كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

كوبا - فيدال كاسترو

جورج غالاواي: انا (جورج غالاواي)، أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية حيث نحن، هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أو على التلفاز أم هنا في شوارع “لندن". "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي حوار مزدوج الاتجاهات. تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية 

المحور الأول:

جورج غالاواي: أهلاً بكم في برنامج "كلِمة حرّة"، معي (جورج غالاواي)، على قناة "الميادين" في حلقة تأتيكم من (لندن) ونناقش فيها (كوبا) و(فيدل كاسترو). ينضم إلي جمهورٌ من الخبراء المُميّزين وواحد أو اثنين من الهواة المتحمّسين أمثالي علماً أنه، وفي هذا الموضوع، أنا أميل أن أكون على جانب الخبراء أكثر من الهواة لأنني حظيتُ بشرفٍ عظيم وامتياز خلال ثلاثة أو أربعة عقود في أن أمضي مئات الساعات بصحبة (فيدل كاسترو) الذي توفّيَ مؤخراً عن عمرٍ يُناهز التسعين عاماً. أقول أنه مات قبل فترة قصيرة لكنه في الحقيقة، وأعلم أنّ هذا الكلام غالباً ما يُقال عند موت العظماء من الناس، في الحقيقة (فيدل كاسترو) لم يمُت، هو يعيش في آمال وعقول وقلوب مئات الملايين من الناس حول العالم، في (كوبا) وفي أميركا اللاتينية لكن أيضاً في أماكن بعيدة كما (أفريقيا) و(آسيا) وما وراءها. لقد كان شخصية عظيمة بالفعل، ليس فقط بشكلٍ مجازي إنما أيضاً مادّيّ. لقد كان رجلاً هائِلاً وقوياً من كلّ النواحي، وقد تمكّن برأيي من أن يكتُب اسمه على النجوم ولن يُنسى أبداً. لقد انضمّ إلى مجموعة صغيرة من الناس الذين بالإمكان التعرُّف على أسمائهم عبر العالم فقط من خلال صورتهم، أو هم معروفون في العالم فقط من خلال إسمهم الأول. إن اقتربت من أيّ أحد في أيّ مكان تقريباً من العالم وتحدّثت عن (فيديل)، سيعرِف الجميع عمّن تتكلّم. لقد كان شخصيةً عظيمة تاريخياً، أن تُمضي الوقت معه يُخولّك أن تعرِف مدى عظمته وكم من القضايا العظيمة والأحداث التي كان في وسطها. لكن لنتمكّن من تقدير (فيدل كاسترو) بالشكل الصحيح، ينبغي علينا النظر خلفاً إلى ما كانت عليه (كوبا) سابقاً قبل انتصار الثورة الكوبية في عام 1959 تحت قيادة (فيدل كاسترو) وآخرين مثل (تشي غيفارا) و(كميلو سيينفويغوس) ومثل (راوول كاسترو) الذي لا يزال الآن رئيس (كوبا). بصراحة، ولا أقصِد بذلك إهانة للشعب الكوبي، لكن (كوبا) كانت بيت دعارة لأسوأ الناس في الولايات المتحدة الأميركية، لقد كانت كازينو وماخوراً وملعباً للطبقات المُجرمة والمافيا والجريمة المنظّمة في الولايات المتحدة الأميركية وللسياسيين الذين كانوا مُرتهنين لهم، وقد كانوا كُثراً. الحقيقة هي أنّ الفصل العُنصري كان يُمارَس على نطاقٍ واسع في (كوبا). لقد كان هناك بؤس هائِل وفقرٌ بين الناس على الجزيرة. متوسّط العُمر المتوقّع كان منخفضاً فيما كان مُعدّل وفيات الأطفال مرتفعاً، ومعرِفة القراءة والكتابة كادت تكون عملياً معدومة للجماهير الشعبية، كلّ ذلك تحوّل تحت قيادة (فيديل كاسترو). الآن، وخلال السنوات الـ 90 التي عاشها قد تبدو مثالاً رائِعاً لنا جميعاً فجميعنا يأمل أن يصل إلى سنّ الـ 90 ولديكم فرصة أكبر في تحقيق هذا الأمل في (كوبا) أكثر من الولايات المتّحدة لأنّ متوسّط العُمر المتوقّع في (كوبا) هو أطول مقارنةً مع الولايات المتحدة الأميركية. مُعدّل وفيات الأطفال، إمكانية احتمال نجاة طفلك أثناء عملية الولادة وفترة الطفولة المُبكرة هي أعلى بكثير في (كوبا) بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية، ولدى (كوبا) نظام صحي مجاني تماماً لكلّ شخص يعيش على الجزيرة، وهو الأمر القابل للمُقارنة ليس مع الولايات المتحدة الأميركية وحسب بل بصراحة بالخدمات الصحية الأفضل بكثير في أوروبا، حتّى على نطاق المُقارنة الاسكندنافية التي تتفوّق (كوبا) فيها. لقد تمتّع شعبها بالمكانة المهيبة في العالم تحت قيادة الحكومة الثورية التي أسّسها (فيديل كاسترو) التي لم يكن في الإمكان أن يحلموا بها قبل النصر عام 1959. كانت (كوبا) مُجرّد جزيرة صغيرة، تبعُد عن الولايات المتحدة الأميركية المسافة نفسها ما بين (إدنبرة) و(غلاسكو)، وكما قلت، كانت مُجرّد ملعب لأسوأ العناصر في الولايات المتحدة الأميركية. لم يكن أحد في باقي العالم قد سمِعَ بها فعلياً. الآن (كوبا) مشهورة في كلّ مكان، إنها على الأرجح المكان الأروع على وجه الأرض. لو أردتم أن تجروا تصويتاً على بلدٍ لم يزُره الناس بعد ويرغبون في زيارته، ستجدون أنّ (كوبا) تحتلّ المرتبة الأولى بلا مُنازِع، وهذا لا يُعزى إلى الانتصارات العظيمة في عمليّة تغيير حياة الكوبيين العاديين وحسب، وهو السبب في كوننا مهتمين مع هذا الجمهور عبر العالم العربي بـ (فيديل كاسترو) اليوم، إنّها الأُممية. لقد أقحمت (كوبا) نفسها في خِضمّ سجلات أحداثٍ بعضها من أكثر الأحداث السياسية تميّزاً في القرنين الـ 20 والـ 21. بين الأسباب التي دفعت الناس في جنوب أفريقيا إلى أن يُعلنوا الحداد على (فيديل كاسترو)، وهو أمرٌ ليس معروفاً جداً كما يجب، أنّ قوات الفصل العُنصري لنظام الفصل العنصري في (جنوب أفريقيا) كانت مُسلّحة ومدعومة عملياً من قِبَل كلّ البُلدان الغربية. من الأهمية بمكان تذكُّر ذلك الآن، لأنه ما إن خرج (نيلسون مانديلا) من السِجن، لكنتم ستعتقدون أن (بريطانيا) والولايات المتحدة وغيرهما كانوا دوماً ضدّ حبسه؛ إنا لستُ طاعناً في السنّ كثيراً لكنني شاهدت رئيسة الوزراء البريطانية (مارغريت تاتشر)، رأيتُ شفتاها تتحرّكان وسمعت هذه الكلمات من فمها، "(نيلسون مانديلا) ليس سوى إرهابي". الحكومات الغربية دعمت نظام الفصل العُنصري، لكن (كوبا) ساعدت على إسقاط نظام الفصل العُنصري تارِكةً دماء وعظام جنودها في ساحات معارِك (أنغولا). لقد هزموا جيش نظام الفصل العُنصري وسرّعوا في عملية موته وانهياره. لقد حارب (تشي غيفارا) مع أعظم القادة الأفارِقة على الإطلاق، (باتريس لومومبا) في (الكونغو) عندما أطاحت به الإمبريالية وأغرقت بلاده بالدماء وسلّمتها إلى أسوأ دكتاتور في التاريخ، المُحتال السارِق واللصّ الأكبر (موبوتو سيسي سيكو). لقد كان الكوبيون هناك يُقاتلون دفاعاً عن (لومومبا). الكوبيون كانوا يُحاربون في (فيتنام) للدفاع عن (فيتنام) في وجه الاجتياح والعدوان الأميركي. الكوبيون كانوا يُحاربون على جزيرة (غرينادا) الصغيرة جداً. لم يكونوا جنوداً كوبيين في هذه الحال بلّ عُمّال بناء حدثَ أنهم كانوا يبنون مطاراً للشعب الغرينادي عندما اجتاح (رونالد ريغان) بلداً من دول الكومنويلث من دون أن يُخبِر حتّى الملِكة عن نيّته القيام بذلك. لقد سُحِقَت القوات المُسلّحة الغرينادية، لكن عمال البناء الكوبيين استمروا في مُحاربة قوات البحرية الأميركية حتّى الرمق الأخير. (كوبا) كانت مُشارِكة في كلّ معركةٍ نضالية لأجل الخير وضدّ كلّ شرّ وفي كلّ مكانٍ ممكن في العالم. بلدٌ صغير من 11 مليون إنسان تحت حصار دائِم منذ اليوم الأول من الولايات المتحدة، جارتها الهائِلة القوية. وعلى الرغم من ذلك كما يقولون وكما بلدان أُخرى اكتشفت، "الحاجة أُمّ الاختراع". الحصار المفروض على (كوبا) والحظر على (كوبا) قادا إلى وضعٍ حيث كلّ أنواع الأشياء المُدهشة والرائِعة قد تطوّرت في (كوبا)، والتي ما كانت لتتطوّر من دون ذلك، مثل قطاع البحوث الطبيّة الحيوية بكامله الذي يُعدّ رائِداً في العالم كلّه. العلاجات واللقاحات والتحصين ضدّ كلّ أنواع الأمراض ظهرت من هذا البلد الصغير جداً المنسوب إلى العالم الثالث. كلماتي الأخيرة حول هذا الموضوع حتّى الآن هي التالية: بالمقارنة مع دول العالم الثالث الأُخرى، لا يُمكن لأحد إنكار إنجازات (كوبا)، وهذا ما يجب ألاّ يغيب عن البال. لم تكُن (كوبا) بالبلد الذي يُذكَر، والآن (كوبا) بالتأكيد بلد مُميَّز والسبب في هذا هو قيادة الثورة الكوبية وعلى وجه الخصوص القائِد الأعلى (فيديل كاسترو). هذه هي وجهة نظري لكن هذه "كلمة حرّة" وهذا يعني أنّ للجميع الحقّ في طرح رأيهم بحريّة، وسواء أكانوا يتفقون معي أم لا، أُريدهم أن يُعبّروا عن رأيهم. فلنستمع من السيّد في الصفّ الأمامي. نعم أيها السيّد

جوليان مورو – ناشط: شكراً جزيلاً (جورج). كما سلّطت الضوء للتوّ، (فيديل كاسترو) و(نيلسون مانيلا) كانا صديقين قاتلا على الجانب نفسه وخاضا المعركة نفسها حتّى حرفياً عند نُقطةٍ ما في (أنغولا)، وعندما توفّيَ (نلسون مانديلا)، جاء الكثير من المنافقين من أصقاع الأرض ليذرفوا دموع التماسيح في جنازته. لماذا لم يفعل المنافقون ذلك لأجل (فيديل كاسترو)؟

جورج غالاواي: (كاسترو) و(كوبا) يُشكلان تهديداً حقيقياً، ليس تهديداً عسكرياً أو اقتصادياً، إنه تهديد لمثال جيِّد. إنه تهديد من أنّ الأمور يُمكن أن تكون مُختلِفة، أنواع مُختلفة من البُلدان ونوع مختلف من العالم، وهذا ممكِن بالفِعل. (كوبا) تُشكّل تهديداً لفكرة أنّ البلدان الصغيرة يجب أن تُهيمن عليها البُلدان الكبيرة، وفي أنّ البُلدان الصغيرة لا يُمكنها امتلاك سياسة مُستقلة، لا يُمكنها أن تحرِث أرضها الخاصّة وتخلق مسارها الخاص، وفي تلك الجوانب لا يريدون تشجيع (كوبا) أو أي بلدان أُخرى على انتهاج المسار الكوبي. في هذا الإطار، لا أدري إن كنتم تذكرون مُحاولة إيجاد "اللغة الجِسر" في أميركا اللاتينية، والولايات المتحدة كانت تتدخل هنا وهناك وفي كلّ مكان لتوقفهم عن خوض مسار (كوبا)، ليوقفوا أطفالهم عن العيش مُدّةً أطول، ليوقفوا أطفالهم عن أن يكونوا مُتعلّمين بالمجّان تماماً من الحضانة حتّى الدكتوراة، حتّى نحن أنفسنا لا نمتلك ذلك. بالتالي، هذا مثال كان يجب أن يُسحَق، غير أنهم أخفقوا في سحقه. إذاً، وعلى نحوٍ كبير، ما إن بدا جلياً أنّهم لن يسحقونه فقد فضّلوا أن يتجاهلوه. لكنني كنتُ أُفكِّر مثلك، لماذا كانت وسائِل الإعلام البريطانية، لا أعلم بشأن الإعلام الأوروبي، ولكن الإعلام البريطاني والأميركي الشمالي كانوا ناقمين جداً وبمرارة على موت (فيديل كاسترو)؟ وقد عزوت الأمر للتالي، إنها طريقتي في التفكير وحسب. لقد مثّلت (كوبا) فكرة "الجماعية"، فكرة الـ "نحن" عوضاً عن "الأنا". لقد مثّلت فكرة "دوماً" عوضاً عن فِكرة "الآن". الغرب يؤمن بـ "الأنا" و"الآن" بينما (كوبا) بعد الثورة تؤمن بـ (نحن) و "دوماً"، وهذا بالطبع يخلِق الخلافات. أنا واثق من أنّ السيّد الجالِس إلى جانبك يُمكن أن يُشير إلى بعضٍ منها. هذا يعني أنّ بعض الناس لا يمتلِك حريات في (كوبا) كتِلك التي قد يمتلِكها في الغرب. أنت لا تمتلِك الحريّة في أن تُنشئ عملاً وتوظِّف أُناساً وتستغِلّهم وتجني الأرباح من ورائِهم. عليك أن تخوض قنوات مُعيّنة لتتمكّن من القيام بذلك، علماً أنه أصبح من المُمكن بشكلٍ متزايد أن تُنشئ الأعمال. لكن هذا لأنّ (كوبا) تؤمن بـ "نحن" و"دوما" و "الجماعيّة"، وهذه مسألة أيديولوجية. في واقع الأمر، إن فكّرت في الأمر، إنها المسألة الإيديولوجية الأساسية. هلّ نريد عالماً من الأشخاص المجزّئين وبالتالي الحرية المزعومة في أن يفعلوا ما يشاؤون؟ على الرغم من أنّك إن ذهبت إلى فندق The Ritz من دون المال لتدفع، بصراحة ما كانوا يدخلونك لأنك لا تضع ربطة عنق. إن ذهبت إلى الـ Ritz حيث أنت حرّ في أن تفعل ذلك، إن كنت لا تملك المال لتدفع ثمن الشاي هناك، الذي يُساوي 11 جنيهاً ونصف الجنيه بالمناسبة مقابل كوب من الشاي لأنني ذهبت إلى هناك، هذا نوعٌ من الحرية وهذا صحيح، حيث أنه لا يوجد Ritz في (كوبا). لكن ما هو موجود هو فكرة أن في إمكاننا فعل ذلك معاً وفي أننا سننجح أو نُخفِق معاً على الطريق وأننا سنتشارك في العائِدات التي قد تتمخّض. إذاً، لهذا السبب لم تكُن تُذرَف دموع التماسيح هناك، لكن كانت هناك دموعٌ حقيقية في جميع أصقاع الأرض، دموعٌ حقيقية. (تشارلي) لقد أثرت حفيظتك تماماً 

تشارلي وولف – صحافي وعضو في الحزب الجمهوري الأميركي: شكراً (جورج)  

جورج غالاواي: (تشارلي وولف) أميركي جمهوري في الخارِج وهو فصيح جداً، تفضّل

تشارلي وولف: أعلم أنّ هذا موضوعٌ لن نتّفِق عليه كثيراً. ما زلت أعتقد أنّ عليك النظر إلى ما كان عليه، ولسوء الحظّ لا أعتقد أنه كان رجلاً لطيفاً جداً. أعتقد أنه كان بشكلٍ أساسي مُجرماً وسفّاحاً، وقد سمعتُ عنه الآن من رجل خِبرة. لقد التقيتُ أنت بالرجل لكنني لم أفعل. لكن بالسماع إلى الكوبيين من الناس في (أميركا) الذين تعرّض آباؤهم للسجن والضرب والتعذيب تحت قيادة نظام (كاسترو)، كان على الأرجح من أقوى الأشياء التي سمعتها خلال الأسابيع التي تلت موت (فيديل). أعلم أنّك تحدّثت عن المُشاركة والجماعية في حين أنّ (فيديل) امتلكَ 4 مليارات في اعتقادي، وفقاً لمجلّة (فوربز) قبل بضع سنوات والكثير من العشيقات، لكن كان بشكلٍ أساسي سفّاحاً. وبالنسبة لي الحريّة هي كلّ شيء. المُشكلة في الجماعية هي أن يُفرَض عليّ أن أعيشها. تحضرني مقولة سريعة من رواية "المنبع" للروائية (آين راند)، ولا يُمكنني أن أذكُر اسم الشخصية التي تلعب دور الناشر الذي ذهب إلى محلّ عمل (هاورد) قائِلاً، " (هاورد)، إن وقعت من هذا القارِب سأقفز وأُحاول إنقاذك، سأموت لأجلك لكن لا يُمكنني أن أعيش لأجلِك"، وأعتقد أنّ هذه هي المُشكلة مع النظام الجماعي الذي تتحدّث عنه. إنّها مُحاولة دفع كلّ شخص نحو تسيير حياته في سبيل خلاص الشخص الآخر إن جاز التعبير. إنّكَ حسن النية في رغبتك برؤية (كوبا) الجميلة التي فيها الرعاية الصحية إلى آخره، لكنني ما زلت أعتقد أنّ الكلفة دفعها الكوبي العادي، وسيكون موقفي كما كان في اتصالاتي الهاتفية على إذاعة (توك سبورت) حيثُ عمِلَ كلانا قبل سنوات، كان هناك رجل يتّصل ويُروِّج دوماً لـ (كوبا)، وكنت أُنهي كلامي بالجملة المعهودة: " قلّ لي كم من شخص يسبحون من (ميامي) إلى (هافانا)؟" أعتقد أنّ العكس هو الصحيح

جورج غالاواي: أولاً، التعذيب الوحيد الموجود في (كوبا) موجودٌ في قاعدتكم العسكرية غير الشرعية المُسمّاة بخليج (غوانتانامو). ثانياً

تشارلي وولف: ليست قاعدة غير شرعية

جورج غالاواي: ثانياً، .. إنها غير قانونية تماماً. إنها غير مرغوب بها من قِبَل الشعب الكوبي أو حكومته، ولهذا السبب مزّقوا الشيك المدفوع للإيجار الذي أرسلتموه

تشارلي وولف: لكن لدينا إيجار قانوني

جورج غالاواي: ثانياً، أعتقد ربما ثالثاً، ليس فقط في كون (كاسترو) لا يمتلك أربعة مليارات أو أربعة آلاف أو أربعة مئة أو أربعة دولارات. لم يمتلِك (فيديل كاسترو) قرشاً واحداً. أعرِف ذلك لأنني جلست معه في لقاء تلفزيوني في اليوم الذي نشَرَت فيه مجلّة (فوربس) تلك المقالة، وقال " إن كان في إمكان أيّ شخص أن يُبيِّن أنّ في حوزتي دولاراً واحداً في أيّ حساب مصرفي في أيّ مكان في العالم، فلن أستقيل من منصبي وحسب بل سأُخرِج مُسدسي وأُطلِق النار على نفسي". قال هذا مُباشرةً على التلفزيون الكوبي. إنها أكثر إشاعة كاذِبة وعبثية في القول أنّ (فيديل كاسترو) امتلك أربعة مليارات دولار. ما الذي قد يفعله بها؟ لقد كان يرتدي بزّة مُقاتِل أو بذلة رياضية وهو لم يُغادر (كوبا) سوى في عملٍ سياسي. لم تكن لديه سيارة ولم يكن لديه منزِل، لقد كان يكسب مثله مثل أيّ موظّف فاعِل آخر في الحكومة وذلك كان الدخل الوحيد لديه. والكوبيون الذين التقيتهم أنت في (أميركا) هُم الناس الذين امتلكوا وعملوا في بيوت الدعارة والكازينوهات وغيرها من الحاجيات الخاصّة للطبقة المُجرِمة التي تحدّثتُ عنها آنفاً. بالطبع هم يكرهون (كاسترو)، لقد حرمهم، حرمهم من بيوت الدعارة التي كانوا يُديرونها                

تشارلي وولف: هؤلاء نُشطاء في مجال حقوق الإنسان

جورج غالاواي: أيُّ نشطاء في مجال حقوق الإنسان! لماذا لم يكونوا نشطاء لأجل حقوق الإنسان في (تشيلي) حيثُ وضعتُم دكتاتوراً قتل عشرات الألوف من الناس؟ اسمع، من حقوق الإنسان أن ينجو طفله من فترة الطفولة المُبكرة، من حقوق الإنسان أن تعيش حياة طويلة بصحة جيّدة، من حقوق الإنسان أن تتمتّع بمأوى لائِق وعمل وحدٍّ أدنى من الأمن الغذائي الأمر الذي لا يُمكن للناس في مُعظم بلدان العالم الثالث سوى أن يحلموا به. هناك بالفِعل قيود على حقوق الإنسان وعليّ أن أقول لك شيئاً يا (تشارلي). عندما وقفنا وحدنا ضدّ (هتلر) حين كان الأميركيون يُشاهدون الحرب في النشرات المصوّرة، وعندما لم يأتِ أحدٌ لمُساعدتنا، وقفنا وحدنا هنا بينما كان (هتلر) على مسافة 22 ميلاً في موانئ القناة. لم تكن حينها تتوافر حقوق الإنسان لتُساندنا ضدّ (هتلر) في (بريطانيا) في ذلك الوقت، حتّى أنه لم تكن هناك انتخابات في (بريطانيا) في ذلك الوقت. لقد وقفنا وحدنا ضدّ الوحشية التي لم تبعُد عنّا سوى 22 ميلاً في حالنا و70 ميلاً في حال (كوبا) كمسافة عن الولايات المتحدة. بالطبع هناك قيود على حقوق الإنسان في (كوبا) لأنّ بلادك، وعلى توالي عشرة رؤساء، عشرة منهم حاولوا مئات المرّات اغتيال قادة الثورة الكوبية. لقد اجتحتم البلد وخرّبتموها وعرّضتموها للإرهاب الدولي، لقد حاصرتموها وعزلتموها، وبصراحة، من المُعجِر أنّ المُجتمع المدني تطوّر بالطريقة التي تطوّر فيها في (كوبا)، في بلدٍ تحت حصار مماثل. يُمكننا أن نناقش حقوق الإنسان والقيود على الحُرية الاقتصادية والسياسية، وأنا أقول لك أنه من المُعجِز أنّ الحريات التي يتمتّعون بها موجودة أصلاً في تلك الظروف. لكنني واضح تماماً في أنّ الغالبية العُظمى من الشعب الكوبي أعلن الحداد على موت (فيديل كاسترو)، والغالبية العُظمى من شعوب أميركا اللاتينية أعلَنت الحداد على موت (فيديل كاسترو) وستبقى ذكراه بينما ستُنسى أسماء كلّ هؤلاء الرؤساء العشرة الذي حاولوا قتله. لكن سيكون هناك المزيد منكَ ومنّي ومن باقي الجمهور في المتبقي من حلقتنا

المحور الثاني:  

جورج غالاواي: أنتم تُشاهدون "كلمة حرّة"، معي (جورج غالاواي)، على قناة "الميادين" في حلقةٍ تأتيكم من (لندن) ونناقش فيها (كوبا). لقد جالت كاميرا "الميادين" شوارِع (لندن) لتسأل الناس رأيهم في موت (فيديل كاسترو)

المُحاورة: ما هو ميراث (فيديل كاسترو)؟

رأي شاب 1: لديه ميراث مُختَلَط جداً

رأي شاب 2: أنا لا أؤيِّد كلّ أفكاره أو أساليبه في السلوك، لكنه كان قائِداً عظيماً وناضل لأجل بلده ولأجل شعبه. لقد جلب الكثير من الأمور الجيّدة مثل الرعاية الصحية

رأي شابة 1: لقد خلق نظاماً أكثر ميلاً إلى الدكتاتورية في (كوبا). أعتقد أنه تسبّب بالكثير من الصراعات، على الأقلّ مع المُهاجرين. لقد شهِدنا الكثير من المُهاجرين يأتون إلى جنوب الولايات المتحدة الأميركية

رأي شابة 2: الثورة والتمرّد على الولايات المتحدة أيضاً

رأي شاب 1: الرعاية الصحية والبرامج الاجتماعية، مُعدّل وفيّات الرُضّع في (كوبا) هو على الأرجح الأفضل في أميركا الجنوبية

المُحاورة: هلّ على الشعب الكوبي السعي وراء علاقات أقرب مع الغرب؟

رأي شابة 1: أعتقد، بالتأكيد عليهم القيام بتوطيد العلاقة مُجدّداً مع المُجتمع العالمي. أعتقد أنّ ذلك جيدٌ بالنسبة لنا جميعاً، الشعب الكوبي تحديداً، من مصادِرهم وتجارتهم

رأي شاب 1: أعتقد أنّ الكثيرين من الشعب الكوبي يرغبون بعلاقات أقرب مع الغرب خاصّةً لأسباب اقتصادية

رأي شابة 2: أعتقد أنّ ذلك قد يُحسِّن نوعية حياتهم ربما، لكنني لا أعرِف أيّة نتيجة قد تتمخّض. أعني قد تكون هذه نتيجة إيجابية

المُحاورة: هلّ على الشعب الكوبي السعي وراء علاقات أقرب مع الغرب؟

رأي شابة 1: ليس بالضرورة

رأي شاب 1: غالباً ما يعني التقارب مع الغرب الطغيان الغربي وهو شيء غير جيِّد لاسيّما بالنسبة لبلدٍ صغير مثل (كوبا)، وهذا الشيء حاربه (كاسترو) خلال السنوات الخمسين الماضية

جورج غالاواي: أحسن قولاً هذا الشاب، يبدو أنّ لديه لكنةً روسية. فلنستمع من السيّدة في الصفّ الأمامي

ميدي فالبيرديه – مُدرِّسة: اسمي ( ميدي فالبيرديه). أنا عالمة تربوية، وأنا أسمع الكثير عن (فيديل) وأعلم أنّ (فيديل) سيبقى معنا إلى الأبد. من بين أعظم الأشياء التي قام بها (فيديل) كانت تحسين التعليم عبر (كوبا) وكان لهذا تأثير هائِل ليس في أميركا اللاتينية فحسب بل في العالم كلّه. أكبر حملة تعليم في العالم جرت في (كوبا) عام 1961، وكثيرٌ من البلدان قلَّد تلك الحملة. ما فعله كان إرسال آلاف الناس إلى ضواحي (كوبا)، وأولئِك الناس علّموا الأُميين من الناس هناك. لقد رفع نسبة التعليم في (كوبا) من 40 في المئة إلى 96 في المئة في عامٍ واحد، لذا علينا الاقتداء بهذا المثال. أنا من (البيرو) وأرغب في أن أرى شعبي، الذي لا يزال يُعاني من الأُمية بنسبة 8 إلى 10 في المئة في (البيرو)، أودّ الوصول إلى تلك المناطق حيثُ السكان الأصليين وأن أعمل معهم وأُعلِّمهم القراءة والكتابة، وأنّ علينا أن نحذو حذو (فيديل)

جورج غالاواي: وقد فعل ذلك الكثيرون بالطبع. لقد صدّرت (كوبا) وكانت أكبر صادراتها ليس التبغ أو مشروب الروم، بل صادراتها الكُبرى كانت من الأطباء، وأولئِك الأطباء يُمكن العثور عليهم في أماكِن بعيدة جداً وعلى نطاق واسِع. بالمناسبة، أولئِك الأطباء يتحدّرون من الجماهير الشعبية على عكس الأطباء في مُعظم البُلدان الغربية. سأُخبركم قصةً وهي جيِّدة، عن صديقٍ لي أقلَّ في سيارته سيّدتين من ذوات البشرة السوداء تعملان في قصب السُكّر إلى منزلهما في مكانٍ ناءٍ جداً في (كوبا) حيثُ لا يوجد سيّاح أبداً، والسيّدة قاطعة قصب السُكّر مع المِنجل على كتِفها قالت لصديقي، " من الجيّد أن الأجانب يأتون إلى هذا الجزء من (كوبا) الآن، ولكَ أن تعلم أنّ الكثيرين من الكوبيين من هنا يذهبون إلى الخارِج". (جون بيفين) صديقي الذي كان يقود السيارة، وهو يتحدّث الإسبانية بطلاقة، قال، "حقاً؟" فأجابته "نعم. ابنتي طبيبة وهي تعمل في الخارِج في بلدان فقيرة". الآن دعوني أُذكِّركم بهذا مُجدّداً، ابنة قاطعة قصب السُكّر السوداء كانت طبيبة وتعمل في بلدانٍ فقيرة. في أيّ بلدٍ من بُلدان العالم الثالث الأُخرى، ابنة قاطعة قصب السُكّر السوداء كانت لتكون قاطعة قصب سُكّر وليست بطبيبة. دعونا نُمرِّر الميكروفون حول الجمهور. من يرغب بالتحدّث أيضاً؟ نعم أيها الأخ

مُخلِص شرودي – مُستشار سابق لرئاسة بنغلاديش: شكراً (جورج). مؤكد أننا سنستطرِد في الكلام بعد الحلقة، وأنا (مُخلِص شرودي)، المستشار السابق لرئيس (بنغلاديش) ومُحلِّل سياسي مُختصّ. نُقطتي هي أنّ (راؤول كاسترو)، شقيق (فيديل كاسترو)، قال " أنّ الجلسة التالية لمجلِس النواب الكوبي ستُصدر قانوناً منفِذاً لرغبة (فيديل) في أنه ما إن يموت لن يستخدموا اسمه ولا صورته أبداً على المؤسسات أو في الشوارِع أو الحدائِق أو أية مواقع عامة أُخرى، وفي أنه لنّ تُصمَّم أية رايات أو تماثيل لإجلاله أبداً". ما أسألك إياه هو، أولاً، هلّ تعتقِد أنّه بموت (كاسترو) سينتهي إرثه معه؟ أمّا ثانياً، هناك نقاش دائِر حالياً حيال ما قد يعنيه موت (كاسترو) وانتخاب (ترامب) بالنسبة لوضع (كوبا) الاقتصادي. هلّ يُمكن لإدارة (ترامب) أن تُعيد العلاقات مع (هافانا)؟ انطلاقاً من قول (ترامب) أنه سيفرِض سياسته الخارجية على كثيرٍ من البُلدان؟ شكراً جزيلاً

جورج غالاواي: حسناً، (دونالد ترامب) كان يُحاول بناء الفنادِق وغيرها من مُنشآت الراحة والترفيه في (كوبا) تحت الحصار، قبل أن يُخفّف الرئيس (أوباما) بشكلٍ هامشيّ جداً من هذا الأمر. لذا، إن كان ذلك جيّداً بالنسبة لـ (ترامب) في الأيام الخوالي لا يُمكنني أن أتصوّر تغييراً في النهاية في الأيام القادمة. (ترامب) رجل أعمال، وهناك أعمال جيِّدة مُحتملة في (كوبا)، على وجه الخصوص في القطاع السياحي، لأنّ كثيراً من الناس يرغب في الذهاب إلى هناك. تجربة الذهاب إلى (كوبا) هي أفضل بكثير بالتأكيد من تجربة الذهاب إلى (ميامي). ستكون محظوظاً في أن تخرُج من مرآب السيارات في مطار (ميامي) من دون أن تتعرّض للسرِقة. لا يُمكنك أن تتعرّض للسرقِة أبداً في (كوبا). لا يُمكنك أن تتعرّض لهجوم أو الاعتداء أو لا سمح الله للاغتصاب أو القتل في (كوبا)، لكن احتمالات تعرّضك لكلّ هذا عالية في (ميامي). إذاً، (كوبا) كوِجهة سياحية تمتلِك جاذبية عالية، وأعتقد أنّ كثيراً من رجال الأعمال الأميركيين مثل (دونالد ترامب) سيرغبون في المُشاركة بالأمر. لذا، وبعيداً عن الآراء المتوتّرة، توقّعاتي أنّ العلاقات ما بين الولايات المتحدة الأميركية و(كوبا) ستستمرّ في التطبيع، لكن الطريق أمامهما طويلة. الأمر الذي أدهشني تماماً أنني عرِفت قبل بضعة أسابيع وحسب أنّه لا تزال شركات وبلدان بالتأكيد تدفع مليارات الدولارات من الغرامات للولايات المتحدة الأميركية مُقابِل جريمتها في الاتجار مع (كوبا). البنك الفرنسي "بي أن بي" دفع مؤخراً 8 مليارات دولار كغرامات للولايات المتحدة الأميركية لأنه أقام علاقات تجارية مع (كوبا). لقد كنتُ مندهشاً تماماً من هذه الأرقام وتحققت منها فتبيّن أنها حقيقية. هذا النوع من تجاوُز الحدود الإقليمية، في أن تنتحِل الولايات المتحدة الحقّ في تغريم مصرفٍ فرنسي لأنه تاجَر مع بلدٍ ثالث، هو بالطبع غطرسة وظاهرة يجب أن تنتهي. أعتقد أنّ الشعب الكوبي لن يتخلّى أبداً عن مُكتسباته، لكنهم يفعلون وقد أشار (تشارلي) إلى الأمر. هناك قطاع من الشعب الكوبي الذي يُفضِّل بالطبع أن يُجازِف في السباق الشرِس في (ميامي). ثق بي، إن حططت بطائِرة أميركية في ذلك القسم من (غلاسكو) الذي اعتدت أن أُمثّله في البرلمان وقلت للناس، " اصعدوا على متنها وإليكم بطاقة خضراء تُمكِّنكم من الذهاب للعيش في (فلوريدا)”، فستجد أن الطائِرة ستمتلئ بسرعة كبيرة فعلياً. لكن الغالبية العُظمى من الجماهير الكوبية تعلم أنّ ما يتمتّعون به لا يمتلِكه أحد آخر. ربما يُريدون ما هو أكثر وما هو أفضل، لكنهم لن يتخلّوا عمّا يمتلكونه. أيتها السيّدة

مُخلِص شرودي: ماذا بشأن الإرث؟

جورج غالاواي: إرث ماذا؟ 

مُخلِص شرودي: إرث (فيدل كاسترو)

جورج غالاواي: الإرث جليٌّ تماماً بالنسبة لي. إنه إرثٌ من الاستقلالية، إنه إرثٌ من القول بأنه لا يهُم مدى كبر دولتك أو مدى قربك أو مدى قوتك وجبروتك، لكن أنتم مُختلفون عنّا ونحن مُختلفون عنكم، ونحن سنحمي استقلالنا الوطني وسيادتنا وحقنا في أن نشُقّ مسارنا الذاتي في التاريخ البشري. أعتقد أنّ هذا سيكون الإرث بحدّ ذاته، الإرث الأهم. إنه ليس الاشتراكية وليس الشيوعية، إنه الاستقلال والسيادة. أيتها السيّدة

مارسا مارا – فنانة وناشطة: في البداية، أودّ أن أُرسل حبّنا لكلّ الكوبيين لأنّهم يخوضون عمليةً مُعقّدة من الحُزن والثُكل إضافةً إلى فهم تعقيدات التغيير في الهوية والتحوّلات التي يخوضونها. أعتقد أنّ كثيراً من الناس في العالم مُهتمّون بالكثير من مناطق الصراع العديدة، لكن علينا أن نأخذ في عين الاعتبار أنّ الإرث الذي تركه ليس شخصاً واحداً وحسب إنما مجموعة كاملة من الناس الذين حاولوا أن يكونوا مُختلفين عن مُعظم الناس في العالم. إنه إرثٌ رائِع علينا دراسته لأنّ تلك النقاط الأربع، مُعدّل الوفيات والتعليم والصحة ومُعدّل وفيات الأطفال تُحدث فارِقاً هائِلاً بالنسبة إلى كلّ سكّان الأرض. لذلك، تعلُّم الدروس بشكلٍ صحيح مما أنجزوه، وأعتقد أنهم ارتكبوا بعض الأخطاء أيضاً لكننا جميعاً ارتكبنا الأخطاء وأجدادنا كذلك، ونحن نُحاوِل أن نخلِّد رسالة حبّهم التي حاولوا أن يُجسّدوها على الأرض، وخلال ثمانية آلاف عام سنكون نحن أجداد الأجيال القادمة وسيسأل كلّ واحِدٍ منّا عن الإرث الذي خلّفناه. لذا، أعتقد أنّ جزءاً من الإرث هو "الجماعية" التي وُجِدَت سواء أكانت صائِبة أو خاطِئة. لقد كانت هناك أخطاء بالفِعل وكان هناك انتهاك لحقوق الإنسان وكانت هناك مُشكلات، وأنا من (البرازيل) واسمي (مارسا مارا) وأنا فنانة وكنتُ ناشطة سياسية في أواسط الثمانينات عندما كنّا نُحاول بناء نظام مُستقِلّ لنا ولعمليّة ازدهارِنا دونما أيّة تدخّلات خارِجية. لذا، هذا العالم المتحوّل، الذي جرى في منطقةٍ من العالم على يد مجموعةٍ من الناس تمكّنت من إنجازه، لا يُمكن أن يختفي فجأة. لكن على الرغم من ذلك يجب أن نتعلّم من هذا التحوّل وأن ننشُر ماهية عمله لأننا في جميع أنحاء العالم، جميعنا نُريد أن تنخفِض نسبة وفيات الأطفال بشكلٍ جذريّ وأن يتمتّع أحبّاؤنا بالعناية الصحية وبالمُساعدة عند مرضِهم بطريقةٍ تصون كرامتهم، وكذلك نريد التعليم. ما الذي ينسجِم مع الأُمية والفقر؟ الجريمة والصراعات والمزيد من الدمار، ما لا يتمنّاه أيّ منّا. عملية دمج كافة الحلول التي تمّ إيجادها على الصُعد المحليّة والعالمية هو ما يحتاجه العالم الآن. علينا أن نختار وننتقي كلّ ما يُلائِمنا من نُظُم، بدءاً من الصناعات الدوائية القائِمة على المُنافسة في السوق والتي تبيّن أنّها غير ناجعة وتتسبّب في مقتل الناس، فكيف لنا أن نؤمّم الصناعات الدوائِية في جميع أنحاء العالم لأجل الصالِح العام؟ الأمر الذي سيُحسّن من حياتنا بشكلٍ جذريّ كما فعلوا في (كوبا). مُعدّل الوفيات في (كوبا) ومُتوسِّط العمر المُتوقّع ونوعية الحياة تغيَّرت بشكلٍ جذريّ للكثيرين. علينا أن نشكرهم على ما فعلوه بشكلٍ صحيح، و(كاسترو) كان أحد من حاولوا أن يكونوا مُختلفين

جورج غالاواي: هذه مُداخلة تلخيصية وشاعِرية وجميلة وسأعقِّب عليها بالتحذير التالي، أو أكثر من تحذير، نقاط اختلافٍ في ما بيننا. قلتِ أننا جميعاً نريد أن ينخفِض مُعدّل وفيات الأطفال لكننا في الحقيقة لا نُريد. هناك أُناسٌ ممن يرغبون في أن تنخفِض نسبة وفيات أطفالِهم لكنهم غير مستعدّون لدفع ثمن فُرَص تحسين إمكانية الحياة لطِفلِك. هذا هو الفارِق بين " أنا" و"نحن" وبين " الآن" و "دوماً"، لكنني حاولت أن أشرَح هذا الانقسام في البداية. هناك أُناسٌ، حتّى بين هذا الجمهور، وأنا لا أذكر أسماء، (تشارلي)، ممن يؤمنون أنها مسؤولية فردية تقع على عاتق كُلٍّ منّا في أن نعتني بأنفسنا ونعتني بأطفالنا، وهناك أُناسٌ بين هذا الجمهور، وأنا بالتأكيد أحدهم، ممن يؤمنون أنّه عليّ مقدار من المسؤولية تجاه أطفالكِ تماماً كما اتجاه أطفالي، بالتالي، عليّ أن أدفع الثمن، وليس فقط ثمناً مالياً بل ثمن سياسي أيضاً. عليّ أن أدفع ثمناً لإيجاد حلول لمُشكلاتٍ كالجوع، والمستويات المُرتفِعة من الوفيات لدى الأطفال، وانخفاض متوسِّط العُمر المتوقّع. عليّ أن أدفع الثمن بحيث نتمكّن جميعاً وبشكلٍ جماعي كشعبٍ واحد أنّ نُحسِّن الأمور. وهناك آخرون ممن لا يؤمنون بذلك، ممن يؤمنون بخصخصة الإنسانية، بتمزيق المُجتمع الإنساني أو كما وصفته السيّدة (تاتشر) حين قالت، " ما من شيء يُسمّى مُجتَمع بل أنّ هناك أفراد وعائِلات وحسب". هذه وجهة نظر، هذا تيار أيديولوجي، واعتُبِرَت هذه الفِكرة عظيمة لفترةٍ من الزمن لكنها لم تعُد كذلِك. لقد قامت (كوبا) بمواجهة هذا التيار وأعتقد أنّها انتصرت عليه. لكن لا يزال هناك المزيد بعد هذا الفاصِل

المحور الثالث:     

جورج غالاواي: أنتم تُشاهدون "كلمة حرّة"، معي (جورج غالاواي) على قناة "الميادين"، في حلقة تأتيكم من (لندن)، نناقش فيها (فيديل كاسترو) و(كوبا) وما الذي مثّله لشعبه فحسب، بلّ للناس في كلّ مكان. لقد جالت الكاميرا شوارِع (لندن) وحصلنا على بضع إجابات مُفاجِئة، فلنُشاهِد معاً

المُحاورة: هلّ كان (فيديل كاسترو) مُحقّاً حيال تدخُّل الولايات المتحدة في شؤون أميركا اللاتينية؟

رأي شابة 1: لستُ واثقةً تماماً حيال هذا

رأي شاب 1: نعم، كان مُحقّاً

رأي شابة 2: أعتقد أنّه كان مُحقّاً، نعم

رأي شابة 3: أعتقد أنه من وُجهات نظرٍ مُعيّنة يُمكن قول هذا

رأي شاب 2: لقد تدخّلوا بالفِعل في سياسات أميركا اللاتينية. إن نظرتِ إلى (الأرجنتين) و(تشيلي)، لطالما كان لديهم دورٌ في ذلك

المُحاورة: هلّ سيُعيد (ترامب) عقارِب الساعة في علاقات الولايات المتّحدة مع (كوبا)؟

رأي شابة 1: أعتقد أنّ لديه الإمكانية لفعلِ ذلك. مُجدّداً لا بدّ أن ننتظِر لنرى. إنه لم يكُن رائِعاً في حديثه عن (كوبا)، كما أعتقد أنّه حتّى الآن يبحث في العلاقات مع (المكسيك)

رأي شابة 2: مُجدداً، أعتقد أنّ الكيفية التي ستؤول إليها رئاسة (ترامب) مُهمّة لكلّ البُلدان

رأي شاب 1: لا أعتقد أنّه بالضرورة سيُعيد عقارب الساعة، لكنني بشكلٍ أساسي أعتقد أنه سيدفع بالعملية، حيثُ أنّ (أوباما) بشكلٍ أساس حول تطبيع العلاقات وحاول أن يضع (كوبا) تحت الجناح. أعتقد أنّ (ترامب) بشكلٍ أساسي سيُجمِّد تلك السياسة برمّتها

رأي شاب 2: لا أعلم، علينا أن ننتظر وسنرى

رأي شابة 3: أعتقد أنّه من الصعوبة بمكان التنبؤ بالمستقبل عندما يتعلّق الأمر بصناعة القرار لدى (ترامب)

جورج غالاواي: حسناً، أعتقد أنّ في إمكاننا الاتفاق على تلك النُقطة الأخيرة. إنه ليس بالأمر المؤكّد ما السبيل الذي سيسلكه (ترامب) في العلاقات مع (كوبا) يا (إسحاق)، أو بالتأكيد مع أجزاء أُخرى من العالم. ما هو رأيك بشكلٍ مبدئيّ حيال النقاش الذي خضناه؟

إسحاق بيجيو – صحافي وناشِط: في ما يتعلّق بمسألة (ترامب)، أولاً لا يُعجبني قول الناس أنه رئيس الأميركيتين لأنني نفسي أميركي وغالبية الأميركيين هُم خارِج الولايات المتحدة. إننا من أميركا اللاتينية ولدينا قسم أكبر من (أميركا) بالمُقارنة مع الولايات المُتحدة، كأنما نقول أنّ الألمان هم وحدهم الأوروبيون. ثانياً، أعتقد أنّ (ترامب) هو أكثر رئيس غير ديمقراطي في التاريخ العالمي، لقد خسِر الانتخابات بنحو ثلاثة ملايين صوت. لا أعرِف أيّ رئيس في تاريخ العالم هُزِمَ بثلاثة ملايين صوت مِن قِبَل المُنافِس الآخر ورغم ذلك يفوز رئيساً في انتخاباتٍ مُباشرة. لم يحدُث هذا أبداً، أعتقد أنّ (ترامب) سيُعاني كثيراً من المُشكلات الداخلية. وفي ما يتعلّق بـ (أميركا) اللاتينية و(كوبا)، أعتقد أنّ (ترامب) سيكون عدائياً جداً، أكثر عداءً بكثير من (أوباما) لأنّ (أوباما) حاول إقامة سلام مع (تشافيز) و(إيفو موراليس) و(كوريا) و(راوول كاسترو)، لكن (ترامب) سيكون قاسياً جداً. أعتقد أنّه يُخطّط لاجتياح بعض البُلدان ليعتقل بعض الرؤساء الفاسدين أو السياسيين الفاسدين. أراهِن على أنه فاسدٌ أكثر من أيّ شخص آخر على الإطلاق. أرى أنه سيكون قاسياً جداً على (كوبا) وأرى أننا سنشهد المزيد من الاستقطابات في أميركا اللاتينية. قد يكون (ترامب) الرجل الذي سيُروِّج للانقلابات. سبق وشهدنا انقلابات في (البرازيل) و(الباراغواي) و(الهندوراس)، ولا نعلم أيّ نوعٍ من الانقلابات سيقوم به الحزب الجمهوري مرّةً أُخرى. إنني أكثرُ قلقاً على (كوبا) لأنّ الولايات المتحدة تُحاول إعادة (كوبا) إلى الرأسمالية، ومن المُهمّ جداً ألاّ تتبع (كوبا) ذلك المسار لأنه إن عادت (كوبا) إلى الاقتصاد الحرّ سيكون ذلك كارثةً على العالم بأسرِه. سيكون ذلك سيئاً جداً بالنسبة للعُمّال في جميع أنحاء الأرض ولحقوق الإنسان في كلّ مكان

جورج غالاواي: حسناً، ألا يوصلنا ما قلته للتوّ إلى أنّ كلّ هذه الأمور التي حدثت كانت تحت حُكم الرئيس (أوباما)؟ كلّ تلك الأحداث مثل الانقلاب في (البرازيل) وفي (الأرجنتين)، الانقلاب الجاري بشكلِ حركة بطيئة في (فنزويلا)، كلّها حدثت في عهد حُكم الرئيس (أوباما) وليس في عهد الرئيس (ترامب). ما السبب وراء تصوّرك أنّ الأمور ستكون أسوأ في عهد (ترامب)؟

إسحاق بيجيو: أولاً، في (الأرجنتين)، لم يكن لدينا انقلاب بل انتخابات للتيار اليميني، لكن في (فنزويلا) نعم لأنهم يدعمون نوعاً من الانقلاب

جورج غالاواي: لقد حدّد (فنزويلا) بكونها كياناً إرهابياً

إسحاق بيجيو: نعم، هذا صحيح، لكن (أوباما) حاول إبرام بعض الاتفاقات معهم وهو لا يروِّج للاجتياحات أو للحروب. لكن الحزب الجمهوري تقليدياً هو الحزب الذي موّلَ "الكونتراس" وهو يُروِّج للمُتمردين، وأخشى ما أخشاه أنّ الحزب الجمهوري سيُحاول أن يُنظِّم مواجهات مُسلّحة في (فنزويلا) و(بوليفيا) و(الإكوادور) ضدّ (كوبا). أعتقد أنّ (ترامب) سيكون حتّى أقسى من (أوباما) بكثير، صحيح؟

جورج غالاواي: بالطبع. آخِر إدارة أميركية تجتاح (كوبا)

إسحاق بيجيو: آخر إدارة للولايات المتحدة

جورج غالاواي: آخر إدارة للولايات المتحدة التي اجتاحت "خليج الخنازير" في (كوبا) كانت ديمقراطية

إسحاق بيجيو: صحيح، لكن لو رأيت، وأنا لا أُدافِع عن الحزب الديمقراطي، في العادة أكثر الرؤساء قساوةً هم الجمهوريون 

جورج غالاواي: شخصياً أعتقد أنّ هذا تقسيم خاطئ. عشرة رؤساء حاولوا قتل (فيديل كاسترو) ولم يحدِث ذلك فارِقاً سواء أكانوا جمهوريين أو ديمقراطيين. ثانياً، أُسلوب (ترامب) الفُكاهي يُشير إلى أنه سيخوض حروباً أقلّ. أعني أنّه ليس هو من اجتاح (العراق) ولم يكن هو من اجتاح (سوريا) أو دمَّر (ليبيا)، وأُسلوبه الفُكاهي يكمن في أنّ كلّ تلك الاجتياحات كانت كارثية

إسحاق بيجيو: لكنه يُجهِّز لاعتداء على (إيران). إنّه سيقوم على فسخ الاتفاق مع (إيران)، لذلك (إيران) قلِقة جداً

جورج غالاواي: أنا أنصحه بشدّة ألاّ يجتاح (إيران) لأنّه سيتلقّى ضربةً قوية جداً إن اجتاح (إيران). (تشارلي)، أنت لا تتحدّث باسم إدارة (ترامب)، يا لخسارتهم، من الأفضل لهم أن يعيّنوك لتقوم بذلك، لكن تفضّل

تشارلي وولف: شكراً. أودّ أولاً أن أُعقِّب على بعض النقاط، لن نُسميه رئيس (أميركا)، إنه رئيس الولايات المتحدة الأميركية. بالتالي، نحن لا ندّعي حيازتنا شيئاً خارِج حدودنا. كذلك فقط للشرح، لدينا مُجمعاً انتخابياً لأننا نتكوّن من 50 ولاية سيادية، لذلك الانتخاب ليس مُستنِداً للتصويت الشعبي. إنه أشبه برؤيتك لتلك الاستفتاءات التي كانت جارية قبل سنوات، من الذي يجب أن يرِث الملِكة؟ هلّ هو الأمير (وليام) أم الأمير (تشارلز)؟ تُبنَى الأنظِمة لسببٍ مُعيّن ونظامنا هو المجمع الانتخابي، وهذا لأنك إن اتّبعت التصويت الشعبي كلّ ما عليك فعله هو الحصول رُبّما على (لوس أنجلوس) و(دالاس) ومدينة (نيويورك) والولايات الصغيرة لن تُحسَب. لذا، هناك سببٌ وراء ذلك. ما أردتُ الإشارة إليه فحسب، في جزئِك الأخير كنت تتحدّث كثيراً عن النظام الرأسمالي وعن الاقتصاد الحرّ. يُمكنني أن أُحاجِج في أنه فعلياً لا شيء حسّن العالم أكثر خلال المئة عام المُنصرمة من نظام الاقتصاد الحرّ إن تحدّثت إلى (ديفيد ماكلوفسكي) الاقتصادي الذي يظهر على موقع (ليبيرتي) الإلكتروني الذي يُبَثّ على "اليوتيوب". يتحدّث عن طبقة روّاد الأعمال في القرن التاسع عشر وكيف كانوا مُحترمين جداً، وسأستخدمُ مثالاً واحداً فقط. فكِّر في عدد الناس حول العالم كلّه وفي أكثر البلدان فقراً وكيف يمتلكون الهواتف والحواسيب. هذا يُعود إلى أنّ تلك الأشياء تطوّرت في ظلّ نظام الاقتصاد الحرّ، وهكذا طوّرنا العالم. الولايات المُتّحدة مُجدّداً منحت الطعام والمؤن بشكلٍ يفوق تصوّر الناس في جميع أنحاء العالم. إننا نوفِّر لـ (كوريا الشمالية) مُعظم استهلاكها من القمح، وأقترِح أنّ الرأسمالية لم تمُت، ومجدداً أعتقد أنها نظامٌ مُهمّ جداً وأنها لحُسن الحظّ في اعتقادي جعلت الكوكب أكثر ثراءً، وما ينعم به الناس الآن لما كانوا لينعموا به لولاها. أعتقد أنّ أفقر الناس في (أميركا) الآن هُم على الأرجح أكثر ثراءً من أكثر الناس ثراءً في هذا البلد لأكثر من مئة عام بسبب نظام الاقتصاد الحرّ

جورج غالاواي: حسناً، أنا أرفُض هذا من الناحية النظرية لكنني لا أُريد أن اُحرِّف مسار حوارِنا بشكلٍ كبير. سأُدلي لك بنقطتين وحسب. 150 مليون طفل في العالم يذهبون إلى العمل عوضاً عن الذهاب إلى المدارِس، لكن أحداً منهم ليس موجوداً في (كوبا)، صفر منهم في (كوبا). مفهوم أنّ الرأسمالية حرّرت عدداً أكبر من الناس في العالم مُقارنةً مع أيّ نظامٍ آخر هو مفهومٌ يُدحض في تصريحٍ من كلمة واحدة، (الصين). (الصين) انتشَلت أُناساً من الفقر نحو الازدهار أكثر مما فعله أيّ نظام في أيّ بلدٍ على الإطلاق، هذه حقيقةٌ لا يُمكن نكرانها. يُمكنك أن ترُدّ عليّ قائِلاً أنّ نظام (الصين) هو نوعٌ من الموالفة بين الاشتراكية والرأسمالية

تشارلي وولف: يمكنني أن أُوافقك نوعاً ما. هلّ تُشير إلى الانقسام بين (هونغ كونغ) والمُدن والناس في المزارِع الذين يعيشون حياة صعبة؟

جورج غالاواي: لا، أنت مُخطئ (تشارلي). على الأقلّ 500 مليون إنسان كانوا يعيشون في الفقر في (الصين) قبل ثلاثين عاماً لا يعيشون الآن في فقر. لا يوجد أيّ نظام يُمكن مُقارنته بهذا التحوّل. الآن، هناك ثمن وحريّات سياسية، هناك ثمن وحقوق إنسان، لكن إن أردت ابتلاع قصص رُعب الاقتصاد، ثق بأنني سأفوز في هذه المعركة. لكن دعنا لا نستحوِذ على الحوار، فلنُمرِّر الميكروفون إلى الخلف. هناك شاب قربك يا (تشارلي)، تفضّل أيها السيّد

أمير بوليناري – طالب: مرحباً، اسمي (أمير بوليناري) وأنا طالِب في مجال صياغة الذهب، وسؤالي يتمحور حول مسألة الفنون في (كوبا) التي كانت في ذروتها تماماً، حيث هناك مسارِح متوفِّرة مُقابل ثلاثين قرشاً يُمكن للناس الذهاب إليها، بينما في بلدٍ مثل المملكة المُتحدة، مُعظم المسارِح يكلّفك الدخول إليها 20 جنيهاً إسترلينياً

جورج غالاواي: أو 100 جنيه إسترليني

أمير بوليناري: أجل، الأمر يعتمِد على المسرح الذي تُريد الذهاب إليه طبعاً. أعتقد أيضاً أنّ تطوُّر المدارِس الفنية، أناسٌ مثل (كارلوس أكوستا) راقص الباليه، لقد كان من خلفية فقيرة جداً غير أنه تمكّن من الذهاب إلى أرفع مدارِس الباليه من دون أن يضطرّ لأن يدفع المال واستطاع أن يُصبح نجماً عالمياً. هلّ تعتقد، في أعقاب موت (كاسترو)، أنّ الفنون والمدارِس ستتحوّل نحو الطريق التي سارت عليه في الولايات المتّحدة وفي المملكة المُتّحدة؟ أي أنها ستُصبِح من الكماليات فحسب؟ ومسألة أُخرى مُتعلِّقة بالمدارِس، كيف يجب أن يُعلَّم إرث (فيديل كاسترو)؟ بمعنى، هلّ يجب أن يُعلَّم على أنه أيقونة؟ أم أنه شخصٌ نطمح لنكون مثله؟ أو أنه شخصية من الماضي، بينما عليهم المُضيّ قُدماً وتطوير رؤية (كاسترو)؟

جورج غالاواي: لن يتمّ تمجيده في أيّة طريقة. كما قال الأخ (مُخلِص) سيُصدرون قانوناً في (كوبا) لمنع الناس من استخدام صورة أو اسم (فيديل كاسترو) ورفعه إلى نوعٍ من تأليه شخصيّته، الأمر الذي أعتقد أنّه نبيلٌ جداً في الواقع. ستبقى ذكراه في عقول الناس وقلوبهم من دون شكّ. الأبطال الآخرون الذين قضوا، ذكراهم راسخة. الشخص الذي ترى وجهه في (كوبا) أكثر من أيّ شخصٍ آخر، ليس كوبيّاً. (تشي غيفارا) موجودٌ في كلّ مكان من (كوبا) ولكنّه ليس كوبياً، وسنوياً يذهب الجميع إلى ساقية ما ويلقون الورود في المياه في ذكرى (كاميليو) الذي كان واحداً من القادة الرئيسيين في الحرب الثورية. (فيديل) منع ذلك لنفسه في وصيّته وشهادته الأخيرة، وأعتقد أنّ ذلك يُظهِر مدى رقيّ هذا الإنسان. في أيّة حال، إنه ليس في حاجة إلى صورةٍ أو تمثال. النُقاط الثقافية التي أشرت إليها هي في غاية الأهمية، وقد عبَّرت عنها بطريقةٍ جميلةٍ جداً. الهاجس الوطني لـ (كوبا)، البلد الذي ينتمي إلى العالم الثالث هو الباليه. كلّ الناس من الطبقة الوُسطى مفتونون بالباليه. (دي مليسيا ألونزو) الذي كان لي الشرف العظيم أن أعرِفه جيداً هو أحد أهمّ راقصي الباليه في العالم، وكلّ ليلة في (كوبا) يُمكنك أن ترى العُمّال العاديين يصطفّون لمُشاهدة الباليه. عليك أن تدفع مئة جنيه إسترليني إن لم تدفع 200 لتذهب إل (كوفين غاردن) وتُشاهِد هذا المستوى من الأداء الثقافي، الأمر الذي يُعدُّ حتّى، بغضّ النظر عن السِعر، ما كان والداي والناس الذين كبِرت بينهم ليحلموا بالذهاب إلى الباليه أو الأوبرا لأنهم لم يعتبروا أنّ هذه الثقافة لها أيّة علاقةٍ بهم. إذاً، هلّ سيبقى كلّ هذا؟ هذا يعتمِد على بقاء الاشتراكية، وأعتقد أنها ستبقى. لهذا السبب أنا أُؤمِن أنّ الاشتراكية هي نموذجٌ أعلى. أعني أنني أتّفِق مع (تشارلي) في أنّ الرأسمالية كانت ضرورية في زمنٍ مُعيّن وقد حققت نمواً هائِلاً، كلّها تنتمي إلى القرن المُنصرِم. إنها "كلمة حرّة معي (جورج غالاواي) على قناة " الميادين"

المحور الرابع:  

جورج غالاواي: هذه "كلمة حرّة" معي (جورج غالاواي) على قناة "الميادين" تأتيكم من (لندن) ونناقش فيها (كوبا)

فرانشيسكو – ناشِط برازيلي: هلّ يُمكنني التعبير؟

جورج غالاواي: نعم، تفضّل أيها السيّد

فرانشيسكو: أنا ناشِط في المجال النقابي وأودّ أن أسأل عن حقوق العمال هنا في (لندن) لأنّ الطبقة العاملة مُهمّشة هنا في المملكة المتّحدة. أنا على اتصال مع الاتحاد الديمقراطي للتغيير ومع الاتحاد العام لعمّال (البرتغال). هناك شركات لا تقتطِع نسبة للتأمين، لا تدفع الحدّ الأدنى للأُجور، ولا تُبرِم العقود. علاوةً على ذلك، وفي ما يتعلّق بخدمات الطعام والنظافة مثلاً، لم يسبق لنا أن رأينا أبداً شكل العبودية الذي نراه في أيامنا هذه، وأرغب منك الإجابة عن وجهة نظري هذه

جورج غالاواي: حسناً، بالطبع هناك حريّات موجودة في (كوبا) وغير موجودة هنا، وهناك حريات موجودة هنا وليست موجودة في (كوبا). عليك أن تقوم بتقييم علمي للقيمة النسبية وثقل تلك الحريات. أنا حرّ في إنشاء عمل هنا في (بريطانيا) ولكني لستُ حراً في إنشاء عمل في (كوبا). أنا لستُ حراً في أن أوظِّفك تحت الحدّ الأدنى من الأُجور في (كوبا) لكنني بالتأكيد حرٌّ في أن أفعل هذا هنا، وملايين الناس يوظّفون على هذا النحو. إذاً، هناك تأرجحات والتواءات في هذه الصورة، لقد قلتُ للتوّ، و(تشارلي) أشار إلى النقطة آنفاً، أنّ المُشكلة في "الجماعية" هي أنّ عليّ الانضمام إلى الجماعة، وهذا صحيح، وهو من سوء الحظّ. لكن المُشكلة مع عكس "الجماعية" تكمن في أنّه عليّ خوض السباق الشرِس خاصّتكم في الوقت الذي أعتقد أنّ السباق الشرِس مُخصّص للحيوانات وأنّ الجنس البشري يستحق ما هو أفضل. لذا، لا يُمكنني فعلياً الإجابة بالتفصيل على نُقاطك. كلّ ما أعرِفه بشكلٍ مؤكّد هو أنّكَ إن كنت منظِّفاً في (كوبا) يُمكنك أن تذهب إلى الباليه أو الأوبرا الليلة وسوف تتمكّن من تحمُّل كلفةُ ذلك. فلنستمِع إلى الشابة الجالسة في الوسط

ماريا لوندونا – ناشطة: شكراً، اسمي (ماريا لوندونا) وأنا قادمة من (إسبانيا). سؤالي هو أنني رأيت كيف وقّع (راؤول كاسترو) على اتفاقية التجارة الحُرّة مع الاتحاد الأوروبي. هلّ يُمكن للنظام الكوبي أن يُصبِح في المُستقبل نظاماً ديمقراطياً؟ ما رأيك في هذا؟

جورج غالاواي: هذا يعتمِد على ما تعنيه بالنظام الديمقراطي. لستُ واثقاً من أنّ لكلٍّ منّا التعريف ذاته للديمقراطية. الناس في الولايات المتحدة وفي (بريطانيا) يُعدّون من الأقوياء الذين قد يقولون أنّ لدينا نظاماً ديمقراطياً، لكنني لا أتقبّل هذا. الديمقراطية هي أكثر من مُجرّد وضع علامة على قطعةٍ ورقية كلّ أربع أو خمس سنوات. إن لم يتغيّر شيء بعد أن تضعي العلامة على ورقتكِ، فذلك لا يعود عليكِ بالكثير من الفائِدة، لا يُمكنكِ أن تأكلي ورقة الاقتراع. إن كنتِ لا تصوّتين كلّ خمس سنوات فهذا لا يعني شيئاً. أعني أنّ هناك الكثير من الأصوات والانتخابات في (كوبا) واقعياً. هناك إفراط في المُشاركة في (كوبا)، مُشاركة لا نهائية، لكن لا يُمكنني أن أخلق أو أنضمّ أو أترشّح للانتخاب بصفتي الحزب المؤيِّد لـ (ميامي) في (كوبا). حريّتي في القيام بذلك مُقيّدة بشدّة حيثُ سينتهي بي المطاف في أحد السجون التي تحدّث عنها (تشارلي). وإن أخذتُ مالاً من الولايات المتحدة لأُبشِّر بعلاقات أكثر قرباً من الولايات المتّحدة سينتهي بي المطاف في السجن، حيثُ أنّ حرّيتي في القيام بذلك ممنوعة بشدّة. الأُسلوب الأفضل لسحب وقضم تلك التقييدات يكمن في رفع الحصار، وأنا أقول لـ (تشارلي) بشكلٍ موضوعيّ تماماً، مع الطرح جانباً مشاعره ومشاعري، أفضل ما بإمكانكم فعله يكمُن في رفع الحصار، عندئِذٍ لن تكون هناك أيّة ذريعة. عندئِذٍ لا يُمكن إلقاء اللوم في كلّ شيء على الحصار، لا يُمكن عندها إلقاء اللوم في كلّ شيء على الأميركيين الامبرياليين المُعتدين وكلّ شيء سيُحكَم عليه ويُقاس وفقاً للواقع في حال رُفِعَ الحصار. عندئِذٍ، يُرجّح أكثر الحصول على تغيير سياسي في (كوبا) عوضاً عن الاستمرارية في تقويضه. لكن بدايةً مع سؤالك الكبير. طبعاً، (فيديل) لم يكُن في السُلطة منذُ فترة طويلة. لقد تركَ السُلطة منذ قُرابة العقد، منذ تسع سنوات. بالتالي، وعلى هذا المُستوى، فإنّ شيئاً لم يتغيّر بموته، لكن من المُرجّح أكثر أن تحدُث تغييرات في (كوبا) عندما يتنحّى (راؤول كاسترو) كما تعهّد لاحقاً في عام 2017 أثناء انعقاد المؤتمر السنوي وسيُصبح هناك جيلٌ جديد من القادة. لا أعلَم أيّ توجُّه سيختارون. قد يختارون أن يكونوا مثل (إسبانيا)، قد يختارون أن يكونوا مثل الولايات المتحدة الأميركية. آمل ألاّ يختاروا أن يكونوا مثل (بريطانيا) لكن المسألة تكمُن في أنّ الخيار عائِدٌ لهم كي يُقرّروا. لقد ساندت (كوبا) طوال هذه السنوات ليس بدافِع أن أقول لهم ما الذي عليهم فعله وإنما لأُدافِع عن حقّهم في اتخاذ القرار الذي يُريدونه، وأنا واثق من أنّ الشعب الكوبي لن يتنازل عن هذا الحقّ وفي أنهم لن يُصبحوا مُجدّداً بيت دعارة وكازينو للمافيا في الولايات المتحدة الأميركية. نعم أيها السيِّد

مُخلِص شودري: نعم، شكراً جزيلاً. هناك جدال وجدال مُضاد سواء أكان (فيديل كاسترو) مُحِقّاً أم مُخطئاً. لا أحد دوماً على حقّ، ولا أحد كامِل باستثناء الله. وجهة نظري تتلخّص في أنّ أحدهم قد يكون إرهابياً في الأمس وليس إرهابياً اليوم. ليس (فيديل كاسترو) وحده بل و(نلسون مانديلا) و(ناريندرا مودي) في (الهند). إذا، سواء أكان محقاً أم مُخطِئاً سؤالي هو: أولاً، هلّ (كاسترو) محِق حيال سياسة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية؟ وثانياً، هلّ ستتمكّن مُقاومة (كوبا) ضدّ عقوبات الولايات المتحدة من الاستمرار على الرغم من أنّه طُلِبَ رفع العقوبات؟

جورج غالاواي: أعتقد أنه سيكون من الحِكمة أن يرفعوا العقوبات، لكن (كوبا) سبق وأثبتت أنها قادرة على الصمود بالرغم من عقوبات الولايات المتحدة، وأُمور كثيرة هي أفضل بكثير في الواقع. لقد كان هذا صحيحاً في (إيران) وأماكِن أُخرى فُرِضت عليها العقوبات. إنّه صحيحٌ أيضاً في (روسيا) التي هي الآن تحت العقوبات. العقوبات بالتأكيد تُشوِّه التطوّر الاقتصادي لكنّها لا تشوّهها دوماً بطريقةٍ سيئة. (كوبا) على سبيل المثال أنتجت لقاحاً مُضاداً لالتهاب الكبد الوبائي "B". لم يتمكّنوا من ذلك لو بقي الاتحاد السوفياتي موجوداً ولو لم يكن الحظر الأميركي موجوداً. ما كانوا لينهمكوا في التطوّرات الطبيّة الحيوية والتكنولوجيا الحيوية في (كوبا) الشهيرة عالمياً الآن، إن تمّ إنتاج لقاح لمرض انعدام المناعة فسيكون بالتأكيد قد صُنِعَ في (كوبا) وليس في (أميركا) أو في (بريطانيا). إنّهم يتفوّقون بأشواط طويلة ما كانوا ليقطعوها لو لم يرزحوا تحت ذاك النوع من الضغط الذي تعرّضوا إليه. لا أحد يزرع المواد الغذائية في (بريطانيا) بينما الجميع يزرع المواد الغذائية في (كوبا). كلّ شُرفة تُزرَع فيها الطماطم (البندورة). كلّ قطعة من الحديقة الخلفية أو الأمامية أو أية قطعة أرض هي مُثمرة باستمرار، ويُمكنني أن أقول أنهم يقومون ببعض التعديل الجيني أيضاً لأنّ الطماطم لديهم كبيرة جداً وممتلِئة. نعم أيتها السيّدة

 مارسا مارا –  فنانة وناشطة: منطق الخيارات القاطعة لم يعُد ملائِماً لعصرنا الحالي، وأعتقد أنّ التطوّر التاريخي في علم اللغويات وفي قدرتنا على التواصل بين مُختلف الحضارات يعود بالمنفعة على العالم. بالتالي، إنجازات (كوبا) المؤطّرة ضمن ثقافتها الوطنية الخاصة تكبح في الواقع ذاك المسار الطبيعي للتطوّر التاريخي، ومن تلك المُنجزات اللقاحات التي أشرت إليها وهي إنجازات جميلة لا بدّ من مُشاركتها مع العالم بأسره. عندما ننظُر إلى واقع الحدود الموجودة في الوقت الراهن والتي نأمل في أن تتغيَّر قريباً، لا، لن يلُائِمنا أيٌّ من المفاهيم التي أنتجناها سابقاً لأنّ علينا الخروج بشيء جديد. علينا أن نتمكّن من إيجاد صلة وصل تجمعنا كلنا للمرة الأُولى. إذاً، سأعود إلى مفهوم الجماعية لديّ، وقد قلتُ أنّ للناس خيارات وبعض الناس يختارون أطفالهم أو نسلِهم وكلّ ذلك في مُحاولة لفهم لماهية وجودنا الجماعي، أي الـ "نحن". لقد حظيت بالفرصة المميّزة للقاء بعض الجنرالات في (البرازيل) خلال الدكتاتورية، لكن أيضاً لقاء شخص في المملكة المتحدة الذي أخبرني عن ثقافتهم. وببساطة شديدة لقد قال لي أنّه لا يعتقِد أنه من المُمكن لهم أن يوزّعوا أو أن يُنتجوا المنتجات العضوية ضمن نظام التجارة العادلة للجميع وما إلى هنالِك، ليس لأنّ ذلك مُستحيل بمعونةٍ من العُلماء أو الناس في خضمّ العمل الجماعي لأنّ لدينا خُبراء من جميع أنحاء العالم، بل لأنّه لم يكُن مؤمناً بالوضع الإنساني الراهن وهذه مسألة أساسية وهي تقبع وراء كلّ الأنظِمة السياسية التي لدينا سواء كان لدينا حريّة النقد والاختيار فيها أم لا. لأننا عندما نؤمن بأنفسنا نتمكّن من أن نبتكِر ونُبدِع وأن نختار كلّ الأمور التي نجحت سابقاً من كافة الأنظمة المُختلِفة التي يُمكننا أن نحوّلها إلى شيء مفيد للإنسانية جمعاء. إذا توصلنا إلى هذه المرحلة سنكون قادرين على إيجاد الديمقراطية في العالم وأعتقد أنّ هذا مثير للاهتمام. عندما ننظر إلى (كوبا) الصغيرة جداً كونها منحتنا الكثير لنفخر به كبشر، عندئِذٍ يُمكننا أن نُفكِّر في كيفية إحداث ذلك. ما يقوله ذلك الجنرال، وقد قاله عن ثقة وأنا ممتنّة جداً لهذا، قال، " بصفتي مُستشاراً للكثير من المُنظّمات الدولية كإنسان عمِلَ في مُختلف المنظّمات ومطّلِع على الفساد في البرامج التي يُمكن تطبيقها لزراعة الطعام العضوي إلى آخره. إنه يرفض باستمرار أن يُمرِّر البرامج ويُفضِّل تقديمها لأُناسٍ أغنياء ممن لديهم القُدرة على تطبيق مثل هذا البرنامج. فسألته لماذا؟ فقال ببساطة لأنه لا يؤمن بالوضع الإنساني، لا يؤمن بنفسه وسيُطعِم أطفاله بنفسه طعاماً غير ذلك الذي لا يزرعه بنفسه لأنه يعلم أنه قد يقتل الناس إنه سيأكل من الطعام العضوي الذي يزرعه أُناسٌ آخرون، "المجانين" من الناس. إذاً نحن نتمتّع بكثيرٍ من القُدرات بحيث إذا آمن بعضنا ببعض سنستطيع تسخيرها بشكلٍ أرقى، وإذا نظرنا إلى التاريخ نرى أنّ كافة النجاحات أتت على هذا النحو، في كلّ الخطوات التي ترسُم حياتنا نحن قادرون على الارتقاء بها إلى المرحلة التالية

جورج غالاواي: حسناً، هذه مُلاحظة جيّدة جداً. هناك الخير والشرّ في كلّ فرد وفي كلّ مُجتمع. البعض يؤمن أنّ لدينا ملاكين على كتفيّ كُلٍّ منا، أحدهما خير والآخر ليس خيراً تماماً. من الصحيح أنّ هنالِك علامة استفهام حيال الوضع الإنساني لكنني سأضع الأمر على هذا النحو. هناك عشرة منا منجرفين على متن قارِب بعد تحطُّم سفينة، ولدينا كمية محدودة من الماء والطعام. هناك ثلاث طُرُق يُمكننا من خلالها تنظيم الأُمور، إمّا أن يحصل الأثرى منّا على الماء والطعام وفي هذه الحال أولئِك الذين يمتلكون المال سيأكلون ويشربون وأولئِك الذين لا يمتلكونه لن يفعلوا، على الرغم من أنّ هذا سيخلُق عدم استقرار كبير في القارب لأنّ الأفقر بيننا لن يُشاهد الأثرى يأكلون ويشربون ما تبقّى من الطعام والماء، لذا قد يتمخّض هذا عن انقلاب القارب وغرقنا جميعاً. أو يُمكننا أن نتقاتل على الماء والطعام وفي تلك الحال الأقوى سيحصل على الطعام والماء، لكن مُجدّداً سيخلُق ذلك عدم اتزان في القارب والقارب سينقلب بالتأكيد أثناء القتال وجميعنا سنغرق. أو يُمكننا القيام بالأمر المنطقي وأن نتّفق في ما بيننا على تشاطُر الماء والطعام بالتساوي. هذا ما حاولوا القيام به في (كوبا). لقد نجحوا ونجوا من كلّ التقلّبات والمُحاولات لتدميرهم، هذا ما حاولوا القيام به. مع كلّ الأخطاء التي ارتُكِبت أو الأشياء التي كان يُمكنها أن تكون أو يجب أن تكون أو وُجبَ أن تكون سواء أُنجِزت أو لم تُنجَز، لا يزالون صامدين، لا يزالون صامدين ولن يجتاحهم أحد. إذا كانت الولايات المتحدة غير حكيمة وأقدمت على اجتياح (إيران) فإنها بالتأكيد ستكون غير حكيمة أبداً في أن تجتاح (كوبا). (كوبا) نجت، وأقول لكم هذا كشخصٍ يؤمن بالعِلم. وفقاً لقوانين الديناميكية الهوائية النحلة الطنانة لا يُمكنها أن تطير، جسمها ثقيل جداً وسِعة جناحيها قصيرة جداً وجناحاها رقيقان جداً ولكنها تطير، إنه لمشهدٌ جميل جداً أيضاً. وفقاً للقوانين العادية للاقتصاد والسياسة، كان من المُفتَرَض بـ (كوبا) أن تنهار مُنذُ زمنٍ بعيد لكنها ما زالت واقفة. حتّى النصر دائِماً أيها القائِد (فيديل كاسترو)