لعبة الأمم

برنامج حواري أسبوعي يرصد القضايا والملفات السياسية الساخنة أو الباردة الإقليمية والدولية من منظار جيو - سياسي. يقارب ما تفرضه الجغرافيا بكل عناصرها من متغيرات في تحديد السياسات العامة للدول وبالتالي في رسم الاستراتيجيات السياسية والامنية والعسكرية.

أسرار قتل الدول بالاقتصاد

مهمتهم إسقاط الأنظمة بالاقتصاد، يحاولون إغراء الرؤساء والقادة، من يخضغ يسلم، من يتمرد يسقط بثورة ضده أو يُقال أو يقتل. من هم أولئك الذين يأتون تحت جنح الظلام يزرعون الفوضى الاقتصادية لإخضاع الدول؟ كيف يعملون؟ ما هي أدواتهم؟ من يُرسلهم وكيف؟ لماذا يطلق عليهم اسم القاتل الاقتصادي؟

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". كلّما بحث المرء عن سبب انقلاب أو اغتيال رئيس دولة أو إطاحة حكومة في العالم النامي أو الفقير يجِد غالباً أنّ خلف الأمر أسباب اقتصادية. إن لم تكن الأطماع الاقتصادية هي السبب فغالِباً ما تكون الوسيلة لإزاحة حاكِم أو نظام لا يسيرُ وفق رغبات الدول المتحكّمة بمصير هذا العالم. في هذه الحلقة من لعبة الأُمم ستُشاهدون وتسمعون اعترافاتِ رجلٍ يقول أنّه هو نفسه كان يُكلَّف بابتزاز ساسة العالم اقتصادياً قبل أن يُقرِّر فضحَ من كلّفوه ووظّفوه، وإذا رفض الحاكِم الابتزاز يتمّ قتله. في هذه الحلقة سنعرِف كيف يتمّ التضييق على كلّ من يُريد التحرّر والمُقاومة وكلّ من يُناهِض جشع الدول الكُبرى ويسعى للحفاظ على استقلال وسيادة بلاده. سنُحاول أن نفهم كيف تُفرَض عقوبات اقتصادية على دول وشخصيات ولماذا. كيف يتحرّك المال العالمي لقمع الطموحات وتحويل الدول إلى مُجرّد منفذي أوامر القويّ في هذا العالم. ستكتشفون أننا أمام أخطبوط بآلاف الأرجل والأيادي يُسيطِر على هذا العالم من بوابة الاقتصاد، يُهيمن عبر ما يوصَف بالحرب الناعمة حتّى ولو أنها ليست دائِماً ناعِمة كما رأينا مثلاً في اجتياح (العراق) وفي تدمير دول كثيرة. لعبة الاقتصاد في إخضاع الدول عنوان حلقتنا الليلة ويُسعدني أن نستضيف فيها، من ولاية (واشنطن) السيّد "جون بيركنز" عالِم اقتصادي كاتب وناشط سياسي وبيئي ومؤلِّف كتاب خطير جداً بعنوان "اعترافات قاتل اقتصادي" أهلاً وسهلاً بك وشُكراً لأن تكون معنا في هذا البرنامج. وهنا في (بيروت) السيّد "كمال حمدان" وهو المُدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والاستشارات ولعلّه من أهمّ خبراء الاقتصاد عندنا في المنطقة. أهلاً بكم جميعاً أعزّائي المُشاهدين لهذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

 

المحور الأول:

سامي كليب: أهلاً بضيفيّ الكريمين وأهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين. السيّد "جون بيركنز" أهلاً وسهلاً بك، في الواقع أنا حين كنت أقرأ اعترافاتك خفت وقلِقت. هلّ فعلاً هكذا يتحرّك العالم؟ كنت، لكي أُعرِّف بك بشكلٍ سريع، كنت كما تقول مُشاغِب عند الأهل والمدرسة، كنت في الخمّارات وفي الحوانيت ثم جاسوساً صغيراً في وكالة الأمن القومي، ثمّ في فرقة السلام، فقاتِل اقتصادي وتحديداً ابتداءً من (الإكوادور). تقول، " كانت وظيفتي أن أُشجِّع زُعماء العالم على الوقوع في شركِ قروضٍ تؤمِّن ولاءهم وبذلك يُمكننا ابتزازهم متى شئنا لتأمين حاجاتنا السياسية والاقتصادية والعسكرية، وإذا رفض الحاكم المُغريات الاقتصادية تتم تصفيته جسدياً. أهلاً وسهلاً بك أولاً، أُريدك لو سمحت أن تُحدّثنا عن هذا الأمر. فعلاً هذا ما يحصل وهذا ما حصل؟ هلّ لديك بعض الأمثلة المُحدّدة؟

جون بيركنز: نعم، هكذا تحصل الأمور لكن لا يُقتَل الجميع، وفي حال عدم قبول الصفقات من جانب هؤلاء القادة نرغب نحن القتلة بإخضاعهم ويتدخّل بعد ذلك ربما الخطّ الهجومي الثاني، ما نُسميّه بالقتلة الحقيقيين. هكذا تحصل الأمور في يومنا هذا وأطرح الكثير من الأمثلة في الكتاب بناءً على تجربتي وخبرتي الخاصّة في (السعودية) و(العراق) و(إندونيسيا) و(كولومبيا) و(الإكوادور) و(باناما) والكثير من البلدان المُختلِفة حيثُ قمنا بهذه الممارسات، وأتحدّث عن ذلك بصورة واسعة وعن تأثيرات القتلة الاقتصادين وحول كيفية مواصلة هذه الممارسة اليوم وهي أسوأ حتّى ممّا كانت

سامي كليب: سيّد "بيركنز"، أنا فهمت وكأنك تأثّرت كثيراً بمقتل رئيسي (الإكوادور) و(باناما)، هلّ لك أن تذكُر لنا ماذا حصل هناك لكي يفهم المُشاهِد عمّا نتحدّث عملياً فعلاً؟

جون بيركنز: نعم، كنتُ في الواقع متطوّعاً في مجال السلام في (الإكوادور) مع منظّمة معنية بأمر السلام ثمّ كُنتُ قد تخلّيت عن عملي كقاتل اقتصادي وكنتُ أعملُ كخبيرٍ اقتصادي أساسي في شركة خاصّة، ومُعظم العُملاء في (إندونيسيا) والآخرين كانوا يقبلون بالصفقات التي كنتُ أعرِضها، لكن في حالة " خان يِلوردوز"، الرئيس المُنتخب والرئيس "خوسيه" في (باناما) لم يقبلا بهذه الصفقات، لم يرغبا بالاستدانة فاعتبرا أنّ هذه صفقات غير مُفيدة بالنسبة للبلدين، وكانا يتمتّعان بقدرِ كبيرٍ من النزاهة. بالتالي، في الكثير من الأوقات كان يقبل الرؤساء بالصفقات وأُسرهم كانت تجني الكثير من الأموال إسوةً بأصدقائِهم فالأموال التي كانت تُقدّم عبر البنك الدولي ومُنظماتٍ أُخرى وعبري كانت في الواقع تذهب في نهاية المطاف إلى الكثير من الشركات الأميركية الكُبرى التي تجني أرباحاً كبيرة عبر مشاريع بُنى تحتية كُبرى مثل معامل الطاقة والطُرق السريعة والمعامل الصناعية، التي كانت تعود بثروة على نُخبةٍ من الأُسر ولكن لم تكن تعود بالنفع على مُعظم الناس الذين كانوا في الواقع يستدينون المال من البنك الدولي ومن مُنظماتٍ أُخرى. مُعظم الرؤساء كانوا يقبلون بذلك لأنهم يعرِفون أنّهم سيثرون من هذه الصفقة وكانوا يعرِفون أنهم في حال عدِلوا عن ذلك سيتم النيل منهم مثلما حصل في (غواتيمالا) و(تشيلي) و(اليمن) و(فيتنام)، واللائِحة تطول وتطول من القادة الذين تمّ التخلّص منهم لأنهم رفضوا أن يُشارِكوا في اللعبة. لكن بالنسبة إلى رئيسي الدولتين المذكورين "رودولسو" من (الإكوادور) و "تيري هوس" من (باناما) رفضا أن يُشاركا في اللعبة وكنتيجةٍ لذلك لم يقبلا بهذه الصفقات وتدخّل القتلة الحقيقيون وقتلا في سقوط طائرتيهما على بُعد أشهرٍ الواحِد من الآخر، والأدلّة بيّنت أنّ هذه الطائِرات لم تسقُط بطبيعة الحال بل اُسقِطتا في حالتي اغتيال واضحتين

سامي كليب: سيّد "بيركنز" ابق معنا لو سمحت، نحن لا يسعنا إلّا أن نشكُر كلّ من يكتُب مثل هذه المعلومات ويفضح ما الذي حصل لكي نتعلّم مما حصل، وسنستعرِض معك الكثير من النقاط المتعلّقة أيضاً بوطننا العربيّ. أُستاذ "كمال حمدان"، حضرتك خبير اقتصادي معروف في الشرق الأوسط وفي (لبنان) تحديداً. تُتابع الحركة المالية العالمية وكنت ناشطاً سياسياً في مرحلة مُعيّنة. هلّ يفاجئك هذا الكلام؟

كمال حمدان: في الواقع، تاريخ الرأسمالية منذ قرون بدأ، خصوصاً في الحقبة الاستعمارية، يُطيح بشعوب وبُلدان ضمّاً وفرزاً ونهباً للخيرات. الشركات الفرنسية الكُبرى، الشركات الإنكليزية الكُبرى إذا نرجع لتاريخها كان مُعمّداً بهذه الممارسات حُكماً. طبعاً عندما انتقلنا إلى حقبة الاستقلال لم تعُد الهيمنة عبر الجيوش وعبر السلاح، صارت هيمنة ناعمة Soft عبر السياسات، عبر القروض، عبر سياسات تسعير، عبر دوزنة انتقال التكنولوجيا أو عدم انتقالها، عبر إجبار الدول على التخصّص بإنتاج مُعيّن دون الآخر

سامي كليب: هلّ عندك مثال لكي يفهم المُشاهِد أكثر؟ هلّ عندك مثل مُحدّد؟

كمال حمدان: طبعاً، كلّ مُحاولات مثلاً التصنيع التي صارت في الخمسينات بعد الحقبة الاستقلالية في (المغرب) وفي (مصر) وفي (سوريا) وفي (العراق) انتهت إلى حدٍّ ما بالفشل، رغم التغيير في تقسيم العمل الدولي والمركز الرأسمالي كان ينقُل جزء من الصناعات الملوِّثة القليلة القيمة المُضافة، الصناعات التجميلية والاستهلاكية، كان ينقلها إلى العالم الثالث. عندما هذا النمط من الدول في الحقبة التحررية حاولت أن تدخُل إلى نمط أرقى من الصناعات الثقيلة، الصناعات التي يُسمّونها التصنيعية عن طريق سياسات الإغراق، عن طريق الاتفاقات التجارية، عن طريق عدم السماح بالنفاذ إلى الأسواق، عن طريق التحكّم بالتكنولوجيا التي تُستَخدم في هذه الصناعات، عملياً وكُتِب الكثير، قوّضت تجربة التصنيع في كلّ هذه الدول العربية

سامي كليب: هذا إذا كان تدخلاً خارجياً كما تفضّلت وكما تفضّل السيّد "بيركنز" مفهوم، ولكن أيضاً أدوار من يحكُم في هذه الدول العربية إمّا هو متعامِل مع هذه المشاريع أو عاجِز أو اسمح لي غبي

كمال حمدان: لا، أنا أقول بشكلٍ أدقّ أنّ المسؤولية عمّا حصل في نماذج التنمية عندنا لا تعود فقط إلى نظريات المؤامرة وتآمر الخارِج. حُكماً المسؤولية تكاد تكون أكبر على البُنى السياسية والاقتصادية التي تمّ تشييدها في داخل بلداننا. عندما تحوّلت هذه النُظم إلى محاولة التصنيع، وهنا بين هلالين لا بأس يجب أن يعلم القارئ، مسار التطوّر الاقتصادي التاريخي للدول على مدى مئات السنوات انتقل من حُقبة كانت الزراعة هي الأساس إلى حقبة صارت الصناعة هي الأساس إلى حقبة صارت الخدمات هي الأساس، وعندما تكون قد مررت بالحقبة الصناعية حُكماً نمط الخدمات التي تنتجها أهم بكثير وفيها قيمة مُضافة أكثر بكثير من الخدمات التي تنتجها في ما لو لم تمرّ بالحقبة الصناعية

سامي كليب: في ما لو اقتصرت على الزراعة

كمال حمدان: نعم. مسؤولية الداخل أكيد كبيرة، عندما يزداد الإنفاق على البيروقراطية، على جيوش لا يُستخدم سلاحها

سامي كليب: على شراء سلاح، شراء كميات هائِلة من السلاح

كمال حمدان: على شراء السلاح وعلى تحفيز الاستهلاك على حساب الإنتاج، على إغفال عدم مُتابعة الفساد والرشوة ونهب المال العام، عندما نمُرّ بهذه الحلقات حُكما الفائِض الاقتصادي المُتبقّي لتمويل عملية النهوض الاقتصادي وبناء القاعِدة الماديّة لاقتصاد مُندمِج تأخذ قطاعاته من بعضها البعض وتخلق قيمة مُضافة، طبعاً هنا توجد مسؤوليات على القوى السياسية التي كانت تحكم. العسكر في كلّ هذه الدول كان مسؤولاً بنسبة كبيرة، الحركات الإسلامية كانت مسؤولة، وحتّى تقصير اليسار في معنى معيّن كان أحد الأسباب أيضاً

سامي كليب: تماماً. هناك بعض الأمثلة سيّد "بيركنز" التي تذكرها حضرتك وأنا سأنقلها عنك كما ذكرتها. مثلاً حين تتحدّث عن المملكة العربية السعودية تقول التالي:

— تعرّفت عليها عام 1974 من خلال العنزات أو الماعز التي كانت حول المؤسسات الحكومية وقال لك موظف سعودي أنّها هنا لتنظيف النفايات لأنّ الناس يتركونها في الشوارِع

— بعد الحصار النفطي المحدود الذي فرضه العرب على (أميركا) والغرب في أعقاب الحرب مع (إسرائيل) قرّرت (أميركا) أن تحرم (السعودية) من أيّ بُنىً تحتية أو مؤسساتية مُناسِبة لإدارة ثروتها النفطية، وبهذا امتلأت خزائِن (أميركا) بالمال السعودي وصار هذا المال هو الذي يموِّل شركات أميركية لتطوير (السعودية) من دون رقابة "الكونغرس". كان هذا أضخم اتفاق توقّعه (أميركا) مع دولةٍ نامية

— تقول أيضاً، كانت وظيفتي السرّية في (السعودية) البحث عن كيفية ضخّ المال السعودي في الشركات الأميركية ووجدت الحلّ في ماعِز الطرقات

سامي كليب: أُريد منك لو سمحت أن تشرح لنا هذا الأمر حتّى ولو كتبته منذ سنوات طويلة وليس الآن

جون بيركنز: ما حصل بعد الحصار النفطي هو أنّ المسؤولين من الخزانة الأميركية ووزارة المال الأميركية قد اتصلوا بي وقالوا مثلاً أنّ (السعودية) ومُنظّمة الـ "أوبك" التي كانت تُديرها (السعودية) تقوم بابتزازنا ولا يُمكن أن نسمح لهذه المُمارسة أن تستمر. بالتالي، ذهبت إلى (السعودية) وكنتُ في (الرياض) في الواقع، كنتُ اتمشّى ووجدتُ الماعز يقضُم بقايا النفايات على الطرقات وبالطبع قلتُ للمسؤول الموجود أنّ هذا مصدر خزي بالنسبة إلى (السعودية) فـ (السعودية) كانت تتحوّل إلى دولة ثرية نفطياً، فمن المؤسف والمُضحِك أن نرى الماعز على الطرقات وبالتالي أعطاني ذلك فكرة لكي نحوّل (السعودية) إلى دولة شبيهة بالدول الغربية. بالتالي الكثير من المسؤولين بما في ذلك مسؤولين كبار في وزارة الخارجية قد عقدوا اجتماعاً حول ذلك وباختصار الصفقة التي أبرمناها أفادت بأنّ (السعودية) ستقوم باستثمار مُعظم الأموال والثروات      النفطية في الأوراق المالية في الخزانة الأميركية، ووقتها الخزائِن الأميركية كانت قادرة على استخدام فائِدة هذه الأوراق المالية لتوظيف شركات أميركية بهدف نشر الطابع الغربي. أول ما فعلته هذه الشركات مثلاً نشر شركاتٍ أُخرى في (السعودية) لإدارة النفايات في (الرياض) والمُدن الأُخرى وهذا ما استلهمته من الماعِز الشارِد. إضافةً إلى ذلك قمنا بتركيب شبكةٍ كهربائية مُتكاملة في مُختلف أنحاء المُدن، وقمنا بالكثير من المشاريع المُختلفة، لكن باختصار ما قلناه هو أنّ سعر الفائِدة على الأوراق المالية سيُستخدم كذلك لتوظيف الشركات الأميركية الكُبرى بهدف بناء المُدن وإطلاق مشاريع إدارة النفايات والمشاريع البتروكيميائية ومشاريع تحلية المياه، وباختصار لنشر الطابع الغربي وإثراء هذه الشركات واستعادة بعضٍ من البترودولارات. إضافة إلى ذلك قلت أنّ (السعودية) و"أوبك" ستقبلان ببيع النفط فقط بالدولار الأميركي. عام 1971 جرى تعويم الدولار لأنّ الرئيس "نيكسون" ووزير المالية الأميركي "جون كنيدي" كانا قد فكا ارتباط الدولار بمعيار الذهب، وبالتالي كانت الفكرة تقضي بربط الدولار بمعيار النفط فأصبحَ الدولار العُملة الأقوى في العالم التي يُمكن التبادل بها حصراً على المُستوى الدولي بالنسبة إلى التبادلات النفطية

سامي كليب: سيّد "بيركنز" اسمح لي بالمُقاطعة ولكن حضرتك حين تقول أنّه مذ ذاك، نتحدّث عن السبعينات، قرّرت (أميركا) أن تحرُم (السعودية) من البُنى التحتية لكيلا تستفيد من مال النفط. فعلاً إلى هذه الدرجة كان دوركم كقتلة اقتصاديين إذا صحّ التعبير في (السعودية) وغيرها؟

جون بيركنز: في الواقع، ما كانت تسعى إلى الحصول عليه (السعودية) هو الحماية وبالطبع كان لدينا قدرٌ كبير من التأثير، لأنّ (السعودية) كانت ترغب في أن تعتنق الطابع الغربيّ وكانت تُريد أـن تحصل على المشاريع المُختلِفة من معامل التحلية والمعامل البتروكيميائية إلى آخره، وكنّا قادرين على تزويدها بكلّ ذلك و(السعودية) كانت توّاقة للحصول عل هذا الأمر، والأمر يعود بنا إلى مسألة الماعز وهذا أمرٌ مؤسف بالطبع بالنسبة لهذا البلد الثري جداً والذي لم يكن يمتلِك أيّ بُنى تحتية مُعاصرة، وكانت السعودية ترغب في الحصول على ذلك منّا وكانت تُريد كذلك أن تحصل على ضمانةٍ منّا مفادها أنّها في حال استخدمت البترودولارات بالطريقة التي نطلبها عندها الحكومة الأميركية تقبل بحماية السعودية وحماية  الأُسرة المالِكة فتحصل على القُدرة وعلى النفوذ نفسه. بالتالي، هذه الصفقة كانت مُفيدة بالنسبة إلى الطرفين إذا ما نظرنا إليها الآن بالنسبة إلى المُنشآت الكُبرى وقادة هذين البلدين، وكانت بالطبع مُفيدة إليهم وليس بالضرورة بالنسبة إلى عموم الناس في الشرق الأوسط أو (أميركا) لكنّها كانت مُفيدة بشكلٍ أساسي لبعض القطاعات والأُسر الثرية في (السعودية).

سامي كليب: ستبقى معنا طبعاً، عندنا الكثير من المواضيع لنناقشها، ولا بدّ من أن أُنوِّه أيضاً بالمُترجم الذي في الواقع لا تسبقه أية كلمة، شكراً لك أُستاذ "أحمد" أيضاً. تفضّل عندك تعليق أُستاذ "كمال"؟              

كمال حمدان: أنا في اعتقادي المسألة قد تكون أعقد مما سمعناه من الدكتور "بيركنز". أنا أعتقد الزواج الكاثوليكي بين العائِلة السعودية وبين الأميركيين حصل غداة الحرب العالمية الثانية وهو زواج كاثوليكي بكلّ معنى الكلِمة لأنّه منذ تلك الفترة هناك أسئِلة كبيرة في تاريخ النفط وتاريخ المنطقة العربية لم يُقدِّم أحد أجوبة عليها، مثلاً من يُحدّد حجم الإنتاج النفطي؟

سامي كليب: الظاهر منظمة " أوبك" ولكن أكيد لا

كمال حمدان: أنا أتحدّث عن الدول أو عن الـ " أوبك". أنا أدّعي تاريخياً، في سياق تاريخي كيف تركّبت شبكة المصالِح النفطية مع حاجة الغرب للنفط، أعتقد وأنا كنت رئيس تحرير مجلّة "النفط والغاز العربي"

سامي كليب: صحيح

كمال حمدان: التي الآن تصدر في (باريس) في السبعينات وكنتُ أتابع نقاشات معظم الاقتصاديين العرب مثل " الطريقي" و"نقولا سركيس" وذاك الجيل وكانت النقطة المحورية عنده من يُقّرر حجم الإنتاج؟ من يُقرّر الأسعار؟ من يُقرِّر حجم الفوائِض

سامي كليب: مَن؟ دعنا نفهم

كمال حمدان: مَن يُقرِّر وجهة استخدام الفوائِض، مَن يُقرّر مُشتريات السلاح؟ مَن يُقرر ثمن التكنولوجيا التي تُفرَض علينا ولا يجري توطينها في بلادنا بل تُصبِح وكأنها مادّة استهلاكية

سامي كليب: مَن يُقرّر؟

كمال حمدان: ضعف البُنى السياسية والثقافية ونظام التعليم في بلادنا حُكماً ولكن أيضاً دور الهيمنة الإمبريالية للمركز الغربي والأميركي بالتحديد على صنّاع القرار في بلادنا واعتبارهم في هذا الزواج الكاثوليكي، أنّ هذا ريع ينبغي تقاسمه والنسبة الكبيرة بموجب هذه الأسئِلة التي تحتاج أجوبة، النسبة الكبيرة تذهب وتؤول إلى شركات الحفر وشركات النقل وشركات مدّ الأنابيب وإلى آخره  

سامي كليب: اسمح لي لأننا الآن سنتوقّف مع موجز للأنباء سريع والسيّد "بيركنز" أيضاً اسمح لنا سنتوقف سريعاً مع موجز للأنباء ونعود ولكن بشكلٍ سريع أُستاذ "كمال"، في رأيك من يُحدّد كم تُنتِج دولة من النفط في منطقة الخليج هي (أميركا) في الأساس؟

كمال حمدان: هذه فرضيّتي، هذا طبعاً ينطبق بشكلٍ أساسي ليس على البلد الذي يُنتِج مليوناً أو مليون ونصف المليون أو مليوني برميل، هذا ينطبق على البُلدان التي تُنتِج، أُعطيك مثالاً. (العراق) و(السعودية) يكاد يكون الاحتياطي المُثبت مُتقارِباً خصوصاً مع الاكتشافات الجديدة

سامي كليب: ويبدو أنّ (العراق) أكثر حسب آخر الاكتشافات

كمال حمدان: يبدو لكن الآن سنكتفي بمعلوماتنا. لماذا يُسمح للسعودية بإنتاج 10 أو 11 مليون برميل في اليوم بينما (العراق) يُنتِج حوالى ثلث أو 40 في المئة من حجم منتج (السعودية)

سامي كليب: موجز للأخبار سريع ونعود لأنّ أيضاً مسألة العقوبات النفطية على دول الآن مثل (إيران) وغيرها أيضاً يطرح مثل هذا السؤال. أعزّائي المُشاهدين ابقوا معنا قليلاً، سنعود إليكم إن شئتم متابعة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

المحور الثاني:

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدّداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" نتحدّث فيها عن كيف يُسيطر العالم الغنّي إذا صحّ التعبير على الدول النامية، على الدول الفقيرة؟ كيف يُمكن قلب نظام مُعيّن؟ السيطرة على مشروعٍ سياسي مُعيّن؟ إطاحة حكومة مُعيّنة؟ كلّ ذلك عبر الاقتصاد. لذلك نتحدّث عن عملية قتل اقتصادي إذا صحّ التعبير. ومعنا السيّد "جون بيركنز" وهو مؤلِّف كتاب مُهمّ جداً في الواقع وهو خبير اقتصادي وباحث، كتابه "اعترافات قاتل اقتصادي". والأُستاذ "كمال حمدان" وهو خبير اقتصادي معروف جداً والمدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والاستشارات. سيّد "بيركنز" كنت تتحدّث في فترة أخيرة عن دور الشركات الكُبرى وتقول أنه دورٌ خطير وتُطالِب الأميركيين بالتحرّك خصوصاً لمواجهة هذه الشركات الاقتصادية الكبيرة الأميركية وتأثيرها على العالم وعلى الداخل الأميركي. الآن الرئيس "دونالد ترامب" يُعبِّر عن قطاع اقتصادي، قوّة اقتصادية أميركية هائِلة ربّما تختلِف عن القوى التقليدية في (أميركا) مثل البورصة والقوى الاقتصادية المعروفة حتّى الآن ويُعبِّر أيضاً عن جشع اقتصادي هائِل في الخارِج. هلّ تعتقد أنّه سيعود إلى فكرة القاتل الاقتصادي إذا صحّ التعبير؟

جون بيركنز: نحن نمرّ بأوقاتٍ مثيرة جداً للاهتمام في الواقع فمنذ حرب (فيتنام) وقت انضممت إلى هذا المجال، وعند التركيز بشكلٍ أساسي على استعمال القتلة الاقتصاديين، فالولايات المتحدة الأميركية كانت مُشارِكة عسكرياً مع تحقيق فشلٍ بشكلٍ أساسي ولكن قُرابة العام 2000 في نهاية القرن الفائِت، وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة الأميركية كانت تعيش الازدهار الحقيقي على مستوى كلّ العلاقات الخارجية وعلى مُستوى تحرّكاتها الامبريالية، بعض القطاعات كانت غير مُستفيدة لاسيما تلك المُشارِكة في الإنتاج العسكري فقصدت الرئيس "كلينتون" ومن ثم الرئيس "بوش"  وتذمّرت عن هذا الموضوع أو من هذا الموضوع. بالتالي اعتداء الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وفَّر العُذر المثالي لإعادة إنعاش هذا القطاع والانتعاش يحصُل منذ سنواتٍ مُستمرة، ويبدو أنّ الرئيس "ترامب" يرغب في الارتقاء بذلك إلى مستوياتٍ أعلى بكثير. حالياً نحن أمام نظامين أساسيين، الامبريالية العسكرية التي وُجِدت دوماً بصورةٍ تقليدية كما عهِدناها على مرّ التاريخ وعلى مُستوى مختلف بقاع العالم، وجرى استبدالها بعد نهاية حرب (فيتنام) بنظام أو منظومة القتلة الاقتصاديين. ومن ثمّ، في بداية العقد الأول من هذا القرن أعاد رجالات العسكر والآن النظامان متآخيان، لدينا النظام العسكري و "ترامب" يقوم بتعزيزه أكثر فأكثر وفي الوقت عينه لدينا نظام القتلة الاقتصاديين. واليوم، القتلة الاقتصاديون ما عادوا كما عهِدناهم. مثلاً، في وقتي كنّا نعمل بطريقةٍ عمومية. لم نكن نكترِث فعلاً عما هي الشركات التي ستحصل على العقود بغضّ النظر عن عملها، فإن كانت أميركية هذا هو الأهم، ما دامت الشركة أميركية هذا هو المعيار. لكن اليوم لدينا قتلة اقتصاديون من نوعٍ آخر، كلّ شرِكة عالميّة بات لها قتلة اقتصاديون مثل شركاتٍ كـ "نايكي" وغيرها والشركات النفطية الكُبرى وهي تُحاول أن تستخدم هؤلاء لخدمة مصالِحها الأساسية، فلدينا نوعان من القتلة الاقتصاديين ونشهدُ كذلك على إعادة نشأة الامبريالية العسكرية. بالتالي، الأمور إلى تطوّر سريع ولا نعرِفُ إلى أيّ مدى سيأخُذ "ترامب" الأمور وإن كان سيكون قادراً على تحقيق الأمر أم لا

سامي كليب: حسناً، لكي نفهم أكثر أعزّائي المُشاهدين لنُشاهِد بشكلٍ سريع الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" وماذا يقول مثلاً عن نفط (العراق)

دونالد ترامب – الرئيس الأميركي: عندما ذهبنا إلى (العراق) قلت أفترِض أننا سنأخُذ النفط، فهل سنأخذ النفط؟ قال الناس، ما هذا الشيء المروّع لتفعله، أتعلمون؟ في ما مضى في الحرب هلّ سمعتم بهذه العبارة "إلى المنتصر تعود الغنائِم"؟ إلى المُنتصِر!! وأنا كنت متحمساً جداً وقلت: " إذا كنا سنترك (العراق) فليكن النفط لنا، على الأقلّ ليدفعوا ما عليهم، وأتت عناوين الصحف الرئيسية لتقول أنّ "ترامب" فظيع ويريد أن يأخذ النفط من بلدٍ ذي سيادة، ذي سيادة؟؟ على مهل، ألا ترون الناس تنهب هناك؟ ذو سيادة!!

سامي كليب: هلّ يوجد أوقح من هذا الكلام إذا صحّ التعبير؟

كمال حمدان: لا يوجد أوقح من هذا الكلام، وهذا لا يُقلِق فقط دولاً ضعيفة مثل دول العالم العربي. هذا يُقلِق (الصين)، يُقلِق (روسيا)، يُقلِق أيضاً دولاً أساسية في (أوروبا)، وما يقوله رغم أننا لا نستطيع أن نُراهِن كثيراً على التزامه بما يقول في مرحلة ما قبل الانتخابات خصوصاً أنّه جاء بتيار شعبي

سامي كليب: صحيح

كمال حمدان: ووعود كثيرة والإمكانات محدودة

سامي كليب: ولكن أن يقول رئيس أميركي سنذهب ونأخُذ النفط وكان علينا أن نأخذ النفط، هو يقول ما حصل فعلياً وأنّ المُنتصِر يأخذ الغنائِم، انا لا أفهم على ماذا انتصر؟

كمال حمدان: هذا يُنبئ بعودة إلى القرون الوسطى وهذا يُهدّد حتّى الأشكال الراهنة لنظام العولمة. عندما يقول أنا أُريد أن أحمي صناعاتي وسياراتي وإلى آخره ويدعو صناعييه الأميركيين إلى نقل الاستثمارات بآلاف المليارات من الدولارات من (الصين) إلى (أميركا)، إلى البلد الأُم بما يتعارض مع كلّ الفلسفة النيو ليبرالية التي لا تزال تزدهر كخطاب سياسي منذ السبعينات، منذ "تاتشر" و"نيكسون" إلى الآن بضرورة فتح الأسواق وتحرير التجارة وإلغاء الحماية الجُمركية. هو الآن يسير في اتجاه مُعاكِس ويُثير قلقاً في أوساط رجال أعمال داخل الولايات المتحدة بالذات. طبعاً ينبغي ألاّ نُراهِن كثيراً، الدكتور "بيركنز" أشار إلى الصراعات داخل الـ community Business مجتمع رجال الأعمال في (أميركا). لكن لا ننسى، تاريخ (أميركا) منذ الحرب العالمية الثانية هو تاريخ مُجمّع، صناعي، عسكري، صناعي أعني بما يتضمن النفط، صناعي عسكري له نُظمه الحقوقية، له نُخبه، له معاهده وجامعاته ومراكز أبحاثه، له رسله في العالم كلّه وله أدواته المؤسسية وهو يلعب دوراً كبيراً في تقرير السياسات أكثر بكثير مما نتوهّم عن هذا الرئيس أو ذاك

سامي كليب: ممتاز أُستاذ "كمال". ما يذكره السيّد "بيركنز" يقودنا إلى السؤال المفصلي، وما قاله الرئيس "ترامب" بهذا الشكل العلني وما كان يحصل تحت الطاولة. عملياً ربّما "ترامب" نقل الخطاب من تحت الطاولة إلى ما فوق الطاولة، ولكن أحد الخُبراء الاقتصاديين الفرنسيين من أصول لبنانية، السيّد " جان بيار ترزيان"، يقول أنّ اجتياح (العراق) هدفه الأساس كان منع دول مثل (الصين) وغير (الصين) من أن تعقِد عقوداً نفطية أو تُقيم عقوداً نفطية مُباشرة مع (العراق) لكي يبقى (العراق) واقتصاد (العراق) تحت هيمنة الشركات الأميركية. ورأينا أنّ اجتياح (العراق) أيضاً شُجِّعَ من قِبَل شركات أميركية أساسية كانت تابعة لوزراء دفاع وغير وزراء دفاع، مثل "دونالد رامسفيلد" وغيره

كمال حمدان: "جان بيار ترزيان" اشتغلنا معاً في مجلّة الاقتصاد والنفط لأربع سنوات

سامي كليب: صحيح

كمال حمدان: وما قاله صحيحاً وأنا أُدقِّق في بعض الأمور. (أميركا) لا تستورِد نفطاً كثيراً من منطقتنا، (أميركا) مصادر استيرادها النفطي هي (المكسيك) و(كندا) بشكلٍ أساسي و(فنزويلا). طبعاً هناك بضعة ملايين تأتي من (السعودية) والخليج إلى آخره ولكن وظيفة (أميركا) ومصالِحها البترولية لا تتمثل فقط بتأمين احتياجاتها من النفط. الوظيفة الأهم هي التحكّم في عملية تسويق إنتاج النفط أينما كان عبر شركاتها

سامي كليب: صحيح

كمال حمدان: وبالتالي، هناك مارِد يصعد وربما قد يُهدّد الأحادية القُطبية في العالم واسمه (الصين)، وهذا مسار تاريخي سوف يتحقق. في (الصين) الآن متوسط استهلاك الفرد في (الصين) من الطاقة ربما ربع أو خُمس أو سُدس ما هو في متوسِّط البلدان الغربية، وجوعه إلى النفط جوع لا حدود له وقُدرات أن يتمكن من زيادة موارده الذاتية من النفط محدودة نسبياً رغم وجود اكتشافات. بمعنى، الذي يُفكِّر إلى 25 سنة حُكماً يقول أنّ هذا الاحتياطي الهائِل الموجود في الخليج وتحديداً في (العراق) لا شكّ أنه سوف ينتهي إلى شكل من أشكال الزواج مع احتياجات سوق ناشئة فيها مليار ونصف المليار من البشر وليس عندها اكتشافات نفطية تُلبّي حاجة هذا النهوض

سامي كليب: إذاً هذا كان النوع صحيحاً من القتل الاقتصادي بشكلٍ أو بآخر

كمال حمدان: طبعاً

سامي كليب: لأنّه قُتِلَ بلدٌ بكامله، ويقول السيّد "بيركنز"، اسمح لي بمقاطعتك والسؤال لك سيّد "جون بيركنز" لو سمحت، تقول أنه في (العراق) فشل الاقتصاديون وفشل القتل فكان لا بدّ من اجتياح البلد، أي كان اجتياح (العراق) في رأيك لأسباب اقتصادية

جون بيركنز: نعم، لكن في الواقع تعدّدت الأسباب والموتُ واحِد. في كلّ حال، (العراق) يتمتّع بموقعٍ جغرافيّ استراتيجي للغاية بالنسبة إلى (إسرائيل) وبالنسبة إلى الواردات المائيّة والنفطية في الشرق الأوسط، لكن المسألة التي لم نذكرها بعد هي المال الذي تجنيه دولٌ تأوي شركات كبرى في العالم، الشركات الأوروبية والأميركية والصينية وكم تجني هذه الشركات من الحرب ومن التهويل بالحرب

سامي كليب: ولكن هلّ عملت حضرتك سيّد "بيركنز"، أنا فهمت أنك عملت في (السعودية)، لكن هلّ عملت في (العراق) أيضاً، بشكلٍ سرّي أو علني؟

جون بيركنز: لا، أنا شخصياً لم أكن يوماً في (العراق). عمِلتُ في (السعودية)، في (الكويت) وفي (إيران) و(مصر) مثلاً لكن شخصياً لم أزُر (العراق)

سامي كليب: هلّ يُمكن أن تذكر لنا ماذا فعلت في (الكويت) و(مصر) مثلاً و(إيران)؟

جون بيركنز: في (إيران) كنت هناك عدّة مرات. على مرّ ثماني سنوات تقريباً كنتُ أعملُ بشكلٍ أساسي مع "الشاه"، كنت أعملُ لصالِح شركة أميركية، نعملُ كمُستشارين لدى "الشاه" لكي نُساعده في معرِفة الطُرق المُثلى لإنفاق أمواله ولكي تتمكّن الشركات الأميركية من أن تبسط سيطرتها بشكلٍ أفضل في (إيران)، وبالطبع "الشاه" كان صديقاً لـ (أميركا) فقد وصل إلى السُلطة بفضلِ " كيرمن روزفلت" العميل في الوكالة الأميركية للاستخبارات. كان قد عمل على الإطاحة بـ "محمّد مُصدّق" في الخمسينات واستبدلناه بـ "الشاه"، و"الشاه" حافظ على سُلطانه لأنّه كان يتمتّع بجهازٍ استخباراتي قوي لكنه كان قد لقي دعماً وتدريباً من جانب وكالة الاستخبارات الأميركية ووكالات أُخرى، بالتالي "الشاه" كان أشبه بدُمية في يد الولايات المتحدة الأميركية، وكان يقضي دوري بإقناعه بتحويل الأموال النفطية نحو الشركات الأميركية، وتعيين هذه الشركات الأميركية لإطلاق المشاريع الكُبرى على مستوى البُنى التحتية من طرقٍ سريعة ومطاراتٍ ومشاريع بناء مُدن أساسية، وفي (مصر) مثلاً كان دوري محصوراً أكثر، لقد جرى تعييني بشكلٍ أساسي لتحقيق هذه الصفقات في مدينة (الإسكندرية)

سامي كليب: في أية سنة تقريباً؟

جون بيركنز: كنت هناك لفترةٍ محدودة، ما عدتُ أذكُر تماماً لكن أعتقدُ أنني كنتُ في (مصر) عام 1975 أو 1976، لم أُطِل الإقامة هناك كما فعلتُ في (إيران)

سامي كليب: أي على أيام الرئيس "أنور السادات" تقصد

جون بيركنز: صحيح

سامي كليب: وفي (الكويت) نفس الدور تقريباً أيضاً؟ إقناع السُلطات بتحويل الأموال والمشاريع إلى شركات أميركية؟

جون بيركنز: نعم. نعم، هذا كان دوري. ولكن بصورةٍ أساسية في الشرق الأوسط الوظائِف الأساسية التي عمِلتُ عليها كانت في (إيران) و(السعودية)، أمّا بالنسبة إلى (الكويت) فكان يُنظَر إليها وكأنها الشقيق الصغير لـ (السعودية)، فما يتحقّق في (السعودية) سيتحقّق حتماً في (الكويت)، فلم يكن هناك الخيارات الكثيرة المُتاحة أمامهم

سامي كليب: سيّد "بيركنز"، اسمح لي بالسؤال بشكلٍ مُباشر. هلّ كُنتُم خلف اغتيالات في الدول العربية لأسباب اقتصادية أو لأسباب شركات مثلاً مُعيّنة؟ لعقود؟ لصفقات؟ في الدول العربية تحديداً

جون بيركنز: في الواقع لا، لم نُشارِك يوماً في عمليات القتل أو التصفية المُباشرة ولم أقُم بأي شيء في الواقع لم يكن قانونياً يوماً

سامي كليب: لا، أنا لا أتحدّث عنك تحديداً، حين نتحدّث عن القتلة نعني الذين يأتون بعدكم. أنتُم تُحاولون أن تُقنعوا الأشخاص أو الشركات ولكن هلّ وفق ما تعرف اغتيل بعض القادة العرب أو المسؤولين العرب أو ربما شخصيات عربية من الحُكم أو من المُعارضة لأسباب اقتصادية حسب عِلمك

جون بيركنز: أنا شخصياً لا أعرِف عن حالة أشخاصٍ ذهبوا لقتل قادة. لدي الكثير من الشكوك حول حالاتٍ من هذا النوع. نعرِفُ مثلاً أنّ الحكومة الأميركية قد شاركت مثلاً في الإطاحة بـ "مُصدِّق" ولم يجري قتله لكنه كان قيد الاحتجاز المنزلي. ولكن لا أمتلك معلومات دامغة حول أيّ أفعالٍ من هذا النوع مباشرةً بالنسبة للعالم العربي، لكننا كنّا نعرِف وفي بالنا دوماً أنّ وزارة الخارجية الأميركية والرؤساء والمسؤولين الأميركيين كانوا يعرفون ما سيحصل وهؤلاء الرؤساء كانوا يعرِفون مخاطر عدم امتثالهم

سامي كليب: حسناً، طبعاً يذكُر السيّد "بيركنز" إسقاط رئيس الحكومة الإيرانية السيّد "مُصدِّق" عام 1953 وكان السبب آنذاك هو تأميم عقود اقتصادية نفطية، وربما (أميركا) أرادت أن تُساعِد (بريطانيا) حينها، وفي الواقع أُطيح رئيس الحكومة. العقوبات الاقتصادية على (العراق) أُستاذ "كمال حمدان" كانت كارثية، أيضاً هنا القتل الاقتصادي المُباشر وغير المُباشَر. كان المُفترَض أعزائي المُشاهدين أن تكون العقوبات الاقتصادية ضدّ النظام العراقي، ضدّ الرئيس "صدّام حسين" وقيادته ولكن لنُشاهد:

— في آب/ أُغسطس عام 1990 مجلِس الأمن يُصدر القرار رقم 661 ويفرِض عقوبات اقتصادية على (العراق) بذريعة التأكّد من خلوّ (العراق) من أسلِحة الدمار الشامل وتبيّن طبعاً أنّها كذبة، لم يكُن هناك أسلِحة دمار شامل

— عام 1994 بلغ التضخُّم مرحلة كارثية، وصل مُعدّله إلى 24,000 بالمئة. رقم خطير

— غادر (العراق) أكثر من 23 ألف باحِث وعالِم صوب المنافي

— أُفقِر الناس، هُمِّش التعليم، قُتِلت رواتب الموظفين الصغار والمتوسطين، مُنِعت الكهرباء، شحّت المياه والمواد الأولية خصوصاً المواد الطبيّة والمدرسية وغيرها. مثلاً قلم الرصاص كان ممنوعاً

— زاد مُعدّل وفيات الأطفال إلى الضعف ووصلت نسبة سوء التغذية إلى نحو 30 في المئة بين الأطفال

— بلغت وفيات المواليد أعلى نسبة في العالم. عادت الأمراض المُعدية والأوبِئة خصوصاً عبر المياه الملوّثة وفي مُقدّمها الملاريا

سامي كليب: العقوبات الاقتصادية أُستاذ "كمال" سلاحٌ فتّاك ولكن لا يقتُل أنظِمة ولا يقتل حكاماً إنما يقتُل الشعوب. في رأيك هو اختراع امبريالي إذا صحّ التعبير غربي أطلسي أميركي؟ هكذا تاريخه؟

كمال حمدان: أنا أعتقد أنّ العقوبات أحد أسبابها ومُحدداتها أيضاً قتل قوة مثال مُحتمل

سامي كليب: كيف يعني؟

كمال حمدان: أنا أرجع إلى (العراق) بالتحديد. (العراق) في أواخر الثمانينات وبعد أن حسم نوعاً ما بدعم إقليمي الحرب مع (إيران) كان قد وصل إلى تطويع التكنولوجيا، وأصبح على قاب قوسين أو أدنى من أن يتحول إلى دولة صناعية ليستعيد ما كان حاوله في منتصف السبعينات عبر مقولة "التنمية الانفجارية" التي صار عليها تعليقات كثيرة في السبعينات وعلى هذا المفهوم. طوّع إنتاج الصناعات العسكرية، والصناعات المدنية ارتباطاً معها تطوّرت وأصبح أكثر فأكثر يتهيّأ للاضطّلاع بدور دولة كبرى إقليمية. هذا الوضع يُعطي قوة مثال في المنطقة وفي العالم الثالث ككل لا يُمكن السماح فيها، فكان تورُّط الأميركيين أيضاً في غزو (الكويت) من خلال موقف السفيرة الأميركية "غراسبي" التي أعطت انطباعاً للرئيس العراقي

سامي كليب: بأنّه يستطيع

كمال حمدان: بأن في إمكانه الدخول إلى (الكويت) وكان ما كان

سامي كليب: على فِكرة، توفيت في ظروفٍ غامضة، توفيت في حادث سيارة

كمال حمدان: طبعاً، طبعاً. بعد ذلك طبعاً ما ذكرته عبر العقوبات، عندما تُصادَر كلّ عائِدات النفط لصالِح الأُمم المتحدة وتورّط "كوفي أنان" وابنه بعد أن تبيّن وجود صفقة ضمن مشروع Food For Oil

سامي كليب: صحيح، " الغذاء مقابل النفط"

كمال حمدان: ولم تعُد مُقدّرات البلاد في يد العراقيين

سامي كليب: أُستاذ "كمال"، هذه نُقطة مهمّة جداً وحسّاسة. حين تُفرَض عقوبات يبدو أنه لا يكون النظام فقط المُستهدف وإنما الحصول على خيرات اقتصادية معينة وإعاقة التصنيع، إعاقة التطوّر، إعاقة النمو لضرب البلد  

كمال حمدان: نعم. في حالة (سوريا) أو (إيران)

سامي كليب: مثلاً

كمال حمدان: في (إيران) بدأت العقوبات منذ عام 1979

سامي كليب: صحيح

كمال حمدان: بعد احتلال السفارة وتطوّرت وكانت العقوبات أحياناً من قِبَل منظمة دولية وأحياناً أُخرى من قِبَل الأميركيين والاتحاد الأوروبي

سامي كليب: سنتحدّث عن (إيران) بعد لحظات لو سمحت، في موضوع (العراق) كان واضحاً أنه كان استهداف اقتصادي أكثر من أيّ شيء آخر

كمال حمدان: عندما تُقرر فرض عقوبات على (العراق) هذا يعني أنّه إذا نصف صناعاتك، نصف الـ Input أو المُدخَل فيها مُستورد كقطع الغيار وكتكنولوجيا. عندما يتوسّعون في تفسير أنّ هذه الصناعات حسّاسة لقضايا تمسّ الأمن أو صناعة أسلِحة الدمار الشامل أو ما يُروّج عن أسلِحة نووية أو ما شابه، يتوسّعون في هذا المفهوم وتُصبِح نصف مصانعك عاجزة عن أن تُموّن بالمُدخلات الصناعية عبر الاستيراد وعن استيراد قطع الغيار اللازمة لكي تستمرّ هذه المصانِع. وعندما يُغلقوا أسواق التصدير أمامك من الناحيتين أصبحت الصناعة في (العراق) مُعطّلة. أو عندما تُجمَّد أُصولك المالية في الأسواق المالية

سامي كليب: صحيح

كمال حمدان: و(العراق) كان عنده أصول كبيرة جداً وكان في إمكانه استخدامها في تمويل استثماراته وفي البُنى التحتية وفي خلق فُرَص عمل وكّل هذا شُلَّ. إذاً، فرضت نوعاً من العُزلة، فرضت منع وصول قطع الغيار والمُدخلات الصناعية، أقفلت أسواق التصدير، جمّدت الأصول، وهناك حالة حرب ووضع اجتماعي غير مُستقِرّ. طبعاً في هكذا وضع حدث انهيار للعُملة وانخفاض لمعدلات النموّ بل تحوُّل مُعدلات النموّ إلى مُعدّل نموّ سلبي

سامي كليب: والأسوأ من ذلك أنّ ثمّة من لا يزال يُصدِّق، يأتينا "ترامب" الآن ويقول " أنا سأحمي دولاً ضدّ دول " وما إلى ذلك. يأتي ليبيع السلاح وليأخذ ما بقيَ في الواقع

كمال حمدان: استكمالاً، هنا لا يتضرّر النظام فقط، طبعاً الضغط موجود على النظام نتيجة العقوبات لكن الشعب من يتضرّر، تتضرّر الطبقة العاملة والطبقة الوُسطى والمصارِف

سامي كليب: نصف مليون طفل قُتِلَ في (العراق)

كمال حمدان: وأيضاً يتضرّر الطرف الذي يُمارِس العقاب لأنه كانت هناك شبكة تدفقات ومُبادلات متبادلة ولكن هذه وزنها "إبسيلوم" أو هامشي بالنسبة لمصالح الطرف الذي يُمارس العقاب. هو يرغب في تركيع خصمه حتّى لو كان هذا الشيء على حساب الشعب. هذا حصل في (سوريا) وفي (العراق)

سامي كليب: على كلّ حال، اللافت مثلاً أنّه بعد أقلّ من خمسة أعوام على العقوبات الاقتصادية مُذيع أميركي يوجِّه سؤالاً لوزيرة الخارجية الأميركية "مادلين أولبرايت"، يقول لها: "هلّ تعتقدين أنّ موت نصف مليون طفل عراقي نتيجة العقوبات الاقتصادية هو ثمن كان يجب أن يُدفع؟" فتجيبه بشكلٍ صريح جداً السيّدة " أولبرايت": "لقد كان هذا خياراً صعباً أمامنا لكننا نعتقد أنّ الثمن يستحِقّ أن يُدفع". نصف مليون طفل ثمنٌ يستحِق أن يُدفع. لحظات ونعود إليكم أعزّائي المُشاهدين

المحور الثالث:    

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" في جزئِها الثالث والأخير، نتحدّث فيها عن عمليات القتل الاقتصادي الدولية لدول نامية أو لحُكّام ربّما يتمرّدون أو لمُنظّمات أو لحكومات وما إلى ذلك. طبعاً أعود وأُذكِّر بضيوفنا الكرام، السيّد "جون بيركنز" وهو عالِم اقتصاد وكاتب وناشِط سياسي وبيئي، مؤلِّف كتاب "اعترافات قاتل اقتصادي"، والدكتور "كمال حمدان" المدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والاستشارات. يقول السيّد "بيركنز" في كتابه عن (العراق)، "كان "ريغان" و"بوش" عازمين على جعل (العراق) (سعودية) ثانية، المثال السعودي كان الأمثل بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية،  و(واشنطن) كانت تُغمِض عيونها عن الكثير من النشاطات السعودية وبينها تشكيل مجموعات متطرّفة راديكالية وحتّى إرهابية وطلبت مُساعدة (السعودية) عبر "أُسامة بن لادن" لها في (أفغانستان)". كأنّ السيّد "ترامب" سيّد "بيركنز" يُكرّر الشيء نفسه، بمعنى مُستمِرّ التحالف الأميركي السعودي ضدّ (إيران) حالياً وعلى ما يبدو أنّه أيضاً خلف المسألة مشاريع وعقود اقتصادية، جرى كلام في خلال زيارة وليّ وليّ العهد السعودي الأمير "محمّد بن سلمان" عن مئتي مليار دولار، والآن يُحكى عن عقود كبيرة أيضاً بين (السعودية) وبين (أميركا). من خلال تجربتك في هذه الدول إن كانت عربية أو لأنك أميركي، هلّ كنت تشعُر ولا زلت وتعلم أنّ الاقتصاد يجُبّ كلّ شيء، ليس مُهماً مُمارسة دولة إن كانت ديمقراطية أو غير ديمقراطية، إن كانت تُصدِّر مجموعات متطرّفة وخطيرة أو لا تُصدِّر، هذا مشروع آخر؟

جون بيركنز: صحيح. الدوافع ترتبط بالمصالِح العُليا للمُنشآت الكُبرى، لكن بالطبع قد تتعارض هذه المُنشآت، ومسألة النفط حاسِمة وأساسية في "وال ستريت" بالتالي أعتقد أنّ العالم اليوم مُسيّرٌ بهذه المُنشآت الكُبرى. أنا لا أُطلِقُ هنا نظريّة المؤامرة، لا أقول أنّ الرؤساء التنفيذيين يجتمعون بين الحين والآخر في غُرفةٍ قاتِمة ويُخطّطون لأمرٍ شرير، لكنهم بكلّ بساطة يقتادون بشعورهم الأساسي المُرتبِط بتحقيق المنفعة الاقتصادية بغضّ النظر عن الكِلفة الإنسانية والتكاليف الأُخرى. هذا النموذج انطلق عام 1976 في الواقع في مجال علم الاقتصاد وجرى تحوير الأُمور خلافاً لما تعلّمناه في كلّيات الاقتصاد بالنسبة إلى تحقيق الريع المقبول، لكنه أيضاً نموذجٌ يؤدّي إلى الاهتمام بالموظفين. ويقول أصحاب هذه الفِكرة أنّ المسؤولية الوحيدة المُنشأة تتمثل بتعظيم أرباح أصحاب أو حملة الأسهُم بغضّ النظر عن التكاليف الاجتماعية والدينية وهكذا تبدّلت الأمور برمّتها، وما أنشأناه في مُختلف أنحاء العالم هو اقتصادٌ قاتِل، اقتصاد يستنِد بشكلٍ أساسي إلى الحروب وخطر الحروب، إلى تحقيق المنافِع الاقتصادية الكُبرى عبر التهويل بالحروب أو شنّها، اقتصاد يستنِد إلى كذلك تآكل الأرض والموارِد والمُقدّرات الطبيعية، ولذلك كتبتُ هذا الكتاب بعنوان " اعترافات قاتل اقتصادي" بكلّ بساطة لكي اُقدِّم بدائِل مُختلفة عن                           النظام الاقتصادي لتنظيف البيئة

سامي كليب: سيّد "بيركنز" اسمح لي بالسؤال، أنت عمِلت لفترة طويلة كما تتفضّل وتقول كقاتل اقتصادي. ما الذي جعل ضميرك يصحو فجأةً لتوقف هذا العمل وتكتُب كتاباً وتفضح ما حصل. هلّ تأـثّرت بعملية مُعينة؟ بشيءٍ مُعيّن دفعكَ إلى هذا الاتجاه؟ أو خلص شبِعت؟

جون بيركنز: في الواقع لقد عمِلت في هذا المجال فقط لعشر سنوات وخرجتُ من هذا المجال عام 1981 بعد أن دخلتُ عام 1971 وتخرّجتُ من كلّية الاقتصاد وتعرّفتُ إلى مفاهيم أُخرى، وإذا ما أردنا أن نفيد الدول الفقيرة نستثمر في مشاريع البنى التحتية وهذا ما يقوله البنك الدولي والمؤسسات الكُبرى، لكن بعد أن زرت الكثير من الأماكِن والأماكن النائِية في (أميركا) اللاتينية أتحدّث مثلاً الإسبانية بطريقةٍ طلقة وكان في إمكاني أن أرى الحقيقة بأُمّ العين على مرّ هذه السنوات العشر، ما رأيته هو أنّ ما كنّا نفعله عبر المؤسسات والمنظّمات المُختلِفة أُسوةً بالبنك الدولي هو أننا من خلال إطلاق هذه الاستثمارات لم نكُن نسمح لهذه البُلدان وهذه الشعوب بالتحرّر من قبضة الفقر. على مُستوى الإحصاءات كنّا نفعل ذلك لكن الإحصاءات كانت كاذبة وكان الأمر ينعكِسُ على مُستوى الأُسر الأكثر ثراءً، لأنّ مفهوم إجمالي الناتِج المحلّي محوّرٌ لمصلحة النُخبة من الأُسر وهذا يصُحّ بشكلٍ خاص في البلدان النامية وفي مُختلف بقاع العالم، وبدأتُ أتيقّن ذلك على مرّ الوقت، على مرّ السنوات العشر التي أمضيتها في هذا المجال. ومن ثمّ بالطبع، عشتُ لحظة يقظة ووعي حقيقي، كنتُ مستاءٌ جداً من طبيعة هذا النظام وذهبتُ في رحلةٍ للإبحار في جزر (فيرجن) في "الكاريبي" ووصلت إلى مكانٍ حيثُ رأيتُ هضبة وأراضٍ مزروعة. كان المكان خلّاباً وكانت الأراضي مزروعة بأجمل الزهور وهذه المنطقة من "الكاريبي" كانت مثالية، لكن تيقّنتُ وقتها أنّ هذه الأراضي الزراعية قد بُنيت على جُثث آلاف العبيد، وهكذا بُني نصف الكرة الأرضية الغربي، وهذا يعود بنا إلى فكرةِ "العبودية المُعاصِرة". كنّا نقوم باستعباد الأشخاص عبر الدَين، وعندها اتخذتُ قراراً ألّا أُمارس هذه المِهنة مرةً جديدة وأردتُ أن أعود إلى مكتبي، إلى مقرّي بعد هذه العُطلة وقدّمتُ استقالتي وكرّستُ مُعظم ما تبقى من حياتي في مُحاولةٍ لكشف النقاب عن حقيقة هذا النظام، في مُحاولةٍ لتحويل هذا الاقتصاد القاتل إلى اقتصادٍ ينفُخُ الحياة في قلوب الناس، إلى اقتصادٍ يحتاجه الجميع ولذلك نحن في حاجة لفهم تبعات هذا النظام برمّته ونعرِف أنه يجدُر بنا ويُمكننا أن نُغيِّر الواقع

سامي كليب: حسناً، ممتاز. مثلاً في (السودان) أعزّائي المُشاهدين كانت فُرِضت عقوبات، حتّى تمّ تحويل الرئيس السوداني أو اتهامه بجرائِم حرب ومحكمة جنايات دولية وما إلى ذلك، لأنّه كان يتّخِذ موقفاً سياسياً مُعيناً. فُرِضت عقوبات إلّا صنف واحد من الزراعات السودانية وهو "الصمغ العربي" أو Arabic Gum وتبيّن أنّ الصمغ العربي يُستخدَم في أدوية ُمعيّنة في العالم الـ Pro Biotic في العالم خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية والغرب، وأيضاً يُستخدَم في بعض المشروبات غير الكحولية لأنّه يُهدّئ اللون وهذا غير موجود إلّا في (السودان)، ففُرِضت عقوبات إلّا على هذا الصنف. وحين تمّ طرد أو إبعاد السفير الإيراني من (السودان) وتقارب (السودان) مع دول الخليج، طبعاً فجأةً نسمع الآن أنه بدأ الكلام عن رفع العقوبات وأيضاً بدأ تسهيل الاقتصاد والرئيس السوداني يتحرّك وهو في جميع الأحوال كان يتحرّك حتى حينما كانت العقوبات مفروضة، لم يخف وإنما استمرّ في التحرّك. الآن هناك عقوبات

كمال حمدان: ربما أُضيف أنّ موضوع النفط لم يخضع لعقوبات فعلية

سامي كليب: في (السودان) نعم. الآن نُلاحِظ أُستاذ "كمال" أيضاً أنّ مشروع عقوبات أميركية على (إيران) في "الكونغرِس":

— في 23 آذار / مارس الماضي قُدِّمَ من قِبل 14 عضواً من الحزبين "الجمهوري" و"الديمقراطي" في لجنة الشؤون الخارجية في "الكونغرس" مشروع قانون يُشدِّد العقوبات على (إيران) بتُهمة تجارُب صاروخية بالستية وأنشِطة غير نووية

— عقوبات على أي شخص له علاقة بالصواريخ وكلّ من يتعاون معه

— عقوبات على الحرس الثوري الإيراني

— إضفاء الصبغة القانونية على الأفراد من خلال أوامر تنفيذية

— يطلُب هؤلاء من الرئيس الأميركي الحجز على مُمتلكات أيّ شخص أو أيّ مُشارِك في أنشِطة مُعينة

— ويقول كاتبو التقرير أنه لا يتداخل مع الاتفاق النووي

سامي كليب: نُلاحِظ في المُقابل أنّه عبر التاريخ أيضاً كلّ الإدارات الأميركية فرضت عقوبات على (إيران). الآن مثلاً إدارة "ترامب" في شُباط/ فبراير فرضت عقوبات على 13 فرداً و12 كياناً إيرانياً بتُهمة الارتباط بالبرنامج الصاروخي وأنشِطة إرهابية

— إدارة "أوباما" في حزيران / يونيو 2011 فرضت عقوبات ضدّ "الحرس الثوري" وقوّات "الباسيج" وقوات أعمال القانون الإيراني وعقوبات على الأفراد وحظر التعامل الأميركي مع الأفراد والشركات واتهام (إيران) بأنها منطقة رئيسة لغسل الأموال، وهذا حصل في العام الذي حصلت فيه الحرب على (سوريا) في 2011

— إدارة "جورج بوش" في العام 2006 قرّرت في حزيران/ يونيو 2006 عقوبات بتجميد الحسابات المصرفية لشخصيات مُرتبِطة بالبرنامج النووي وعقوبات على مصارِف وعلى عشرين شركة نفطية، وعقوبات مالية على مسؤولين وشركات، ووصفت الحرس الثوري بأنه ناشرٌ لأسلِحة الدمار الشامل. لاحظوا أنّ عام 2006 هو عام الاجتياح الإسرائيلي على (لبنان)، بمعنى التحويلات كانت مُرتبِطة ربما بتحويلات (إيران) لـ "حزب الله"

— إدارة "كلينتون" عام 1995 فرضت عقوبات على الشركات الإيرانية لا بل على الشركات الأميركية والشركات الأجنبية التي تستثمر في النفط الإيراني، وهو عام القرار الأميركي – الفرنسي ضدّ (سوريا) وضدّ المُقاومة في القرار 1559 كما نذكُر

سامي كليب: وكأنّ دائِماً هذه القرارات التي تستهدف النفط أو تستهدف شركات إنما استهدافها ليس عقوبةً للنظام وإنما لأسباب أُخرى

كمال حمدان: عقوبات لأغراض سياسية، لكن اُعبِّر عن موافقتي بأنه كانت هناك آثار كبيرة لقرارات المُقاطعة في معدلات نموّ أقلّ، في مُعدلات بطالة أعلى، في مُعدلات فقر أعلى ربما ولكن أقول حكمة العصر أنّ " الحاجة أُمّ الاختراع". من الجوانب الإيجابية في نتائِج المُقاطعة أنهم اضطروا إلى تطوير تقنيات إنتاجاتهم المحلية

سامي كليب: تماماً، الآن هناك اكتفاء ذاتي زراعي تقريباً

كمال حمدان: الآن حين تأخذ البُنية الاقتصادية الإيرانية وتُقارِن (إيران) بدولة نفطية أُخرى لم تخضع للعقوبات، حتّى (السعودية) أو (الجزائِر) وتُحلّل بنية تجارتهم الخارجية وبنية استثماراتهم والبنية القطاعية بمعنى كم كلّ قِطاع يُساهِم تجد أنّه أيام الشدّة اضطرّ الإيرانيون إلى بذل جهدٍ كبير جداً

سامي كليب: صحيح

كمال حمدان: بأن يُطوّروا تكنولوجيا على حجمهم وفعّالة وأنا في رأيي هذه كانت مُرتبطة بشكلٍ خاص بتطوير تكنولوجيا السلاح. في الأساس تكنولوجيا السلاح في (أميركا) مُنخرِطة تماماً مع كلّ التكنولوجيا المدنية، هي مراكز الأبحاث والشركات إلى آخره. هذه الظاهرة

سامي كليب: حسب تقرير "اليونسف" (إيران) الدولة الأولى في العالم في نموّ الإنتاج العلمي

كمال حمدان: لأقول لك، كنت أُكمِل، أنه في الاختبارات الدولية لمقارنة طلاب الصفوف الابتدائية والتكميلية (إيران) أفضل من مُعظم الدول العربية التي لم تتعرّض لحروب أو لعقوبات. بعد ذلك، ربما القُنبلة في المُقارنة بين وضع (إيران) ووضعنا، معدّل النساء العاملات في أعمار العمل ما بين الـ 15 و64 سنة الذي يكاد يصل إلى 47 في المئة

سامي كليب: في (إيران)؟

كمال حمدان: في (إيران) بينما متوسِّط العالم العربي دون الـ 20 %، في (لبنان) 23 %

سامي كليب: أي أقل من الثلث تقريباً

كمال حمدان: أقلّ من الثلث، ويجب أن تتنبه أنّ هذه النسبة لها أبعاد كبيرة جداً، هذا نصف المُجتمع. أنت عندك معظم طاقات المُجتمع معطّلة بمعزل عن الواقع الاجتماعي والتفاوتات، توجد مشاكل كبيرة جداً اقتصادياً في (إيران) لكن رغم هذا، رغم تعايشه مع المشاكل الاقتصاد ينمو. هناك مُعدلات نمو في السنتين الأخيرتين

سامي كليب: وهناك أيضاً كما تفضّلت إنتاج الكثير من الصواريخ وإنتاج الأقمار الصناعية. (إيران) في عام 2013 استثمرت 6.4 مليارات دولار فقط في الإنتاج العلمي بسبب طبعاً الحصار وغيره ووصلت إلى نوع من الاكتفاء الذاتي في الكثير من الحبوب المُستخدمة أو المُستهلكة من قِبَل الإيرانيين. الآن أيضاً هناك كلام عن عقوبات أميركية قد تطال "حزب الله"، وعلى ما يبدو لها تأثير على القطاع المصرفي وعقوبات على (سوريا) أيضاً، يتمّ درس عقوبات على (سوريا) في الآونة الأخيرة، وكما نعلم أعزّائي المُشاهدين، في أيام الرئيس السوري السابق "حافظ الأسد" العقوبات أيضاً أدّت كما تفضّلت بالنسبة لـ (إيران) إلى نوع من السعي للاكتفاء الذاتي على الأقل الزراعي. سيّد "بيركنز"، بالنسبة لبعض الدول التي لها دور إذا صحّ التعبير مواجه لهذا النظام العالمي، مواجه للولايات المتحدة الأميركية، ومواجه لـ (إسرائيل)، دول تريد أن تُصبِح مُقاوِمة مثل (سوريا) أو مثل (إيران) أو بعض المنظمات مثل "حزب الله"، وهي دول تُقاوِم هذا المشروع، لا تريد أن تُصبِح وإنما تُقاوِم هذه المشاريع. هذه يتمّ التركيز عليها اقتصادياً حسب خبرتك تاريخياً كمشاريع القتل الاقتصادي إذا صحّ التعبير؟

جون بيركنز: نعم بالطبع. لقد دلّل ضيفك الكريم على ذلك للتوّ عبر منظومة العقوبات التي فُرِضت على مرّ السنوات وعرِفنا حال دول مُختلفة مثلاً في الشرق الأوسط حيثُ شهِدنا على حركة راديكالية أساسية من الطرفين. من الطرف الأميركي عبر الراديكالية العسكرية والمُشاركة والضلوع العسكري الأساسيين وعبر الراديكالية الإرهابية إلى آخره، لكن هناك أيضاً دول أُخرى في (أميركا اللاتينية) انتفضت في وجه الهيمنة الأميركية كما حصل مثلاً في (بوليفيا) وإلى حدٍّ ما في (الإكوادور). ومؤخراً أُعلِنَ أنّ (فنزويلا) قامت بتأميم شركة "جنرال موتورز" في (فنزويلا). بالتالي الآن لا شكّ في أننا سنرى الرئيس "مدورو" ونظامه أمام خطر الإطاحة. عندما يقوم رئيس بتأميم شركة أميركية عريقة مثل "جنرال موتورز" فهو يُقدِّم دعوة مباشرة للقتلة الاقتصاديين للمجيء. بالتالي، نرى في مُختلف أنحاء العالم هذا الميل للتمرّد على النظام السائِد، وما نشهدُ عليه في رأيي هو أشبهُ بصحوةٍ حقيقية في مُختلف بقاع العالم، في (الصين)، في (روسيا)، في مُختلف أنحاء الشرق الأوسط و(أميركا اللاتينية). الناس ينتفضون ويصحون أمام هذا النظام الذين يعتبرونه أنه ما عاد نافعاً. هو نظامٌ امبريالي ولا يرتبط الأمر بالإمبريالية الأميركية فحسب بل هي امبريالية الشركات، الشركات التي لا ولاء لها لـ (أميركا) لا تدفع مثلاً الضرائِب هنا في (أميركا) ولديها الكثير من الملفات الضريبية، ولديها مقرّ في أماكن مثل (دبي) وأماكن أُخرى وهذا ما يُحاول أن يفعله "ترامب"، أن يُساعدها للتهرّب من دفع الضرائِب وفي نهاية المطاف الشعوب هي التي تُعاني ولا تستفيد، لا نستفيد حتّى من بناء الجدران مثلاً لمنع المهاجرين من الحضور، نحن بحاجة للمهاجرين الذين سيقدّمون لنا يداً عاملة إضافية وأفكاراً إضافية، بالتالي هذه السياسات باتت تُثقل كاهل الشعوب، الشعوب التي بدأت تصحو فعلاً وأعتقد أنّ من الهدايا التي تُقدّمها لنا إدارة "ترامب" هي دفع الناس لهذه الصحوة الحقيقية على عكس ما حصل في ظلّ "كلينتون" و"بوش" و"أوباما" الذين تنصّلوا من الكثير من الأمور

سامي كليب: شكراً لك سيّد "بيركنز"، شكراً لمُشاركتنا في هذا البرنامج. فقط مسألة أخيرة ودقّق لي المعلومات بنعم أو لا أُستاذ "كمال" دكتور "كمال" لأن الوقت انتهى للأسف. مسألة الدولار الأميركي أيضاً والدور الذي يلعبه في السيطرة على اقتصادات العالم:

— في الأربعينات كانت (أميركا) تمتلِك 25 مليار دولار من الأرصِدة العالمية البالغة آنذاك 38 مليار دولار أي ما قدره ثلثا ذهب العالم تقريباً

— الرئيس "نيكسون" كما قال ضيفنا "بيركنز" ألغى في العام 1971 ارتباط الدولار الأميركي بالذهب

— تسعون في المئة من العقود التجارية في العالم تستخدم الدولار

— نسبة الاحتياطي النقدي من الدولار الأميركي في البنوك المركزية العالمية تزيد عن 62 %

سامي كليب: لذلك أميركا تتحكّم بكلّ التحويلات. حين تُريد أن تُسقِط نظاماً تمنع التحويلات بالدولار         

كمال حمدان: هذا الكلام صحيح ولكن تسمح (أميركا) لنفسها ما لا تسمح أيّ دولة أُخرى لنفسها. (أميركا) بعد أزمة عام 2008 وانهيار كلّ المصارِف وشركات التأمين وإلى آخره، المجموعات الاحتكارية الكُبرى خلال أسابيع اشترت المصارِف كلّها، خصخصتها وهي التي كانت تُروِّج للقطاع الخاص والخروج من القطاع العام إلى آخره. وطبعاً اشترت المصارِف بمعنى أخذت الحصص داخل المصارِف مُقابل الأموال التي أعطتها للمصارِف

سامي كليب: انتهى الوقت، فقط أريد أن أطلب منك أن تختصر بجملتين

كمال حمدان: باختصار، الدولار في رأيي هو By-Product أي مُنتَج مُصاحب. والأهم في رأيي الذي من اللازم أن أختُم فيه، كلّ ما يجري في العالم هو إيذان، من أزمة الـ 2008، من أزمة النيو ليبرالية، من أزمة أوروبا حالياً واليابان، من الحروب المتنقلة التي تحدُث في أماكن عديدة في العالم، نحن نمرّ في مرحلة انتقالية من نظام القُطب الواحد إلى نظام متعدد الأقطاب

سامي كليب: شكراً لكم، شكراً لك دكتور "كمال" انتهى الوقت للأسف، شكراً لك سيّد "جون بيركنز" شكراً لكم أعزّائي المُشاهدين. إلى اللقاء في الأُسبوع المقبل مع حلقة جديدة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين"، إلى اللقاء