من الداخل

برنامج حواري اجتماعي- سياسي أسبوعي يهدِف إلى كشف ومناقشة قضايا ساخنة وشائكة، أو استضافة شخصيات مثيرة للجدل، من خارج العالم العربي.

خنق الحريات الأكاديمية في أميركا إلى متى؟

ستيفين سلايطة - خبير في الدراسات الامريكية الهندية ، آخر ضحايا إستهداف الحريات الأكاديمية كيف يصف الظلم الذي لحق به؟ وماذا يقول في أكبر إعدام جماعي ضدّ الأميركيين الأصليين على الأرض الأميركية؟

زينب الصفار: السلام عليكم ورحمة الله. مبادئ حرية التعبير والحرية الأكاديمية كلها باتت اليوم تحت مقصل اللوبي الإسرائيلي المسيطر بنفوذه في الولايات المتحدة الأميركية  بجميع مرافقها. الموت البطيء للحرية الأكاديمية في جامعة "إلينوي" من الداخل. معكم زينب الصفار، تابعونا.

 

التقرير

يحظر على الكونغرس الأميركي تشريع أي قانون يؤدي إلى تعطيل حرية الكلام أو النشر الصحافي أو حق الناس في إقامة تجمعات سلمية. هذا هو التعديل الأول من وثيقة الحقوق التي تجمع التعديلات العشرة الأولى لدستور الولايات المتحدة الأميركية. اقترح الكونغرس وثيقة الحقوق هذه في 25 أيلول / سبتمبر عام 1771، وأقرّت في 15 كانون الأول / ديسمبر عام 1791 بمصادقة الهيئات التشريعية لمختلف الولايات وفقاً للمادة الخامسة من الدستور الأساسي. تحدّد التعديلات العشرة الأولى للدستور الأميركي الحقوق والامتيازات والحريات التي لا بد للحكومة الفدرالية من أن تحترمها، بيد أنه على الرغم من هذه الوثيقة الواضحة والتي صيغت تعديلاتها بهدف حماية الحريات الفردية، ظلت الحريات الأكاديمية وحرية التعبير في أميركا مذّاك تتلقى طعنة تلو أخرى. في الأمس القريب انتشرت أنباء عن هجمات على الحريات الأكاديمية. كثير منها بحسب المراقبين بسبب جهود عدائية قام بها أفراد ومنظمات من أجل إسكات أولئك الأكاديميين الذين يعتبرونهم أعداء لإسرائيل. هذه الحال لترهيب الأكاديميين الذين ينتقدون إسرائيل ليست بجديدة، إذ إن منظمة تطلق على نفسها إسم "آمتشا" وتزعم أنها تعمل لحماية الطلاب اليهود، وضعت قائمة بأسماء أكثر من 200 استاذ جامعي يؤيّدون مقاطعة إسرائيل، اعتبرتهم معادين للسامية، وطلبت من الطلاب اليهود الامتناع عن حضور فصولهم الدراسية. في عام 2002 أسّس المؤلّف الأميركي دانييل بايبس منظمة باسم Campus Watch أي "مراقب الحرم الجامعي" ونشر عبر موقعها على الأنترنت أسماء أكاديميين معظمهم يعملون في مجال دراسات الشرق الأوسط، اتهمهم بأنهم مدافعون عن التفجيرات الانتحارية والإسلام الجهادي، وشجع بايبس الطلاب المؤيدين لإسرائيل أن يتعقبوا مثل هؤلاء الأساتذة ويجعلوهم يدركون أنهم تحت المراقبة. الباحث الأميركي من أصول عربية والخبير في الدراسات الأميركية الهندية البروفيسور ستيفن سالايتا هو آخر ضحايا استهداف الحريات الأكاديمية وخنقها. كيف يصف الظلم الذي لحق به جراء تغريدات خلال العدوان الإسرائيلي على غزّة في الصيف الماضي، وأدّت إلى خسارته وظيفته في جامعة "إيلينوي"؟ وما الدافع لكل تلك المعاملة غير المهنية؟ وهل بات من المتعذّر اليوم أن نفصل بين التعبير عن آراء شخصية في شبكات التواصل الاجتماعي وبين التصريحات العامة والرسمية؟ وماذا يقول في أكبر إعدام جماعي أمرت به الحكومة الأميركية ضد 38 من الأميركيين الأصليين عام 1862؟

 

زينب الصفار: الباحث العربي الأميركي والأستاذ في الدراسات الهندية الأميركية من واشنطن العاصمة، دكتور ستيفن سالايتا، أهلاً بك في برنامج من الداخل.

 

ستيفن سالايتا: أشكر لكم استضافتي.

 

زينب الصفار: على الرحب والسعة. عملك في المقام الأول يتركّز على الدراسات الخاصة بالسكان الأصليين، وقد عرضت عليك وظيفة مثبة بصفتك أستاذاً في الدراسات الهندية الأميركية في جامعة "إيلينوي" في "أربانا شامبين"، غير أنه في الخريف الماضي ألغت الجامعة العرض. منشورك هاجمه سياسيون مناصرون لإسرائيل وضغطوا على كلية "بروكلين" لإلغاء محاضراتك المقرّرة في 22 تشرين الثاني / نوفمبر في الكلية. إنك عاطل من العمل ومن دون تأمين صحي، إلام ترجع كل هذا؟ ما الذي يجري؟ ولماذا كل هذا؟

 

ستيفن سالايتا: الأمر عموماً متعلق بانتقادي إسرائيل على مهاجمتها غزّة في عملية الجرف الصامد الصيف الماضي، فقد انتقدت بشدة الحكومة الإسرائيلية، وانتقدت بشدة قتلها الكثير من المدنيين الفلسطينيين وتدميرها المدارس والمشافي. انتقدت جرائم الحرب التي ارتكبتها عموماً، وقد لفت هذا انتباه بعض من في الجناح اليميني وبعض الجماعات المؤيّدة لإسرائيل الذين ضغطوا على جامعة إيلينوي لتفسخ عقدي ولتلغي منصبي المثبت في الجامعة، علماً أنه وفي المؤسسات الأكاديمية للولايات المتحدة، فإن المنصب المثبت يعدّ منصباً مضموناً، والقيام بهذا الأمر يعد انتهاكا لكل معايير الحرية الأكاديمية ولا سيما حرية التعبير في الولايات المتحدة، ولكنهم مع ذلك نفّذوه منتهكين المادة الأولى من قانون الجامعات. ما جرى في جامعة إيلينوي هو أن مانحين خارجيين مؤيّدين لإسرائيل قالوا للجامعة إنهم سيتوقّفون عن منح الجامعة مساهماتهم إذا استمريت في منصبي. لذا طردت مع حملة تشهير. الآن بعد أكثر من أربعة أشهر، ما زلت عاطلاً من العمل.

 

زينب الصفار: هل حاولت العودة إلى جامعة فرجينيا التقنية، أم تسعى وراء القيام بأي عمل في محاولة منك للعودة إلى جامعة إيلينوي؟

 

ستيفن سالايتا: هدفي يكمن في أن أعود إلى جامعة إيلينوي التي سبق وأن وقّعت عقداً معها. لقد سبق وأن وقّعت استقالتي من منصب مثبت في قسم اللغة الإنكليزية في جامعة فرجينيا التقنية، لذا فإن هذه العملية قد حلّت، وبالطبع فإن العقد الذي عرض عليّ في جامعة إيلينوي هو ما حثّني على الاستقالة من جامعة فرجينيا التقنية في المقام الأول. لذا أنا آمل أن أنضم إلى زملائي في برنامج الدراسات الهندية الأميركية في جامعة إيلينوي.

 

زينب الصفار: منتقدوك في الواقع صوّروك على أنك شخص غاضب وعنيف وغير جدير ومعادٍ للسامية، ولا تمتلك الحق في أن تكون في قاعة جامعية، وهذا رد على انتقادك الحرب العدوانية الإسرائيلية على غزّة. رئيس جامعة إيلينوي "روبرت إيستر" كذلك قال: "نؤمن بأن على صفوفنا أن تكون مكاناً تطرح فيه الآراء بصرف النظر على أصولها أو منظورها، وينبغي أن تطرح بحرية من دون أن يشعر الطلاب بالترهيب أو بعدم القدرة على التعبير عن آرائهم وهذا ما حثنا على اتخاذ هذا القرار. هل هذه هي الحال فعلاً أم هناك أمر وراء كل هذا؟ أعني ما العوامل التي أدّت فعلياً إلى طردك؟ 

 

ستيفن سالايتا: ليست هذه هي الحال. الجامعة تحاول أن تبدو أكثر إنسانية مما هي عليه واقعاً. حقيقة الأمر هي أن الجامعة لا تأبه لراحة ولا لأمان الطلاب الفلسطينيين والعرب والمسلمين في صفوفها، وحقيقة الأمر هي أن لديّ تاريخاً طويلاً في التدريس بجامعات الولايات المتحدة ولم يسبق أن تلقيت هذا النوع من الشكاوى ضدي، لذا فإن هناك اختلافاً للأمور واختلافاً للافتراضات، وكذلك فإن وصفي بالمتعطش إلى الدماء والمعادي للسامية والعنيف وما إلى هنالك هي اتهامات شائعة تلفّق لأي شخص في الولايات المتحدة يجرؤ على انتقاد إسرائيل، وهذا أمر ينطبق خصوصاً على النقاد ذوي الأصول الشرق أوسطية أو الإسلامية، بحيث يعدّ انتقاد إسرائيل من أعمال العنف، ولهذا السبب فإننا نتحمّل عبء تلك الصوَر النمطية، لكنني لم أرتكب أي عنف في حياتي، ولست ممن يقلّل احترام الآخرين. أنا ناقد لإسرائيل، وفي كثير من الأوساط الاجتماعية في الولايات المتحدة فإن هذا الأمر يعدّ جريمة.

 

زينب الصفار: بما أنك وقّعت عقداً مع جامعة إيلينوي، فقد رفعت كذلك دعوى قضائية، على أي أسس رفعت تلك الدعوى القضائية وما الذي تتوقّعه منها؟

 

ستيفن سالايتا: الدعوى القضائية التي رفعتها هي من أجل ما نسمّيه "قانون حرية طلب المعلومات". جامعة إيلينوي مؤسسة حكومة أو مؤسسة عامة، لذا فإن على الجامعة التزام إطلاق وثائقها الداخلية مثل وثائق اتصالاتها عبر البريد الإلكتروني وغير ذلك من الأمور استناداً إلى طلب من العامّة، وهذا ما يقتضيه القانون إن كانت مسألة جادة متعلقة بالمصلحة العامة، وهذه بالطبع مسألة جادة متعلقة بالمصلحة العامة، وعلى وجه الخصوص تتعلق بدافعي الضرائب في ولاية إيلينوي. حتى الآن رفضت الجامعة تلبية طلبي بخصوص عرض الوثائق وما إلى ذلك، لذا عليّ رفع دعوى قضائية على الجامعة لأحصل على تلك الوثائق. أشعر بالتفاؤل حيال كون هذه الاتصالات ستطفو على السطح، وربما تسلّط الضوء على العمليات التي جرت ضمن قرار الجامعة.

 

زينب الصفار: أين وصلت في الدعوى؟

 

ستيفن سالايتا: ما زلنا في انتظار تلبية الجامعة مطالبتنا بالحصول على المعلومات بحرية، وأعتقد أننا اقتربنا جداً من رفع شكوى رسمية، ولكن من الأفضل أن أترك هذا النوع من النقاش لمحاميّ.

 

زينب الصفار: ولكن يبدو أن الأمناء أخذوا هذه المسألة بالاعتبار ويعملون لتدارك عواقب هذه المسألة، حتى إنهم أخذوا بالاعتبار خسارة القضية أمامك. "كاري نلسون" أستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة إيلينوي الذي كان متفقاً تماماً مع قرار المستشار القانوني الدكتور "فيليس وايز" قال إن تسوية بمقدار مليون دولار لن تكون غير منطقية. إذاً، يبدو أنهم استغنوا عنك.

 

ستيفن سالايتا: "كاري نلسون" ليس محامياً ولكنه يتظاهر بأنه كذلك، تماماً ككونه لا يعرف شيئاً عن فلسطين ويتظاهر بأنه خبير في شؤون الشرق الأوسط. هناك الكثير من النتائج المحتملة المختلفة والمتباينة لاية دعوى قد تحدث، لكنني لا أعتقد أن أحداً يشكك في حقيقة أن الجامعة خرقت القانون، وبطريقة ما يجب أن تحاسب على ذلك.

 

زينب الصفار: إسمح لي هنا بأن أقرأ إحدى تغريداتك. قلت إن إسرائيل وحدها قادرة على قتل 300 طفل في غضون أسابيع وتتظاهر بكونها الضحية. تغريدة أخرى تقول فيها إن الأمر في غاية البساطة، لا تدعم أية إيديولوجيا تتمخّض نتائج ممارساتها قتلاً للأطفال. هذه بعض التعليقات التي قالت جامعة إيلينوي إنها تصريحات عدوانية، قبل عزلكم. وصفت الجامعة تغريداتك بأنها همجية وفيها نوع من عدم الاحترام، وبالخطاب المهين الذي يروّج الإزعاج، مع أن المحكمة العليا حكمت عام 2011 بأن النقاش في القضايا العامة يجب أن يكون متيناً وغير مقموع وعلناً وأن توفّر له الحماية حتى وإن ألحق الألم الشديد. إذاً، فإن هذا خرق لحقوقك ضمن التعديل الأول.

 

ستيفن سالايتا: إنه بالتأكيد كذلك وهو انتهاك لالتزام الجامعة المعلن للحرية الأكاديمية، وفي السياق الأميركي فإن الحريات الأكاديمية تعني ببساطة أنه مسموح لنا بالتعبير عن وجهة نظرنا، ويسمح لنا بإجراء بحث من دون توجيه إدارة الجامعة الاتهامات ومن دون أن نتعرّض للطرد بسبب وجهة نظرنا أو بسبب اعتقادات تخالف الاعتقادات السائدة، واستنكار الجامعة للهمجية يعد أمراً إشكالياً عميقاً لأسباب عدة. أحد الأسباب الإشكالية أن تلك اللغة المستخدمة لتبرير وترشيد استعمار أميركا الشمالية هي أن السكان الأصليين كانوا متحضّرين، وبالطبع هذا النوع من المفاهيم التي لم نسمعها، وسمعناها من إسرائيل منذ سنوات طويلة بأن الفلسطينيين غير متحضّرين وأنهم متوحّشون وهمجيون، إن هذا فعلياً مستقى من لغة الاستعمار والمشكلة هنا تحديداً. مرة جديدة أعود إلى حقيقة أن ما يثير رد فعلهم ضدي ليس نبرتي ولا لغتي ولا نشاطاتي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنهم منزعجون من توجيهي النقد لإسرائيل.

 

زينب الصفار: إسمح لنا بالتوقف مع فاصل قصير نعود بعده للخوض أكثر في الخط الدقيق الذي يفصل بين الرسائل الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتصريحات العلنية. إذاً فاصل قصير ونعود، لا تذهبوا بعيداً.

 

فاصل

 

زينب الصفار: اللجنة الأميركية لأساتذة الجامعات وفي بيان مبادئ عام 1940 بخصوص الحرية الأكاديمية والمناصب الأكاديمية الخاصة بإعطاء هيئة التدريس قالت التالي: عندما يتحدّثون أو يكتبون كمواطنين فإن عليهم أن يتمتعوا بالحرية بعيداً من الرقابة المؤسسية أو التأديب. الباحث الأميركي المتخصّص في الدراسات الأميركية الهندية البروفيسور ستيفن سالايتا كيف يرسم الحد الفاصل بين التأكيدات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي والتصريحات العامة والمعرفة المنشورة؟

 

ستيفن سالايتا: نعم اللجنة الأميركية لأساتذة الجامعات التي اقتبست كلامها تميّز بين حرية التعبير التي قد تكون مقالة تكتبينها في صحيفة وتغريدة كما في أيامنا هذه، أو تعليقاً على فايسبوك أو معلومة ما. لكن كلا النوعين محمي تحت شروط الحرية الأكاديمية. ما من سلطة لطرد أحد من منصب ثابت استنادة إلى تغريدة.

 

زينب الصفار: في حالتك هو الأخير وحسب في سلسلة من حالات مماثلة من إبطال لعقود مع أساتذة وأكاديميين في جامعات معينة بسبب ضغوط خارجية معينة من اللوبي الإسرائيلي ومن جهات مانحة أخرى وما إلى ذلك، إنها محاولة لإسكات وكم الأفواه في العالم الأكاديمي وفي الميدان العام. الأمثلة الحديثة تتضمن محاولة منظمة يمينية تدعى "أمتشا" نشرت لائحة سوداء بأسماء باحثين شرق أوسطيين نادوا بمقاطعة إسرائيل. هذه المحاولة لكمّ الأفواه أطلقت باسم مكافحة معاداة السامية وحماية الطلاب اليهود في حرم الجامعات، هل هذا هو الثمن الذي تدفعه لأنك مدافع معروف عن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات؟

 

ستيفن سالايتا: أعتقد أن لهذا الأمر شأناً كبيراً، حيث إنهم يسعون وراء الناس الناشطين في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات منذ بعض الوقت. أنا سعيد لانك ذكرت مبادرة "آمتشا"، لأن هذه واحدة وحسب من بين عدد من المنظمات الفاعلة التي تضغط على إدارات الجامعات لمعاقبة الكليات التي تتحدّث عن دعمها لفلسطين أو التي تنتقد إسرائيل حتى وإن بأساليب معتدلة ويعود هذا الأمر إلى زمن بعيد. لدينا عشرات الأمثلة على أساتذة في الجامعات الأميركية تعرّضوا للضغط وللطرد ولعدم حصولهم على مناصب، وكل ذلك بسبب انتقادهم إسرائيل. في حالتي على سبيل المثال بدا أن المجموعة القوية جداً وهي مركز "سيمون فيزنتال" متورّطة، إذاً فإن لدينا منظمات في الولايات المتحدة وظيفتها الأساسية حماية إسرائيل من الانتقاد وهي تلاحق بأساليب عدائية جداً في بعض الحالات أكاديميين قدّموا نقداً غير مرغوب فيه للسياسة الإسرائيلية وتأخذ الإدارة بآرائهم كما أن لديه مشاركة الجهات المانحة الكبيرة والمهمة، والجامعات في أيامنا هذه تنصت إلى ما تقوله لها الجهات المانحة، لأنه في الولايات المتحدة تقلّصت اعتمادات الدولة للجامعات العامة، لذا فإن هناك قليلاً من التمويل الحكومي ولهذا تعتمد الجامعات أكثر فأكثر على القطاع الخاص.

 

زينب الصفار: إسمح لي الآن بالعودة إلى موضوع تخصّصك وهو الدراسات الهندية الأميركية. في الـ 26 من كانون الأول حلت الذكرى السنوية لحرب "داكوتا 38"، وأكبر إعدام جماعي نفّذته إدارة الولايات المتحدة لـ 38 من مواطني أميركا الأصليين عام 1862، 38 من بين 303، فيما ترك الآخرون يعذّبون ويعانون في معسكرات الاعتقال طوال عام. ما خلفية هذا الإعدام الجماعي الأكبر في التاريخ الأميركي؟

 

ستيفن سالايتا: إنه ينبثق أساساً من المقاتلين في حروب داكوتا، لذا فإنه قتال بين حكومة الولايات المتحدة، والأمم الأصيلة جميعاً في السهول العليا من الولايات المتحدة، وهي مينيسوتا ومرتيكونتا وداكوتا الجنوبية. الإعدام نفّذ بأمر من أبراهام لينكولن الذي يعدّ واحداً من أكثر الرؤساء الأميركيين تقدمية إن لم يكن أكثرهم تقدمية، وجزء من سجلّه وتاريخه أنه قلما كان يناقش المحيطين به في ما كان يفعله، ما يبين أن من السهل على الناس نسيان العنف الذي ألحقته الولايات المتحدة وتستمر في إلحاقه بأساليب مختلفة ضد سكان البلاد الأصليين. إذاً، فإن 38 شخصاً أعدموا شنقاً وكان ذلك إعداماً تعسفياً وعاجلاً. بعبارة أخرى لم تكن هناك محاكمة لائقة ولا إجراءات تمهيدية، بل أمر بتنفيذه على نحو تعسفي وهي مسألة لا تتحدّث عنها كتب تاريخنا. تم إنتاج فيلم هوليوودي ضخم أخيراً عن أبراهام لينكولن وإعدام هؤلاء الـ 38 لم يجر التطرّق إلى حقيقة وقوعه حتى.

 

زينب الصفار: يبدو هنا أن حاكم مينيسوتا "الكساندر رامسي" أعلن في التاسع من أيلول / سبتمبر عام 1862 أن السكان الهنود الأصليين في مينيسوتا تجب إبادتهم أو إبعادهم إلى خارج الولاية. الأمر لا يقتصر على الـ 38 الذين أعدموا بل يشمل كذلك الآخرين. لماذا صمّم السيّد "رامسي" على إبادة الأميركيين الأصليين؟

 

ستيفن سالايتا: للأسباب نفسها وبالوسائل المماثلة التي أراد من خلالها الصهاينة طرد الفلسطينيين وهي الطريقة نفسها التي ينتهجها الصهاينة الآن في الضفة الغربية وداخل إسرائيل، يريدون طرد الفلسطينيين، يريدون الأرض، ويريدون الموارد التي تأتي مع تلك الأرض، ويريدون القوة السياسية التي تنطلق من السيطرة على قاعدة كبيرة من الأراضي، وكذلك فقد رأوا الـ "لاكوتا" وهم من السكان الأصليين، وقد وقعت بالمناسبة إبادات جماعية في جميع أرجاء أميركا الشمالية. لقد رأوا فيهم تهديداً لوجودهم ولأسلوب حياتهم. في الواقع علينا النظر في كل الممارسات التي تنفّذها إسرائيل من تشريد للفلسطينيين وأعمال استيطان في الماضي والحاضر. كل الممارسات نفّذت بأساليب مختلفة في القارة الأميركية الشمالية.

 

زينب الصفار: في كتابك "الأرض المقدّسة في العبور، الاستعمار والسعي إلى أرض كنعان" حاولت استخلاص أوجه التشابه بين الاستيطان الصهيوني لفلسطين والغزو الاستعماري للعالم الجديد والتهجير المستمر للسكان الأصليين. هلاّ شرحت لنا بتفصيل أو فى أوجه التشابه هذه؟ وهلاّ أخبرتنا بما درسته في أثناء تحديدك أوجه التشابه تلك؟

 

ستيفن سالايتا: في الغالب درست لغة الاستعمار، بعبارة أخرى ما الذي كان يقوله المستعمرون والسياسيون لتعليل استعمارهم أرض الآخرين، وما الذي كانوا يقولونه لتسويغ إساءة معاملتهم السكان الأصليين المحليين، ووجدت أن كلتا المجموعتين من المستعمرين في كل من أميركا الشمالية وفلسطين استندت إلى مفهوم العمل تنفيذاً للمشيئة الإلهية، وأن هناك شيئاً إلهياً مقدساً أو شيئاً مقدّراً في مشاريعهم الاستعمارية، وأن الهنود الأميركيين والفلسطينيين كانوا ببساطة يمثّلون عقبة أمام تنفيذ هذا المشروع، إذاً كان لا بد من تحويل معتقداتهم أو إزاحتهم أو استيعابهم أو أي من تلك الحالات، لكنهم كانوا يقفون حجر عثرة أمام مخطط أكبر بكثير من تملّق المستعمرين في طريق مشروع إلهي، في الولايات المتحدة نسمّيه "المصير الحتمي"، فكرة كوننا ننفذ مهمة أكبر بكثير من الفرد، بالطبع فإننا نرى تكراراً للخطاب عينه. كل ما علينا فعله هو الاستماع إلى مستوطن من الضفة الغربية لفهم شعوره بأنه يتصرّف وفقاً لأوامر من الأعلى لا وفقاً لغريزة إنسانية والأمر نفسه حدث بأساليب مختلفة في أميركا الشمالية، وهذا أحد الأسباب في كون كثير من الأميركيين يماثلون إسرائيل بأنفسهم على نحو عميق، لأن إسرائيل تنفّذ نوعاً من الاستيطان الذي يبدو على نحو عميق مألوفاً جداً للأميركيين.

 

زينب الصفار: لقد حاولت دوماً من خلال كتابك وبحوثك رسم وجه التشابه بين التاريخ الاستعماري الأميركي وسياسات إسرائيل التوسعية اليوم، لكن سؤالي الأخير لو سمحت، العنصرية ضد العرب في الولايات المتحدة الأميركية، ما مصادرها وماذا تعني في السياسة؟ أحد نقادك قال: "سالايتا، يتوجّه أولاً نحو جوهر العنصرية في أميركا ويستخدم خبراته الشخصية لمساعدة الساعين وراء الحرية، فهم آليات العنصرية المطبّقة على العرب والمسلمين والناس الذين يبدون شرق أوسطيين في عالم ما بعد 11 أيلول / سبتمبر". هل نسيج مجتمعك ممزّق بسبب العنصرية بسرعة إن تفضّلت.

 

ستيفن سالايتا: بالطبع، العنصرية في الولايات المتحدة تجاه العرب والمسلمين، في كثير من الطرق ترتكز على السياسة الاستعمارية للولايات المتحدة في أجزاء من العالمين العربي والإسلامي، مذ تخلّف العرب عن الأميركيين في القدرات الفكرية والحضارية وهو أحد الأسباب التي تجعل احتجاج إيلينوي على الكياسة مزعجاً جداً، إنه لم ينمُ في الولايات المتحدة لمهاجرين من العالم العربي، لقد تعلّمت مباشرة أن هناك إحساساً أنه بإمكان الأميركيين أن يعرفوا بكونهم عصريين ومتحضّرين خلافاً لصورة العرب والمسلمين المتخلّفين والهمجيين والأقل قدرة على التصرّف بطريقة لائقة من نظرائهم الغربيين.

 

زينب الصفار: كذلك علينا اليوم عدم نسيان قضية "فيرغيسون" التي بدأت تحدث أصداء ويمكن أن يرى الناس أن العنصرية لم تتوقف قط في الولايات المتحدة. الباحث العربي الأميركي والأستاذ في الدراسات الهندية الأميركية من واشنطن العاصمة الدكتور ستيفن سالايتا نشكر لك جزيلاً انضمامك إلينا.

 

ستيفن سالايتا: من دواعي سروري، شكراً لكم.

 

زينب الصفار: على الرحب والسعة. إذاً، لقاء جديد في الأسبوع المقبل مع ضيف جديد وقضية جديدة ودائماً من الداخل. السلام عليكم ورحمة الله.