بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

ثريا الحضراوي - فنانة مغربية

قاربت مسيرة الحضراوي مع الغناء عقدها الاربعين ، ولكن الغرب وبلدها المغرب قد يعرفها اكثر مما تعرفها البلاد العربية . مغنية "المالوف" التي كسرت التقاليد كونها اول إمرأة تؤدي هذا النوع من الغناء كأنثى منفردة. الضيوف: الاعلامية التونسية أمل بجاوي، المخرجة الفلسطينية بثينة الخوري.

المحور الأول

الحضراوي وبدايات الموهبة.
المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. إذا صدّقنا مقولةَ أنَّ لكلِّ امرئٍ من اسمه نصيب، تكون ضيفتُنا اسماً على مُسمّى، فهي مُشعّةٌ كثُريّا متلألِئة في عليائِها، فيما يأخُذُنا صوتُها وأداؤها وخياراتُها إلى حضرةٍ روحيّةٍ بالِغةِ الصفاءِ والسموّ فيجولُ بنا في دورةٍ خلاّبةٍ تُشبهُ حركة الدراويش الراقصين حول أنفُسِهم حتّى الذوبان والتلاشي. فنّانةٌ حتّى النُخاع ارتشّفت إكسير الغناءِ مُنذّ نعومةِ أحلامها. اختارتِ الدربَ الشّاقةَ العصيّة لكن الملأى بكنوز الشِعرِ والغناءِ ذي الأبعاد الروحيّةِ والإنسانيّةِ العميقة. نحنُ الآن في حضرةِ مُبدِعَةٍ مثقّفةٍ ملتزِمةٍ لا تُقدِّمُ ما يُشبه السائِدَ والمألوف، ولا تُسايرُ الذوق العام المُنحدِر بفِعل سياسات التسطيحِ والابتذال. في غنائِها نتعرّفُ على خُلاصة الإبداع المغربيّ الذي نتمنّاه دائِماً جسراً وطيداً بين مغرِبٍ ومشرِقٍ تُثقِلُهما الأزماتُ والمِحَن وتجمَعهما عروبةٌ تتبدّدُ في دهاليزِ ساسة الظلام وأحلامٌ تشيبُ من هولِ ما نعيشُ ونختبِر. أُرحِّبُ بالسيّدة الفنانة "ثرياّ الحضراوي"، أهلاً وسهلاً بحضرتكِ        

ثريا الحضراوي: شكراً، شكراً جزيلاً، وأنا فرِحةٌ جداً بوجودي معكُم في هذه الأُمسية

زاهي وهبي: نحن أيضاً نتشرّف بوجودِك. سؤالي الأوّل سيّدتي هو، حضرتَكِ تغنّين منذ الطفولة، منذ عُمر الثماني أو التسع سنوات، وهذا يعني أنّ البيئة الأُسرَيّة أو البيتيّة كانت مُساعِدة، أم كان هناك مناخٌ فنّي أو مناخُ استماعٍ للأغاني في البيت؟

ثريا الحضراوي: هناك مناخٌ فنّي، هذه مسألة طبيعيّة. في أيّ بيتٍ مغربيّ يوجد مناخٌ فنّي بمعنى أنّك تتشبّع بالغناء، مثلاً في عائلتي عمّاتي يُغنين، ولكن ليس الغناء الذي نسمعه في الإذاعات أو في التلفزة ولكن أغاني النساء، هي أغاني نسائيّة. حين تجتمِع النساء كلّ واحِدة تأخُذ ما نسمّيه نحن "بنذير" -(آلة موسيقية ايقاعية مستعملة في المغرب العربي خاصة في الغناء الصوفي و الأمداح وتصنع في غالب الأحيان من الخشب و جلد الماعز) -  أو "طعريجة" – (أو التعريجة وهي آلة إيقاع موسيقية مغربية، تصنف ضمن التراث الموسيقي المغربي وتصنع من الطين والجلد) - ويغنّين. كان هناك جوٌ للغناء ولكنّه لم يكن مُناخاً كي أحترِف فيه الغناء. هناك تناقَض، فهو في الوقت نفسه يُحفّزُ على الفنّ والغناء ولكنّه في الوقت نفسه أيضاً لا يُساعِدُ على احتراف الغناء

زاهي وهبي: غنّي في البيت، ماشي الحال، ولكن احتراف الغناء وأداءه أمام الآخرين لم يكُن مرغوباً

ثريا الحضراوي: لا

زاهي وهبي: هذه الأغنيات من أيّ نوعٍ كانت؟ هلّ كانت من نوع الغناء التقليدي المغربي؟

ثريا الحضراوي: الغناء التقليدي المغربي الذي كان في الوَسَط الذي عشتُ فيه مع عائلتي لأنّ في "المغرِب" مثلاً الغناء الشعبي المغربي جدّ مُتنوّع ويتنوّعُ بتنوّعِ الجغرافيا وتنوّع التاريخ. إذاً، أنا في "المغرِب" عندما وُلدتُ في "المغرِب" كان هناك نوعٌ من الغناء الذي يُسمّى بالغناء النسائي ويُغنّى بين النساء. ولكن عندما بدأتُ أُغنّي لم أغنِّ هذا الغناء، بدأتُ أُغنّي الغناء الشرقي وبدأتُ باكتشاف صوت "أمّ كلثوم" بمعنى بدأتُ بشيٍ آخر تماماً رغم أنّ هذا الجوّ الأُسري أعطاني          

زاهي وهبي: حافِز ربّما؟

ثريا الحضراوي: الحافِز والرهافة والإحساس بالأشياء الجميلة، ليس فقط في الغناء

زاهي وهبي: بالفنّ عموماً

ثريا الحضراوي: بالفنّ عموماً. جدّتي كانت تصنع الزرابي( موديلات للسجاد المغربي والأمازغي وتطريزات) وأشياء

زاهي وهبي: تقصدين حلويات؟

ثريا الحضراوي: نسيج أقمشة

زاهي وهبي: نسيج، تطريز وحياكة وأشياء من هذا القبيل ؟

ثريا الحضراوي: نعم

زاهي وهبي: لقد قرأتُ أيضاً أنّ جدّتكِ ووالدتك كان صوتهما حلوا، كان عندهما أصواتٌ جميلة؟

ثريا الحضراوي: عمّاتي بالأخص عندهنّ أصوات جميلة جداً

زاهي وهبي: وحفلات الأعراس والزفاف، هل كانت جزءً من طفولتكِ؟

ثريا الحضراوي: نعم وتكوّنتُ فيها لأنّ الحفلات هي ظواهر اجتماعيّة وفيها كلّ شيء. الحفلات فيها تجمُّع والتجمُّع فيه النساء والرجال والأطفال وتتعلّم فيها كلّ شيء كما تكتشِف المُجتَمع Socialization وتتعلم فيه أشياء

زاهي وهبي: كيف تعرّفتِ على أغنيات "أمّ كلثوم" وما الذي جذبَكِ إلى عالم "أم كلثوم"؟

ثريا الحضراوي: أنا كنتُ تلميذة عندما كانت عمّتي تلميذة لكنّها كانت أكبر منّي سناً ، وعن طريقها اكتشفتُ للمرّة الأولى صوت "أم كلثوم" على الديسك

زاهي وهبي: على الأُسطوانة             

ثريا الحضراوي: على الأسطوانة. سمِعت الأطلال للمرّة الأُولى في عام 1965 أو 1966، ولا أستطيع أن أقول ما الذي جذبني إلى صوت أُمّ كلثوم، جذبني كلّ شيء

زاهي وهبي: الصوت والموسيقى والشِعر

ثريا الحضراوي: وربّما أيضاً الطريقة التي كانوا يتكلّمون بها عن "أمّ كلثوم" ربّما جذبتني أيضاً كونها فنّانة عظيمة، فسمِعتُ الصوت والحكاية عن الصوت. حكايةُ امرأة مُحتَرَمة

زاهي وهبي: تعنين كيف بدأت منذ طفولتها وشقّت طريقها؟

ثريا الحضراوي: نعم وكفنّانة عظيمة 

زاهي وهبي: في ما بعد، وفي مرحلة الجامعة، ذهبتِ في اتّجاه آخر يختلِف عن "أمّ كلثوم" والغناء العاطفي أو الغناء دعيني أقول، الكلاسيكي. غنّيتِ لـ "الشيخ إمام" من قصائد "أحمد فؤاد نجم" وأشياء مُلتَزِمة من عوالِم مُختلِفة وأمزِجة مختلِفة جداً

ثريا الحضراوي: منذ دراستي الأولى إلى الجامعة مررتُ بتجارِب، وهذه التجارِب جعلتني أدخل الجامعة حيثُ التقيتُ هناكَ بحركةٍ طلاّبيّةٍ وجوٍّ نِضالي

زاهي وهبي: نِضالٌ طلاّبي

ثريا الحضراوي: نضالٌ طلاّبي، واكتشفتُ نوعاً آخر من الغناء، وكان هذا شيء مهمّ أيضاً في حياتي لكي أقطع "حبل الصرّة" مع "أمّ كلثوم". كان هذا الشيء مهمٌ جداً لأنّه كان عليّ أن أقطع "حبل الصرّة" مع "أم كلثوم" بسبب تقليدي لها، مع أنني بدأتُ بغناءٍ من نوعٍ آخر لكن كان عليّ أن أستقِلّ بصوتي وأستقِلّ أيضاً بشخصيّتي وكان هذا الشيء مُهمّا، فأنا لم أبداْ بالغناء المُلتزِم

زاهي وهبي: فوراً

ثريا الحضراوي:  فوراً من أجل هذا، من أجلِ أن أقطع "حبل الصُرّة" مع "أمّ كلثوم". ولكن النتيجة كانت جيّدة

زاهي وهبي: يُمكننا اعتبارها مرحلة وسيطة بين غناء "أم كلثوم" وفي ما بعد "الملحون" والأندلسي" و "الصوفي"

ثريا الحضراوي: أنا كُنتُ في مرحلةِ بحثٍ عن ذاتي لأنّ الغناء بالنسبة لي هو جزءٌ من شخصيّتي ولأنني لم أكُن أُريد أن أبقى دائماً في التقليد، كنتُ أبحثُ عن جديدٍ يُناسِبُ شخصيّتي أيضاً ويُناسِبُ ما أحمله من أفكار. إذاً كنتُ دائماً في إطار البحث ولا زِلت، ولم أكن أريد أن أكون مغنيّة فقط لأنّ عندي صوتٌ جميل فأُغنّي وأفعل أيّ شيء وأُغنّي ما هو سائِد. فأنا كُنتُ في إطار البحث، ومسألة الغناء المُلتَزِم كذلك

زاهي وهبي: هذه الرغبة بالبحث، هذه الرغبة باكتشافِ ما هو مختلِفٌ عمّا هو سائِد ومألوف، من أين أتت؟

ثريا الحضراوي: هذا سؤالٌ صعب جداً لأنّ شخصيّتي هكذا. أنا دائماً مُتعطّشة و قارِئة وأبحثُ عن أشياء وعوالِم جديدة. بمعنى أنني لا أكتفي بما هو موجود

زاهي وهبي: قراءاتك، هل كنتِ قارئة جيّدة منذ المُراهقة و الطفولة؟  وأيّ نوعٍ من القراءات كنتِ تقرئين؟ وكم ساهمت هذه القراءات في تشكيلِ وعيكِ، حتّى وعيكِ الفنّي؟

ثريا الحضراوي: قراءاتي متعددة دائماً، وأنا بدأت بالشِعر. منذ أن كُنتُ صغيرة جداً بدأتُ بقصائِد "العصر الجاهلي"، منذ أن كُنتُ في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة ، ولغاية الآن لا أعرِف كيف. كنت أشتري مجموعةً في "المغرِب" وهي كُتُب لـ "إبراهيم اليازجي" ومجموعة من قصائِد الفترة الجاهليّة مشروحة في

زاهي وهبي: أجزاء

ثريا الحضراوي: في أجزاء، وكان عندي كلّ الأجزاء وكُنتُ أحفظ غالبيّة القصائِد. لغاية الآن ما زِلتُ أحفظ بعض الأبيات من هذه القصائِد. إذاً، أنا بدأتُ بقراءة الشِعرِ أوّلاً وتدرّجتُ في القراءة من الشِعرِ إلى الرواية، فقرأت "جبران خليل جبران" منذ أن كُنتُ صغيرة جداً وحالياً اشتريتُ مؤخّراً

زاهي وهبي: أعماله

ثريا الحضراوي: أردتُ أن أفهم، كيف كان من المُمكن أن أنام في تلكَ السنّ حين أقرأ "جبران خليل جبران" وأفهم! فأخذتُ كتاب "الأجنِحة المُتكسِّرة"

زاهي وهبي: وأعدتِ قراءته من جديد؟

ثريا الحضراوي: وأعدتُ قراءته من جديد، وأنا فرِحة جداً لأنني أتممت قراءته هنا في "بيروت". يعجبني أنّنا نتكلّم من "بيروت" وأنا أتممت قراءته في "بيروت" بعدّ أربعين سنة على قراءته للمرّة الأولى

زاهي وهبي: من، غير "جبران خليل جبران"، من الشُعراء الذين حرّكوا شيئاً في وجدانِك وتركوا أثراً لا يُمحى في نفسِك؟ غير الشعراء الجاهليين

ثريا الحضراوي: حين كُنتُ صغيرة أم الآن؟

زاهي وهبي: مرحلة النضال الطلاّبي

ثريا الحضراوي: في مرحلة النضال الطلاّبي كنتُ أقرأ بصفة عامة الشِعر الفلسطيني لـ "محمود درويش" و"عبد الله زريقة" الشاعر المغربي

زاهي وهبي: زوجَكِ

ثريا الحضراوي: وشعراء من أميركا اللاتينيّة والكثير من الشُعراء

زاهي وهبي: بالتأكيد سنتحدّث عن شراكتكِ الإنسانيّة مع الأستاذ "عبد الله زريقة" ولكن قبل أنّ أتوقّف مع استراحة أُولى، كم هو مُهِمٌ أن يكونَ عند الفنّان ثقافة، أن يكونَ مطّلعاً على شيءٍ من الشِعر، شيءٍ من الأدب، شيءٍ من الفِكر، وحضرتَك تُلاحظين اليوم أيُّ نمطٍ من الفنّانين يحتلّ المشهد

 ثريا الحضراوي: بالنسبة لي، من المهمّ جداً أن يكونَ الفنّانُ مُثقّفا. أظنّ بأنّه فقط في عالَمِنا علينا أن نقيم قطيعة بين الغناء والثقافة فالغناء هو ثقافة وعندما أُغنّي الغناء القديم، الغناء الأندلُسي والملحون الذي أُمارسه حالياً في "المغرِب"، هذا الغناء الذي كانت تشتغِل الناس عليه كلّه مراجِع ثقافيّة سواء فارسيّة أوتركيّة أو شرقيّة مغربيّة . أنا بالنسبة لي، إذا كان المرءُ فنّاناً من دون ثقافة

زاهي وهبي: أو ليس بفنّان

ثريا الحضراوي: إذا لم يكُن فناناً فهذا موضوعٌ يخصّه لكن عندما يكون فنانّ يتكلّم مع جمهور، فهذه مسألة ربّما فيها مُشكِلة بالنسبة للجمهور، هذا مُشكِل يمسّه بأذى ويضره  في جمهوره 

زاهي وهبي: طبعاً

ثريا الحضراوي: أمّا لو لم يكُن عنده ثقافة ويكون شخصا يشتغِل بمفرده فليس في الأمرِ مشكلة، ولكِن عندما يصير عنده

زاهي وهبي: احتكاكٌ مع الناس والرأي العام

ثريا الحضراوي: يُصبِح يُضِرّ حتّى الجمهور لأنّ الغناء هو تشكيل الوعي عند الجمهور

زاهي وهبي: صحيح . سأُتابِع مع حضرتكِ ونتحدّث أكثر عن نوعِ الغناء الذي تقدّميه، ولكن اسمح لي أن أتوقّف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابِع "بيت القصيد"

ما قلّ ودلّ:

¯ ثريا الحضراوي:

Ÿ مُطرِبة مغربيّة تؤدّي الأُغنية التُراثيّة والوصلات الأندلُسيّة وهي أوّل امرأة تُغنّي في "الملحون" مُنفرِدَة

Ÿ بدأت مُشوارها الفنّي في مُنتَصَف السبعينات بأداء أغان مُلتزِمة سياسياً

Ÿ فازت بعدّة جوائِز عالميّة ومحليّة منها جائِزة "خميسة" لسنة 1997 عن فئة التنوّع الثقافي الموسيقي والغناء الأُصولي

Ÿ أصدَرَت أكثر من تسعة ألبومات منها "قصائِد فنّ الملحون"، و "انصرافات أندلُسيّة" و "سهرة حيّة في بوردو" و "قهوة المعاني" و"الجفن" وغيرها 


المحور الثاني

علاقة الحضراوي بالاغنية السياسية والصوفية.
المحور الثاني

زاهي وهبي: مشاهدينا الكِرام، صفحتنا على "الفيس بوك" بعنوان البرنامج، "بيت القصيد" ونتمنّى انضمامكم الى الصفحة. ضيفتنا الفنانة المغربيّة السيّدة "ثريّا الحضراوي". أُتابع المشوار مع حضرتكِ، درستِ في كليّة الآداب في شُعبة "الفلسفة". لماذا اخترتِ كليّة الآداب و "الفلسفة" ولم تتجهي صوب معهدِ فنونٍ أو موسيقى كونكِ تغنّين؟

ثريا الحضراوي: هذا السؤال يُطرَحُ عليّ دائماً ولكِن في "المغرِب" ليس هناك من بعد شهادة "البكالوريا" ما يُمكنك أن تتسجّل فيه، هناك فقط معاهِد صغيرة تابِعة للجماعات الحضاريّة وليس هناك تعليمٌ جامعي موسيقي

زاهي وهبي: هذا غريب قليلاً

ثريا الحضراوي: لا يوجد هذا التعليم. إذاً أنا توجّهتُ مُباشرةً إلى كليّة الآداب لأنّني كُنتُ طالبة جيّدة في اللغات الإنكليزيّة والفرنسيّة والعربيّة، لكنني درستُ الفلسفة لأنّ الفلسفة بالنسبة لي هي إطار الاكتشاف، ولأنّ الأدب بالنسبة لي هو بيتي، ولم يكن عندي مشكلة في ذلك لأنني أقرأُ الأدب، لكن الفلسفة كانت

زاهي وهبي: اكتشافٌ جديد

ثريا الحضراوي: تماماً، قارّةٌ أُخرى أريد اكتشافها فتسجّلتُ في الفلسفة

زاهي وهبي: هلّ كان هذا الاكتشاف مُدهِشا؟ هذه القارة الجديدة التي دخلتِ إليها هل أحببتِها؟ هل لقيتِ فيها ما يستحِق عناء الدرس؟

ثريا الحضراوي: كثيراً نعم، ولغاية الآن الفلسفة ملاذي، فأنا أهوى الفلسفة كثيراً

زاهي وهبي: هلّ غيّرَتِ الفلسفة في نظرتكِ إلى الوجود؟ إلى الحياة؟ إلى الآخَر؟

ثريا الحضراوي: لم أكُن أنتظر الفلسفة حتّى تُغيِّر في نظرتي ولكن الإنسان دائماً عنده نظرة، إلاّ أنّ الفلسفة ساهمت في تعميق نظرتي إلى مجموعةٍ من الأشياء

زاهي وهبي: أسّستِ مجلّةٌ حضرَتك اسمها

ثريا الحضراوي: نعم، ساهمتُ في تأسيس مجلّة

زاهي وهبي: مجلّة "كلِمة" التي أوقِفت في عام

ثريا الحضراوي: 1989

زاهي وهبي: 1989، ما كان الدافع في مُشاركتك لتأسيس مجلّة؟

ثريا الحضراوي: قبل أن أُساهم في تأسيس المجلّة كنتُ في الفترة الدراسيّة كطالِبة ناشِطة في الإطار الطلاّبي وأيضاً كنتُ ناشِطة في الإطار النسائي

زاهي وهبي: مثل حقوق المرأة وقضايا المرأة

ثريا الحضراوي: حقوق المرأة، وكنت نشِطة جداً ثقافياً في بعض الجمعيات الثقافيّة في مدينة "الدار البيضاء". إذاً، كان عندي الكثير من الأشياء

زاهي وهبي: بمعنى كنتِ حيويّة

ثريا الحضراوي: حيويّة جداً، بالإضافة إلى الغناء مع المجموعة التي أسّسناها في إطار الكليّة. إذاً، في هذا الجانِب التقيت بمؤسسي مجلّة كلِمة، وكان صديقي "عبد اللطيف اللعبي"

زاهي وهبي: الشاعِر المعروف طبعاً

ثريا الحضراوي: كان كذلك في لجنة التوجيه في المجلّة

زاهي وهبي: لماذا أوقِفَت المجلّة؟ هل لسببٍ سياسي؟

ثريا الحضراوي: في تلك الفترة كان هناك تضييقٌ شديد على مجال التعبير

زاهي وهبي: حرّية الرأي والتعبير

ثريا الحضراوي: حرّية الرأي والتعبير، وأوقِفَت لأننا كنّا ننتقدُ أشياءً حسّاسة اجتماعياً وسياسياً

زاهي وهبي: تنتقدون ما كان يجري ويحصل في "المغرِب" آنذاك، سنواتٌ صعبة كانت على كلّ حال ونتمنّى ألاّ تتكرّر. نعود إلى الغناء "الملحون" والغناء الروحي إذا جاز التعبير. مررتِ في مراحِل مُختلِفة كما قُلنا، الإعجاب بـ "أمّ كلثوم" ثمّ الغناء المُلتزِم، كيف اكتشفتِ هذا العالم، عالم الغناء المغربي التقليدي؟    

ثريا الحضراوي: كان هناك سفر، سفرٌ طويل، ومَررتُ بتجارب عدة. سافرتُ في "المغرِب" أيضاً بمعنى سافرتُ فعلياً، ليس فقط سفرٌ روحيّ بل سافرتُ فعلياً

زاهي وهبي: انتقلِتِ من مدينة إلى مدينة ومن منطقة إلى منطقة

ثريا الحضراوي: سافرتُ فعلياً وتعرّفت كثيراً على الغناء المغربي أيضاً، وكُنتُ متعطِّشة كي أُعبِّرُ عن نفسي بالغناء. على الرغم من أنني عبّرتُ كتابةً في مجلّة "كلمة" ولاقت مقالاتي إعجاباً، لم أكّن راضية وكُنتُ أريد دائِماً أنّ أُغيِّر في صوتي. أنا أعتبِرُ صوتي هو

زاهي وهبي: أداة التعبير

ثريا الحضراوي: هو أداة التعبير المُفضّلة لدي. إذاً، كُنتُ متعطّشة جداً واشتقتُ لنفسي أن تُغنّي

زاهي وهبي: كيف تعرّفتِ على "الملحون"؟

ثريا الحضراوي: تعرّفتُ على "الملحون" صُدفةً ولكنّها فعلاً لم تكُن صُدفة لأنّني تعرّفتُ على "الملحون" عن طريق شيخ "الملحون" الذي كان يُدرِّس في الكونسرفاتوار في "الدار البيضاء" الذي ارتدتُه لسنوات وتعلّمتُ فيه الكثير من الأشياء، ولكن للمرة الأولى وبعد هذا السفر الطويل الذي تحدّثتُ عنه، التقيتُ بهذا الشيخ الذي ربّما كان موجوداً من قَبْل ولكنني لم أرَه. لكنني في هذه المرّة رأيته وللمرّة الأولى ناولني قصيدة من فنّ "الملحون" الذي كُنتُ أعرِفه بصفةٍ عامّة ولكن لم أكن أحتكّ به كثيراً

زاهي وهبي: لم يكُن اطلاعكِ عن كَثب

ثريا الحضراوي: لا. فلمّا قرأتُ القصيدة، وهو أعطاني قصيدة اسمها " المرسول"، و"المرسول" هو مرسال حبٍّ بين عاشقين

زاهي وهبي: في المشرِق نسمّيه "مرسال"

ثريا الحضراوي: نحن نسمّيه "مرسول" فأعطاني قصيدة "المرسول" فأُعجِبتُ جداً بمستوى القصيدة وأظنّ بأنني كُنتُ ناضِجة لكي

زاهي وهبي: تفهمي معانيها

ثريا الحضراوي: نعم، كما يُقالُ عند أهل "الملحون"، "لتُشرِق بي معانيها"

زاهي وهبي: هناك أُغنية شهيرة للسيّدة "فيروز" تقول فيها "يا مِرسال المراسيل  ع الضيعة القريبة، خذ لي بدربك هـ المنديل واعطيه لـ حبيبي" إلى آخره. "الملحون" هو فنٌّ نشأ على أيدي المشايِخ كما أفهم منك؟ على أيدي رجال الدين ؟

ثريا الحضراوي: لا، هم ليسوا برجال دين

زاهي وهبي: متصوّفون مثلا؟

ثريا الحضراوي: هو غناء يعتمِدُ على قصائِد مكتوبة من شُعراء ومُلحّنة من الشُعراء أيضاً

زاهي وهبي: ولا تلتزِم بقواعد الإعراب العربيّة

ثريا الحضراوي: لا، لكن عندها قواعدها

زاهي وهبي: عندها قواعدها، ومن أجل هذا سمّوها "الملحون"، لأنّها شِعرٌ مُلحّن

ثريا الحضراوي: نعم، من أجل هذا سمّوها "الملحون". إذاً هي قصائِد مكتوبة ومُلحّنة من طرَف الشُعراء ومُغنّاة من طَرَف مُنشدين ، وكان هذا النوع من الغناء يُغنّى في المُدُن التقليديّة المغربيّة كـ "مراكِش" و"فاس" و"مكناس" وسالا" ومجموعة من المُدن التي كان فيها صنّاع تقليديّون

زاهي وهبي: لا يزال هذا الغناء قائِماً إلى اليوم في المُدن التقليديّة التي ذكرتِها؟

ثريا الحضراوي: لا يزال قائماً لكن ليس بالقوّة نفسها التي كان فيها في القرن الخامس أو السادس إلى القرن التاسِع عشر، لأنّ دورَ الصنّاع التقليديين تراجع أيضاً في المُجتَمَع

زاهي وهبي: نعم، موضوعاته متعددّة. قبل أن نتحدّث أكثر بالتفصيل عنه، حضرتَكِ كُنتِ أوّل سيّدة تُغنّي هذا النوع من الغناء في العلن وأمام الملأ، هذا الغناء الذي كان وقفاً على الرجال قبلاً. مشواركِ مع هذه التجرُبة كان سهلاً أم كانت فيه عراقيل وعقبات ومصاعِب واجهتكِ كسيّدة؟

ثريا الحضراوي: أوّلاً بالنسبة لي كأوّل سيّدة، كان هناك كلامٌ كثير عن هذه المسألة لأنني سيّدة، إذاً هذه سهّلت لي الكثير من الأُمور لأنّ عملي لوحِظَ كوني سيّدة

زاهي وهبي: ساعدك هذا وسُلِّطَت الأضواء عليكِ، لكنّه لم يكُن بالنسبة لك شيءٌ صعب أو شاقّ

ثريا الحضراوي: حتّى الآن هو طريقٌ شاقٌ وصَعب وطويل

زاهي وهبي: ما الذي جعَلكِ تختارين هذا اللون الذي لا يحظى بالجماهيريّة الواسِعة و الانتشار. كان من المُمكِن أن تُغنّي أغاني "أُمّ كلثوم" أو هذا النمط، أو أغاني "الشيخ إمام" المُلتزِمة وذات الطبيعة السياسيّة. لماذا ذهبتِ في هذا الاتّجاه؟

ثريا الحضراوي: أولاً لأنّ هذا الاتجاه أعجبني وراق لي، ولأنّه يُعبِّر عن شخصيّتي ويُلائِمني كإنسانة، لأنني أُغنّي قصائِد رائِعة جداً وجميلة وفي الوقت نفسه هو غناءٌ جميل ، ولو أنّه حَظِيَ بما حَظِيَت به  إعلامياً الفنون الأُخرى لأحبّه الجمهور، ومن خلال حفلاتي في أوروبا، حتى الأُناس الذين لا يتكلّمون اللغة العربيّة كانوا يتفاعلون مع الصوت ومع الإيقاع، فهو عالَم

زاهي وهبي: قائِم بذاته

ثريا الحضراوي: قائِم بذاته. لن أتحدّث عن ردّة فعل الجمهور حين أُقدّمه وتتفاعل الناس معه لأنّه أجمل شعور عشته في حياتي ولا يُمكِن أن أُفضِّل عليه أيّ شيء آخر

زاهي وهبي: لهذه الدرجة

ثريا الحضراوي: لهذه الدرجة، وهذا أولاً. ثانياً، أنا أُساهم في التعريف بفنٍ جميل

زاهي وهبي: لكن حتّى الإعلام المغربي، ألا يهتمّ كثيراً بتسليط الضوء على هذه التجرُبة؟

ثريا الحضراوي: منذ البداية كان هناك تسليطٌ للضوء عليّ ولم يكُن هناك مِن مُشكِل

زاهي وهبي: حسناً، سنتحدّث أكثر لو سمحتِ ولكن نتوقّف مع موجَز إخباري سريع ثمّ نُتابع "بيت القصيد" 


المحور الثالث

ما هو الملحون وهل يمكن القول أنه الملحون ديوان المغاربة إذ يسجل وقائع عيشهم؟
المحور الثالث

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام، نُتابِع "بيت القصيد" مع الفنّانة المغربيّة القديرة السيّدة "ثريّا الحضراوي". سيّدتي، قبل أن أطرَح المزيد من الأسئِلة في فقرة "كلام يوصل" سنستمِع إلى رأيٍ بتجربتك وبحضرة جنابِك من المُخرِجة الفلسطينيّة الأُستاذة "بثينة الخوري"، نسمعها سوياً

كلام يوصل:

بثينة الخوري (مُخرِجة): " ثريا الحضراوي" امرأة فنّانة ومُثقّفة، لها رسالة في الحياة. خصّصت وكرّست إمكانيّاتها الإبداعيّة و إمكانيّاتها الصوتيّة وثقافتها لإحياء فنٍ قديم هو لونٌ غنائيّ تُراثيّ مغرِبي مُميّزٌ ومعروفٌ بما يُسمّى "الملحون". هي إنسانة وفنّانة ذكيّة جداً لأنّها لم تُحافِظ فقط على إحياء هذا التُراث وحمايته من الاندِثار بل اشتغلت على أكثر من هذا، على انتشارٍ واسِع لهذا اللون المُميّز من الغناء خارِج وطنها "المغرِب". فَمن حُسن حظّي أنني التقيت بـ "ثريّا الحضراوي" في إحدى الدُوَل الأوروبيّة كما جرت العادة بألا نلتقي للأسف في دولٍ عربيّة بل نلتقي في دُوَل أوروبيّة ، ولَمَستُ الاحترام والتقدير للّون المميّز الذي اكتَشَفتَه عن طريق "ثريّا" مِن قِبَل المتذوّقين الأجانِب. "ثريّا" شخصيّة جذّابة قلباً وقالباً، وعندما تعرّفتُ عليها أعرِف كم كانت رغبتها كبيرة في زيارة "فلسطين". فمن أجل ذلك، سؤالي الأوّل لكِ "ثريّا": إذا شاءت الأقدار وسمَحَت الظروف بأن تزوري "فلسطين"، كم هي الفترة التي تحبّين أن تزوري "فلسطين" فيها؟ السؤال الثاني هو تمنّ أكثر مما هو سؤال، إذا عندكِ الإمكانية لأن تهدي مقطوعة من غنائكِ المُميّز للعالم العربي والشعوب العربيّة والجماهير العربيّة أينما كانوا وأينما وُجِدوا، في ظلّ الظروف الراهِنة. يا ترى إذا سمَح وقت البرنامج، ماذا يُمكِن أن تكون هذه المقطوعة؟                      

زاهي وهبي: تفضّلي

ثريا الحضراوي: شكراً "بثينة". أنا فرِحة لأنني التقيتُ بها عن طريق "بيت القصيد". وجواباً على سؤالها، هي كذلك فنّانة رائِعة بالمناسبة. وجوابي على سؤال "بثينة" حول زيارة "فلسطين"، أنا في أيّ وقت ممكِن

زاهي وهبي: عندَكِ الرغبة؟

ثريا الحضراوي: رغبة كبيرة جداً في أن أزور "فلسطين" طبعاً

زاهي وهبي: إذا وُجَّهت لكِ دعوة من جهةٍ ثقافيّةٍ ما في "رام الله" مثلاً؟

ثريا الحضراوي: طبعاً، هذا شرف لي بأن أزور "فلسطين" لأنّ "فلسطين" في القلب. وبالنسبة للأغنية التي يُمكِن أن أُقدّمها للعالَم العربي فأنا أقدِّم أيّة أُغنيّة أغنّيها للعالم العربي لأنّ كلّ الأغاني التي اخترتها هي مملوءة بالحبّ، إذاً أيّة قصيدة من قصائِد "الملحون" هي مُهداة إلى العالم العربي

زاهي وهبي: كلّ ما تُقدّمينه مُهدى إلى العالم العربي

ثريا الحضراوي: لأنّه كلّه حبّ ، المسألة التي لم أتحدّث عنها عندما طرحت عليّ سؤالا، لماذا أخترتُ هذا الفنّ؟ هذا الفنّ يُذكِّرنا بجميع أطلال الحضارة العربيّة الإسلامية. كلّ القصائِد أو أيّة قصيدة نقرأها ونحلّلها نجِدُ فيها الشِعر العربي من الجاهليّة إلى الآن ونلقى فيها الشِعر "الصوفي" في جميع مراحِل الحضارة العربيّة الإسلاميّة ونلقى فيها حتّى أدوات

زاهي وهبي: أدوات العيش المُستَخدمة

ثريا الحضراوي: نعم، أدوات العيش التي كانت مُستَخدمة ومعبّرٌ عنها بطريقةٍ جميلة نلقاها في "الملحون"

زاهي وهبي: هو ليس مُجرّدُ غناء، هو تسجيل لوقائِع العيش

ثريا الحضراوي: هو تسجيلٌ لحضارة، لحضارة ولثقافة

زاهي وهبي: لكن ربّما أنا فهِمتُ أنّ "بثينة" تقصِد، في ظلّ ما يجري الآن في الوطن العربي، أيّ شيء تعتقدين أنّه

ثريا الحضراوي: مثل الجواب. جوابي هو هذا الذي أعطيته

زاهي وهبي: الحبّ

ثريا الحضراوي: الحبّ والفنّ والثقافة

زاهي وهبي: لأنّ هناك الكثير من الضغائِن و الأحقاد. تعلمين ماذا يحدث حضرتكِ، تتابعين وتعلمين ماذا يحدُث

ثريا الحضراوي: نعم، نعم

زاهي وهبي: نحتاجُ إلى الكثير من الحبّ. انطلاقاً مما أشارت إليه "بثينة" أنكما التقيتما في "أوروبا"، حضرتكِ أحييتِ حفلات كثيرة في "أوروبا"، في مُدُن وعواصِم أوروبيّة ولكِن لم تُحيي أيّة حفلة في المُدُن العربيّة والعواصِم العربيّة. مُفارقة مؤلِمة

ثريا الحضراوي: طبعاً

زاهي وهبي: برأيكِ ما هو السبب؟ هلّ هو عائِق اللهجة؟

ثريا الحضراوي: أبداً، أنا لم أكُن أشعُر بعائِق اللهجة أبداً

زاهي وهبي: لأنّ في النهاية الأوروبي الذي يسمع لا يفهم ما يسمعه ولا يفهم اللغة أبداً

ثريا الحضراوي: أبداً، اللهجة ليست عائِقاً ولا أيّ شيء لأنني مُتأكِّدة بأنّ الجمهور العربي إذا سمِع هذا الفنّ سيتجاوب معه كما تجاوبت معه الجماهير البعيدة كلّ البُعد عنّ هذا الفنّ . أظنّ بأنّ المُشكِلة هي عدم وجود

زاهي وهبي: بُنى ثقافيّة؟

ثريا الحضراوي: علاقات ثقافيّة بين الناس في العالم العربي، وعندما تكون هناك سهرات تقدِّمها أحياناً وزارة الثقافة إذا كان هناك فنّانون تابعون لوزارة الثقافة مثلاً، فلا نجد استقلالاً للثقافة ولا حركات ثقافيّة مُنظّمة كما في أوروبا

زاهي وهبي: ولكن هناك مهرجانات لها طابَع، أو لها ذاكِرة مثل "مهرجان قرطاج" 

ثريا الحضراوي: أنا استُدعيتُ إلى "تونِس"

زاهي وهبي: غنّيتِ فيها

ثريا الحضراوي: لم أُغنِّ فيها مع الأسف الشديد وكُنتُ في السنة التي استدعيت فيها قد ذهبت إلى "مهرجان ( لا تذكُر)

زاهي وهبي: "قرطاج"؟ هناك مهرجانات كثيرة على أيّة حال

ثريا الحضراوي: هناك مهرجان مهمّ جداً في "تونِس" استُدعيتَ إليه

زاهي وهبي: نتمنّى أن نُشاهِدكِ في أحد المهرجانات

ثريا الحضراوي: إن شاء الله

زاهي وهبي: سواء في "تونس"، في "لبنان"، في "الأُردن"، هناك مهرجانات جيّدة للحقيقة. بماذا يختلِف "الملحون" عن الغناء الأندلُسي؟ نسمع الغناء الأندلُسي ونسمع بعض الفنّانات والفنّانين الذين تميّزوا في الغناء الأندلُسي، ما هو الفرق بين الغناءين؟

ثريا الحضراوي: أولاً هناك فرق بين الغناء الأندلُسي المغربي وبين الموشّحات الأندلسيّة التي تُغنّى في الشرق

زاهي وهبي: لا، أنا لا أقصد الموشّحات فقط، حتّى الغناء الأندلسي الذي يُغنّي في "المغرِب"

ثريا الحضراوي: الفرق بينهم أنّ الغناء الأندلسي كما هو معروف

زاهي وهبي: جاء من خارِج المغرِب، جاء من الأندلُس

ثريا الحضراوي: وتطوّرَ في "المغرِب" وساهم فيه المغارِبة أيضاً لأنّه جاء من "الأندلُس" بعد سقوط "غرناطة"، ولكنه استمرّ إلى الآن في هذه القرون الستّة التي بقي فيها في "المغرب"، وكذلك ساهم المغارِبة في إعطائِه منحىً مُعيّنا

زاهي وهبي: نعم، ونكهة مغربيّة

ثريا الحضراوي: ونكهة مغربيّة

زاهي وهبي: "الملحون" هو مغربيّ خالِص

ثريا الحضراوي: خالِص، نشأ وترعرع في "المغرِب" وهو قصائِد كما قُلت يكتُبها ويُلحنها شعراء مغربيون. الفرق مثلاً أن "الملحون" يعتمدُ القصيد، والأندلُسي هو، على الرغم من أنّه يعتمِدُ أبياتاً شعريّة لكنّ الكلام ليس هو المهم، الموسيقى هي أكثر أهميّة من الكلام

زاهي وهبي: نعم، و"الملحون" على العكس

ثريا الحضراوي: يُقال له الكلام، كلام "الملحون"

زاهي وهبي: هلّ توافقين على مقولة أنّ الغناء الأندلُسي، على الأقلّ في البدايات وليس اليوم ربّما، كان للطبقة الأرستقراطيّة بينما "الملحون" هو للطبقات الشعبيّة ويُعبِّر عما أشرتِ إليه قبل قليل، أي وقائِع العيش والحياة، أم لا؟ هذه نظريّة غير صحيحة

ثريا الحضراوي: لا، لم نكُن نتعامل بهذه الطريقة مع الموسيقى لأنه  حتّى مثلاً في أوروبا يقولون بأنّ الموسيقى الكلاسيكيّة هي الموسيقى البرجوازيّة والأوبرا هي

زاهي وهبي: وُلِدت في القصور وفي بيوت                        

ثريا الحضراوي: حالياً نحن نتعامل مع الموسيقى كموسيقى وكتُراث، وبأن أيّ أحد له الحق في تلك  الموسيقى لأنّها موسيقى جميلة. إذاً، أنا بالنسبة لي ليس من فرق من هذه الناحية وكذلك بالنسبة لـ "الملحون" فهو غناء شعبي كما يُسجِّل لنا وقائع، فهناك شعراء في "الملحون" وهم شعراء خاصّة. قصيدة "الشمعة" مثلاً لن أقول لك أنّها توازي قراءتي لـ "جبران" لأنني قرأته وتفاعلتُ معه حين كُنتُ صغيرة ولكن هناك درجات في القراءة. درجة القراءة التي قرأتُ فيها "جبران" في صِغري ليست هي درجة القراءة  نفسها التي قرأتُ فيها "جبران" اليوم في "بيروت"

زاهي وهبي: طبعاً، طبعاً. العلاقة مع النصّ تختلِف، فَهم النصّ يختلِف

ثريا الحضراوي: كذلك "الملحون". هناك قصائد كانت تُعجِبني ويقول لي الناس مثلاً أنّها تُعجِبهم. مثلاً القصيدة التي هي شعبيّة في "المغرِب" واسمها "الشمعة" وهي قصيدة ربما اللازِمة فيها تُغري ولكنّها كقصيدة

زاهي وهبي: عميقة

ثريا الحضراوي: عميقة جداً

زاهي وهبي: ماذا تقول اللازِمة؟

ثريا الحضراوي: (تقول اللازِمة)

زاهي وهبي: ترجمي لي لو سمحتِ

ثريا الحضراوي: هي مُتَرجمة بالعربيّة

زاهي وهبي: (يضحك) لكن اللهجة

ثريا الحضراوي: (تؤدّي اللازمة غناءً)

زاهي وهبي: ما بكِ تبكين في الليل 

ثريا الحضراوي: ما بكِ في الليل تبكين، ردي لي على سؤالي، لماذا تبكين وأنتِ مُشتعِلة. وهي قصيدة جميلة جداً جداً جداً لأنها حوارٌ بين "الشمعة" والشاعر. وفي آخِر القصيدة لا نعرِف من هي الشمعة، هلّ هي الشاعِر؟

زاهي وهبي: الشاعِر نفسه أم شمعة فعليّة حقيقيّة، أم أنّها تعبيرٌ مجازيّ ؟

ثريا الحضراوي: نعم

زاهي وهبي: "الملحون" مُتعدّد الموضوعات، فيه قصائِد حبّ ومدائِح نبويّة وتوسّلات إلهيّة

ثريا الحضراوي: فيه الكثير

زاهي وهبي: فيه الفخر والرثاء والهجاء

ثريا الحضراوي: فيه كذلك تقريباً مسرحيّات

زاهي وهبي: حكاية

ثريا الحضراوي: حكايات، حوارات فيه أشياء كثيرة

زاهي وهبي: لأنّ الأُذن العربيّة مُعتادة أو الإنسان العربي معتادٌ على الحكاية، فالحكواتي هو جزءٌ

ثريا الحضراوي: تماماً

زاهي وهبي: من التراث العربي ومن الذاكِرة العربيّة. كم توجد أبعادٌ صوفيّة وروحيّة في "الملحون"؟

ثريا الحضراوي: هناك الكثير من الأبعاد الصوفيّة، والمسألة تتعلّق بالشاعِر، إذا كان الشاعِر صوفيّا فهو يكتُب في الصوفيّة. حسب الشاعِر وحسب المنحى الذي يتّخذه الشاعِر

زاهي وهبي: إذاً، المسألة لا تتعلّق بالمُغنّي بل تتعلّق بالشاعِر

ثريا الحضراوي: أنا مثلاً عندما أُغنّي أختار القصائِد التي تُناسبني، لا أغنّي جميع قصائِد الملحون. هناك قصائد في "الملحون" لا أُغنّيها مثلاً، لا يُمكِن أنّ أُغنّيها

زاهي وهبي: لماذا؟

ثريا الحضراوي: لا تليق بي

زاهي وهبي: ربّما عندكِ تحفّظ على الموضوع والكلام. لكن البعض يُسمّي حضرتكِ فنّانة الغناء الصوفي والروحي، كم ينطبِق عليكِ هذا القول؟ كم يُرضيكِ هذا القول؟

ثريا الحضراوي: لا أعلَم. مسمّى "فنانة الغناء الصوفي والروحي" لا آخذه في مسألة ما أُغنّيه ولكنّي أعتبره في منحى غنائي في طريقي، لأنني أعتبرُ نفسي فنّانة لا زلت على طريق الصوفيّة وإنسانة  على طريق الروحانيّة

زاهي وهبي: أحد المتصوّفين المغارِبة يقول: "كلّ من صدقَ في مذهبِهِ فهو صوفيّ"

ثريا الحضراوي: أنا مُعجبة بهذا القول وأتّفقُ معه

زاهي وهبي: تتفقين معه

ثريا الحضراوي: نعَم

زاهي وهبي: هل عندكِ علاقة مع الشِعر الصوفي، مع الفِكر الصوفي؟ مع المتصوّفَة؟

ثريا الحضراوي: كثيراً. أنا قرأتُ الكثير بعد اكتشافي لـ "الملحون"، "الملحون" هو الذي قادني إلى الصوفيّة. بعد اكتشافي لـ "الملحون" فُتِحَت لي أبواب الشِعر الصوفي العربي لأنّ المراجِع موجودة في شِعر "الملحون" والشِعر الصوفي المغربي، واكتشفتُ قصائِد رفيعة جداً باللهجة المغربيّة

زاهي وهبي: من شُعراء الصوفيين الكبار المعروفينَ في كلّ العالَم، أو من المُفكِّرين الصوفيين، هلّ وجدتِ أحدهم مقربا إلى نفسِك أكثر من غيره؟

ثريا الحضراوي: وجدتّ الكثير، ليس من أحدهم أكثر من غيره ولكِن أنا مُنفَتِحة على كلّ ما هو جميل وعميق، على الكثير من الشُعراء العرب وغير العرب

زاهي وهبي: إذا كان "كلّ من صَدَقَ في مذهبِهِ فهم صوفيّ"، كم يُمكن اليوم، في ظلّ ما نعيشه في العالَم العربي مِن فِتَن طائفيّة ومذهبيّة، كم يُمكِن للفكر الصوفي أن يُشكِّل أحد النِقاط الجامِعة بين الناس؟

ثريا الحضراوي: أظنّ بأنّ الفِكر الصوفي والشِعر الصوفي هو نافِذة جميلة جداً جداً حالياً

زاهي وهبي: نعم، وفيه تسامُح وفيه قبولٌ للآخر وفيه حبّ

ثريا الحضراوي: فيه تفكير. أنا لا أُحِب الـ Formalism  (الشكليّات)

زاهي وهبي: الفكر المقولب، الأشياء الجاهِزة

ثريا الحضراوي: الجاهزة والشكليّة أي الأشياء بالأشكال. في الشِعر الصوفي لا نجِد الأشياء بالأشكال بل الأشياء بالحقائِق، الحقائِق التي كانوا يعيشونها يومياً. إذاً، أنا بالنسبة لي الشِعر الصوفي، بالنِسبة للصادقين فعلاً في فِكرِهم وفي دينهم، من أجمل النوافِذ

زاهي وهبي: نعم. سأُتابِع مع حضرتكِ سيّدتي ولكِن نتوقّف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابِع "بيت القصيد" 


المحور الرابع

الحضراوي و عازف البيانو الموسيقي الروسي سيمون نباطوف.
المحور الرابع

زاهي وهبي: مشاهدينا الكرام، نُتابِع "بيت القصيد" مع الفنّانة المغربيّة السيّدة "ثريّا الحضراوي". أيضاً في فقرة "كلام يوصل" سنستمِع إلى رأيٍ آخر بتجربتَكِ من الصحافيّة التونسيّة السيّد "أمل بجّاوي". نسمعها سوياً                     

كلام يوصل:

أمل بجّاوي (صحافيّة): " ثريا الحضراوي" بصراحة من الصعب تصنيفها. للحقيقة لا يمكنك أن تُقارنها بشخصٍ آخر، فعندها خاصّيتها. أي واحِد منّا عنده خاصّيته لكن هي عندها خاصّيتها الخاصّة لو سمحتم. أولاً هي إنسانةٌ تتعلقُ بها فوراً، فورَ أن تراها للمرّة الأُولى تفهم ما هي العلاقة التي يُمكِن أن تتكوّن مع هذه الإنسانة والتواصل الذي يمكن ان يحدث معها، بمعنى آخر شخصيتها تجعلنا نتعلّق بها ونحبّها ولا نكرهها. هي إنسانة كما نقول عنها فيلسوفة، تشتغِل في الصحافة وفنّانة ولكنها لا تشتغِل في أيّ فنّ. مشَت في هذا المجال البحثي الذي هو مجالٌ صعب لأنّه يمسّ تُراثاً غير معروف وفي وقتٍ نسيه الناس وتلاشى ولكن هي اختصّت به. وما هو أحسن من هذا أنها وبشكلٍ استثنائي أخرجته من حدودٍ معيّنة. أنا أكتب قليلاً عمّا تقوم به "ثريا"، ما تقوم به كلّه عن غير وعي لكن نتيجته خارِقة للعادة. طيبتها ونيّتها الحسنة وعفويّتها لا تجعلها تعي ما تقوم به لأنّ ما تقوم به هو غير اعتيادي لأنّ هذا تاريخ وليس عمل اليوم، فأرى من يكرهها ومن يتحدّث عنها. إذاً، هذه الإنسانة فعلاً وضعَت روحها في ذاكرتي، ومن يومها تواصلنا وأصبحنا أصدقاء، وأنا مسرورة جداً لأنني تعرّفتُ عليها. "ثريا"، عندي سؤال ربما قد أُحرِجِك به اليوم قليلاً لأننا تناقشنا سوياً به مُطوّلاً وكنّا على وشك التعارك مع بعضنا البعض عليه، وهو الموضوع الذي يهِمّ قضيّة المرأة. تذكرين نقاشاتنا وبأن مواقفنا كانت دائِماً مُتضارِبة ولم نتّفِق عليها. يا هلّ ترى، ما يحدُث في "المغرِب" اليوم بالنسبة لهذه المسألة والتحرّكات التي حدثت، ألم تُحرِّك بك شيئاً بالنسبة لقضيّة المرأة، وهل تساندين هذه التحرّكات؟ أجبيني بكلّ صراحة يا زميلتي

زاهي وهبي: شكراً للسيدة "أمل بجّاوي"، تفضّلي

ثريا الحضراوي: شكراً للأُخت "أمل بجّاوي" الصديقة والمُناضلة التونسيّة، من المناضلات في ما يجري حالياً في "تونس". بالنسبة لقضية المرأة، أظنّ أن هناك نساء، وأنا شخصياً لا أعمل حالياً في نشاطٍ يتعلّق بمسألة المرأة، فنشاطي مواز لكنّه تقريباً الشيء نفسه لأنّنا نشتغِل على الهدَف نفسه

زاهي وهبي: ولكنّك تدعمين هذه القضايا وتدعمين هذا النشاط

ثريا الحضراوي: بطبيعة الحال أدعمه كثيراً وهناكَ نساءٌ مغربيّات حالياً

زاهي وهبي: لم تيأسِ ولم تتعبِ من هذه القضايا

ثريا الحضراوي: لا أبداً، هناك شيء اسمه أمل ما دام الإنسان، حتّى لو بقي وحده، فهو الأمَل. حتّى لو لم يبقَ أيّ أحد، ما دام الأمل فيك فأنتَ الأمل فوق الأرض

زاهي وهبي: حلو

ثريا الحضراوي: لا يوجد لليأس عندي مكانٌ أبداً 

زاهي وهبي: على أيّة حال، نتمنّى الخير لنساء "المغرِب" ولنساء "تونس" وللنساء العربيّات، فقضايا المرأة تتشابه في بلداننا العربيّة. ربّما في "تونس" الأمور أفضل من بقيّة الدُوَل ولكن نتمنّى أن تكون القوانين والتشريعات لِمصلِحة المرأة العربيّة أينما كانت. هلّ يُمكِن سيّدتي عصرنة "الملحون"؟ أو جعله أقرب إلى العصر، إلى الأجيال الجديدة، من دون المسّ بروحيّته وسماته وخصائصه، هلّ يُمكِن؟

ثريا الحضراوي: عصرنة "الملحون" تعبيرٌ

زاهي وهبي: لا يُناسِب كثيراً

ثريا الحضراوي: لا، تعبيرٌ مُعقّد. لو أنني أُغنّي "الملحون" مع جوّ تقليدي، ولو أنّني أُغنّي القصيدة كما هي، فأظنّ بأنني أقوم بعصرنةِ "الملحون" لأنني أُغنّي "الملحون" وأُعطيه من نفسي وأُعطيه من عصري. عصرنة "الملحون" هي أداؤه في عصرك، فأنت بذلك تُعصرِن "الملحون". ما هو المُشكل؟ هو أنّ الناس الذين عاشوا في زمنٍ آخر كانوا يغنّون "الملحون" بعقليّة ذلك الزمان، أما غناؤه في زماننا كما نحن وبعقليّتنا فإننا نُحيي "الملحون" ويحيا بنا

زاهي وهبي: جمهور حفلاتِك الذي يستمع إلى غنائِك، هل بينهُ عُنصُر الشباب؟

ثريا الحضراوي: الكثير منهم

زاهي وهبي: في "المغرِب أم في "أوروبا" أكثر؟

ثريا الحضراوي: في "المغرِب" وفي "أوروبا". وبالنسبة إلى عصرنة "الملحون" أنا في تجربتي عندي جانبان. الجانِب الأوّل أنني أُغنّي القصيدة كما هي مع اللحن التقليدي والعزف التقليدي ومعه بطبيعة الحال أدائي الحيّ لهذا الفنّ. هناك جانِبٌ آخر كذلك أقوم به أحياناً ومُنذُ مدّة،  أقوم بلقاءات مع موسيقيين عالميين متمرّسين في فنونٍ أُخرى وفي موسيقى أُخرى كـ "الجاز" والموسيقى الكلاسيكيّة

زاهي وهبي: سأتحدّث عن تجربتكِ مع "ناباتوف" الروسي ومع "أرابِسك" أفريقيا لأن حضرتك غنّيتِ بإيقاعات أفريقيّة، ولكن هلّ يصمُد في رأيكِ "الملحون" في ظلّ التحوّلات؟

ثريا الحضراوي: نعم يصمُد

زاهي وهبي: يصمُد، لماذا يصمُد؟

ثريا الحضراوي: أيّ فنٍ عظيم يصمُدُ دائِماً كجميع الأشياء الصامدة حتّى الآن في العلاقات الإنسانيّة. في حال مثلاً "الأوديسة" وفي حال جميع الفنون الجميلة وفي حال "الف ليلة وليلة" نجد الصمود دائِماً لأنّ معالِم الصمود موجودة  في هذه الأشياء ولأنّ الصمود هو قوّة. إذاً، أنا لا أخافُ عليها

زاهي وهبي: قُمتِ حضرتكِ بتجربةٍ مع الموسيقي وعازِف "البيانو" الروسي "سيمون ناباتوف". نقول تعبيراً باللهجة المحكيّة بأنّه "شو جاب لجاب" بمعنى، ما الذي جمع موسيقيّا "روسي" مع مُغنّية "ملحون" مغربي؟ كيف استطاعَ "ناباتوف" أن يدخُل إلى هذا العاَلَم؟

ثريا الحضراوي: أولاً هذا الموضوع يندرِج في إطار سؤال يُطرح في ناحية العصرنة، بمعنى أنّه كيف تُقدِم الأشياء بطريقة

زاهي وهبي: مُختلِفة عن الماضي

ثريا الحضراوي: وحيّة. أنا قُمتُ باستدعاء "سيمون ناباتوف" لماذا؟ لأنني ابتغيتُ شخصاً موسيقياً على هذا المُستوى العالمي وعنده إرثٌ موسيقيٌ آخر وهو الإرث الكلاسيكي الروسي، كذلِك هو دَرَس الجاز في Ecole Genolier  في نيويورك وعنده خلفيّة موسيقيّة أُخرى وهو مُتمكِن موسيقياً. فأنا أردتُ أن أعزِفَ الموسيقى الأندلُسيّة المغربيّة بالأخصّ، و"الملحون" بخلفيّة موسيقيّة أُخرى وبمهارة كبيرة في العَزف

زاهي وهبي: وكأنّه حوارٌ بين ثقافات أو كأنّه احتكاك

ثريا الحضراوي: ليس فقط حوار واحتِكاك ولكِنني أيضاً أعطيتُ للموسيقى المغربيّة بُعداً آخر

زاهي وهبي: إضافي

ثريا الحضراوي: إضافة الى هذه الموسيقى القديمة  التي تنتمي إلى قرونٍ أُخرى. إذا قامت بعزفها مهارات أُخرى بإرثٍ آخر ماذا ستُعطي؟ وكانت المسألة ناجِحةٌ جداً

زاهي وهبي: نعم. أريد أن أعود إلى نُقطة تحدّثنا فيها عرضا قبل قليل. في الغناء، في فنّ "الملحون"، الصوت أهمّ من الموسيقى؟

ثريا الحضراوي: نعم

زاهي وهبي: تبدو الموسيقى وكأنّها مجرّد خلفيّة للغناء. أهذا الانطباع صحيح؟

 ثريا الحضراوي: نعم

زاهي وهبي: ما هو السبب؟ هلّ هو أهميّة الموضوع؟

ثريا الحضراوي: القصيدة هي المُهمّة والكلام هو المُهم. الجمهور الذي كان يسمع " الملحون" كان يأتي لسماع الكلام، كلام القصيدة

زاهي وهبي: في هذه الحال، كم هو مُهمّ أن يكون المُغنّي متمكِنا من اللغة

ثريا الحضراوي: وعنده صوتٌ حلو

زاهي وهبي: ومن مَخارِج الحروف واللفظ السليم

 ثريا الحضراوي: وعنده صوتٌ مؤثِّر وصوتٌ يمكنه أن يؤدّي هذا النوع

زاهي وهبي: كيف أتقنتِ هذا الأمر؟

ثريا الحضراوي: عن طريق العمل، العمل الدؤوب. لم أكُن أُغنّي "الملحون" أبداً وكُنتُ أُغنّي شرقي والشرقي لا علاقة له بالغناء المغربي، حتّى في مخارِج الحروف وحتّى في وضعيّة الصوت. فكان عملٌ دؤوب مع "الشيخ" وأمضيتُ ساعات طويلة في اليوم ولمدّة سنوات وليس سنة واحِدة فقط

زاهي وهبي: سنين من عُمرِك

ثريا الحضراوي: أجل، سنين

زاهي وهبي: هلّ يستحق الأمر كلّ هذا العناء؟

ثريا الحضراوي: بطبيعة الحال يستحِقّ أكثر من هذا العناء، وأنا فخورة بأنني عشت هذه المرحلة. أنا أقول بأنّ لقائي بـ "الملحون" هو هديّةٌ من السماء

زاهي وهبي: ذكرنا خلال الحوار أنّ حضرتكِ أحييتِ حفلات كثيرة في "أوروبا" أمام جمهورٍ لا يُتقِن ولا يفهم اللغة العربيّة. كيف يتفاعل الجمهور الغربي مع أدائِك وأُغنياتِك وما حضرتَكِ تقدّميه ؟

ثريا الحضراوي: آخِر سهرة قمت بها كانت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي في متحف "اللوفر" في "باريس" وكان هناك جمهورٌ كبير وكان الحفلُ ناجِحاً، ولكي أقول لك كيف كان يتفاعل الجمهور أقول لك ما قالت لي إحدى النساء. قالت لي بالفرنسيّة، "نحن لا نحتاج أن نفهم الكلمات، نحن نفهم من خلال تعبير الوجه واليدين والنظرات والموسيقى والإيقاع". الناس في "أوروبا" عندهم

زاهي وهبي: وعيٌ ثقافي؟

ثريا الحضراوي: أيضاً التجربة لأنّها مسألة وكأنّك تعطيهم شيئاً ليستهلكوه فيتعوّدون عليه . هنا في العالم العربي يتعلّمون الخمول كثيراً

زاهي وهبي: الكسل

ثريا الحضراوي: الكسل، يسمعون لك ولا يتكلّمون

زاهي وهبي: تنابِل. عندنا يسمّونها تنبلة . ما هو سرّ اهتمام الأوروبيين بشكلٍ خاصّ بموسيقانا وبغنائنا؟

ثريا الحضراوي: الأوروبيون لا يهتمّون فقط بالعالم العربي بل أظنّ أن اهتمامهم واسِع بموسيقى العالَم، بموسيقى "الهند" و"الصين" وأفريقيا السوداء، هناك اهتمامٌ بكلّ ما فيه إبداع وأشياء جميلة. إذاً هناك مسارِح وحركات ويهتمّون كثيراً بهذا النوع من الموسيقى

زاهي وهبي: يُمكننا أن نقول أنّ هناك إرثا من العلاقة أيضاً مع الموسيقى ومع الإبداعات

ثريا الحضراوي: هناك، المسارِح دائماً تعمَل. هناك، الجمهور دائماً موجود

زاهي وهبي: المتاحِف ملأى، دور الأوبرا في أنشِطة دائِمة

ثريا الحضراوي: في "باريس" تجِد ألف سهرة في الليلة، وجميع المسارِح فيها جمهور

زاهي وهبي: صحيح، صحيح. سأُتابِع مع حضرتَكِ سيّدتي في القِسم الأخير ولكِن بعد استراحة سريعة


المحور الخامس

"آرابيسك على ايقاعات افريقية".
المحور الخامس

زاهي وهبي: مشاهدينا الكرام، وصلنا إلى القسم الأخير من حوارنا الليلة مع الفنّانة المغربيّة المُبدِعَة السيّدة "ثريا الحضراوي". سيّدتي، في فقرة "علامة فارِقة" سنذهب برفقتكِ إلى "الدار البيضاء"، إلى "كازابلانكا" لنجول بعض الشيء وإيّاكِ، نُتابِع سوياً 

علامة فارِقة: تقولُ "ثريا الحضراوي"، " إنّ عالميّة الفنّانِ تتحقّقُ عندما يجِدُ كلّ إنسانٍ ذاته في موسيقاه وألحانِه وأشعارِه وأدائه ". لهذا، يُمكننا القولُ أنّ سيّدة "الملحونِ" والوصلات الأندلسيّة عالميّةٌ وبامتياز. فموسيقاها وأداؤها لم يُصبحا فقط جزءاً من الذاكِرة والوعي الموسيقيّ للإنسان المغربيّ بل استطاعت أن تعبُرَ بهما الى جمهورٍ غربيٍّ يُطرَبُ لها ويتفاعلُ معها وإن لم يفهم الكلماتِ ودلالاتها. لم تكتفِ "الحضراوي" بإعادة الحياة إلى لونٍ غنائيٍّ تُراثيّ قديم، فبعد أن أتقنَت غناء "الملحون" تمرّدَت بهدوءٍ على تقاليده فكانت رائِدةً بأدائِها هذا اللونِ كسيّدةٍ مُنفرِدة. اقتَرَن اسمُها بالغناءِ الصّوفيّ وغنّت الوصلاتِ الأندلُسيّة على أُصولِها قبل انتقالها الى تحديثِ موسيقى تلك الألوان الغنائيّة. في إدخالها الآلات الموسيقيّة الإفريقيّة إلى ما تغنّيه نوعٌ من التواصُل، وفي إدخالِها الآلات الغربيّة جرأة ودراية أتت من خِبرَةٍ ونظرةٍ مستشرفةٍ تضمنُ استمرار التُراث. " ثريا الحضراوي" من قلّةٍ لا تسعى إلى الضوء، تعملُ بصمتٍ وتترُكُ لفنّها أن يحكيَ حكايتها

زاهي وهبي: سيّدتي، بعد أن رأيناكِ في "الدار البيضاء"، العلاقة الإبداعيّة بين المغرِب والمشرِق العربيين، هلّ هي على ما يُرام؟

ثريا الحضراوي: لا أظنّ ذلك

زاهي وهبي: ما السبب؟

ثريا الحضراوي: بما أنني قلت لك قبل قليل بأنني لم أغنِّ في العالم العربي، إذاً هناك مُشكِلة!

زاهي وهبي: من يهتمّ بالآخر أكثر؟

ثريا الحضراوي: نحن نهتمُّ بالشرق أكثر من اهتمام الشرقيين بالمغرِب. نحن نهتمُّ كثيراً، والشرقيون لا يهتموّن كثيراً بالمغرِب العربي بصورة عامة. أمّا المغاربة فيُتابعون كلّ ما يجري في "الشرق" في الماضي وفي الحاضِر وحتّى في المُستقبل

زاهي وهبي: حتّى في المُستقبل. عنكِ ثقة أنّ الاهتمام سيستمِر. أحياناً نسمع أنّ المغرِب العربي، المغرِب العربي الكبير، يدير ظهره للعالَم العربي ويتطلّع في الاتّجاه الآخر. يتطلّع إمّا إلى "أوروبا" وراء المتوسّط، الضفّة الأُخرى من المتوسِط، إمّا إلى الأبعد، ما وراء الأطلسي

ثريا الحضراوي: المغرِب دائماً يتطلّع إلى "أوروبا"  أيضاً. هناك اهتمامٌ أيضاً بما يجري في "أوروبا"، والمغاربة Curious (محبّين للاستطلاع والتعلّم ) فضوليين بالمعنى الإيجابي للكلمة

زاهي وهبي: عندهم حشريّة

ثريا الحضراوي: عندهُم شراهة لمعرِفة الآخر، عندهم اهتمام بمعرِفة ما يجري في أوروبا وفي الشرق أيضا، وأظنّ بأنّ المغاربة مستعدّون ًلأن يديروا وجوههم إلى الشرق

زاهي وهبي: على كلّ حال، نحن نحاول في "بيت القصيد" وفي "الميادين" عموماً أن نقيم هذا الجِسر الضروري بين المغرِب والمشرِق، على الأقلّ من الناحية الإبداعيّة الثقافيّة. كيف يُمكِن أن تصفي المشهد الغنائي في "المغرِب" اليوم؟       

ثريا الحضراوي: أظنّ بأنّه مشهدٌ مُصغّر للمشهد

زاهي وهبي: الواقع العربي؟

ثريا الحضراوي: للمشهد العربي بصفة عامّة

زاهي وهبي: تعنين، ما هو سائِد الآن من الغناء الترفيهي والتجاري؟

ثريا الحضراوي: تماماً، الشيء نفسه في "المغرِب". ما هو سائِد إعلامياً

زاهي وهبي: نعم، أنا أقصِد إعلامياً

ثريا الحضراوي: إعلامياً لا يعني أنّ ما هو سائِد هو واقِع

زاهي وهبي: لماذا يتجاهل الإعلام، المؤسسات الإعلاميّة مشرقاً ومغرِباً تتجاهل الإبداع الحقيقي؟ الإبداع الإنساني؟

ثريا الحضراوي: لا أعتقد أنّ هذا تجاهل بل هو إرادة سياسيّة وليست تجاهلاً

زاهي وهبي: في رأيكِ هذا مقصودٌ ومُتعمَّد؟

ثريا الحضراوي: بطبيعة الحال، ليس تجاهُلاً فقط وقد يستغرق التجاهل عاماً أو عامين أو ثلاث سنوات أو أربع أو عقودا، لكن هذا ليس تجاهلاً بل يُمكن أن نقول بأنّه شيءٌ مُخطّط له

زاهي وهبي: هلّ تؤمنين بنظريّة أنّ هُناك جهدا وسعيا لتسطيح الوعي العربي، ولتسطيح العقل العربي؟

ثريا الحضراوي: ربّما، ربّما. حسب ما هو موجود، ربّما

زاهي وهبي: كيف نتجاوز هذه المسألة؟ كيف نتخطّى هذا الواقِع؟

ثريا الحضراوي: هذا مرهونٌ بعمل المؤسسات والجمعيّات، ولكنّني أظنّ بأن كلّ واحِد كفرد يتحمّل مسؤوليّته في

زاهي وهبي: في ما يعمل؟

ثريا الحضراوي: في ما يعمل ليُساهم في الإنقاذ

زاهي وهبي: هلّ تصمُد الفنون الجادّة، الفنون العميقة، هلّ تصمُد في مواجهة هذه الموجة من التسطيح والابتذال؟

ثريا الحضراوي: كما قُلتُ لك مِن قبل، إذا وجَدَت من يرفعُها ومن يحمِلُها فهي تصمُد. الفنون لوحدها لا تفعلُ شيئاً ولكن إذا وجَدَت من يحمِلها ويؤمِنُ بها ستصمُد بطبيعة الحال. أنا أؤمن بأنّ هناك دائماً أشخاصا وأفرادا يقومون بهذا العَمَل

زاهي وهبي: هناك نظريّة تقول، هناك جملة حضرتك بالتأكيد سمِعتِها من قَبُل وهي "الجمهور عايِز كده" حسب تعبير أشقّائنا المصريين، هلّ توافقين على هذه المقولة؟

ثريا الحضراوي: لا، لا أؤمن بها أبداً. نحن نُنظِّم المشهد الفنّي بمواصفات منفرِدة ونقول بأنّ "الجمهور عايز كده"، لا. الجمهور مش عايز كده، الجمهور عايز أشياء أُخرى . أنا عندي تجربة، حتّى في المغرِب في سهراتي، الجمهور مُتعطِّش دائِماً لأشياء مُختلِفة وجميلة

زاهي وهبي: حتّى إذا أخذنا أمثلة أُخرى تجدين حفلات مثلاً "جوليا بطرس"، "مارسيل خليفة"، ونتحدّث هنا عن فنّانين عندهُم التزامٌ مُعيّن ، فتجدين آلاف البشر يشاهدون حفلاتهم ، فالمُشكلة ليست عند الجمهور

ثريا الحضراوي: أبداً، أبداً

زاهي وهبي: فقط التسويق والإعلام والإعلان

ثريا الحضراوي: تماماً  

زاهي وهبي: وهذه القطاعات للأسف بيد القوى السياسية في نهاية المطاف. سيّدتي، سنتّجه قليلاً إلى العلاقة الإنسانيّة التي تربطكِ بزوجِك الشاعِر المعروف الأُستاذ "عبد الله زريقة"  والمناضل أيضاً لأنّه شاركَك في الحركة الطلاّبيّة أيضاً وكنتما سوياً  على ما أعتقد أليس كذلك؟

ثريا الحضراوي: لا، التقينا من بعد ذلك

زاهي وهبي: من بعد الجامعة!

ثريا الحضراوي: في السنة الأخيرة من الجامعة

زاهي وهبي: العلاقة بين مغنّية وشاعِر، هلّ هي علاقة تناغُم؟ علاقة تصادُم؟

ثريا الحضراوي: لا، هي علاقة تناغُم وليس تصادُم، لو كانت علاقة تصادُم لما دامت لمدّة 34 سنة. هي علاقة تناغُم وجمال وتبادُل تجرِبة وتعمُّق في الشِعر والغناء والموسيقى ونقاش

زاهي وهبي: لا يتوقّف

ثريا الحضراوي: لا يتوقّف (تضحك)

زاهي وهبي: هلّ يبقى الحبّ متأججاً بعد 34 سنة

ثريا الحضراوي: الحُب يتغيّر، دائماً يتغيّر ولكِنه يتغيّر دائماً إلى ما هو أعمَق

زاهي وهبي: يرتدي لَبوساً مُختلِفاً

ثريا الحضراوي: يرتدي لبوساً مُختلفاً لكن جميع لبوساته جميلة 

زاهي وهبي: نعم. هلّ غنّيتِ من شِعر زوجِك؟

ثريا الحضراوي: غنّيتُ من شِعر زوجي عندما كنت ما زلت في الإطار الطلاّبي، أمّا الآن فأنا لا أُغنّي إلاّ التراث ولا أُغنّي أشياء جديدة، أُغنّي فقط القصائِد

زاهي وهبي: القصائِد، أي تصلين فقط إلى حدود القرن التاسِع عَشَر؟

ثريا الحضراوي: فقط

زاهي وهبي: لكن لماذا؟ هلّ عندكِ مُشكِلة مع القرن العشرين و القرن الواحد والعشرين؟

ثريا الحضراوي: لا علاقة عندي مع القرن العشرين، ولكِن لكي أُغنّي أغاني القرن العشرين ينقصني مُلحِّنٌ بمواصفاتٍ مُعيّنة، من دونه لا يُمكنني أن أُغنّي أيّ شيء جديد. المُلحِّن الذي قد يُلحنّ لي أشياء تروقني أو تليق بالـ "الملحون" أو الأندلسي لم أجده لغاية الساعة    

زاهي وهبي: علاقتكِ بالكتاب التي ذكرنا منذ البداية، أن قراءاتك وثقافتك ساهمتا بخياراتكِ الفنيّة، هل لا زالت متينة حتّى الآن، وما هي طبيعة قراءاتِك؟ هلّ هي أدبيّة أكثر، فلسفيّة أكثر

ثريا الحضراوي: قراءاتي مُتنوّعة جداً

زاهي وهبي: متنوّعة

ثريا الحضراوي: متنوّعة كثيراً وأستمِعُ كثيراً لنفسي وعندي نوعٌ من الحظّ مع الكُتُب ودائماً ألتقي بالكتاب الذي أُريده. يُمكن أن يكون هذا الكتاب في بيتي ولكنّني لم أقرأه في السنة الماضية ولكنني قرأتّه في ساعةٍ مُعيّنة

زاهي وهبي: وكأنّه يأتي في ميعاده

ثريا الحضراوي: تماماً، وكأنّه يأتي في ميعاده ويُناديني ودائماً عندي هذه العلاقة الجميلة مع الكُتُب. قد يكون كتابا في الفلسفة، قد يكون ديوانا شِعريا ، قد يكون كما قُلتُ لك "جبران خليل جبران" الذي قرأته بعد أربعين عاماً

زاهي وهبي: ثمّ عدتِ إليه

ثريا الحضراوي: ثمّ عُدتُ إليه

زاهي وهبي: حلوة العلاقة مع الكتاب وأن يكونَ المرء قد قرأه  منذ 15 أو 20 سنة ويعود الى قراءته بعد فترة من الزمن، وكأنه  يلتقي بصديقٍ قديم لم يشاهده من عشرات السنين

ثريا الحضراوي: تماماً

زاهي وهبي: هناك شيء من هذا النوع. عندكِ علاقة مع الكِتاب الورقي فقط أم عندكِ قراءات عبر الأجهزة الالكترونيّة؟

ثريا الحضراوي: لا، أُفضِّل الكتاب وأن اُقلِّب الصفحات، وأُحبّ كثيراً أن أنام ومعي كتاب. بالنسبة للصحافة الإلكترونية أقرأ فقط الصحافة ولا أقرأ الكُتُب. أحبّ الكُتب الورقيّة، أمّا على الكومبيوتر فأقرأ فقط مقالات وليس الشِعر أو الرواية

زاهي وهبي: على كلّ حال، الكتاب الورقي يقيم علاقة مع الحواس الخمس وليس فقط مع النظر

ثريا الحضراوي: علاقةٌ أكاد أقول جسديّة مع الكِتاب الورقي

زاهي وهبي: هذا ما قصدته بالحواس الخمس، تستخدمين كلّ حواسِك حتّى أنّك تشتمّين رائحة الورق

ثريا الحضراوي: مثلاً، عندما أرجع إلى كتابٍ قرأته منذ عشرين سنة وأجِد ما كتبته بقلَم الرصاص أو ما سطّرته، ثم أُعيد قراءته بقراءتي أيضاً وهذا الأمر مهمّ جداً بحيثُ أنّك تتابع كيف أنت تطوّرت وما هو الشيء المُهِم الذي قرأته في القراءة الأُولى والشيء المُهمّ في القراءة الثانية

زاهي وهبي: ولا يحتاج أيضاً إلى كهرباء وبطّاريّة أو شاحِن أو إنترنت، فهو مُستقِلّ بذاته

ثريا الحضراوي: ربّما لا يحتاجُ سوى شمعة فقط

زاهي وهبي: فقط، في أقصى الحالات. سيّدتي، أنا استمتعتُ جداً بالحوار مع حضرتكِ

ثريا الحضراوي: وأنا أيضاً

زاهي وهبي: وأنا دائماً أقول بأنني أُحاول مع ضيوفنا المغارِبة أنّ اُطِلّ على المشهد الإبداعي المغربي. هلّ من المُمكِن أن نختُم بمحاولة من حضرة جنابِك؟ أنا أعلم أنّ الغناء من دون استعداد، خصوصاً هذا النوع من الغناء، ولكِن نختُم بشيء إذا سمحتِ

ثريا الحضراوي: سأُحاوِل ( تغنّي باللهجة المغربيّة)

زاهي وهبي: (يُصفِق) ألف شُكر سيّدتي، نوّرتِ "بيت القصيد"

ثريا الحضراوي: شكراً، شكراً على دعوتكم لي إلى "بيت القصيد" وأنا فرِحة جداً بوجودي معَكُم

زاهي وهبي: وإن شاء الله سيتكرّر هذا اللقاء مُستقبلاً، ومن خلالِك تحيّة إلى "المغرِب" وأهلِ "المغرِب" والمغرِب العربي الكبير

ثريا الحضراوي: شُكراً

زاهي وهبي: والشُكر دائماً لفريق العمل وللمُخرِج الأُستاذ "علي حيدر" ولمشاهدينا في كلّ أنحاء العالم العربي وفي كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم على خير الأُسبوع المُقبِل بإذن الله