أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

فكر مخائيل نعيمة

المحور الأول

الرابطة القلمية وادب الحياة والعلاقة مع المسيح
المحور الأول

غسان الشامي: مساء الخير.

"الحرية أثمن ما في الوجود، لذلك كان ثمنها باهظا." هذا كلام ميخائيل نعيمه الذي عاش قرنا يشهد على معاناة هذه البلاد التي تزداد عبودية وتمزّقا، ولا تزال الحرية بعيدة عنها. ميخائيل نعيمه الذي انطلق من هنا من بسكنتا، التي تعني بالسريانية بيت العدل، إلى روسيا وأميركا ليعود متنسّكا ومتأمّلا وكاتبا إلى حيث نحن في الشخروب أمام تمثال نحته الفنّان عسّاف عسّاف بطلب من الدكتور نديم نعيمه. وهنا قبر ميخائيل نعيمه. ضيفنا الدكتور نديم نعيمه، ابن أخ ناسك الشخروب، البروفسور حاليا في دائرة العربية ولغات الشرق الأدنى في الجامعة الأميركية التي حصل منها على الماجستير في الفلسفة والدكتوراه في الأدب والثقافة العربية عام 1963. وله العديد من الكتب عن نعيمه وكتاب الأدب والحياة، دراسات في الأدب العربي المعاصر، وطريق الذات إلى الذات، وأنبياء نيويورك اللبنانيون، وآلهة الأرض. وقد ترجم أعمال جبران خليل جبران الإنكليزية الكاملة إلى اللغة العربية. قبل الحوار، عن ميخائيل نعيمه مع الدكتور نديم نعيمه تقرير عن نعيمه:

 

التقرير

 

"الحرية أثمن ما في الوجود، لذلك كان ثمنها باهظا." هذا ما آمن به ميخائيل نعيمه الذي وُلد في بسكنتا على سفوح جبل صنّين عام 1889. وفي مدرسة الجمعية الفلسطينية في البلدة وفي الناصرة درس. وساهمت دراسته في جامعة بولتافيا الأوكرانية باطّلاعه على الأدب الروسي.

ذهب نعيمه إلى الولايات المتحدة عام 1911، ودرس الأدب والحقوق في جامعة واشنطن حتى عام 1916.

انضمّ إلى الرابطة القلمية مع جبران خليل جبران، وإلى جمعية تحرير سورية وجبل لبنان وجمعية إغاثة المنكوبين فيهما مع جبران والريحاني وآخرين.

لم تغادره الطبيعة أبدا على الرغم من الترحال، فعاد إلى بسكنتا عام 1932 سافحا أيامه في الكتابة والتأمّل حتى لُقّب بناسك الشخروب حيث كان يمضي معظم وقته. وقد طبع المكان نتاجه بالفلسفة والفكر والتصوّف والنقد.

أصدر كتابه الشهير سبعون لمناسبة بلوغه هذه السن واضعا فيه تجربته وراءه. لكن العمر امتدّ به 29 عاما أخرى أثرى فيها المكتبة العربية بعشرات الكتب، وتوفي عام 1988.

من مؤلفاته: أكابر، وأبعد من موسكو ومن واشنطن، الآباء والبنون، والبيادر، والغربال، وأيوب، ومرداد، وهمس الجفون، ومن وحي المسيح، ومذكّرات الأرقش، وغيرها الكثير. كما عرّب كتاب النبي لجبران خليل جبران عام 1981. أمّا مجموعته الشعرية الوحيدة بالإنكليزية همس الجفون فقد عُرّبت عام 1945.

 

غسان الشامي: أهلا بكم في "أجراس المشرق".

أهلا بك دكتور نديم نعيمه.

نديم نعيمه: أهلا.

غسان الشامي: من هذا المكان الذي ساهمت أو قمت بوضع ميخائيل نعيمه في مكانه. أبدأ من الرابطة القلمية التي بدأت عام 1916 أي غروب الحرب العالمية الأولى. ونعيمه كتب بيانها سنة 1920. هل الهجرة أو الحرب والتحرّر أساس في هذا البيان؟ أو أنها جمع حداثوي في المهجر؟ وما دور نعيمه فيها؟

نديم نعيمه: هي لم تكن شيئا قد خُطّط له. هكذا كنت أفهم من عمّي ميخائيل. كان ما زال يدرس في جامعة سياتل في واشنطن في سياتل عام 1912، وأتت إليه مجلة اكتشف أنها آتية من نيويورك وأن صاحبها زميل له كان في الناصرة، يتعلّم في الناصرة معه اسمه نسيب عريضة، الشاعر نسيب عريضة.

غسان الشامي: الحمصي.

نديم نعيمه: فانفتح له قلبه. لم يصدّق هذه المجلة الجميلة، فيها ترجمات لأدباء روس، فيها مقالات من أناس سوريين، كانوا يسمّونهم سوريين في أميركا.

غسان الشامي: كلهم سوريون، نعم.

نديم نعيمه: فيها نفَس جديد، مقالات للريحاني، لجبران، لنسيب عريضة ذاته. كثيرا كانت له مفاجأة هائلة. وبدأ يراسل من سياتل إلى نيويورك إلى أن تخرّج بشهادة حقوق وآداب. وتحت إلحاح نسيب وجبران وغيرهما أن يأتي إليهم في نيويورك، وأتى إليهم في نيويورك سنة 1916.

غسان الشامي: ما الهاجس؟

نديم نعيمه: الهاجس أنه فرح بأن هناك جماعة تعنَون بالأدب، وأدب بالمعنى الذي عهده هو كتلميذ في روسيا. لأنه في روسيا نظم واحدة من أهم قصائده بالروسيّة اسمها "النهر المتجمّد". وقرأ الأدب الروسي في فترة من الفترات.

غسان الشامي: سآتي على ذلك. ولكن، ألم يكن لهؤلاء الرابطة القلمية هذا الهاجس الحداثوي؟ أو أنه فقط تجمّع لأشخاص خرجوا من العنت العثماني، من سورية بكاملها في ذلك الوقت كما قلت؟

نديم نعيمه: بدأ هؤلاء كمهاجرين، أبناء مهاجرين. ولم تكن هناك فكرة إنشاء جمعية أو شيء من هذا في البداية.
الذي كان يحصل، وأعتقد بتأثير من الريحاني لأنه كان أكبر من جبران سنّا وأكبر من ميخائيل سنّا وأكبر من الجماعة كلهم سنّا، يبدو أنهم كانوا قد بدأوا يفكّرون بشيء اسمه رابطة قلمية لكن لم يكن هناك أي أثر لأنها ظهرت إلّا أن يمضي الكاتب في الفنون أو في أي مكان آخر ينشر فيه قصة أو قصيدة يُكتب عضوا في الرابطة القلمية. هذا ما رأيته هناك عندما كنت أحضّر الدكتوراه. فلان عضو في الرابطة القلمية، لكن لا رابطة قلمية على الأرض ولا منهاج ولا اجتماعات ولا أي شيء من هذا القبيل. إلى أن نزل ميخائيل إلى نيويورك سنة 1916 متخرّجا، وبدأوا يفكّرون جدّيّا برابطة قلمية لها كيانها ولها دستورها ولها أهدافها. وبعد سلسلة من الاجتماعات ظهرت الرابطة سنة 1920.

غسان الشامي: والبيان كتبه ميخائيل نعيمه.

نديم نعيمه: ميخائيل نعيمه لأنه درس المحاماة في سياتل كتب وجعل لها هدفا ما هو الربط بين الأدب والحياة وأن لها هدفا في أن تُحدِث حركة في الأدب العربي الحديث، حركة نوعية.

غسان الشامي: ما هي علاقة نعيمه الحقيقية بجبران والريحاني؟ هؤلاء الثلاثة شكّلوا ثالوثا متقاربا. داخل الرابطة وخارجها؟

نديم نعيمه: ما حصل أن عمّي لم يكن يعرف الريحاني. عندما نزل إلى نيويورك بدعوة منهم أن يكون واحدا منهم تعرّف إلى جبران. حالما التقيا ضمن جمع ما، قال جبران: هذا ميخائيل نعيمه، وقال ميخائيل: هذا جبران. كأن هناك معرفة روحية سابقة.

غسان الشامي: تخاطر.

نديم نعيمه: نعم. واستمرت هذه الصداقة خصوصا بعد أن اجتمعوا وألّفوا هيئة للرابطة: جبران رئيسها لأنه، أعتقد، أكبر الموجودين سنّا. وميخائيل نعيمه مستشارا سمّوه أي سكرتير أو مستشار. وكاتسيفليس، أحدهم، أمين صندوق. واستمرت هذه الصداقة هكذا طبيعية هناك. معظم هؤلاء أصبحوا أصدقاء حميمين. الصداقة التي كانت تربط جبران بميخائيل بنسيب عريضة وعبد المسيح حدّاد رهيبة. ثم تأتي الحلقة الأخرى: رشيد أيوب ووليام كاتسيفليس وإيليا أبو ماضي. لكن قلب الرابطة كان صداقة متينة بين أربعة على ما أعتقد.

غسان الشامي: ثقافة نعيمه ثقافة متنوّعة. هو انطلق من هذه البيئة. في الجرد كانت هناك مدرسة فلسطينية، ثم إلى الناصرة، ثم إلى روسيا. بدأت محلّيّا، انتقلت إلى أوكرانيا، صُقلت في أميركا، في ظل عالم في ذلك الوقت ينزع إلى التحرّر. أين أثّر ذلك في نتاج نعيمه؟

نديم نعيمه: أعتقد أن ما كان له أبعد الأثر في تكوين نعيمه الكاتب هو الفترة التي أمضاها في روسيا، روسيا القيصرية. لم يترك كاتبا أو شاعرا إلّا قرأ له بشكل رهيب. بمعنى أنه في فترة من الفترات أرسلته الجامعة التي كان فيها، بولتافا، إلى المستشفى لتطبيب عينيه. فهؤلاء، خصوصا الأدب الروسي الذي كان يربط بين الأدب والحياة، من أهمهم الشخصيات المعروفة: دوسييفسكي، تولستوي، ناتسين، ليرمنتوف الشاعر الذي كان شاعره المفضّل.
فبُني أدبيّا في ضوء هذا الأدب. وعندما ذهب إلى أميركا كان ميله الأدبي قد تكوّن. ولذلك أعجبته مدرسة العلائيين في أميركا، إمرسن، وثورو "وولدن"، إدغار ألان بو، حتى الشاعر الأميركي وولت ويتمان. فدخل روسيّا إلى هذا الذي كان يشبه ما عرفه في روسيا. ومن الأميركيين هؤلاء فُتح له باب على الأدب الإنكليزي، وقد أتقن الإنكليزية،
proper كما يقولون، الأساسي من شكسبير، خصوصا في ما بعد الحركة الرومنطيقية، الشعرية الرومنطيقية في أميركا.

غسان الشامي: إذاً، الانطباع الأول هو العلاقة مع الأدب الروسي.

نديم نعيمه: بالضبط.

غسان الشامي: أثرها في كتابته أين يبدو؟

نديم نعيمه: أثرها في كتابته يبدو أولا بديهة عندما يكتب سيرة حياته مثلا يقف مطوّلا عند روسيا.

غسان الشامي: في سبعون، في كتابه.

نديم نعيمه: في سبعون، وفي كتاب أبعد من موسكو ومن واشنطن، وفي مقالات معيّنة عن أدباء روس معيّنين:
مقالة عن تولستوي، مقالة عن بوشكين، مقالة عن هؤلاء الناس. لكن النفس الأدبي.. مثلا هذا الإصرار في كتاباته الروائية على شخصيات مستقاة من الطبقات الدنيا مع تعاطف شديد مع هؤلاء الناس: إمّا كسّار الحصى، أو امرأة بسيطة مسكينة تريد أن تستطلع دائما أخبار القرية وتقع فريسة حشريتها فتقع وتكسر رجليها ثم تموت، وأبو بطّة الحمّال في نيويورك. إنه يدخل في هذه الطبقة من الناس من غير أن ينسى الطبقة العليا. ولكن هذه كانت الطبقة المسحوقة التي وُلد معها ابن فلّاح في لبنان، وهذه الطبقة التي عرف أنينها في روسيا وهو لا يزال طالبا هناك.
حتى إنه قام بثورة لينينية ولم يكن لينين آنئذٍ، ثورة في الكلية ذاتها كلّفته سنة واحدة من دراسته.

غسان الشامي: هو كان في عصر، يحمل هذا العصر النزوع الأول للحداثة. نحن أمام حرب عالمية أولى، وهذا الدمار الذي حصل، طبعا قبل أن يأتي الدمار الكبير في الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما هي فعلا مرجعية الحداثة لدى ميخائيل نعيمه؟

نديم نعيمه: مرجعية الحداثة...

غسان الشامي: فكريّا أقصد.

نديم نعيمه: نعم، أعرف. مرجعية الحداثة كمرجعية أي كاتب آخر. ربما هو أكثر من غيره. مرجعية الحداثة أن هؤلاء الناس درسوا لغة أو أخرى أجنبية وأن هذه كانت بالنسبة لهم نافذة على العالم الخارجي. قرأوا، قرأوا الذي كان غير موجود بالنسبة لمدارسهم هنا ....

غسان الشامي: في العربية.

نديم نعيمه: ولذلك، لمّا جاء ميخائيل نعيمه كان لا بد له من أن يكتب المسرحية مثلا. فخطا أول خطوة مهمة في الأدب المسرحي. يريد أن يكتب الرواية، فكتب رواية: مذكرات الأرقش مثلا. من أين أتت هذه؟ من النموذج الذي رآه في هذه الآداب الجديدة التي لم تكن أخبارها قد وصلتنا بعد في بلادنا في البلد الأم. من أجل ذلك فتح هذا الأدب المهجري أفقا للأدباء عندنا إن في مصر أو في لبنان الذين بدأت تتسرّب إليهم الأعمال المهجرية. يريد أن يكتب قصيدة. الشعر عندنا...

غسان الشامي: كان محكوما بأغراض.

نديم نعيمه: ليس فقط هذا. إننا نحن كشعب عندما داهمتنا الحداثة.. أتى نابوليون إلى مصر، أتى المبشّرون إلى لبنان، أتت المطبعة. انفتحنا على الحداثة. ردّة فعلنا على الحداثة، كيف كانت ردّة الفعل؟ ردّة الفعل أن هذا الخصم الآتي إلينا استعماريّا أو تبشيريّا أو شيء من هذا النوع كيف نصمد في وجهه؟ ما المسيرة الطبيعية؟ تماما كانت العودة إلى التراث. لذلك مثلا بدأت المعاصرة في مصر تخلق نوعا عند المسلمين من الردّة إلى الماضي؛ أن نواجه المستقبل بالرجوع إلى الماضي. فإذا خرج شاعر مصري فبالتأكيد سيكتب ونموذجه المتنبي أو نموذجه أبو نواس.
سيأخذ نماذج ممّا يعتبره أدبه الخاص، هويّته. بقي نفر من المنتمين إلى التراث عن غير طريق الإسلام، عن غير طريق الدين، أي المسيحيون وغيره. هؤلاء أيضا واجهوا الحداثة عن طريق رجوعهم إلى الماضي ولكن الرجوع إلى الماضي عن طريق اللغة. صارت اللغة العربية هي المهمة. لذلك وُجد لغويّون. فصار خط المواجهة بين المسيحي العربي والغرب هو خط اللغة، خط التماس. وخط التماس بين المسلم العربي والغرب هو الإسلام.

غسان الشامي: هذا كلام هام وخطير وتوصيفي أصلا للوقت الحاضر.

نديم نعيمه: اختراق الدين أصعب بكثير من اختراق اللغة. لذلك، كانت الحداثة أسرع بدخول أصحاب اللغة ممّا كان باختراق أصحاب الدين. فلذلك أقول إن هؤلاء المهجريين مثلا الذين ذهبوا إلى الحداثة في عقر دارها كان لا بد لهم من أن يُدخِلوا هذه الحداثة أو الجميل في هذه الحداثة عن طريق اللغة من غير خوف. فإذا أردت أن أنظم قصيدة سأنظم هذه القصيدة...

غسان الشامي: ولكن هل صدّق الحداثة ميخائيل نعيمه؟ أنا أرى أحيانا أنه قد خاب أمله بالحداثة.

نديم نعيمه: أسمح لنفسي بأن أقف مطوّلا عند هذه النقطة. في مقالة من مقالاته في الرابطة القلمية أنه فلنترجم.
نحن مقصّرون. إن الزمن قد سبقنا. هناك 300 سنة فرق بيننا كعرب أو كمسلمين.. هناك 300 سنة منذ الاحتلال العثماني في مطلع القرن السادس عشر، 300 سنة كان العالم يجري وكنا وقوفا. نظرنا فوجدنا العالم في مكان ونحن في مكان آخر. إذاً، يقول لهم ميخائيل نعيمه: فلنترجم. هناك 300 سنة فراغ. إذاً هو مع اطّلاع الإنسان على الحداثة.

غسان الشامي: الاطّلاع. ولكن هذه الحداثة التي رآها هي حداثة استعمارية أيضا.

نديم نعيمه: صحيح كثيرا كثيرا. ولذلك، يمكنك أن تحبّ الحداثة وتكره الاستعمار. بمعنى أن الذي أزعج ميخائيل نعيمه جدا في الغرب وخصوصا في نيويورك في القرن العشرين ليس الحداثة بل الحضارة الآلية، أي صار لدينا industrial revolution، الثورة الصناعية. والثورة الصناعية قد أنتجت شيئا اسمه الإنتاج بالجملة.
الإنتاج بالجملة معناه أن تفتّش عن أسواق تصدير، ومعناه أيضا أن تفتّش عن مواد خام في الخارج. لذلك، هذه الثورة الصناعية خلقت الاستعمار. أية دولة أو أي شعب تحصل عنده ثورة صناعية سيصبح استعماريا حتما. ولذلك أقول إنه ضد المجتمع الآلي وليس ضد الحداثة فكرا ونهجا فنّيّا وتطّلعا إلى المستقبل. لكن هذا الذي كان يُبكي أناسا مثل ماركس ومثل أنغلز وغيره وغيره هي الآلة. فالآلة هي التي خلقت هذا الإنسان المادي المستمر.

غسان الشامي: وهذا أعود إليه. ولكن هذا هو سبب ذهابه إلى أدب الحياة؟ وهو أول مَن كتب عن أدب الحياة.

نديم نعيمه: بالضبط.

غسان الشامي: أو دور الأدب في تطوير الحياة.

نديم نعيمه: لا، أدب الحياة. فهم ميخائيل نعيمه قبل غيره، أعتقد، في الرابطة، ولاحقا الرابطيّون أيضا فهموا أن الأدب هو تعبير الإنسان عن نفسه كما يهضم الحياة. فكلّما ازددت وعيا ازددت معرفة بأمور ما زالت غامضة لغيرك. فالأدب بهذا المعنى رسولي. فأنا أعطيك أدبا هو كما أعي الحياة. ومفترض بي كأديب أو شاعر أن يكون وعيي لهذه الحياة أوسع وأبعد من وعي الآخرين. وإذ أعبّر عن نفسي أعبّر عن هذا الذي يقرأني وأعبّر عمّا يمكن له أن يبلغه إذا اتّسع وعيه.

غسان الشامي: يبدو أنك كلما ازددت علما ازددت ألما. اسمح لي أن أتوقف مع فاصل.
أعزائي، فاصل ثم نعود لمتابعة هذه الحلقة من الشخروب حيث ميخائيل نعيمه. انتظرونا إذا أحببتم أو إذا استطعتم.


المحور الثاني

السياسة والدين والاخلاق في ادب وفكر نعيمة
المحور الثاني

غسان الشامي: أهلا بكم من جديد في "أجراس المشرق".

دكتور نعيمه، ما تأثير مجازر 1860 الطائفية في جبل لبنان وفي دمشق على نعيمه وأدبه؟

نديم نعيمه: المجازر هذه عرفها ميخائيل نعيمه وزملاؤه نظريّا من التاريخ. هم لم يكونوا معاصرين لهذه المجازر.

غسان الشامي: ولكنهم الجيل المباشر بعدها، أي نتائجها.

نديم نعيمه: الجيل المباشر مأساته كانت الحرب العالمية الأولى. إنها الحرب التي أحسّوا بها بشكل مأساوي خصوصا هؤلاء الغرباء هناك الذين كانوا يحنّون إلى بلدهم ويحنّون إلى أهلهم. والبديل كان أن يسمعوا أخبار المجاعة والتشتّت. هذه قادتهم إلى معرفة حركة الستين. لكن الستين لم يكن لها ذلك الأثر الذي كان...

غسان الشامي: في الأدب؟

نديم نعيمه: في الأدب ذاته. لم تأتِ الستين هي. أتت بمعيّة هذه الأمور التي أحسّوا بها بشكل أعمق.

غسان الشامي: برأيك، لماذا كان ميخائيل نعيمه متفائلا على الرغم من كل المآسي؟ ما مردّ هذا التفاؤل اللافت للنظر لديه.

نديم نعيمه: نعم، تفاؤل لافت. أعتقد أن مردّ ذلك إلى نوع من الفلسفة التي طوّرها في نفسه انطلاقا من نشأته كمسيحي في لبنان. نشأة جماعة بسطاء، المسيح شيء مهم في حياتهم. فالمسيح هذا كبر في ذهنه بشكل خاص، وهو المؤمن، في الناصرة عندما أحسّ بأنه في بلد المسيح. كان يخبرني إنه وهو سائر يتطلّع إلى هذا التراب الذي يسير عليه.
أمن الممكن أن يكون المسيح قد مرّ من هذا السبيل؟ فالمسيح ظلّ حيّا في نظره. كبر المسيح عقائديّا في روسيا، خصوصا روسيا الأدب الروسي، وعلى رأس هؤلاء تولستوي الذي أصبح المسيح هو المثل الأعلى لكل شيء.
في أميركا، وكانت قد اتّسعت قراءاته غربيّا، بدأ يتحوّل هذا الإيمان إلى عقيدة ما، هي هذا الذي كان يحكى عن ميخائيل نعيمه، قضية التصوّف وقضية وحدة الوجود وقضية الحياة التي تتكرّر ولا تنتهي. نحن وكأننا كبشر تلامذة في الحياة نتدرّج مثل طلّاب المدرسة من الصف الأول إلى الثاني. فكل حياة هي صف نتجاوزه ونتقمّص...

غسان الشامي: ولكنه تأخّر حتى كتب كتابه من وحي المسيح، هو مجموعة رسائل، سنة 1977.

نديم نعيمه: نعم، لكن المسيح صار يظهر ليس كمسيح فقط بل صار يظهر في الشخصيات. مثلا مذكرات الأرقش. الأرقش مثلا شخصية غريبة. أساس القصة هذه أن الأرقش شابّ حبّوب وأُغرم بنجلاء الجميلة. ولكنه ليلة عرسهما ذبحها في المخدع الزوجي وترك قصاصة ورق...

غسان الشامي: أتصور أن الزوجية لديها مخدع، من الخداع يبدو؟

نديم نعيمه: لا أعرف. لكن هذا ترك ورقة واختفى هذا العريس. يقول: "ذبحت حبي بيدي لأنه فوق ما يتحمّله جسدي ودون ما تشتاقه روحي". أي مأساة الحياة الإنسانية. فكل واحد منا مثل هذا الجبل الذي لاحقا صار ظاهرا في مؤلفاته "منحدر الصوّان". نحن رجلانا في المحسوس والملموس المادي والزمني والمكاني، مربّطة تحت، ورأسنا ملامس السماء في عالم المطلق. وكيف يمكننا أن نعيش هذه الهويّة الممزّقة؟ لا نحن تحت ولا نحن فوق. أراد الأرقش أن يكون فوق مع حبيبته، ولكن الجسد شدّه إلى تحت. ويريد أن يكون تحت لكي يخلص من المأساة فشّده الرأس إلى فوق. وهكذا نحيا مأساة. ما حصل عند ميخائيل نعيمه أنه بدأ يرى في هذه المأساة مؤشّر خلاص لأنها هي التي تيسّر لك بعد موتك الطبقة التي ستتقمّص فيها.

غسان الشامي: سآتي إلى هذا.

نديم نعيمه: هذه التفاؤلية أقول.

غسان الشامي: أريد أن أسألك، وأنت في هذا العمر المديد، أمدّ الله بعمرك، شخصيا. نحن الآن في حاضر فيه مآسٍ.

نديم نعيمه: صحيح.

غسان الشامي: هل أنت متفائل على نموذج تفاؤل ميخائيل نعيمه؟

نديم نعيمه: أنا لست متفائلا. يا ليتني أكون متفائلا على قدر تفاؤله. ولكنني لا أخلو من شيء من هذا الأمر.

غسان الشامي: مسحة تفاؤل.

نديم نعيمه: بالتأكيد، ما هو موجود في منطقتنا اليوم شيء فوق احتمال التصوّر. لكن فلسفة ميخائيل نعيمه وفلسفة جبران أيضا أن الألم أستاذ يعلّمك. مثلا عند جبران ثمة مقالة جميلة جدا يقول فيها: "كلما أمعن الألم حفرا في ذاتكم زدتم سعة لاحتواء الفرح".

غسان الشامي: هذا الألم الخلاصي لدى المسيحية.

نديم نعيمه: ليس فقط الخلاصي. الخلاصي صار هنا صفوفا. إنما هذا الألم الذي نحن فيه...

غسان الشامي: المسيح تألّم كرمى للبشرية.

نديم نعيمه: لا يوجد خلاص إلّا بالصليب. عندنا ميخائيل نعيمه كان يقول مع شديد حزنه على الذي يحصل إن هذا هو الصليب الذي يمرّ به العالم العربي. وعلى العالم العربي أن يستفيد من هذا الدرس. إذا استفاد فسيكرّر.

غسان الشامي: إذا لم يستفد فسيكرّر.

نديم نعيمه: يجب أن نلتفت إلى هذا الذي نحن فيه على أنه باب الخلاص. إذا لم نفهم ذلك تعرّضنا لكي يعاد هذا الدرس علينا مرة أخرى.

غسان الشامي: أنا أريد أن أدخل الآن في السياسة لدى نعيمه. انخرط نعيمه في السياسة في أميركا مع الريحاني ومع جبران وآخرين في لجنة تحرير سورية وجبل لبنان ولجنة إغاثة المنكوبين. لماذا؟ لماذا أيضا لم يتابع عمله السياسي أو حراكه السياسي بعد الحرب؟

نديم نعيمه: ليس لديه حراك سياسي. السياسة ليست أنها فُرضت عليه أو عليهم. أتتهم هذه الأخبار عن المجاعة.
ربما أمه، ربما جدّته، ربما جدّه، على الطريق مرميّ ومنفوخ من الجوع. هذا الذي حرّكهم لكي ينشئوا جمعية أو شيئا ليس لأنهم يريدون أن ينخرطوا...

غسان الشامي: ولكن فكّروا بجيش للإنقاذ.

نديم نعيمه: كان هناك حديث في الحرب عن دخول المعركة للأميركيين. وجماعتنا في أميركا كانوا يحبّون أن تتسلّم أميركا، أميركا التي كانت بعدُ بريئة آنئذٍ.

غسان الشامي: وودر ولسون.

نديم نعيمه: أنه أحسن تدخل أميركا بجيشها وتحرّر سورية ولبنان من أن يدخل الفرنسيون والإنكليز. لذلك كان لديهم الهوس هذا. وأيوب ثابت ذهب إليهم وزارهم، وغيره. لم يدخلوا السياسة ولكنهم دخلوا الحديث عنها.

غسان الشامي: إذاً، بماذا تفسّر انخراطه في جمعية سورية الحرّة؟

نديم نعيمه: هؤلاء كانوا يحاولون أن يجمعوا تبرّعات لمساعدة المساكين والجياع في سورية ولبنان.

غسان الشامي: ولكن أيضا في هذه الجمعية وفي الجمعيات الأخرى كانوا مصرّين.. هذه قراءة لواقع المجتمع.
إذا أردت أن تحرّر المجتمع فعليك أن تقرأ واقعه. كانوا مصرّين على فصل الدين عن الدولة. هل كان ذلك مثلا موضة العصر أي فصل الدين عن الدولة؟ أو قراءة حقيقية لواقع المجتمع في المشرق؟

نديم نعيمه: الذي كان منغمسا في السياسة جدّيّا هو أمين الريحاني والذي لم يكن في الرابطة القلمية التي أُسّست لأسباب عديدة: أحدها أنه كان منشغلا بأمور أخرى، وتزوّج في تلك الفترة، وكان منشغلا بأموره السياسية. ولم يكن على علاقة جيدة بجبران آنئذٍ. كانوا أصدقاء قبل ذلك ثم حصل شيء بأمور يطول عرضها. فأمين الريحاني يمكن، مئة بالمئة، أن يُعتبَر سياسيّا. ولكن ليس جبران مثلا، ليس ميخائيل، ليس نسيب عريضة. ثمة ما يفضّله هؤلاء الناس ويريدونه أن يحصل. ولكن لم يجنّدوا أنفسهم سياسيّا. ليست هناك مقالة سياسية لجبران مثلا أو مقالة سياسية لميخائيل، لكن هناك مقالة سياسية لأمين الريحاني.

غسان الشامي: أنا سأذهب معك إلى آخر هذا المشوار. لميخائيل نعيمه كلمة أمام الرئيس ولسون خلال تقديم المغتربين السوريين في البرازيل مجسّمين: واحد للأمّة الأميركية وآخر للأمّة السوريّة. أليس هذا نوعا من العمل السياسي؟ أو هو أيضا آمن، كما قلت، بأميركا أنها تريد أن تحرّر؟

نديم نعيمه: المسألة التي يجب أن نتذكّرها في الموضوع أن هؤلاء لسان حالهم صحيفة "السائح".
مجلة نسيب عريضة توقّفت. بقيت عدة سنوات، وكانت تكلّف أموالا. فالصحافة كانت تستطيع أن تحيي ذاتها بذاتها عن طريق السياسات التي تمارسها. فلسان حال الرابطة كان "السائح" لعبد المسيح حدّاد. لذلك، كانت "السائح" هي الصحيفة التي منها كان الناس ينظرون إلى الرابطة. لكن ليس معنى ذلك أنه إذا كانت "السائح" لسانهم أنهم يحبّون سياستها. بالتأكيد "السائح" لم تكن لها سياسة معاكسة لقناعاتهم. أمّا مسألة البرازيل، الجماعة التي كان صوتها معروفا في الوطن وفي المهجر ومحترما هو صوت الأدباء والشعراء هؤلاء. لم يكونوا يؤمّنون للسياسيين، تذهب إلى مكرزل مثلا أو شيء من هذا النوع.

غسان الشامي: أريد أن أسألك عن نعوم مكرزل وخلافه معه في ما بعد. تفضّل.

نديم نعيمه: فمَن في البرازيل يريدون أن يبعثوا بهديّة إلى الرئيس ولسون. مَن سيذهب ليقدّمها إليه؟ هل يحضرون صحافيا؟ لن يحضروا صحافيا. أأمن صوت هو هؤلاء الأدباء الطيّبون الذين لا أغراض لهم سوى كل ما هو نافع لبلادهم. وكتبوا لميخائيل نعيمه أنه دبِّر هذه الهديّة للرئيس. فجمع رفاقه في الرابطة وذهبوا وقدّموا هذه الهدية للرئيس، وخطبوا، أعدّوا كلمة صغيرة وشكروه وإلى آخره. وهم كانوا من الذين يحبّذون تماما أن تكون أميركا هي التي تدخل الشرق الأوسط وتكون حامية...

غسان الشامي: على مبدأ حقوق الإنسان في ذلك الوقت، وثيقة حقوق الإنسان. يتساءل قرّاء نعيمه من بين التنويريين: أحيانا هو لبنان، أحيانا هو سورية، أحيانا هو عربي. أنت كرجل جلست معه، عاشرته، كتبت عنه، درّست فيه، كيف توصّفه؟

نديم نعيمه: هذا الرجل، كما سبق وأشرنا، العربية وطنه. اللغة العربية ليست لغة فقط بالنسبة لأناس مثل ميخائيل نعيمه ومثل جبران ومثل هؤلاء. اللغة العربية هي هويّة أيضا. لذلك، أرض العروبة هي أرض عزيزة جدا عليه. وأعزّ منطقة في هذه البقعة العربية هي البلد هذا. ومن أجل هذا البلد ترك كل نيويورك وجاء إلى هنا.

غسان الشامي: إلى هذا المكان.

نديم نعيمه: إلى الصخرة هذه.

غسان الشامي: بقليل، ما هي خصومته مع نعوم مكرزل؟

نديم نعيمه: صحافة اللبنانيين والسوريين في أميركا كانت تحيا على الخلافات، أي أن تُحدِث صحيفة ما قضية ما تعجب فئة ولا تعجب الفئة الأخرى، وتنهال... فنعوم مكرزل كان من هذا النوع، من أصحاب الصحف هذه. وكان يفتّش عن قضية ما ليثير الجالية فيحرّك المياه الآسنة.

غسان الشامي: مثلما حصل اليوم، تلك المسيرة بعد التحرّر. يبدو ما أشبه اليوم بالبارحة.

نديم نعيمه: تماما.

غسان الشامي: سؤالي الأخير لك: المراقب يبدو أنه يرى أن نعيمه كان يائسا من المشرق والشرق برمّته. وإلّا لما وصّف الغرب وقال: الغرب رمز الطموح والشرق رمز القناعة. القناعة ثبات كما تعلم. هل فعلا كانت ملامح يأس بعد أن أتى سنة 1932 وبقي حتى نهاية حياته في هذا البلد، في هذا المكان؟ كان اليأس قد خامره؟

نديم نعيمه: اليأس كلمة كبيرة أعتقد. لم يكن يائسا من العالم العربي. كان يحب العالم العربي كثيرا، أهل العربية بشكل خاص على أنواعهم. لكن كان يؤذيه هذا الخنوع، هذا الاستسلام للا شيء. تقديس هذا العالم العربي للماضي كان يؤذيه جدا.

غسان الشامي: أعزائي، خير ما أختم به هو لـنعيمه الذي خبر تفشّي الأمّيّة والجهل وأثره على هذه الأمّة في زمن نحن فيه يحرق فيه الهمج المكتبات والمخطوطات ويدمّرون الصروح والفن حين قال: "عندما تصبح المكتبة ضرورة كالطاولة والسرير والكرسي والمطبخ، عندئذٍ يمكننا القول إننا أصبحنا قوما متحرّرين".

شكرا للدكتور نديم نعيمه على حضوره في "أجراس المشرق".
شكرا للصديق جون دايه على دعمه لي.
شكرا للزملاء في "الميادين" الذين يقرعون معي هذه الأجراس، واليوم من الشخروب من سفح صنّين.
شكرا لكم على متابعتكم ومحبتكم.

وسلام عليكم وسلام لكم.