أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

طريق الحرير

هل هو طريق للحرير أم طريق تجارة العالم؟ ماذا حملت معها القوافل والسفن؟ وكيف مشت الأديان والثقافات والعادات والأساطير عليه، وأين دروبه في خريطة المشرق؟ ولماذا لم تعرف روما الصين وبالعكس طيلة ألف عام؟

غسان الشامي: مساء الخير.

صحيح أن طريق الحرير مصطلح حديث نسبياً ويعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، لكنه مصطلح ألهب خيالات الكثيرين ودفع بكثير من الباحثين إلى محاولات تفكيك شرانقه وخيوطها وحكاياتها وحروبها وأسفارها وأموالها وسفنها وقوافلها. إنّ لكلمة حرير وقعاً ليس كملمسه. وعند سلوك طريقه بل طرقاته المتشعّبة نكتشف أنه طريق للتجارة الدولية منذ نعومة أظفارها بكل ما يمكن أن تحمله ظهور السفن والقوافل، وإنه أيضاً حمّال عادات وتقاليد وثقافات وأديان ورسومات وموسيقى وسياسات ودسائس. إنه عالم أو العالم عبر تطوّر مصالحه من خلال التجارة منذ أيام المبادلة وحتى الساعة أو حتى قيام الساعة.

ويسرّنا في "أجراس المشرق" استضافة البروفسور بيار مكرزل الذي بحث في حركة طريق الحرير وانعكاساته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. نعرّفكم به:

 

التقرير

 

وُلد بيار مكرزل في الكحّالة عام 1969. ونال إجازة في التاريخ من الجامعة اللبنانية عام 2002، ودبلوم دراسات عليا من الجامعة نفسها عام 2004، ودكتوراه في التاريخ من جامعة بواتييه في فرنسا عام 2007.

يعمل أستاذاً للتاريخ في الجامعة اللبنانية منذ عام 2008، وأستاذاً زائراً في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس.
وعمل في فريق البحث العلمي إسبانيا-البحر المتوسط وفي معهد الدراسات العليا لحضارة القرون الوسطى في جامعة بواتييه، وفي المركز الوطني للبحث العلمي في باريس. كما درّس في الجامعة الأنطونية. وهو عضو في مجلس قسم التاريخ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية، ومقرّر في لجنة قبول مشاريع رسائل الماستر وفي لجان أخرى، وعضو في هيئة تحرير مجلة المشرق الصادرة عن جامعة القدّيس يوسف للآباء اليسوعيين، وعضو في المجلس العلمي لمجلة كرونوس الصادرة عن جامعة البلمند.

له ثلاثة كتب هي: مدينة بيروت في عهد المماليك بين الأعوام 1291 و1516 وتجارتها مع أوروبا باللغة الفرنسية،
العلاقات التجارية بين بيروت والبندقية بين الأعوام 1291 و1516،
والفرانسيسكان والأماكن المقدّسة في مدينة القدس خلال القرن السابع عشر، و46 بحثاً منشوراً في المجلات العلمية في لبنان وأوروبا بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ومقالات تاريخية ومحاضرات وندوات ومؤتمرات علمية في لبنان والجامعات الأوروبية حول تاريخ لبنان الوسيط والعلاقات بين الشرق والغرب في القرون الوسطى.

يجيد الفرنسية والإنكليزية والإسبانية بشقّيها الكستيلانية والكتلانية والإيطالية واللاتينية.

 

غسان الشامي: أهلاُ بكم. أهلاُ بك دكتور مكرزل في "أجراس المشرق".

قبل أن نغوص في تشعّبات هذه الطريق أو هذه الطرق، هل نبدأ بتعريف طريق الحرير؟ أولاً هل فعلاً هو مجرّد طريق حرير؟

بيار مكرزل: كما ذكرنا، طريق الحرير هي تسمية حديثة أطلقها عالم جغرافي ألماني يدعى فيرديناند فون رخت هوفن في عام 1877 لتسمية طرق المواصلات التجارية التي كانت تربط الصين بأوروبا، وذلك خلال الحقبة التي حكم فيها الصين أباطرة من أسرة هان بين 206 قبل الميلاد و220 بعد الميلاد. لماذا سُمّي طريق الحرير؟ لأن الحرير كان أساس التبادل التجاري، أساس التجارة التي كانت قائمة بين الشرق والغرب خلال تلك الحقبة.

غسان الشامي: أي أساس التجارة بين الصين والغرب تحديداً.

بيار مكرزل: بين الصين والغرب وصولاً إلى الإمبراطورية الرومانية. عندما أقول الغرب أي غرب الصين؛ غرب الصين من آسيا الوسطى إلى بلاد فارس وصولاً إلى الإمبراطورية الرومانية. كان الحرير أساس هذه التجارة خلال هذه الحقبة. في الحقبات اللاحقة لن يعود الحرير في طليعة المنتجات والصادرات الشرقية إلى الغرب.

غسان الشامي: ماذا كان يحمل إذاً هذا الطريق الذي سُمّي اصطلاحاً طريق حرير؟

بيار مكرزل: أينما مرّ هذا الطريق كان يترك أثراً اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً. على الصعيد الاقتصادي، بالإضافة إلى الحرير، كانت التوابل في المرتبة الأولى، ومن ثم الشاي والبورسولين. هذا من جهة الصين باتجاه الغرب. ومن الغرب باتجاه الشرق الأقصى المعادن خصوصاً النحاس، الفراء، الجلود، الخمور، الأحجار الكريمة.

غسان الشامي: إذاً لنبدأ منذ البداية، منذ الانطلاقة التي قلت إنها في القرن الثالث قبل الميلاد؟

بيار مكرزل: نعم، في مطلع القرن الثالث قبل الميلاد حتى 220 ميلادية.

غسان الشامي: في هذه الفترة، كيف ولماذا انبثق هذا الطريق؟ تحت أي ضغط؟ تحت أي سبب؟ أي مفهوم عُمل عليه؟

بيار مكرزل: إنتاج الحرير في الصين قديم جداً. وفقاً للأسطورة يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ولكن وفقاً للأبحاث والتنقيبات الأثرية يعود إلى الفترة القائمة بين الألف العاشر والألف الرابع قبل الميلاد. طيلة هذه الفترة كان سر إنتاج الحرير محصوراً بالصينيين. كان محصوراً بالصينيين فقط. في بداياته كان الحرير فقط ملبس الإمبراطور ورجال البلاط. في مرحلة لاحقة، عندما بدأت تضعف الإمبراطورية الصينية وبدأت تظهر إمارات في مختلف أنحاء الصين، هنا أصبح الحرير رائجاً. ومن هنا بدأ الحرير يصبح مادة تجارية، يصبح في التجارة. هنا بدأ الصينيون يفكّرون بالتوسّع. عندما أقول بالتوسّع أي التوسّع باتجاه آسيا الوسطى.

غسان الشامي: أي للتحديد على الخارطة.

بيار مكرزل: نعم، باتجاه آسيا الوسطى.

غسان الشامي: آسيا الوسطى بالتحديد أين وأين؟

بيار مكرزل: آسيا الوسطى أي المنطقة الواقعة غرب الصين. مثلاً...

غسان الشامي: منغوليا، أفغانستان.

بيار مكرزل: المنطقة اليوم التي نسميها طاجيكستان، أوزبكستان، حوض طارين الشرقي الذي يشكّل اليوم تركمانستان الشرقية التابعة للصين؛ هذه المناطق. بدأت محاولات التوسّع، إذا صحّ التعبير، في عهد الإمبراطور ووتي الذي حكم بين 140 قبل الميلاد و87 قبل الميلاد؛ خلال هذه الحقبة. لم يكن الصينيون على معرفة بأمر الممالك الموجودة في آسيا الوسطى.
أرسل الإمبراطور بعثة استكشافية في محاولة منه لإيجاد طرق تجارية لأنه من خلال التجارة سينفتح على الممالك الموجودة في آسيا الوسطى. في تلك الحقبة كانت قبائل الهون تجتاح تلك المناطق وتُلحِق ضرراً كبيراً بالأراضي، بالقوافل،

غسان الشامي: بالبنية العمرانية.

بيار مكرزل: بالبنية العمرانية. حاول الإمبراطور ووتي إقامة تحالفات مع الممالك في آسيا الوسطى. فشلت المهمة، ولكن المهم في هذه الرحلة التي قام بها "تشانكيين"، قائد هذه البعثة، أنه سمع بوجود بلاد تدعى "نغانسي" أي بلاد فارس، سمع ببلاد تدعى "تياوتشي" أي الجزيرة العربية، سمع ببلاد "تاتسينغ" أي الإمبراطورية الرومانية. هنا بدأ الصينيون يفكّرون بكيفية الانفتاح على هذه الممالك من خلال إقامة علاقات تجارية معها. ولكن كان عليهم أولاً التخلّص من خطر الهون. بين سنة 121 و119 قبل الميلاد قضى الصينيون على خطر الهون، وهنا بدأت التجارة. هنا بدأت القوافل تحمل الحرير إلى آسيا الوسطى، ومن آسيا الوسطى تنطلق باتجاه المناطق الأبعد: بلاد فارس ومن ثم الإمبراطورية الرومانية.

غسان الشامي: إذا حدّدنا أكثر، هل يمكن أن نرسم مسارات طريق الحرير قبل الميلاد؟

بيار مكرزل: نعم، بالتأكيد. عندما نقول طريق الحرير، هناك طريق بري وطريق بحري.

غسان الشامي: كان في ذلك الوقت طريق بحري.

بيار مكرزل: نعم، نعم، منذ القرن الأول الميلادي. منذ القرن الأول الميلادي كان هناك طريق بحري. وفي مطلع القرن الثاني الميلادي سيكتشف الرومان تقنية الملاحة في المحيط الهندي وسيصلون إلى الموانئ الهندية. ولكن بدايةً، الطريق البري ينطلق من شمال الصين، يمرّ عبر آسيا الوسطى، ومن ثم يتفرّع إلى طريقين: طريق يتّجه شمالاً نحو بحر قزوين ومن ثم القرم ثم البحر الأسود ومن ثم باتجاه أوروبا، وطريق آخر يمرّ عبر بلاد فارس ثم العراق ثم تدمر ومن ثم من تدمر باتجاه أنطاكية واتجاه الساحل أي المناطق الساحلية ومن هناك في البحر باتجاه أوروبا. الطريق البحري كان ينطلق من جنوب الصين إلى الشواطئ الشرقية للهند، ومن ثم تُنقَل البضائع إلى الشواطئ الغربية. وكان الهنود هم الذين ينقلون البضائع عبر المحيط الهندي.
ومن المحيط الهندي أيضاً سيتفرّع الطريق إلى مسارين: مسار عبر الخليج العربي وصولاً إلى مدينة "سباسي شاراكس" التي كانت عاصمة مملكة ميسان في أقصى جنوب العراق عند مصبّ نهر دجلة، والطريق الآخر عبر البحر الأحمر.

غسان الشامي: أي حكايات السندباد البحري...

بيار مكرزل: في مرحلة لاحقة السندباد البحري، في مرحلة لاحقة.

غسان الشامي: تفضّل، نعم.

بيار مكرزل: عبر البحر الأحمر ترسو المراكب. عندما تصل إلى البحر الأحمر كان العرب يمنعون الهنود من إكمال مسيرتهم، لأنه كان كل فريق محتكراً قسماً من هذا الطريق: الهنود من الهند وصولاً إلى الجزيرة العربية. من باب المندب عبر البحر الأحمر كان بأيدي البحّارة العرب. كانت ترسو السفن في ميناء "لوكيكوميه" ثم تُنقَل إلى مدينة "مكرم" مدائن صالح، ومن ثم إلى بترا ومن ثم إلى العريش؛ في تلك الفترة كانت العريش تُسمّى "رينوبولير".

غسان الشامي: وملامح هذا الطريق التي تبدّت خلال العصر الروماني ومن ثم البيزنطي. ما ملامح هذا الطريق؟ وماذا كانت تحمل قوافل الحرير؟ هل تطوّرت في تلك الفترة؟

بيار مكرزل: نعم. كما قلت لك، في أواخر القرن الأول الميلادي ومطلع القرن الثاني الميلادي، الرومان سيكتشفون تقنية الملاحة في المحيط الهندي، انتظار هبوب الرياح الموسمية التي خلالها باستطاعتهم الإبحار والوصول إلى الهند. على الطريق البري، أيضاً في مطلع القرن الثاني ميلادي سيتمكّن تجّار يونانيون، ولكن من ضمن الإمبراطورية الرومانية، من الوصول إلى آسيا الوسطى. نتيجة وصول الرومان إلى الموانئ الهندية ومن ثم إلى آسيا الوسطى، صاروا يحملون معهم البضائع والمنتجات الغربية من خمور وأقمشة ومعادن، ويشترون الحرير خلال تلك الحقبة والتوابل. التوابل من الهند، والحرير من الصين.
إذاً بدأت الشعوب في تلك الحقبة تنفتح على بعضها البعض إن كان من جهة البحر أو من جهة البر. وأريد فقط أن أزيد أمراً: طيلة كل هذه الحقبة كانت الصين مجهولة تماماً بالنسبة للرومان، وأيضاً بالنسبة للصينيين الإمبراطورية الرومانية مجهولة تماماً.

غسان الشامي: سآتي إلى هذا لأن هذه إشارة استفهام كبيرة على مسيرة الحضارة تاريخياً. ولكن، ذكرت منطقة وسطى كانت عقدة مواصلات وعقدة نقل في طريق الحرير هي بارثيا أو بلاد فارس.

بيار مكرزل: بلاد فارس، نعم.

غسان الشامي: هل أمسكت بلاد فارس بمسارات طرق الحرير البرية من الصين باتجاه الحدود مع الرومان في نصيبين؟ نصيبين هي أتت من النُصُب أي مكان الجمارك ما بين الدولة الرومانية ومن ثم البيزنطية والدولة الفارسية؟

بيار مكرزل: نصيبين ستؤدّي دوراً وستصبح مركزاً لتجارة الحرير عندما ستصبح فارس تحت حكم الساسانيين. خلال حكم البارثيين الذي دام بين 249 قبل الميلاد و227 ميلادية، خلال هذه الحقبة لم يكن لنصيبين دور بعد لأنه لم تكن بعدُ هناك معاهدات بين الرومان والبارثيين.

غسان الشامي: هنا نتكلّم على دور فارس. سآتي إلى نصيبين.

بيار مكرزل: نعم، شكّلوا حاجزاً بين الرومان وآسيا الوسطى والصينيين. كانوا حريصين على ألّا يتمكّن الرومان من الوصول إلى آسيا الوسطى أو إلى الصين، وبالعكس؛ كانوا أيضاً لا يريدون أن يحصل أي اتصال بين تجار آسيا الوسطى والرومان. لذلك، سنة 97 ميلادية، عندما أرسل قائد المنطقة الغربية للصين الجنرال باوتشاو أرسل يانكينغ موفدين من قِبَله إلى عاصمة بلاد فارس لإيجاد وسيلة لفتح الطريق التجاري إلى ما بعد بلاد فارس، رفض الفرس وأحبطوا عزيمته قائلين إن مسافات شاسعة تفصلنا عمّا وراءنا من بلاد وخطرة جداً ولا يمكن السفر. فعاد خائباً من رحلته.

غسان الشامي: إذاً هم كانوا يأخذون التجارة من الصين...

بيار مكرزل: هم أدّوا دور الوسطاء التجاريين، أي تجارة عبور. يأخذون البضائع الشرقية من حرير وغيرها ويبيعونها للرومان.

غسان الشامي: أعود إلى دور المدينتين الشهير والتاريخي: نصيبين وتدمر. ما دورهما بالضبط؟

بيار مكرزل: سنبدأ بتدمر. تدمر كانت تقع ضمن شبكة أو عقود مواصلات تجارية مهمة جداً. تدمر كانت تصل إليها القوافل من البر ومن البحر. هنا أهمية تدمر لأنه إذا انقطع الطريق البري، وكان ينقطع من وقت لآخر بسبب الحروب كانت البضائع تصل إليها عن طريق البحر. كما قلت، تدخل السفن عبر الخليج العربي، تصل إلى ميناء "سباسيمون شاراكس" ومن ثم تُنقَل عبر العراق وصولاً إلى تدمر. وعن طريق البر، كما ذكرت، عبر بلاد فارس ومن ثم العراق ومن ثم تدمر. إذاً أهمية تدمر أنها كانت مركزاً...

غسان الشامي: فقط سؤال بسيط إذا سمحت، ولو قاطعتك.

بيار مكرزل: نعم.

غسان الشامي: والبضائع التي كانت تأتي من أوروبا، هل كانت تصل إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى تدمر، وبالعكس؟

بيار مكرزل: نعم، عبر البر. بالبر نعم.

غسان الشامي: أي الطريق المعاكس.

بيار مكرزل: نعم نعم. كما أشرت، تدمر موقعها استراتيجي، مركز توزيع البضائع الآتية من الشرق وأيضاً هي ملتقى القوافل الآتية من الغرب التي ستكمل طريقها باتجاه الشرق الأقصى. هنا أهمية تدمر. ومن هنا اهتمام الرومان بالسيطرة على تدمر. سيطروا على تدمر سنة 273 ميلادية لأنه فكّر الرومان أنه إذا سيطرنا على تدمر سيطرنا على كل التجارة في منطقة سوريا.

غسان الشامي: التجارة الدولية.

بيار مكرزل: نعم، التجارة الدولية طبعاً. وبالتالي أصبحت كل طرق القوافل تحت سيطرتنا. كانت العقبة الوحيدة أمامهم هي الفرس. نصيبين ستبرز في عهد الساسانيين. الساسانيون عندما استلموا الحكم، عام 227 بدأ حكم الساسانيين على الفرس، هنا دخلوا في صراع مع البيزنطيين، وحتى إنهم توسّعوا نحو آسيا الوسطى، أي بسطوا سيطرتهم أكثر على الطرق التجارية.
كان البيزنطيون بحاجة إلى الحرير، فمن هنا عقدوا معاهدات مع الساسانيين، مع ملوك الفرس. فتم اختيار نصيبين لأنها منطقة حدودية لتكون مركز تجارة الحرير. فكان يأتي التجار من بيزنطية، يشترون الحرير من نصيبين فقط، فحصروا التجارة بنصيبين ليظلّ الفرس مسيطرين على كل التجارة.

غسان الشامي: هي كانت نقطة المكوث أو نقطة الجمارك بين الدولة البيزنطية و...

بيار مكرزل: نعم. وكانت تجارة الحرير مرتبطة بالعلاقات بين فارس والبيزنطيين. إذا تدهورت العلاقات رفع الفرس السعر. وهذا ينعكس سلباً على الاقتصاد البيزنطي.

غسان الشامي: موقع العرب إذا تكلّمنا عليه في طريق الحرير، أين يكمن؟

بيار مكرزل: أدّوا دوراً مهمّاً في طريق الحرير. كما ذكرت أنا، في القرن الأول والقرن الثاني حتى القرن الثالث الميلادي العرب لم يصلوا إلى الصين. كانوا يصلون فقط إلى الهند. وصلوا إلى الهند وليس أكثر. أول وجود عربي في الصين وفق التقليد يعود إلى سنة 651. في السجلّات الصينية ثمة ذكر لوفد من المسلمين وصل إلى بلاط الإمبراطور الصيني. حسب التقليد أنه سعد بن أبي وقّاص في عهد الخليفة عثمان بن عفّان.

غسان الشامي: في المرويّات. هذه من المرويّات.

بيار مكرزل: نعم. وردت في السجلّات الصينية، ولكن في المصادر العربية لا شيء يؤكّد ذلك. سيبدأ العرب بأداء دور فعّال على طريق الحرير في القرن الثامن، لأنه في القرن الثامن ستصبح الرحلات البحرية بين الجزيرة العربية والصين منتظمة.

غسان الشامي: بعد هذه الفترة، وإذا أتينا، لنفترض، إلى الفترة المملوكية، وأنت  خبير ومتضلّع...

بيار مكرزل: هنا قطعنا فترة طويلة.

غسان الشامي: فترة طويلة، ولكن طبعاً هذا يحتاج إلى حلقات لأن متابعتي البحث وتحديداً الأبحاث التي قمتَ بها أنت تحتاج إلى الكثير، ولكن كي أختصر الوقت لأنتقل إلى القسم الثقافي في القسم الثاني. لنأخذ بالفترة الأموية والعباسية وصولاً إلى انهيار الدولة العربية المركزية، بتحوّل الدولة إلى دويلات هل انهار طريق الحرير؟

بيار مكرزل: انهار الطريق البري. الطريق البري انهار خصوصاً في القرن الرابع عشر عندما تفكّكت الإمبراطورية المغولية. أمّا الطريق البحري فاستمر. استمر يعمل بشكل منتظم. لا بالعكس، كانت المرحلة الذهبية في الحقبة المملوكية لأن القسم الأكبر من تجارة السلطنة المملوكية كان قائماً على التجارة مع الهند والصين.

غسان الشامي: ومتى ازدهرت بيروت والإسكندرية إذاً؟

بيار مكرزل: خلال هذه الحقبة.

غسان الشامي: الحقبة المملوكية.

بيار مكرزل: في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، الحقبة المملوكية، لأن الإسكندرية كانت الميناء الرئيسي للسلطنة وخصوصاً أنها الميناء الأول في مصر، وبيروت كانت الميناء الرئيسي لدمشق. دمشق كانت السوق الرئيسية والأساسية في بلاد الشام للتوابل، لأنه في هذه الحقبة لم نعد نتحدّث عن حرير. فصارت توابل وشاي وبورسالين، ولكن خصوصاً التوابل.

غسان الشامي: ونحن ليس قليلاّ، شعب يحب بطنه.

بيار مكرزل: التوابل مهمة جداَ. إذا أخذنا فكرة، منذ الحقبة الرومانية 80 بالمئة من المأكولات في أوروبا كانت توابل.

غسان الشامي: تعتمد على التوابل.

بيار مكرزل: ثم إن التوابل لم تُستعمَل فقط في الطعام، بل استُعملت في الأدوية ومستحضرات تجميل وفي الألوان وصباغة الألوان وإلى آخره. وفي تلك الحقبة، بيروت والإسكندرية كانتا على الأكثر مراكز تجارة عبور، تجارة ترانزيت.

غسان الشامي: من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين، أو لنقُل قبل ذلك، ما دور السلطنة العثمانية، قبل أن آتي إلى القرن الثامن عشر والقرن العشرين؟ فترة 400 سنة أمسكت السلطنة العثمانية بكل تلابيب المنطقة، بطرقها. ما موقع طريق الحرير خلال الفترة العثمانية؟

بيار مكرزل: في تلك الحقبة كان البرتغاليون وصلوا إلى...

غسان الشامي: قطعوا رأس الرجاء الصالح.

بيار مكرزل: نعم، قطعوا رأس الرجاء الصالح، وكانوا وصلوا إلى مصادر التوابل وصارت التوابل متوافرة أكثر. ولكن هذا لا يمنع أن التوابل ظلّت تأتي إلى بلاد الشام ومصر. ظلّت تأتي. ليس كما يُذكَر في الكتب أنها كانت نتائج كارثية لوصول البرتغاليين إلى الصين والهند، لا. العثمانيون أحدثوا تغييراً في طرق القوافل وفي المحاور التجارية وفي المراكز التجارية؛ بمعنى أنه ظهرت مدينة بورسا التي أصبحت، إذا تكلّمنا على الحرير، أهم مركز للحرير. فكل الحرير الفارسي وكل الحرير الآتي من الصين كان يصبّ في بورسا. وهنا برزت مدينة حلب. لم تعد دمشق المركز الرئيسي في بلاد الشام لتجارة الشرق الأقصى وبلاد فارس. أصبحت حلب. إذاً، في العهد العثماني تغيّرت الطرق، تغيّرت المحاور التجارية والاقتصادية التي كانت قائمة في الحقبات السابقة.

غسان الشامي: بدقيقة، ماذا أثّر اكتشاف رأس الرجاء الصالح على العالم القديم؟

بيار مكرزل: أثّر أنه أولاً ترك آثاراً على الحركة الاقتصادية إذ ضعفت الحركة نوعاً ما في بلاد الشام ومصر، ولكن ليس بشكل كارثي. وغيّرت المراكز التجارية التي كانت موجودة في أوروبا سابقاً. مركز تجارة التوابل والحرير كان في مدينة البندقية، أصبحت لشبونة. انتقل المركز، فصار ثمة مركز آخر ينافس البندقية.

غسان الشامي: أنا أشكرك في الجزء الأول من هذا الحوار، على أن ننتقل إلى الجزء الثاني.
أعزائي، فاصل ونعود لمتابعة الحوار عن طريق الحرير أو طريق التجارة الدولية مع الدكتور بيار مكرزل. انتظرونا.

 

المحور الثاني

 

غسان الشامي: تحية لكم. نقدّم لكم تقريراً عن طريق الحرير: تاريخيّته، تشعّباته، ثم نعود للحوار مع الدكتور بيار مكرزل.

 

التقرير

 

أطلق الجغرافي الألماني فيرديناند فون رخت هوفن في منتصف القرن التاسع عشر مصطلح طريق الحرير على خط المواصلات البرية القديمة الممتدّ من الصين المنتج الرئيسي للحرير وعبر مناطق غرب وشمال الصين وآسيا كلها إلى أفريقيا وأوروبا.

كان طريق الحرير يمرّ في أربع إمبراطوريات كبرى هي: روما في أوروبا، وبارثيا أي فارس، وكوشان في آسيا الوسطى، وشمال الهند والصين في شرق آسيا. وانتظمت مساراته منذ القرن الخامس قبل الميلاد حتى 1500 سنة تالية. وكان يمرّ قسم منه عبر المشرق في قوافل شهيرة إلى نصيبين وتدمر. كما أن الطرق الفرعية صبّت في طريقين كبيرين: أحدهما شمالي تسلكه القوافل صيفاً، والآخر جنوبي تسلكه شتاء. ومع التطوّر اكتشف التجّار أن المسارات البحرية أكثر أمناً. وتزامن ذلك مع اشتعال الحروب المغولية الإسلامية في قلب آسيا. وشيئاً فشيئاً اندثرت معالم طريق الحرير، وصارت البضائع والثقافات والعادات تنتقل في مسارات بحرية منتظمة، تتوجّه عبر المحيط الهندي من مرافئ آسيا الجنوبية إلى شمال أفريقيا مروراً بالبحر الأحمر.

كان لطريق الحرير تأثير كبير في ازدهار الحضارات الصينية والهندية والرومانية والفارسية والمتوسّطية. وكان طريقاً للبوذية والإسلام. ويكفي لبيان أثره وأهميته أنه في القرن العاشر الميلادي امتلكت الصين مخزوناً من الذهب أكبر ممّا امتلكته أوروبا مجتمعة.

 

غسان الشامي: أهلاّ بكم مجدداّ في "أجراس المشرق".

دكتور مكرزل، في الثقافة، لنبدأ بالثقافة وبالمحل الأكثر شهرة في الثقافة في هذه المنطقة من العالم: الديانات. ما أثر طريق الحرير؟ هل نقل معه الديانات؟ هل هذه القوافل نقلت دياناتها؟

بيار مكرزل: طبعاً، بالتأكيد. الديانات دخلت إلى الصين وإلى آسيا الوسطى بسبب هذه الطرق التجارية. فلنبدأ أولاً بالبوذية. البوذية انتشرت في آسيا الوسطى ومن ثم دخلت إلى الصين سنة 63 ميلادية من خلال المراكز التجارية. الرهبان البوذيون انطلقوا من النيبال وشمال الهند، اختاروا المراكز التجارية؛ لأن أكثر أماكن يمكن التقاء الناس وشعوب مختلفة فيها هي المراكز التجارية. ومن خلال هذه المراكز دخلت هذه الديانة إلى الصين. ثم بعد ذلك المسيحية. الديانة المسيحية بين القرنين الرابع والخامس كانت موجودة في آسيا الوسطى.

غسان الشامي: في الهند، وفي آسيا الوسطى أيضاً؟

بيار مكرزل: نعم، في آسيا الوسطى.

غسان الشامي: ولكن لم تصل إلى الصين.

بيار مكرزل: في القرن السابع وصلت إلى الصين. ولكن بين القرنين الرابع والخامس كانت موجودة في آسيا الوسطى. حتى إن البيزنطيين حاولوا مرّات عديدة إرسال بعثات تبشيرية إلى آسيا الوسطى في محاولة لإيجاد قاعدة تتواصل معهم، أي قاعدة مسيحية في آسيا الوسطى للتواصل معهم، وبالتالي الاستغناء عن الفرس. نحو سنة 550 ميلادية مثلاً وصلت بعثات تبشيرية إلى قبائل الهون وإلى القبائل التركية، وحتى إن بعض هذه القبائل اعتنق المسيحية.

غسان الشامي: هناك إشارة، لا أعرف، يمكن أن تصوّب أنت الأمر علمياً، إلى أن الحرير جاء من الصين عبر راهب نسطوري.

بيار مكرزل: نعم.

غسان الشامي: هل هناك إشارة تدقيقية وثائقية حيال هذا الأمر؟

بيار مكرزل: المعلومات عن هذا الحدث وردت إلينا من المصادر البيزنطية. بروكوبيوس القيصري يذكر أنه أتى راهبان، ويحدّد أنهما من الصين، ذكر أنهما من الصين، وعلى الأرجح أنهما راهبان نسطوريان. المؤرّخ تيوفانس يقول إن راهباً فارسياً وصل إلى بلاط الإمبراطور يوستنيانوس. على الأرجح أن الخبرية صحيحة أنه أتى رهبان يحملون معهم سرّ تقنية الحرير. أريد أن أشير هنا إلى أن سرّ إنتاج الحرير حافظ عليه الصينيون منذ الألف الثالث قبل الميلاد حتى منتصف القرن السادس عندما وصل إلى البيزنطيين.

غسان الشامي: أي ثلاثة آلاف و500 سنة؟

بيار مكرزل: حافظوا عليه، نعم. وهناك مسألة أريد أيضاً أن أشير إليها.

غسان الشامي: تفضّل.

بيار مكرزل: وفق الأسطورة الصينية، امرأة اكتشفت سرّ الحرير وامرأة باحت به. نحو سنة 420 أو 440 ميلادية، خلال هذه الفترة، أميرة صينية باحت بالسر لملك خوتان.

غسان الشامي: أي فتّش عن المرأة أيضاً؟

بيار مكرزل: نعم، حسب الأسطورة.

غسان الشامي: حسب الأسطورة.

بيار مكرزل: حسب الأسطورة.

غسان الشامي: والديانة الإسلامية، هل توسّلت طريق الحرير أيضاً؟

بيار مكرزل: نعم.

غسان الشامي: كيف؟

بيار مكرزل: عبر آسيا الوسطى انتشر الإسلام من خلال هذه الطرق التجارية.

غسان الشامي: وليس عبر الفتح؟

بيار مكرزل: وصل الإسلام إلى آسيا الوسطى، وكانت أول مواجهة مع الصينيين في معركة تالاس. سنة 684 احتلّوا أفغانستان، أي قطعوا بلاد فارس. ولكن أول مواجهة مع الصينيين كانت في معركة تالاس سنة 751. من بعدها، خلال فترة الحكم العباسي، وجود المسلمين في آسيا الوسطى وانفتاح الطرق التجارية سهّل كثيراً انتشار الإسلام في تلك المناطق.

غسان الشامي: هناك صناعة ساهمت بتطوّر الحياة البشرية هي صناعة الورق أو موضوع الورق.

بيار مكرزل: نعم.

غسان الشامي: ما موضوع الورق مثلاً والأدب والموسيقى في طريق الحرير؟ كيف يمكن توصيفها جميعاً؟

بيار مكرزل: كما ذكرت، سنة 751 حصلت معركة تالاس بين الجيش الصيني والجيش العربي بقيادة زياد بن صالح.
انتهت المعركة بانتصار المسلمين. من بين الأسرى الصينيين كان يوجد عمّال تقنيون يعملون في مجال صناعة الورق.

غسان الشامي: ورّاقون.

بيار مكرزل: وهذا أفاد كثيراً العرب. نقلوهم إلى سمرقند. لذلك كانت سمرقند أهم مركز لإنتاج الورق.

غسان الشامي: لم ينقلوهم إلى بغداد مثلاً؟

بيار مكرزل: نقلوهم إلى سمرقند وفي ما بعد إلى بغداد. ولكن أولاً إلى سمرقند. وحتى من بين الأسرى كان هناك عمّال تقنيون في مجال إنتاج الحرير. فصارت صناعة الحرير في العالم الإسلامي على جودة عالية لأنه صار لديهم تقنيون فرس وتقنيون صينيون. إذاً تطوّرت كثيراً أكان صناعة الحرير أو صناعة الورق. والورق أهميته عند العرب أنه حلّ محلّ البردى.

غسان الشامي: أوراق البردى.

بيار مكرزل: أوراق البردى.

غسان الشامي: في الموسيقى والأدب، كيف نقل طريق الحرير هذه المعطيات الثقافية؟

بيار مكرزل: هنا نكون في مرحلة خلال أسرة الأباطرة تانغ الذين حكموا بين 618 و907. هنا حصل انفتاح. ازدهرت التجارة كثيراً بين العالم العربي، خصوصاً أنه كانت الخلافة العباسية، وبين الصين وآسيا الوسطى. هذا اللقاء، هذا التمازج بين الشعوب هو ما ساهم في نقل الآداب مثل الأساطير التي كانت موجودة: ألف ليلة وليلة، رحلات السندباد، رحلة سليمان التاجر، كل هذه الأساطير التي تحدّث عنها الأدب.

غسان الشامي: العنقاء.

بيار مكرزل: العنقاء أو الجزر المتحرّكة التي هي حيتان، أو الغيلان، الخيول المجنّحة، الخيول البحرية. كل هذه القصص، كل هذا الأدب الذي كان موجوداً انتقل إلى العرب من خلال الفرس أيضاً.

غسان الشامي: هذا أغلبه أدب شرقـآسيوي.

بيار مكرزل: شرقـآسيوي، من آسيا الوسطى. تُرجم إلى الفارسية ومن ثم إلى العربية. ثم لا ننسى أن العلوم أيضاً قطعت في تلك الفترة. في العلوم: من الهنود أتت الأرقام، أتى علم الفلك، أمور كثيرة. الموسيقى، الامتزاج الذي حصل بين الشعب نقل أيضاً الموسيقى. الموسيقى نُقلت، لدينا كثير من المغنّين في الفترة العباسية من أصل فارسي، وهم متأثّرون ليس فقط بالفن الفارسي بل بالفن الذي كان موجوداً في آسيا الوسطى. حصل تمازج.

غسان الشامي: ولكن، سؤال علمي بطريقة ما: لماذا لا يوجد لدينا نحن أهل هذه المنطقة اطّلاع على آداب آسيا الوسطى في تلك الفترة؟ هل كانت هناك هذه الدرجة من التقدّم في الآداب والموسيقى والعلوم في تلك المنطقة من العالم؟

بيار مكرزل: لا ننسى أنه في خلال الخلافة العباسية كان مركز الثقل الدولي والمفكّرين موجوداً في بغداد ومحيطها. إذا كان قصدك منطقة الشرق أي الشام ومصر، كانت بعيدة عن هذا المركز الثقافي. في تلك الحقبة، في بغداد كان الناس يعيشون في هذا الجو. لكن لأن مركز الثقل انتقل من دمشق عاصمة الأمويين إلى بغداد عاصمة العباسيين صار كل الثقل الثقافي، كل المفكّرين، كل الأدب والموسيقى، كلها كانت موجودة. وكانت هناك موسيقى عند العرب في تلك الفترة.

غسان الشامي: بالتأكيد.

بيار مكرزل: في بلاط الخليفة هارون الرشيد وغيره كانت ثمة موسيقى وكان ثمة فنّانون. إذاً، التحوّل الثقافي الكبير أصبح باتجاه بغداد. لذلك، المنطقة هنا لم تعرف هذا التطوّر الكبير.

غسان الشامي: ثقافة اللباس الحريري كيف تطوّرت؟ قلت أولا إنها كانت للملك وحاشيته.

بيار مكرزل: للإمبراطور الصيني فقط. الإمبراطور الصيني فقط.

غسان الشامي: ومن ثم تحوّلت إلى ملبس شعبي أو ملبس يحنّ إليه العامة. كيف تطوّرت ثقافة اللباس؟

بيار مكرزل: في الصين كما ذكرت...

غسان الشامي: ليس فقط في الصين. عندنا هنا.

بيار مكرزل: وحتى هنا. لمّا ضعفت الإمبراطورية الصينية انتشر بين الناس. لمّا انتشر بين الناس، هنا صار أساسياً في التجارة. حتى القرن الأول الميلادي والقرن الثاني الميلادي مثلاً في الإمبراطورية الرومانية كان محرّماً على الرجال أن يلبسوا الحرير. كان فقط للنساء. هنا في الشرق لا، الأمر مختلف. في الشرق تقبّلوا هذا القماش الجديد: قماش لمّاع برّاق جديد. هنا لم تكن ثمة مشكلة، يلبسه الناس. بالتأكيد ستلبسه الطبقة الثريّة. وفي ما بعد مع انتشار المسيحية، الكنيسة صارت تستعمل الحرير كثيراً داخل الكنائس وللبس الكهنة.

غسان الشامي: يقال بترتيلة جنّاز السيّد المسيح: "برفيرن". هو من الحرير. تسربل السيّد المسيح، ألبسوه حريراً قبل أن يصلبوه.

بيار مكرزل: زاد الطلب على الحرير في الإمبراطورية الرومانية مع تحوّل القسم الأكبر من الشعب الروماني إلى المسيحية. صارت الكنيسة تستقطب...

غسان الشامي: تستورد.

بيار مكرزل: تستورد حريراً كثيراً.

غسان الشامي: يكشف طريق الحرير فعلاً عن معيارين متناقضين تناقضاً غريباً: الأول هو أن الحرير يأتي بالذهب، وكما يأتي بالذهب كما قلت أنت يأتي بالأساطير. كيف تُعرَب هذه في منطق التجارة والثقافة في الوقت عينه؟

بيار مكرزل: هذه مرتبطة أولاً ببلاد الصين، لأن بلاد الصين كما قلت لك ظلّت مجهولة. ظلّت مجهولة بالنسبة للشرق أي منطقتنا وبالنسبة لأوروبا. حين تكون بلاداً مجهولة وتنتج هذا النوع من القماش أيضاً المجهول مصدره ومجهولة كيفية تركيبته وكيف يُصنَّع، هنا بدأت تُخلَق الأساطير أن هؤلاء بالتأكيد شعب غير عادي.

غسان الشامي: والذهب؟ كانوا يقولون إن الحرير مقابله معيار ذهب؛ بمعنى أنه يثقَّل بالذهب.

بيار مكرزل: صحيح. لأن الصينيين حين يتاجرون بالذهب أو في آسيا الوسطى، المقابل كان يُدفَع بالمعادن، يُدفَع بالذهب وغيره من المعادن. لذلك يقارَن الحرير بالذهب. أي ثمن الحرير يُدفَع بالذهب.

غسان الشامي: ألم يلفتك أن روما مثلاً، كما قلت كانت من مجهولات الصين، روما حكمت العالم القديم في منطقتنا طبعاً على تخوم فارس، حكمته ألف عام. والصين من 3500 موجودة كإمبراطوريات. لا الرومان يعرفون شيئاً عن الصينيين...

بيار مكرزل: ولا الصينيون.

غسان الشامي: هناك فجوة معرفية تمتدّ لألف عام بين حضارتين وثقافتين، بين شعوب شتّى من هنا وشعوب شتّى من هناك. كيف يُقرأ ذلك في مقياس العِلم؟

بيار مكرزل: الفرس أدّوا دوراً كبيراً في عدم تلاقي هاتين الإمبراطوريتين. الفرس أدّوا دوراً، شكّلوا حاجزاً منيعاً لأي اتصال بين الرومان من جهة والصينيين. حتى إن المصادر الصينية تذكر أنه سنة 161 ميلادية في عهد الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس وصل تاجران رومانيان إلى بلاط الصين عن طريق البحر. وصلا عن طريق البحر. لكنهما لم يكونا موفدين رسميين. هما كانا تاجرين. في ما عدا ذلك ليس هناك أي اتصال. كل محاولات البيزنطيين للاتصال بآسيا الوسطى باءت بالفشل إلى أن، في القرن السادس الميلادي، تمكّن أول اتصال بين البيزنطيين والأتراك في آسيا الوسطى. وأول إشارة إلى أنه وصل موفد بيزنطي إلى الصين تعود إلى سنة 1091. هناك إشارات في السجلّات الصينية تشير إلى أن موفداً من الإمبراطور البيزنطي وصل إلى بلاط الإمبراطور الصيني في محاولة لإقامة تحالف مع الصينيين لمواجهة خطر الأتراك. في ما عدا ذلك لم يستطع البيزنطيون تخطّي الحاجز الذي فرضه الفرس.

غسان الشامي: ما زالت العلاقة إذاً سياسية، ليست ثقافية.

بيار مكرزل: نعم.

غسان الشامي: هذا يعني انغلاق أفكار العالم الغريغوروماني، والثقافة الهلنستية لم تطرق أبواب الصين. هل يعني ذلك انغلاق الصين أو تشرنقها على ثقافتها الخاصة؟

بيار مكرزل: لا، لأن الصين كانت منفتحة على آسيا الوسطى، على الهند، على بلاد فارس. إنما الرومان تأخّروا في التعرّف إلى الصينيين.

غسان الشامي: إذا عدنا إلى الشرق، ما دور بيروت وصيدا وصور وجبيل واللاذقية في موضوع معامل وطريق الحرير؟

بيار مكرزل: في الحقبة البيزنطية أدّت هذه المدن دوراً مهمّاً لأنه كانت فيها أولاً مصانع لحياكة النسيج، وبحكم موقعها على الساحل كانت مراكز تصدير هذه البضائع إلى أوروبا.

غسان الشامي: أو شمال أفريقيا؟

بيار مكرزل: نعم. إلى شمال أفريقيا وإلى أوروبا. في مرحلة لاحقة أصبحت هذه المناطق منتجة للحرير. بعد منتصف القرن السادس الميلادي صار في كل هذه المناطق يُنتَج الحرير. لم تعد هناك فقط مصانع لحياكة نسيج الحرير، بل صارت منتجة أيضاً. فزادت أهميتها. ولكن في ما بعد لمّا سقطت هذه المنطقة بأيدي المسلمين تغيّر التوجّه التجاري. في مرحلة أولى، في العهد الأموي، كانت ما زالت قائمة نوعاً ما. ولكن في ما بعد، في العصر العباسي، تحوّل المركز التجاري الأساسي باتجاه بغداد كما ذكرت، فضعف دور هذه المدن.

غسان الشامي: ما يلفت أيضاً في دراساتك أنه منذ القرن الخامس عشر مثلاً فُتحت قنصليات في حلب وأهمهم البنادقة، أهل البندقية. في أية فترة أدّت حلب دوراً محورياً في القوافل البرية لطريق الحرير؟

بيار مكرزل: في القرن الخامس عشر ليس فقط في حلب فُتحت قناصل. كان القناصل موجودين وتحديداً البنادقة لأنهم كانوا الأكثر...

غسان الشامي: إمساكاً بالتجارة.

بيار مكرزل: أهم مركز كان في دمشق. في النصف الثاني من القرن الخامس عشر بدأ دور حلب يتطوّر نوعاً ما في ما خصّ تجارة الحرير لأنه بدأ يفد إلى حلب قسم كبير من الحرير الخام الفارسي. ولكن حلب ستؤدّي الدور الأبرز في العهد العثماني.
مع نهاية العهد المملوكي ستتحوّل حلب إلى المركز الرئيسي لإعادة توزيع الحرير والتوابل وكل البضائع والمنتجات الآتية من الشرق الأقصى على الأسواق المحلية.

غسان الشامي: كيف انهار طريق الحرير؟

بيار مكرزل: الطريق البري شهد انهياراً منذ القرن الرابع عشر أو الخامس عشر عندما تفكّكت الإمبراطورية المغولية، انهار نهائياً. الطريق البحري استمر. ولكن بدأ يضعف نوعاً ما مع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح أولاً. ومن ثم بعد ذلك، مع قناة السويس، افتتاحها سنة 1869 صحيح أنه سرّع حركة التجارة مع الشرق الأقصى، ولكن عملياً ما يُسمّى طريق الحرير اختفى.

غسان الشامي: الثورة الصناعية ماذا قدّمت لطريق الحرير؟ هل سرّعت في انهياره برّيّاً؟

بيار مكرزل: برّيّاً كان منهاراً وقت الثورة الصناعية. ولكن على صعيد التجارة البحرية، خفّ الاستيراد لأن الحرير أصبح منتجاً في كافة أرجاء أوروبا.

غسان الشامي: وأثر هذا الانهيار بالتحديد على الشرق وعلى مصر؟

بيار مكرزل: بالتأكيد، لأن المداخيل التي ستدخل إلى... مصر لا. في مصر هناك حركة التجارة البحرية، بقيت.

غسان الشامي: ولكن هي معبر، ممرّ.

بيار مكرزل: لم تكن هناك نتائج كارثية على مصر. بالتأكيد ضعفت العائدات، ولكن ليست تلك النتائج الكارثية. لا ننسى أن قناة السويس زادت من أهمية مصر في القرن التاسع عشر، زادت من أهمية مصر التجارية. تأثير الحرير وفقدان الحرير والثورة الصناعية ستتأثّر بها أكثر منطقة الشام وهذه المناطق أكثر. ستتأثر أكثر مما تأثّرت بها مصر.

غسان الشامي: وبالمحصّلة العامة، هل ترى أنه يجب أن نسمّي هذا الطريق أو هذا الموضوع طريق الحرير؟ أو نعود إلى تسميته: طريق التجارة الدولية القديمة؟ وما موقعه الآن في العالم المعاصر؟

بيار مكرزل: نعم، طريق التجارة الدولية القديمة أفضل، لأن الحرير كان أساس التجارة لفترة محدودة جداً أي خلال حقبة معيّنة كان الحرير أساس التجارة، ولاحقاً لم يعد الحرير. صحيح أنه ظلّ الحرير مهمّاً. لا نقول إنه فقد أهميته، لكنه ليس الأساس في التجارة.

غسان الشامي: إذاً تسمية طريق الحرير هي تسمية دراسية فقط أو مصطلح دراسي.

بيار مكرزل: مصطلح يُستعمَل. لم يعد يستعمله اليوم إلّا علماء التاريخ والآثار.

غسان الشامي: هناك محاولات سوريّة قامت بها، هناك كركلّا...

بيار مكرزل: نعم، صحيح.

غسان الشامي: هل يمكن إحياء مفهوم طريق الحرير؟

بيار مكرزل: إحياء مفهوم طريق الحرير من حيث انفتاح الأسواق على بعضها البعض.

غسان الشامي: فولكلوريّاً؟

بيار مكرزل: الحرير كحرير، إعادة إحياء طريق حرير، من الصعب جداً. إنما اليوم من خلال ما يُسمّى طريق الحرير المقصود به إعادة فتح أسواق الشرق الأقصى على منطقة الشرق الأوسط وتسهيل نقل الأموال وتفعيل التجارة وفتح الأسواق الصينية والأسواق العربية على بعضها البعض.

غسان الشامي: سؤالي الأخير: خلال بحثك في هذا الموضوع، وهو بالمناسبة شائق، واسمح لي أمام الجمهور المحلي والعربي أن أتمنّى عليك أن تنشره باللغة العربية وليس ككتابك هذا بالفرنسية لأننا جميعاً نحتاج إليه. كم من الوهم والخيال وجدت وأنت تتابع عيانيّاً طريق الحرير؟ كم وجدت من الوهم والخيال في ثقافات العالم؟

بيار مكرزل: بالتأكيد، عندما نقرأ عن طريق الحرير نسافر عبر هذا الطريق.

غسان الشامي: نسافر بالخيال.

بيار مكرزل: طبعاً. بعد المسافات، السفر نحو المجهول، هي ما خلق هذه المخيّلات عند الناس.

غسان الشامي: وتضخيم الوقائع.

بيار مكرزل: بالتأكيد.

غسان الشامي: هل هذا جزء من الذهنية الشعبية مثلاً؟ يحبّون هؤلاء العماليق والعنقاء.

بيار مكرزل: بالتأكيد، لأن السفر إلى بلاد مجهولة، عندما يعود هذا المسافر، هذا التاجر، يكون الناس في انتظاره وماذا جلب معه من جديد عن هذا البلد. فيكتبون هذه الأساطير وهذه الخرافات وهذه الأمور.

غسان الشامي: شكراً لك.

كم أصبح العالم، أعزائي، في متناول قبضتنا! وكم كان التثاقف يحتاج تعباً ومالاً وحروباً! هل من المعقول مثلاً أن إمبراطورية مثل روما، كما أسلفنا، حكمت أغلب العالم القديم ألف عام وبقيت الصين مجهولة عندها، والعكس صحيح؟

شكراً للبروفسور بيار مكرزل على طرقه طريق الحرير.
شكراً لزملائي الأعزّاء في "أجراس المشرق" وقناة الميادين.
ولكم أنتم أنّى كنتم:

سلام عليكم وسلام لكم.