واجتماعياً.

عبد الرؤوف سنو: دائماً ثمة لخبطة كبيرة. ذهبت وحضرت ندوة في إحدى المرات. وجدت شخصاً كتب: العودة إلى الميثاق الوطني. رجل دين كتب كتاباً، ليس تحديداً بل بمعناه. فسألته: ماذا تقصد أنت؟ قال لي: أنا أقصد الميثاق الأول. اليوم فترة الخلاف التي حصلت منذ سنتين حتى الآن، حزب التيار الوطني الحر استعمل مصطلح الميثاقية. حزب الله لمّا خرج من الحكومة هو وحركة أمل في تشرين الأول 2006 استند إلى مقدمة الدستور اللبناني: لا سلطة في لبنان تخالف سلطة العيش المشترك. إذاً هذه الميثاقية أن كل واحد يأخذ بعين الاعتبار مصالح الآخر، لا أحد يتقدّم على الآخر، لا أحد يأخذ حقوق الآخر، ولكن من منظار طائفي، بالتأكيد من منظار طائفي.

غسان الشامي: سؤالي الأخير، وبأقلّ قدر من الوقت: في آخر فصل من كتابك استنتاج: تطالب بدولة ديمقراطية مدنية، وسمّيتها قابلة للحياة، وبالعدالة الاجتماعية. هل من دولة مدنية وعدالة اجتماعية من منطلق حقوق الطوائف؟

عبد الرؤوف سنو: لا، من منطلق حقوق المواطن. الدولة المدنية لا تتعاطى بتاتاً مع الطوائف. تترك كل واحد يفعل ما يريد، يعبد كما يريد، ولكن بنظرها هو مواطن مساوٍ للمواطن الآخر.

غسان الشامي: هل من أمل لديك أنه يمكن للجيل الآتي أن ينعم بدولة مدنية في هذه البلاد؟

عبد الرؤوف سنو: إذا سألتني منذ سنتين كان يمكن. لكن اليوم إذا سألتني فليس لديّ أيّ أمل، للأسف.

غسان الشامي: أنا آسف أن ننهي الحلقة على صورة رمادية أو ضبابية. شكراً لك.

أعزائي، في إحدى فرضيات كتاب الدكتور سنّو، جاء أن لبنان لا يستطيع الانتقال إلى مصافي الدول الحديثة في ظلّ نظام طائفي يفرّق ولا يجمع، وطائفية مجتمعية تتغذّى منه أو يتغذّى منها.

شكراً للدكتور عبد الرؤوف سنّو على حضوره في "أجراس المشرق"، وللزملاء في البرنامج وقناة الميادين على جهدهم في قرع هذه الأجراس.
شكراً لجميع مَن تابعنا.

وسلام عليكم وسلام لكم.