بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الشاعر المصري زين العابدين فؤاد

بدأ كتابة الشعر بالفصحى وتحول الى العامية، قصائده منعت لعقود من النشر وببعضها هرب من بين جدران السجن الى الحرية فغنى بعضها الشيخ إمام ومنها "أنا الشعب" وغيرها. الشاعر المصري زين العابدين فؤاد في بيت القصيد يحكي عن القصيدة التي هزمت السجن والسجان والكلمة التي تعيش طويلا حتى بعد ان يرحل كتابها.

قصيدة تخيف حكومة

بيت القصيد 1.mp4

زاهي وهبي: مساء الخير. يسكن الشارعَ ويسكنه الشارِع، شاعِرٌ ملتصقٌ بالأرض و الناس. لهم وعنهم يكتُب ويهتف ويعلّي الصوت. لم يكسره السجنُ ولا المنع ولا الحصار، ولم تنل منه السنونو التي يُصرّفها بقلبِ طفلٍ يُحبُّ الشِعر والغناء. لم تكفِه "القاهرة" فيمّم الوجه صوب العواصِم والمُدن المُتعبة التي عرفته شاعراً وثائِراً ومُناضلاً لأجل الحريّة والعدالة الاجتماعيّة. في "بيروت" عاشَ تجربةً مميّزةً يوم شارَك مقاوميها والفدائيين تجربة التصدّي للاجتياح الإسرائيلي اللئيم. غنّى قصائده "عدلي فخري" و"الشيخ إمام" وأصوات أُخرى ملتزمةٌ حبّ الأرض والإنسان. يُشرّفني الترحيب بالشاعِر الكبير الأُستاذ "زين العابدين فؤاد"، أهلاً وسهلاً بك

زين العابدين فؤاد: أهلاً بك وأنا سعيد بأنّ أكون معك

زاهي وهبي: وأنا سعيد بأننا نعود لنلتقي بعد خمس سنوات على حوارنا الأوّل. أُستاذي، بدأتَ شاعراً فصيحاً ثمّ تحوّلت إلى العاميّة المصريّة

زين العابدين فؤاد: أجل صحيح

زاهي وهبي: لماذا؟

زين العابدين فؤاد: هل الإجابة عمّا أراه الآن أو الإجابة في حينها؟

زاهي وهبي: كلاهما

زين العابدين فؤاد: حسناً كلاهما. ما أراه الآن هو أنّ هذه أداة تعبير

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد:  اختَر أداة التعبير التي يمكنك أن تستخدمها جيداً، أختَر أداة التعبير التي يُمكن أن تصل إلى الناس. أنا اكتشفت جماليّات في العاميّة للحقيقة إنما حينها كنت قد عشت بدايات قصيدة التفعيلة الفُصحى وسعدت جداً بإنتاجٍ جديد لـ "السيّاب" و"صلاح عبد الصبور" وقبلهما "نازك الملائكة" و"البياتي"

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: هذا المُنجَز واكبه مُنجزٌ آخر في كتابة قصيدة بالعاميّة كتبها "فؤاد حدّاد" و"صلاح جاهين" ثمّ أنا قرأت مُقدّمة ساحرة لديوان شعري رديء. هذه المقدّمة الساحرة هي للدكتور "لويس عوض" المفكّر الكبير في ديوان اسمه Brutal Land أو " أرض الجحيم" وهو كان قد كتب ديواناً بالعاميّة لكن المقدّمة كانت عن جماليّات الكتابة بالعاميّة. المقدّمة مكتوبة في الأربعينات وأنا قرأتها في أوائِل الخمسينات، ومجموع هذا على بعضه أوصلني إلى أن أتوقّف عن الفُصحى، وتوقّفت لثلاث سنوات عن الكتابة تماماً

زاهي وهبي: نهائياً. ما هي سمات أو خصائِص العاميّة المصريّة؟ وهلّ هناك عاميّة مصريّة واحِدة؟ أم عاميّات؟

زين العابدين فؤاد: العاميّة المصريّة هي لغة حيّة جداً ومتجدّدة

زاهي وهبي: وتتطوّر، نعم

زين العابدين فؤاد: ولها روافد كثيرة، لها روافد كثيرة. من روافدها كانت الديموتيقية واللغات الفرعونيّة واللهجات وهكذا. ثم بعد ذلك، عندما دخلت العربيّة مع دخول الإسلام إلى مصر لم يتوقّف الناس عن أن يحبّوا وأن يُغنّوا، والأُمهّات كنّ يغنّين لأطفالهنّ حتّى يناموا وفي الأفراح وكلّ هذا، وهذا لم يكن بالفُصحي بالتأكيد

زاهي وهبي: وأكبر دليل على ما تتفضّل به أنّ التيارات الدينيّة لم تستطع هضم "مصر" أو الاستيلاء على الثقافة المصريّة

زين العابدين فؤاد: أكيد

زاهي وهبي: تعرّضت حضرتك كما هو معروف للسجن والمنع من السفر والحصار والاعتقال. سؤالي هو، إلى هذا الحدّ الشِعر والقصيدة يخيفان السلطات السياسيّة؟

زين العابدين فؤاد: أكيد. لو نحن تذكّرنا، وأنا أتحدّث مع شاعِر يعلم عن عدد الشعراء الذين أُعدموا في الحرب العالميّة الثانية، النازي قتلَ شُعراء في "هنغاريا" وفي "بولندا" وكان يخاف من الشِعر. الدور الذي لعبه "أراغون" و " بول ايلوار" في قصيدة المقاومة وصراعهما في المقاومة، أكيد. لماذا السلطات التركيّة اعتقلت "ناظم حكمت" طوال هذه السنوات؟

زاهي وهبي: "لوركا"

زين العابدين فؤاد: لماذا عندما حصل انقلاب في "تشيلي" قُتِلَ مغنٍّ عظيم جداً جداً وهو "فيكتور خارا"؟ وقطعوا أصابعه وبعثوها لـ "السي أي إي"  من أجل أن يقولوا لهم " أننا وصلنا إلى هذا الشخص"

زاهي وهبي: وكُتِبَ له شِعر في العالَم العربي وأُهدِيَت له أُغنيات

زين العابدين فؤاد: أنا ترجمت "فيكتور خارا" أيضاً للعربيّة

زاهي وهبي: هلّ الشِعر العربي يتّسِم بهذه الخاصيّة؟ هلّ هو شِعر رافِض متمرِّد أم هو شِعر بلاطات وملوك وأُمراء عبر التاريخ؟

زين العابدين فؤاد: الشِعر العربي كأيّ شعر

زاهي وهبي: فيه كلّ شيء

زين العابدين فؤاد: فيه كلّ شيء وفيه الرفض. والدليل أنّ السلطة الحاكمة أياً كانت، سلطة سياسية أو ثقافيّة

زاهي وهبي: دينيّة، اجتماعيّة

زين العابدين فؤاد: أو دينيّة أو خلافه، نفَت عدداً كبيراً من الشُعراء وأسمتهم "الصعاليك"، نَفَتهم هذه السلطات خارِج القبيلة، فالنفي والإبعاد معروفان وأيضاً الاستمالة معروفة

زاهي وهبي: والتجاهل أحياناً وعدم تسليط الضوء. هذه الروح الرافضة الثائرة المتمرّدة عندك، من أين لك هذه الروح؟ هلّ هي جينات موروثة؟ هلّ هي بيئة؟ هل هي ثقافة؟

زين العابدين فؤاد: هي خليط بالتأكيد للفنان في أيّ موقف أو وجهة نظر، سوى أن الخيانة ليست وجهة نظر طبعاً

زاهي وهبي: طبعاً، طبعاً

زين العابدين فؤاد: إذاً، وجهة نظرك في جزء منها إذا كانت مسألة خطيب فهذا الموضوع لن يكوّن فناً، والتداخل ما بين الرؤية السياسيّة يكوّن إطاراً في رؤيتك الفنيّة، لكن كيف يكون التداخل بين الرؤية السياسيّة كإطار في رؤيتك الفنيّة؟

زاهي وهبي: يوماً ما كُنت تلقي قصيدة وكانت السيّدة "جيهان السادات" حاضرة، وعندما وصلت إلى حدّ قولك "قومي يا مصر ضدّ الجوع وضدّ التتار"، اعترضِت وزعلِت وانسحَبت وغادرت القاعة

زين العابدين فؤاد: وفي هذا اليوم نفسه صدرت تعميمات شفهيّة

زاهي وهبي: بمنعك

زين العابدين فؤاد: بمنعي، والنصّ الذي وصل إلى الصُحف كان كالتالي: "لن ينشُر حرفاً في "مصر" طالما أنا على قيد الحياة" بتوقيع "محمد أنور السادات"

زاهي وهبي: وهكذا كان للأسف. تقول حضرتك أُستاذي في السجن: "للحلم والحقيقة وجهٌ واحد"، بأيّ معنى للحُلم والحقيقة وجهٌ واحِد في السجن؟ وكيف انتصرتُم على السجن، حضرتك وزملاؤك من مثقّفين وأُدباء ومناضلين؟

زين العابدين فؤاد: نحن طبعاً عندنا عمّنا "فؤاد حدّاد" الذي أمضى سنوات طويلة في السجن، وهنا أنا كنت أريد أن أتوقّف قليلاً عند "فؤاد حدّاد للحقيقة

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: الأمر ليس فقط أنّه دخل السجن بل تعرّض لإبعاد، وعندما خرج من السجن، من كان يعرِف شعر "فؤاد حدّاد" إلى وقتٍ قريب؟ عرفه الناس في "المسحراتي" أو في الأرض تتكلِّم عربي" لكن هذا كان شيئاً متأخّراً جداً. "فؤاد حدّاد" الذي كتب "ديوان" كان اسمه الحقيقي بالمناسبة، الذي اختاره "فؤاد حداد" "مساجين وراء القضبان". الرقابة العسكريّة رفضت واعترضت بشدّة على العنوان فغيّر العنوان وأصبح اسم الديوان "أحرار وراء القضبان"

زاهي وهبي: نعم، أجمل

زين العابدين فؤاد: ثمّ أمضى " فؤاد حدّاد" خمس سنوات في السجن منذ عام 1959 لغاية عام 1964. " فؤاد حدّاد" كان يقول بأنه لم يعرِف لماذا سُجِن، فهو يكتُب فقط. وبعد ذلك، حين كان يكتُب كلّ دواوينه كانت تُنشَر وتتداول بعد فترة طويلة. لذلك الإبعاد دائماً هنا لا يعني السجن فقط. أنا مثلاً لم أدخل التلفزيون المصري لمدّة أربعين سنة ولم أنشر ديواناً في جهة حكوميّة مصريّة إلاّ في العام 2012

زاهي وهبي: وكأنّ الإبداع، أن تصلنا قصيدة "فؤاد حدّاد" وأن تصلنا قصيدة حضرتك رغم المنع، وهذا يعني أنّ الإبداع ينتصِر

زين العابدين فؤاد: هذا هو طبعاً. قصيدة آخر أُغنية غنّاها "فيكتور خارا" بما أننا تحدّثنا عنه، وهو له قصيدة قبلها، هلّ تسمح لي أن أقول القصيدة؟

زاهي وهبي: طبعاً، ليتك تفعل

زين العابدين فؤاد: القصيدة المشهورة عن "فيكتور خارا" اسمها "بيان" يقول فيها:

أنا لا أُغنّي حباً في الغناء

ولا لكي أُظهر للناس صوتي

أنا أُغنّي البيانات الأمينة

التي يطلقها غيتاري

وغيتاري ليس شرهاً

للمال أو السلطة

هكذا علّمتني "فيوليتا بارا" 

أنا أُغنّي من أجل قطعةٍ صغيرة من الأرض

صغيرة جداً لكنّها الوطن

أنا أُغنّي أُغنية سوف يموت مغنّيها وهو يغنّي

زين العابدين فؤاد: فعندما دخلوا عليه في ستاد "سنتياغو" وكان في الستاد خمسة آلاف مُعتَقل قُتلوا جميعاً، فدخلوا عليه وقالوا له "ألست أنت من قلت أنّك ستموت وأنت تُغنّي؟ إذا استعِد لأنّك ستموت" وقطعوا إصبعه لكي يرسلوه وابتدأوا بعمليّة الإعدامات فغنّى، غنّى بصوتٍ واهِن جداً وردّ عليه الخمسة آلاف الذين كانوا معه، والصوت انتقل إلى خارج الستاد لأنّ أحدهم سجّل الصوت، أحدهم سجّل الأُغنية ووصلتنا الأُغنية الأخيرة لـ "فيكتور خارا" التي تقول:

ستاد "سانتياغو"، هنا نحن خمسة آلاف

في هذا الرُكن فقط نحن خمسة آلاف 

في هذا الرُكن من المدينة نحن خمسة آلاف

فيا تُرى كمّ عددنا في كلّ أنحاء الوطن

هنا نحن خمسة آلاف، عشرة آلاف يدّ

يُمكنها أن تُدير المصانِع، أن تحصد الحقول

أن تصنع الحبّ

عشرة آلاف يدّ تنتظر الموت

زاهي وهبي: عميق جداً وجميل جداً. أُستاذي، كيف نكتُب شِعراً ونُحافِظ على جماليّات الشِعر، على فنّية النص؟ لأنّ هناك دائماً خوفاً عند البعض في أنّ الإيديولوجيا أو السياسة أو القضايا ينوء الشِعر بها

زين العابدين فؤاد: هذا خوفٌ ليس مبرراً لأنّ الحقيقة، إذا أنت فقط تقول كلاماً طيِباً وخُطَابات وأشياء من هذا القبيل يبقى كلاماً طيباً وخُطباً لكنّه لن يبقى في الشِعر، ونحن عندنا نُفرِّق، أنا شخصياً أُفرِّق مثلاً ما بين تاريخ الشِعر، وهناك أشياء ستبقى في تاريخ الشِعر المصري بالتحديد مثل قصيدة "من أب مصري إلى الرئيس ترومن"  لـ "عبد الرحمن الشرقاوي"

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: وكانت هامّة جداً في وقتها، لكنّها بيان سياسي وليست شعراً

زاهي وهبي: إذاً، المهمّ الحفاظ على جماليّة النصّ حتّى ولو كان يحمل موقفاً. لكنك لم تُجبني على سؤالي الأوّل

زين العابدين فؤاد: أنا آسف

زاهي وهبي: حول الحقيقة والحلم هما وجه واحد في السجن

زين العابدين فؤاد: أنا كنت قد بدأت أولاً بأنّه في السجن عليك إمّا أن تكسر السجن أو يكسرك، فهذه قاعدة، وأنا لا أقصدك أنت طبعاً، وأنا أرجو ألا تتعرّض لهذه التجربة (يضحك). أنا أقصُد بشكلٍ عام، حين كنّا في السجن كانت هذه هي المُهمّة. فمن هنا أكثر القصائِد تعميماً وتفاؤلاً كتبتها في السجن، أي أنا كتبت قصائِد "مُباشرة" في السجن، كتبت "الحلم" في السجن، كتبت الديوان نفسه الذي اسمه "الحلم في السجن"

زاهي وهبي: لا تخف عليّ لأنني جرّبته ولكن في السجن الإسرائيلي أو المُعتَقَل الإسرائيلي. في السجن كتبت الكثير من القصائِد

زين العابدين فؤاد: صحيح

زاهي وهبي: وربّما كانت الكتابة شكلاً من أشكال الانتصار على السجّان

زين العابدين فؤاد: أكيد

زاهي وهبي: وهذا الديوان "الحلم في السجن" هو ديوانك الثاني؟

زين العابدين فؤاد: الديوان الثاني نعم

زاهي وهبي: الديوان الثاني. كان الإلهام يدخل وراء القضبان؟ الإلهام الشِعري؟

زين العابدين فؤاد: أكيد، لأنني لم أدخله في قضيّة

زاهي وهبي: مخدّرات أو قتل أو جناية

زين العابدين فؤاد: إنّما دخلته بسبب موقفي، أنت تُكمِل موقفك، وأنا في المرّات القليلة التي صدرت فيها قرارات اتّهام كان نصّ قرار الاتّهام خاصّاً بالشِعر. أي في عام 1977 التي أمضيت فيه 18 شهراً في السجن

زاهي وهبي: سنة ونصف السنة

زين العابدين فؤاد: أجل، تحت التحقيق أو تحت الحبس الاحتياطي وبعد ذلك حوكِمت وأخذت براءة أنا وبقيّة زملائي، أنّما أنا أمضيت 18 شهراً. فهنا، نصّ القرار يقول" دأب على كتابة القصائِد المُناهِضة لنظام الحُكم"

زاهي وهبي: إذاً أصبح هناك تُهمة شِعريّة مثل التُهمة الجنائيّة أو تُهمة الممنوعات

زين العابدين فؤاد: عندما قال لي وكيل النيابة هذا، وكان قبلاً مسؤولاً كبيراً، ثمّ كان في النيابة شاب مُهذّب وظريف اسمه "عبد المجيد محمود " الذي أصبح النائِب العام في ما بعد، فقلت له " أنت تقصد أنّ الستّة ملايين الذين خرجوا إلى الشارِع خرجوا بسببي؟" قال لي: "أجل"، فقمت من مكاني وسلّمت عليه وقلت له ، " شكراً، هذه مُجاملة جميلة جداً وأنا لا أستحقّها، فإن لم يكن عندك شيء آخر اسمح لي أن أذهب"

زاهي وهبي: على كلّ حال كتبت حضرتك الكثير من الهتافات والشعارات السياسيّة ولكنّك لم تستعملها في قصائِدك

زين العابدين فؤاد: هناك قصيدة استخدمتها بشكلٍ تسجيلي، إنما طبعاً نعم. من الهتافات أوّل هتاف

زاهي وهبي: أنا استعملت في المقدِّمة شيئاً من

زين العابدين فؤاد: صحيح

زاهي وهبي: علّي الصوت

زين العابدين فؤاد: صحيح، وهذا هتاف أنا كتبته في عام 1968، فبراير/ شباط 1968 وكنّا نازلين على الشارع لأوّل مرّة أمام زعيم يحبّه الناس، أيام نظام "عبد الناصر" 

زاهي وهبي: من السهل أن تتظاهر أمام زعيم غير محبوب، ولكن أن تتظاهر ضدّ "عبد الناصر"؟

زين العابدين فؤاد: فكان لا بدّ أن تصل وتقول شعاراً يخاطب الناس وليس السلطة، نحن قلنا أنّ العسكر شيء آخر، إنما قلنا للناس: "علّي الصوت، علّي الصوت إلّي ح يهتف مش ح يموت"، وهذا استُخدِم بعد ذلك في حركة " كفاية" في العام 2006 عندما كنّا نُضرَب بشدّة وكان هذا الهتاف يُقال، ثمّ فوجئت باستخدام الشباب له في 25 يناير/ كانون الثاني 2011

زاهي وهبي: هل ممكن أن نسمع شيئاً من شِعرك لو سمحت

زين العابدين فؤاد: أجل، نبدأ بقصيدة "الحلم في السجن" ما رأيك؟

زاهي وهبي: بكلّ سرور

زين العابدين فؤاد: حسناً، بما أنّك ذكرتها فسأقرأها

زاهي وهبي: هذا الديوان أين صَدَر؟ في أيّ

زين العابدين فؤاد: الديوان صدر في "بيروت". توضّب كلّه في سجن "أبو زعبل" وخرج

زاهي وهبي: موضّباً

زين العابدين فؤاد: وأُرسل إلى " بيروت" وجاءتني نسخة عليها ختم مكتبة السجن ودخلت لي في عام 1978.

زاهي وهبي: نعم، كيف تلقّيت وأنت داخل السجن كتاباً من تأليفك، مطبوعاً، أنيقاً، مرتّباً

زين العابدين فؤاد: (يضحك) وأعطوني إياه رسمياً لأنّ من حقّي أن تأتيني كُتُباً. أنا سمعت أنّه صدر لكن لم أره، وطبعاً عندما رأيته كان

زاهي وهبي: فرحة

زين العابدين فؤاد: نعم

زاهي وهبي: تفضّل

زين العابدين فؤاد: الحلم في السجن

في السجن

تدخل الأحلام، في جسم اليوم

للحلم والحقيقة، وشّ واحد

تدخل الأحلام في أغرب الهدوم

تدخل مع السجان،

وفي الدورة

ووقت تفريق الجراية،

ولقطة الصورة

تطلّ حتى من جرادل الزنزانة

من رطوبة الأرض

تطلع من البرج القديم، والحيطة

تدخل مع السكتة،

ومع الزيطة

تطلع مع الصباح، ووقت النوم

في السجن، نحلم،

بالجناب والعرض

يدخل قرايبي اللي ما زرتهمش

يدخل صحابي اللي ماتوا،

واللي ماعرفتهمش

أجيب قضاتي قدامي،

وأحاكمهم

تصبح براءتي وإدانتي،

كفتين قد بعض

الحكم ، ع القضاة

 وع الشهود، وأنا

أنا السجين والقاضي

والسجان

والحكم، لوح مرصود

واسمي في أول سطر، والعنوان

في السجن، تصبح الأصوات بشر

وكل صوت يأخذ له ألف وش

اللهفة، والخطر

الصدق، قد الغش

صوت الترام يدخل مع الأذان

يا هل ترى حاسة بنا الركاب؟

واللا إحنا كنا فرقعة في فنجان

واتكَبّ، لمها التراب

أهالينا جم بالأكل للغدا

"يا هل ترى تعبوا من المناهدة والندا؟"

في السجن تدخل الأصوات، في جسم الحلم

أحلم بأنواع من الطعام، والشراب

أحلم بغيط من  الخس، حباية عنب

أحلم بصفحات من الكتب

أحلم بأني في قعدتي ويّا الصحاب

أحلم بألف بنت، يدخلوا ويخرجوا

و حبيبتي

لسه ما جاتشِ وسطهم

أحلم بأني خرجت قبل ما أتسجن

أحلم بأني باعدّي من الجدران، ومن الزمن

أحلم بطعم الفرحة في غيطان الهموم

أحلم بأني في بيتي في وقت الحموم

وأحلم وتدخل الأحلام

في جسم اليوم

زاهي وهبي: جميل جداً. اسمح لي أن أهديها إلى كلّ مُعتقلي الرأي والتعبير وحريّة التعبير، وخصوصاً إلى المُناضلين والأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي من بعد إذنك

زين العابدين فؤاد: طبعاً، هذا يشرّفني ويسعدني، وأنا أهديها في هذا اليوم لشاعِر مصري سجين هو الشاعر الصديق إبني "أحمد دوما"

زاهي وهبي: نتمنّى له الحريّة ونتمنّى لجميع سجناء الرأي أينما كانوا الحريّة. نتوقّف مع موجَز إخباري ثمّ نُتابع "بيت القصيد" 


التوثيق بالصوت والصورة

المحور الثاني

زاهي وهبي: أُستاذي، سمعنا مقطعاً من قصيدتك "أنا الشعب ماشي" التي غنّاها "الشيخ إمام" وسمعناها الآن بصوت السيّدة "صوفيا صادق". يوجد الكثير من قصائِدك التي غنّاها "الشيخ إمام" تحديداً ويظنّ الناس أنّها للشاعِر "أحمد فؤاد نجم" ، مثل "الفلاحين بيغيّروا الكتّاني بالكاكي" و "تجمّعوا العشّاق"

زين العابدين فؤاد: بالتحديد "تجمّعوا العشاق" كانت عندي كلام إنما بالمناسبة، أُناس كثيرون لا يعرفون أنّ "أنا الشعب ماشي وعارِف طريقي" كتبناها سوياً، "أحمد فؤاد نجم" وأنا

زاهي وهبي: كتبتماها سوياً 

زين العابدين فؤاد: "نجم" بدأ المقطع الأوّل، و"الشيخ إمام" كان عنده تصوّر كامل للحن و"نجم لم يُكملها له. أنا كنت في الجيش حينها، وكنت كلّما أنزل في إجازة يشتكي لي "الشيخ" أن "نجم" لم يُكملها، فمرة قلت لـ "نجم"، " تعرِف، إذا نزلت في الإجازة القادمة ووجدتك لم تُكمِلها

زاهي وهبي: سأُكملها أنا

زين العابدين فؤاد: عندما أتى قلت له، "هيّا نكتبها سوياً" فقال لي "هيا وستكون تجربة". فابتدأت من المقطع الثاني للحقيقة وليس من هذا المقطع، ابتدأت من المقطع الثاني الذي يقول :

أنا الشعب والشمس وردة في كُمّي

ونار النهار خيل بترمح في دمّي

وتقضي ولادي على كلّ عادي

ومين الّلي يقدر يوقف في طريقي؟

أنا الشعب ماشي وعارِف طريقي

زين العابدين فؤاد: فقلت لـ "نجم" "هلّ نُكمل؟" فقال لي "لا، أنت أعطيت للقصيدة طبعك فأكملها أنت"، فأكملتها. حتّى من هنا لم نهتم للحقيقة، وحينها ما كان يهمّنا هو أن يصل الغناء، أن يصل الصوت، أن تصل الرسالة، ولم نهتمّ كثيراً. إنّما هناك مسألة لم يبلغوا "نجم" عنها في المرّة الأولى بتاتاً، وهي أنّه تمّ تهرّيب، من "مصر" إلى "بيروت"، كاسيت فيه غناء لـ "الشيخ إمام"

زاهي وهبي: فطُبِعَت هذه القصائِد

زين العابدين فؤاد: نعم، وافتكروا أنّ كلّ القصائد له  لكن في الكاسيت كان هناك قصائِد لـ "فؤاد قاعود" و"نجيب شهاب الدين" و"محمود الشاذلي" و"محمود الطويل" و"زين العابدين فؤاد"

زاهي وهبي: نعم، وصدرت كلّها في كتاب "قصائِد أحمد فؤاد نجم" وغناء "الشيخ إمام". هلّ صحيح أنّ "الشيخ إمام" كان ذات يوم في الكورس مع السيّدة "أم كلثوم"؟

زين العابدين فؤاد: صحيح، صحيح

زاهي وهبي: هذه معلومة شائعة؟

زين العابدين فؤاد: هو تعرّف على "الشيخ زكريا أحمد"

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: وبقي معه. وفي أغنية من ضمن الكورس يردّ على "أم كلثوم"

زاهي وهبي: أغنية "الأمل"

زين العابدين فؤاد:  تماماً. إنما الذي حصل أنّ "الشيخ إمام" كانت ذاكرته قويّة جداً فكان يسمع اللحن من "الشيخ زكريا أحمد"  ويُسمِّعه لأصحابه أو الناس حوله وهكذا، فهذا وصل طبعاً لـ "الشيخ زكريا" وحصلت مُشكلة وابتعد

زاهي وهبي: ثمّ في ما بعد غنّى قصيدة هجاء للسيدة "أم كلثوم"

زين العابدين فؤاد:  نعم نعم

زاهي وهبي: اسمها " يا كلب الستّ هيّص" 

زين العابدين فؤاد: أجل، نعم، التي كتبها

زاهي وهبي: "أحمد فؤاد نجم". هلّ صحيح أنّ حضرتك أوّل من قدّم "الشيخ إمام" و "أحمد فؤاد نجم" إلى الشارِع، بمعنى أنهم كانوا

زين العابدين فؤاد:  قدّمتهم على أنّهم مجموعة. في عام 1968 فعلاً أنا كنت أوّل من أدخلهم، "الشيخ كان يُغنّي" في بيوت، بيوت مثقفين كثيرين

زاهي وهبي: ولنخبة محدودة ومُحدّدة

زين العابدين فؤاد: نعم، إمّا في بيته أو أن الناس تدعوه عندما بدأت هذه الظاهرة بعد عام 1967. في عام 1968 أنا أخذتهما إلى جامعة "القاهرة" كليّة الآداب، وكان يتواجد فيها حوالى خمسة آلاف شخص. "نجم" للأسف تأخر ولم يأتِ في الموعد المُحدّد بل جاء متأخِّراً قليلاً وكنّا قد بدأنا، وأنا خفت أن أقول لـ "الشيخ إمام" العدد الحقيقي لأنّه من الممكن أن يرتبك

زاهي وهبي: بأن هناك خمسة آلاف شخص وهو مُعتاد على الغناء أمام عشرين شخصاً

زين العابدين فؤاد: صحيح، فأنا دخلت وقدّمته. كنت أجلس إلى جانبه وقدّمته وبدأ يُغنّي. عندما بدأ في الغناء كان هناك صمت، والحضور كان لأول مرّة يسمعه هكذا، وعندما سمعوا أوّل أُغنية ضجّ المكان بتصفيق حاد جداً، وشعر "الشيخ إمام" من التصفيق بعدد الناس

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: فوجّه وجهه ناحيتي بغضب شديد جداً وقال لي "هؤلاء خمسون؟" قلت له، "أنا قلت لك يا مولانا أكثر من خمسين"

زاهي وهبي: (يضحك)

زين العابدين فؤاد: والخمسة آلاف أكثر

زاهي وهبي: أكثر من خمسين. قبل أن أطرح المزيد من الأسئِلة نريد أن نراك في فقرة تحمل عنوان "علامة فارِقة" لو سمحت

علامة فارِقة: إسمي "زين العابدين فؤاد"، عمري 73 سنة ونصف السنة وأنا شاعر. تهمتي دائماً الكتابة. فخور بأنني قابلت "نيلسون مانديلا"، قابلت "تشافيز"، كانت لي علاقة طيّبة جداً بـ "ياسر عرفات"، وهذا كان من غير المُمكن أن يتِمّ  من غير أن يكون المرء شاعراً. عشت شعري بالكلام والحركة والفعل، محبّتي بالناس هي مسألة تُساعدني جداً. اشتغلت مع الأطفال في "بيروت" في عام 1982 أثناء الحصار والغزو الإسرائيلي، وعملت مع الأطفال في "اليمن" وفي "حلب" وفي "دمشق" وفي أماكن متعدّدة لأنّ الأطفال هم المُستقبل. أنا أرى دائماً أن "فلسطين" هي قضيّتي الشخصيّة جداً. غنّيت "بيروت" بطرق مُختلِفة وليس فقط بالكلام، بالمشي فيها، بحفظ كلّ مكان فيها، بحبّي للناس وللأماكِن. وجهك عليه الطين تُمول ونحن بحاجة إلى إزالة هذا الطين من أجل أن نتمكّن من رؤية الوجه الحقيقي لـ "مصر"

زاهي وهبي: مين اللي يِقدر ساعة يحبس "مصر"؟

زين العابدين فؤاد: "الشيخ إمام" ردّ وقال " لا أحد"

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: لا أحد

زاهي وهبي: وجه مصر الحقيقي بالنسبة لك ما هو؟

زين العابدين فؤاد: وجه "مصر" كما أنا قلت في القصيدة التي كتبتها في عام 1964 هو كما أراه في لحظات الحركة ولحظات أنّ الناس تتعامل في كلّ المشاكل مع بعضها البعض، وتخرج من هنا الهبّات المُتكرّرة التي أحياناً تتوقّف لبعض الأحيان. بمعنى، نحن عندنا الثورة العربيّة؛ وقف "عُرابي" زعيم الفلاحين ومعه شاعِر عظيم اسمه "عبد الله نديم" وشاعِر آخر بالفُصحى اسمه "محمود سامي البارودي"، وكان وزير الدفاع ووقفوا أمام "الخديوي" ثمّ حصلت الهزيمة ثمّ الاحتلال البريطاني ومن ثم النفي. وحصلت حالة من الانكسار. تخايل انكسار العُرابيين هذا الذي تفهمه الناس بأنه حالة موت، ما الذي حصل تحت الأرض وأدّى لأنّ تخرُج ثورة التاسع عشر بعد ذلك؟ وليس بعد فترة طويلة، أي فترة ما يبدو على السطح

زاهي وهبي: ليس هو الوجه الحقيقي لـ "مصر"

زين العابدين فؤاد: أكيد

زاهي وهبي: حضرتك، سأعود إلى بعض ما ورد على لسانك في الربورتاج ولكنك، تقول في مجالٍ آخر أنّك تسكُن الشارِع ويسكُنك الشارِع، وحضرتك فعلاً في الميدان منذ عام 1968 و1972 و 1977 وفي حركة "كفاية" وفي "ثورة 25 يناير"، ألم تتعب؟

زين العابدين فؤاد:  لم نتعب، لن نتعب. الحريّة ليست ببلاش. زميلة لك، مع الفارق طبعاً

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: كنت في التلفزيون في "فنزويلا" وأثناء قراءته مقدّمة البرنامج  للورق كان مكتوباً أن اسم أحد دواويني هو "الحلم في السجن" فسألتني وهي منزعجة جداً وقالت لي، " لماذا اخترت هذا العنوان لهذا الديوان؟ " فقلت لها " لأنّ قصائده مكتوبة في السجن" فانزعجت أكثر وقالت لي : "أنت سُجِنت؟" فقلت لها "أجل"، وكان ظاهراً عليها الانزعاج فقلت لها، "اسمعي، لو أنا أردت أن أشرب كوب قهوة أو أنت تريدين أن تشربي فنجان قهوة، تذهبين وتطلبي وتدفعي بعملة معيّنة، لو أنتِ تريدين شيئاً آخر مثل الثياب وكنتِ في بلد ثانٍ تدفعي بعملة أُخرى. لكن إن أنا أردت الحريّة أدفع بعملة مختلِفة تماماً تكون أحايناً الحياة نفسها وقد تكون سنوات من الحياة"

زاهي وهبي: من الحياة داخل السجن أو في المنافي

زين العابدين فؤاد: أو الاستشهاد

زاهي وهبي: نعم، ويدفعون. وهناك الكثير من الأبطال الذين دفعوا حياتهم ثمناً للحريّة

زين العابدين فؤاد: طبعاً

زاهي وهبي: عندما حدثت ثورة 25 يناير/ كانون الثاني كان لي شرف محاورتك حينها وحضرتك كنت في الميدان

زين العابدين فؤاد:  صحيح

زاهي وهبي: وبكاميرتك الفوتوغرافيّة التي لا تستغني عنها وثّقت بالصورة 25 يناير، وقلت جملة شهيرة ولك جملة مُشابهة لها أثناء اجتياح "بيروت". قلت: "من هو المجنون الذي يجد ثورة ويكمل طريقه؟" هلّ كانت نتائِج الثورة بمستوى أحلامك وطموحاتك؟

زين العابدين فؤاد: في النتائِج هناك نتيجة هامّة جداً

زاهي وهبي: نعم، وهي؟

زين العابدين فؤاد: وهي كسر حاجز الخوف، الناس اليوم كلّها في "مصر" تتكلّم في السياسة

زاهي وهبي: صحيح، ونحن نُتابع على وسائِل التواصل الاجتماعي الآراء والتعليقات والكتابات

زين العابدين فؤاد: فهذه مسألة أساسيّة، والناس هي التي أسقطت “الإخوان" وليس أيّ أحد آخر. نزل الناس من أوّل يوم أعلن فيه "مرسي" إعلان العمل الدستوري، ونحن طوال تاريخنا عندنا شهيدان للدستور،  "عبد الحكم الجرّاحي" و"عبد المجيد مُرسي". في فترة "محمد مرسي" فقط عندنا عشرة شهداء للدستور أشهرهم الصديق الصحافي "الحسيني أبو ضيف" والباقون، عشرة

زاهي وهبي: "عبد الحكم الجرّاحي" الذي كتبت له حضرتك إحدى قصائِدك الشهيرة

زين العابدين فؤاد: صحيح

زاهي وهبي: إذاً، أهمّ نتيجة هي كسر حاجز الخوف

زين العابدين فؤاد: وبأنّ الناس شعروا بأنّ هذا وطنهم وبأنّهم لن يتركوه لأحد وفي أنّهم سيدافعون عنه. قد تتواجد أسباب اليوم تحدّ من الحركة

زاهي وهبي: نتائِج الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة ونسبة التصويت المنخفضة كيف تنظر إليها؟

زين العابدين فؤاد: أنا أقول لك ما هو موجود عن لساني في الصحف

زاهي وهبي: أسوأ برلمان

زين العابدين فؤاد: أنا قلت هذا لكنني قلت أيضاً أننا في طريقنا لأن نؤسس لبرلمان الصوت الواحد وهو الانتقال الديمقراطي إلى الفاشيّة

زاهي وهبي: أنت تشعُر أنّ "مصر" في طريق الانتقال الديمقراطي إلى الفاشيّة؟ نعم، الديمقراطي بين مزدوجين، طبعاً، نعم

زين العابدين فؤاد:  لماذا قلت هذا؟ لماذا أقول هذا؟  أقول هذا لأن هناك إعلاماً غريباً جداً يضيق بالصوت الآخر ويدفعه النظام دفعاً. اليوم تخايل 

زاهي وهبي: ولكن المصريين نزلوا بالملايين في 30 يوليو/ تموز وفوّضوا الجيش وفوّضوا الرئيس "السيسي" بتولّي زمام الأُمور

زين العابدين فؤاد: لا، فوّضوه في مواجهة الإرهاب وهذا ليس تفويضاً في كلّ الأُمور. لا يوجد حاكِم يُفوّض في كلّ الأمور إنما كان هناك مُهمّة محددة

زاهي وهبي: ثمّ عادوا وانتخبوه

زين العابدين فؤاد: وانتخبوه وله شعبيّة كبيرة جداً وهذا ليس الموضوع. الموضوع أن اليوم هناك أصوات تُطالِب حتّى بتغيير الدستور لمنح صلاحيات أكبر لرئيس الجمهوريّة، هذا الدستور الذي تعبنا من أجل إنجازه

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: وسائِل إعلام تضيق بالآخر وهناك كلام بأنّ ثورة 25 يناير هي مؤامرة، أما الثورة الحقيقيّة فهي 30 يونيو/ حزيران، وهذا غير صحيح لأنّه من غير ثورة 25 يناير

زاهي وهبي: لم تكن 30

زين العابدين فؤاد: لكان يحكمنا الآن شخص ما يُدعى "مُبارك"، إمّا "حسني" أو "جمال"

زاهي وهبي: إذاً، يمكننا القول أنّ حضرتك تشعُر بالرضى على نتائِج ثورة 25 يناير رغم الإخفاقات، رغم العثرات، رغم السلبيات

زين العابدين فؤاد: صحيح

زاهي وهبي: سأُتابِع مع حضرتك أُستاذي ولكن اسمح لنا أن نتوقّف مع استراحة سريعة ثمّ نُعاود "بيت القصيد" 


تجربة بيروت

المحور الثالث

زاهي وهبي: إذاً أُستاذي، استمعنا للمطربة "أمل المثلوثي " تُغنّي قصيدتك "الفلاحين" التي غنّاها أيضاً ولحّنها "الشيخ إمام". البعض يُلقّبك بشاعِر الفلاحين

زين العابدين فؤاد: أنا أوصف بأنني كتبت قصيدة "الفلاحين" فأنا إذاً

زاهي وهبي: شاعر الفلاحين

زين العابدين فؤاد: شاعر الفلاحين ويقصِدون هذه القصيدة

زاهي وهبي: "الفن ميدان"، أطلقت هذه التجربة ابتداءً من 25 يناير أو انطلاقاً من 25 يناير

زين العابدين فؤاد: صحيح

زاهي وهبي: ما هو "الفن ميدان"؟

زين العابدين فؤاد:  25 يناير شهدَ كمّاً من الإبداع غير مسبوق. شهد إبداعاً في التنظيم وفي الحضور وفي النوم وفي حلّ مشاكل الكهرباء والصرف الصحّي، وشهد أيضاً رسم

زاهي وهبي: وشِعر

زين العابدين فؤاد: وشِعر، وأصوات جديدة بانت، ابننا الجميل "رامي عصام" غنّى في "الميدان" ولم يكن أحد يعرِفه

زاهي وهبي: "محمد مُحسن" مثلاً

زين العابدين فؤاد: "محمد مُحسِن"، هذا الصوت الأجمل في "مصر"، مستقبل الغناء الرجالي في "مصر" هو "محمد محسن" وغيره وغيره وغيره. "حازِم شاهين" طلع معي ووقفنا وعرضنا ذلك قبلاً

زاهي وهبي: "إسكندريلا"، فرقة "إسكندريلا"

زين العابدين فؤاد: "حازم شاهين" طلع ليُغنّي، الفِرَق، "نجم" قرأ الشِعر وأنا قرأت الشِعر، أنا تكلّمت في التاريخ، التماثيل التي أُنجِزَت، الرسوم، عدد كبير من الفنانين مثل "محمد عبلا" و "عزّ الدين نجيب" و "أحمد عزّ العرب" وغيرهم كانوا يهربّون إلى الميدان ألواناً أثناء دخولهم يهرّبوها ويعطوها للناس لكي يرسموا

زاهي وهبي: حلو، حلو. أنا أسميته "ميدان التعبير"، أي "ميدان التحرير" تحوّل إلى "ميدان تعبير" بالهتاف والرسم والغناء

زين العابدين فؤاد: إذاً، أشكال من الفنون المُختلِفة. أُناس أتت لتمثِّل، عندنا ممثلون كانوا يؤدّون مشاهِد وكان هناك كوميديا مبتدئة كثيرة

زاهي وهبي: ما هي التجربة؟

زين العابدين فؤاد:  أن ينزل الناس إلى الميدان لكي يُبدِعوا، ويُعبِّروا، ويستمتعوا من دون أن يكونوا مدعوّين من قِبَل حاكِم يحشدهم 

زاهي وهبي: صحيح، ولا سُلطة تسيّرهم كيفما تشاء . اسمح لي أن نستمِع إلى رأي بحضرة جنابك ضمن فقرة "كلام يوصل" من وزير الثقافة المصري الأسبق الأُستاذ "عماد أبو غازي" نسمعه سوياً لو سمحت

زين العابدين فؤاد:  هذا يُسعدني، يسعدني جداً

كلام يوصل:

عماد أبو غازي: أنا عرِفت الشاعر والصديق العزيز "زين العابدين فؤاد" سنة 1972، وهو لم يعرفني إلاّ بعد ذلك بسنوات لكن أنا عرِفته في سنة 1972 عندما دخلت الجامعة في وقت الحركة الطلاّبيّة التي كانت في قمّة توهّجها، وكان "زين" شاعِراً من شُعراء جيل أكبر منّا بسنوات قليلة، وكان أحد ألمع شعراء هذا الجيل, أوّل مرّة عرفني هو فيها كانت في سنة 1980 في صيف 1980 عندما خرجنا من حبسة الحبسات التي كان يتم إلقاء القبض فيها على مجموعات من اليسار المصري. كان هو والصديق "أحمد سيّد حسن" الذي كان زميلي ويسبقني بدفعتين في قسم التاريخ – كليّة الآداب، وكانوا آتين ليستقبلوننا أثناء خروجنا من السجن، ومن يومها عرفت "زين العابدين فؤاد" واستمرّت علاقتنا منذ سنة 1980 لغاية اليوم، وفي كلّ يوم كانت تتوطّد أكثر. بدايات سنة 1981 مع مجموعة من الأصدقاء وأصدرنا ما كناّ نسميه حينها "نشرات غير دوريّة"، مجلاّت فقط من أجل أن نتحايل على قانون الصحافة حينها، وكنّا نسميها "نشرة غير دورية" كما "بيرم التونسي" أسمى مجلّة "المسلّة" "لا هي جريدة ولا مجلّة" حتّى لا تحتاج إلى ترخيص. كنّا نُصدِر مجلاّتنا ونقول عنها كتاباً غير دوري أو نشرة غير دوريّة، وأصدَرت مع مجموعة من الأصدقاء مجلّة باسم "موقف"، وكان "زين العابدين فؤاد" عضواً في مجلِس تحرير هذه المجلّة، وفي أوّل عدد منها نشرنا له مرثيّته للمناضل الراحل الذي كان استشهد قبلها بفترة قليلة، المُحامي "زكي مراد". "زين" أنت شاعِر ومُثقّف ومُناضِل من جيلٍ فتَح صفحة من صفحات التغيير في تاريخ "مصر"، يا ترى أنت تجد ما هو الفرق بين جيلك، جيل حركة الشباب في عام 1968 وجيل شباب ثورة 25 يناير 2011؟

زاهي وهبي: يُكمل الأُستاذ "عماد أبو غازي" في الذي قاله وما كنّا نتحدّث عنه

زين العابدين فؤاد: أجل صحيح

زاهي وهبي: حول الأجيال والشباب ولكن، هلّ هناك فارِق بين الجيلين؟

زين العابدين فؤاد: فارِق لظروف طبيعيّة جداً. مثلاً، على أيامنا لم يكن هناك كلّ وسائِل التواصل الجديدة على الإطلاق. كنّا عندما تُعجِبنا قصيدة نكتبها بخطّ يدنا ونضعها على مجلاّت الحائِط. لم يكن هناك حتّى وسيلة التصوير، أي لم يكن هناك مكان تصوير، فكان مجهودنا في القراءة وفي الكتابة مُختلِفاً، وكان لا بدّ أن نشتغِل مع بعضنا البعض لفترات طويلة جداً، وطلعت فجأة حركة               1968 لكن حركة 1972 لا. حركة 1972 كانت تراكم عمل طويل وفي أربع سنوات عرِفنا بعضنا جيداً

زاهي وهبي: لكن انطلاقاً مما قاله الأُستاذ "غازي"، هلّ تشعُر أنّ العواصِم والمُدن العربيّة في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي كانت أفضل حالاً مما هي عليه اليوم في عام 2015؟

زين العابدين فؤاد: أكيد

زاهي وهبي: وفي الألفيّة الثالثة؟

زين العابدين فؤاد: أكيد الصوت العربي أو الصوت القومي كان أقوى

زاهي وهبي: بمعنى تقدّمنا إلى الوراء؟

زين العابدين فؤاد:  تقهقرنا (يضحك) كثيراً

زاهي وهبي: (يضحك) تقدّمنا في السنّ فقط

زين العابدين فؤاد: تقهقرنا كثيراً في بعض الأمور وتقدّمنا أيضاً في أمور أُخرى

زاهي وهبي: الحقيقة أيضاً، علينا أن نشكُر السجن المصري، نشكره بين مزدوجين. انطلاقاً مما قاله الأُستاذ "عماد أبو غازي" في أنّ هذا السجن خرّج قامات إبداعيّة كبيرة

زين العابدين فؤاد: هلّ تسمح لي أن أقول شيئاً على الرغم من أنني لا أحبّ أن أقوله

زاهي وهبي: تفضّل

زين العابدين فؤاد:  أنا لا أتحدّث عن نفسي لكنني سأقول تجربة مؤلِمة قليلاً وشخصيّة إنما تُظهِر ما أريد قوله. في عام 1979اعتُقِلت لأنّ "السادات" كان ذاهباً ليوقّع اتفاقيّة "كامب دافيد"، وباختصار، زوجتي الأُولى الفلسطينيّة الكاتبة " باسمة حلاوة" سافرت إلى أميركا لإجراء عمليّة جراحيّة في نفس اليوم الذي ذهب "السادات" للتوقيع

زاهي وهبي: واعتُقِلت وتوفّت هناك

زين العابدين فؤاد: وأنا في السجن. أنا وصلني الخبر. نحن كنا في سجن "القلعة" قمنا بإضراب عن الطعام لكي ننتقل إلى سجن عادي فانتقلنا إلى سجن "طرة" وكان معي أُناس جدد، وكنت أقوم بثلاث محاضرات لزملائِنا الجدد

زاهي وهبي: في السحن

زين العابدين فؤاد: ثلاث مُحاضرات في أوّل يوم وهذا من اللازم، مثلاً هذا الزميل سيذهب إلى التحقيق في النيابة فكنت أُحاضر عن ماذا يجب أن يقول وما ألا يقول، وبعد ذلك سيذهب إلى المحكمة وكيف سيكون تعامله في المحكمة

زاهي وهبي: صاحب خبرة تدرّبهم

زين العابدين فؤاد: أجل، وكان معي أُناس جدد كثيراً، والمحاضرة الثالثة عن حقّك تجاه أمن الدولة. فهذه ثلاثة أشياء كنّا نجريها في اليوم الأول على المفروض. حين كنّا في "القلعة" كنّا انفرادي ولا نرى بعضنا البعض وكانت المرّة الأولى التي نجتمع فيها. عند بدايات تجمّعنا وكنت لم أقم بهذا بعد، زارني المحامي صديقي المرحوم "عبد الله الزغبي" وبلّغني باختصار خبر وفاتها

زاهي وهبي: خبر وفاة زوجتك

زين العابدين فؤاد: إبلاغي خبر الوفاة حضره صديقي "أحمد السيد حسن" لأنّ المُحامي لم يتمكّن من تبليغي مُباشرةً فطلب أن يأتي أحد آخر فقال هو لـ "أحمد" و"أحمد" قال لي "البقيّة في حياتك" وركض ورجع لـلعنبر، فالعنبر كلّه عرِف

زاهي وهبي: أنّ زوجتك توفّت

زين العابدين فؤاد: والقدامى في السجن يعرفونها والآخرون يعرفونها بالاسم، فأنا رجعت بعد أن أنهيت الإجراءات مع المُحامي والتي منها، "سنرسل الجثمان إلى أين" وكلّ هذا مع المُحامي ودخلت إلى العنبر فوجدت العنبر في حالة من الحُزن الشديد وأنا طبعاً لم أكن أقلّ حزناً إنّما أنا قلت لهم "نحن عندنا مُحاضرات يجب القيام بها " فقالوا "لا نريد أن نسمع" فقلت لهم "من اللازم أن تسمعوا" وجلست وأحضرنا بطّانيّة وقمت بالمحاضرات

زاهي وهبي: رغم حزنك على زوجتك

زين العابدين فؤاد: وكنت وأنا أتكلم أبكي إنّما كنت أتكلّم

زاهي وهبي: سُمِح لك أن تُشارِك في تشييع زوجتك؟

زين العابدين فؤاد: على الإطلاق

زاهي وهبي: مؤخراً، في أُمسية لحضرتك في معرض الكتاب في "القاهرة" أهديت كلّ قصائِدك إلى الشهيدة الشاعِرة "شيماء صبّاغ"

زين العابدين فؤاد: صحيح

زاهي وهبي: لماذا؟

زين العابدين فؤاد: شيماء شاركتني، ونحن قمنا مثلاً في "الميدان" قمنا بظاهرة في "مصر" وما زلنا نقوم بها منذ خمس سنوات في الأُسبوع الأخير من سبتمبر / آب  وهي ظاهرة اسمها "مئة ألف شاعِر من أجل التغيير" وهي شاركتنا بها وأنا أعرفها وأعرف نشاطها. "كلّ الذي قامت به "شيماء" أنها في يوم 24 يناير/ كانون الثاني نزلت إلى الميدان تحمل وردة، وبما أنّك تحدّثت عن الشعارات فأنا كتبت أشعاراً موجودة الآن على جدران بيتها في "الإسكندرية"

زاهي وهبي: وهو

زين العابدين فؤاد

إلّي يخاف من شمسنا يسجل معاها النهار

والّي يخاف من وردنا يُطلق علينا النار

زاهي وهبي: لكن هذا شعر

زين العابدين فؤاد:  طبعاً أجل

زاهي وهبي: وليس شعاراً فقط

زين العابدين فؤاد: أيوه

زاهي وهبي: شعرٌ خالِص. هلّ من الممكن أن نسمع شعراً ونهديه لذكرى زوجتك، لم يُسمح لك بالمُشاركة لتشييعها، نهديه لذكرى زوجتك، لذكرى "شيماء"، لشهداء الثورة المصريّة

زين العابدين فؤاد: أنا كنت أرغب أيضاً، وأنا تكلّمت عن "أحمد دوما"، ولي صديق ابن شاعِر خرج من السجن أيضاً منذ عدّة أيام            

زاهي وهبي: الحمد لله على سلامته

زين العابدين فؤاد: واسمه "عمر حاذق"

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: "عُمر حاذق" شاعِر من " الإسكندريّة" دعاني إلى أن اُشارِك في وقفة أقامتها مجموعة من مكتبة "الإسكندريّة" ضدّ الإفساد الفكري والثقافي الذي تُمارسه إدارة المكتبة، وكنت أنا الوحيد الذي ذهب وقرأت شِعري وجالستهم  فأُفاجأ بأنه هو وقف أمام المحكمة في يوم النظر في قضيّة "خالِد سعيد" وكانت المُحاميّة هي "ماهينور المصري"

زاهي وهبي: نعم، المسجونة

زين العابدين فؤاد: المسجونة، فقُبِض عليهم أثناء وقوفهم على باب المحكمة وهو نال ثلاث سنوات سجناً أمضى منها سنتين وأكثر وبالمناسبة خرج في العفو الأخير، و"ماهينور" لم تخرج. عندنا في الشِعر إمّا يستشهِد الشاعر أو يُسجَن أو يتشرد

زاهي وهبي: حسناً، هلّ نسمع؟

زين العابدين فؤاد: نسمع. المقطع الذي في، آخر مقطع، أنا شفت في المَشاهِد أثناء قراءتي في الشارِع، في هذه القراءة في الشارع كان يقف مقابلي ويسمعني الشهيد "عماد عِفّت"، الشيخ "عماد عفّت"، شيخنا الجليل الذي قُتِلَ في اعتصام مجلِس الوزراء. سأقول هذا المقطع عن الشهداء، المكتوب في عام 1964 وليس الجديد، وبعد ذلك من الممكن أن نقول شعراً جديداً

رجع الموكب شايل همه

شايل لحمه

شهدا ماشيين، في جنايز بعض

شهدا من فوق الاكتاف

شايلينهم شهدا فوق الارض

يابلدنا، يابطن كبيره

كبيره وبتخلّف

ترجف، تنزف

تزرع شهدا

تحصد شهدا

من قبل عرابي ، مات شهدا

من بعد عرابي، مات شهدا

وفـ كل طاعون وطاعون

و فـ كل دراع بيخون

بيموت شهدا

علشان يضحك في الظلمه ،

قمر

زاهي وهبي: إن شاء الله الضحكة تعود إلى وجوه الناس، كلّ الناس في هذا الوطن العربي الكبير وفي مصر التي نحبّ والتي في خاطرنا دائِماً  لحظات سريعة ثمّ نُتابِع "بيت القصيد" 


زين العابدين فؤاد وجمال الغيطاني

المحور الرابع

زين العابدين فؤاد: الشهدا بيشربوا الشاي (يعرض فيلم قصير تصويري)

الشهدا بيخشوا البيوت

بيرتاحوا من السفر

ويدخلوا في الصور

ويناموا في البرواز

وساعات بيمنعهم

تراب ع القزاز

أو دموع في العيون

تتمد صوابعهم

على الرموش ، والجفون

 تقطف حبوب المطر

وساعات

يشاركوكم ، في شفطة شاي

أو في حلم السكوت

زاهي وهبي: يتميّز شعرك أسُتاذي بأنّه مشهدي، أي الذي يسمع القصيدة حتّى ولو كان لا يرى صُوَراً يرسُم صُوَراً في ذهنه

زين العابدين فؤاد: صحيح، بالنسبة للشعر

زاهي وهبي: وعلاقتك بالصورة حضرتك أيضاً، هذه الكاميرا ليتك تحملها وترينا إياها، لا تُفارِق يدك أبداً

زين العابدين فؤاد: منذ 25 يناير. اسمح لي أن أقول شيئاً صغيراً عن الفيلم

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: أُنجِزَ الفيلم بواسطة اثنين من الفنانين الذين اشتغلوه وهما منفصلان تماماً. الفيلم عندما اشتُغِل عليه أنجزه الفنان "باسم الشهاوي" الذي صمم لي هذا الغلاف( يعرض غلاف كتاب) وهذا الغلاف أيضاً (يعرض غلاف كتاب آخر)

زاهي وهبي: "مين يقدر يحبس مصر؟" و

زين العابدين فؤاد: و " قهوة الصبحيّة " 

زاهي وهبي: "قهوة الصبحيّة"

زين العابدين فؤاد: و"باسم" هذا إبني تأثّر جداً بالقصيدة وأنجزها في فيلم من غير كلام بتاتاً، الذي أنت رأيته الآن، وأسماه "مكمّلين". صديقي الفنان "محمد جمال" في "كندا" شاف الفيلم فأخذه وركّب عليه صوتي أثناء إلقائي القصيدة. "محمد جمال" فنّان مصري يعيش في "كندا" وهو أُستاذ في كليّة الطب لكنّه متفرِّغ للفنّ وهكذا. فتخايل كيف أنّ الصورة أثَّرَت في أن يُنجِز فيلماً لا يحتاج حتّى أن يقول فيه كلام

زاهي وهبي: ونحن اليوم في زمن الصورة كما يُقال. على كلّ حال، المُخرِجة والشاعِرة "مهى شهبا" ستقول رأياً بحضرة جنابك ولها رأيها في هذا المِضمار. في مضمار الصورة لديها سؤال، نستمع إليها

زين العابدين فؤاد: نعم تفضّل

كلام يوصل:

مهى شهبا: دعني أبدأ من، أيمتى عرِفته أو أيمتى قابلته، وللأسف أنا قابلته متأخرة جداً، منذ وقتٍ قريب نسبياً في عمري وعُمره، قابلته سنة 2010. كنت أُنجز فيلماً عن المُفكِر الراحل المصري " نصري حمد أبو زيد" وعرفت أنّه صديق له وبالتالي كنت سأُسجِل معه لهذا الفيلم، وفوراً بدأت علاقة من نوعٍ خاصّ ورائِع بيني وبينه، وبينه وبين زوجي الذي كان شريكي في الفيلم الذي كنّا ننجزه عن "نصري حمد أبو زيد"، وفوراً قررت أنا وزوجي أن نُنجِز فيلماً بعد هذا عن "زين العابدين فؤاد". قرّرت فوراً أن موضوع فيلمي القادم" زين العابدين فؤاد" و "ثورتنا المُجهَضة" أو "أحلامنا المهدورة" أو سمّها ما شِئت وهي مسألة تُزعِل قليلاً فاختار لها العنوان المُناسِب الممكن أن يكون حزيناً حبّتين. الذي يُقلّل من الحُزن دائماً والذي يجعل المرء يتغلّب على كلّ مشاعِر الحسرة على الذي أُهدِرَ من أحلام وإلى آخره هو شخص مثل "زين العابدين فؤاد" الذي أبداً لا تجده مُحبَطاً ولا يائساً. يا "عمّو" أنت مرّ عليك عاما 1968 و 1972، مرتّ عليك أشياء كثيرة جداً وشيء واحد منها فقط يكفي لإصابتك بالإحباط! كيف أنت والحقيقة وربّما أصدقاؤك وجيلك، كيف لم تيأسوا وكيف دخلتم على 25 يناير بهذا التفاؤل؟ وكيف عندما ضاعت أو كادت أن تضيع كنتم لا تزالون متفائلين وعندكم أمل وتقوم بـ "فنّ الميدان" وتُكلِم الناس في الشارِع وتُكلِم الشباب في المقاهي؟ أحد الأسباب أنّ هذا الجيل يمكن أن يُكمِل حياته من غير انتحار معنوي هو "زين العابدين فؤاد" وشعره وغيره. ارتبط "زين العابدين فؤاد" وشِعره عندي بالثورة، أو بأنقى وأروع ما في ثورة 25 يناير، ودعوني أُسميها ثورة ولا أحد يزعل منّي. يُمكننا أن نتصوّر قليلاً على الأقل ما هو شعر "زين العابدين فؤاد" عندما نتذكّر أنّه في 25 يناير2011 كان "ميدان التحرير" يُردّد قصائده التي قيلت في سنوات الستّينات والتي قالها أيام ثورة الطلبة في عام 1968 و 1972 والتي شارك فيهما بمنتهى الفعالية بشخصه وبشِعره. التقيت بالشاعِر "زين العابدين فؤاد" في الواقع لكن أيضاً التقيت به فكرياً وإنسانياً على أرضيّة القضيّة الفلسطينيّة التي هو يتبنّاها منذ زمنٍ بعيد والتي أنا أهتمّ بها كالكثير من العرب والمصريين. عندي سؤال أو أكثر لعمّو "زين". صوّرت آلاف الصُوَر في ثورة 25 يناير، ما هو مصير هذه الصُوَر؟ ستبقى هكذا توثيقاً لأيامٍ مضت وذكريات؟ أم في يوم من الأيام ستتحوّل إلى قصائِد وديوان جديد؟

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذة "مهى شهبا" على شهادتها الدافِئة جداً. ردّاً على سؤالها لو سمحت

زين العابدين فؤاد: أنا كما هي قالـت لا يوجد عندي غير وظيفة واحدة في حياتي

زاهي وهبي: وهي؟

زين العابدين فؤاد: أنا مُتفائل مُحترِف

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: لا يوجد عندي وظيفة أُخرى

زاهي وهبي: من أين تستمِدّ هذا التفاؤل؟

زين العابدين فؤاد: بالضبط. كما أي حرفي يجب أن أبحث عن أدوات، أدواتي هي الناس. عندما أنزل، نحن مثلاً كنّا في سيرة "خالد سعيد". لو أُم "خالد سعيد" بعد استشهاده جلست تبكي في البيت، وهذا حقّها، إنما الذي حصل أنّها نظمت الشِعر، أو أبو الشهيد "مُهاب" نظم الشِعر. أبو الشهيد "مُهاب" كان في الشارع وصديقي فالذي أنت تراه وأنا رأيته هو تغيُّر حقيقي في سلوك المرأة المصريّة في الشارِع. شفت النساء 

زاهي وهبي: نعم، تغيُّر إيجابي؟

زين العابدين فؤاد: جداً. شفت النساء وهنّ يقدن الثورة في أيامها الأولى، كن هنّ اللواتي يقِدنَ، هنّ اللواتي ينظّمن وهنّ اللواتي يُعلِّمن وأنا شفت هذا، فأنا أستمِدّ هذا من الناس، عندما أرى أحدهم مكسّراً. هناك أحدهم من جيلي وهو ممثل ومُخرِج اسمه "خالد حمزة" وهناك أُناسٌ كُثر لا يعرفونه حضر يوم صعدنا أنا و"حازم" على المنصّة، وأنا أحضرت له شيئاً ليجلس عليه لأنّه كان تعباناً وآتٍ من بيت مسنّين فجلبت له شيئاً ليجلِس عليه وانتهينا وكانت الساعة حوالى الثانية فقلت له، هناك مكان قريب من "ميدان التحرير" سآخذك إليه لتنام فيه، فقال لي " لا، أنا سأجلس هنا". فقلت له، "لكن الجوّ بارد وأنا  سأُجالسك وسأُحضرك صباحاً". قال لي، "ما هو أسوأ سيناريو؟ أنني سأموت؟ سأموت وأنا سعيد يا أخي"، فشحذت له بطانيّات ولففته بها لحد الصباح. هذا الإصرار الذي أراه في الناس هو هذا

زاهي وهبي: يعطيك الأمل

زين العابدين فؤاد: طبعاً، التغيّرات وأنا كنت أريد أن أتكلّم عن المرأة حتّى ولو بسرعة

زاهي وهبي: نعم

زين العابدين فؤاد: المرأة التي حينما تنزل، نموذجاً مثلاً "ميرفت موسى" وسأقول لماذا "ميرفت موسى". "ميرفت موسى" بنت من البنات وهي امرأة وأُم، عندها بنت في الجامعة وهي موجودة في كلّ مكان، أنا أتصوّرها من جديد في كلّ مكان، وبعد ذلك تنزل ويأتوا "الإخوان" ليضربوها حتّى أمام منزلي في "المقطّم" و"جوسلين"

زاهي وهبي: زوجتك

زين العابدين فؤاد: أيوه، تراها وهي تُضرَب فتحدّثني على الهاتف وتقول لي ضربوا "ميرفت" أمام البيت وكان معها "أحمد دوما"، وتنزل إلى "مصر" لتنتفِض في يوم الجمعة التالي في انتفاضة "جمعة يوم الأمل" أو ردّ الكرامة وردّ الاعتبار ليُهاجموا كلّ المواقِع

زاهي وهبي: نعم. هلّ ستُحوِّل هذه الصُوَر كما سألتك "مهى" ، هلّ ستبقى صوراً للتوثيق أو من الممكن أن تُصبِح صوراً شعريّة أيضاً؟

زين العابدين فؤاد: أنا أطمح في أن تُصبِح صوراً شعريّة بأقلام شُعراء آخرين

نعم، لكن أريد أن أتحدّث قليلاً عن تجربة "بيروت"، لا يزال عندي خمس دقائِق. في عام 1982 حضرتك كنت في "بيروت"

زين العابدين فؤاد: صحيح

زاهي وهبي: وعلى وشك أن تُغادِر، أن تُسافِر وحصل الاجتياح الإسرائيلي على "لبنان"

زين العابدين فؤاد: الذي أوقفني هو الغارة الأولى في اليوم الرابع

زاهي وهبي: الغارة التي كانت على "المدينة الرياضيّة

زين العابدين فؤاد: أنا شعرت بأن هذه ليست مُجرّد غارة كما كانت الغارة على "الفاكهاني"، هذه بداية الحرب

زاهي وهبي: فقلت جملتك الشهيرة

زين العابدين فؤاد: "مين المجنون إلّي يلاقي حرب ويمشي"

 زاهي وهبي: "من المجنون الذي يُلاقي حرباً ويمشي"، وبقيت مع الفدائيين وكتبت الشِعر

زين العابدين فؤاد: صحيح

زاهي وهبي: والمرحوم "عدلي فخري" غنّى

زين العابدين فؤاد: غنّى الكثير

زاهي وهبي: وكنتما تجولان على المواقع

زين العابدين فؤاد: صحيح

زاهي وهبي: "من هو المجنون الذي يجد حرباً ويمكُث؟ (يضحك)

زين العابدين فؤاد: (يضحك) أكيد شخص مثل "عدلي فخري" وهناك الكثير في الحقيقة. أنا أريد أن أقول شيئاً عن أحدهم كان على العكس، مجنون أكثر منّا؛ "معين بسيسو". الشاعر "مُعين بسيسو" الذي كان في الخارج  وعاد. وأنا قلت لـ "معين" ، وهو لا يعرِف كلمة بالفرنسيّة، وهو الذي دخل "جونية" بجواز سفر مزوّر دبلوماسي تونسي ووقف عند هذا. قلت له "يا معين لو كانوا قالوا لك جملة بالفرنسيّة

زاهي وهبي: ما الذي يبقى في ذاكرتك، في وعيك، في وجدانك من تجربة "بيروت"؟ وأنت كتبت ديواناً اسمه "أغاني من بيروت"

زين العابدين فؤاد: سيبقى الكثير، ستبقى إمكانيّة المقاومة. إمكانيّة أن يتوحّد الناس ويكون هناك مُقاومة. المقاومة هنا في "لبنان" لم تكن مقاومة الفلسطيني بل المقاوم كان لبنانياً. كانت مُقاومة الشعب اللبناني كلّه التي هزمت العدوان وإلاّ لكان الفلسطينيون استسلموا وانتهت القصّة

زاهي وهبي:  صحيح ، صحيح

زين العابدين فؤاد: وهذا ما لم يحدث. لو جاز أن أقول قصيدة عن آخر أُغنية كتبتها قبل مُغادرة "بيروت"

زاهي وهبي: نختُم فيها هذا اللقاء، لكن قبل أن تقول القصيدة، الفلسطيني اليوم، شباب "فلسطين" الذي يقاتل المُحتلّ بالسكّين والحجر والأيدي العارية، وانطلاقاً من الذي قلته حضرتك في الربورتاج، إلى أيّ حدّ أنت مسكون بـ "فلسطين"؟

زين العابدين فؤاد: حسناً، أنا سأرُد بمقطعي شِعر

زاهي وهبي: تفضّل

زين العابدين فؤاد:  إلى شهيد فلسطيني قُتِل ولا أعرف ما هو اسمه

بتسيل دماك فوق التراب بخنجر  

من كلّ نقطة يتوِلِد مئة خنجر

ولكلّ خنجر ألفِ إيد توصل له

الرقص يِحمى، المخبرين تتحجّر

 نام العدو ليلته في بيتك، في بيتي

وسرق فطارك، نهارك، سريرك وزيتي

نام العدو في اللِد، في عمّان، في غزّة

في عيون جميع المُخبرين،

في الكذب، في الجرانيل

نام العدو جنبك ولفّ وقتلك

والكفّ لمّا اتمدّ ياخُد بِطارَك  

يِضرب بسيفك فين؟ ومين إلّي خانك؟

هو العدو بسّ إلّي لفّ وقتلك؟

ولاّ العدو هو إلّي سابك تموت؟

هو العدو بسّ إلّي لفّ وقتلك؟

ولاّ إلّي سرقك بالبارود والسكوت؟

هو العدو بسّ إلّي لفّ وقتلك؟

ولاّ العدو كلّ إلّي يِقدر يخون؟

هو العدو بسّ إلّي لفّ وقتلك؟

ولاّ إلّي قبل الموت بنا لنا السجون؟

هو العدو بسّ إلّي لفّ وقتلك؟

زين العابدين فؤاد: هذا هو المقطع

زاهي وهبي: الثانية لو سمحت لي من "بيروت"

زين العابدين فؤاد: عن "بيروت"، "صوت المِسا"

زاهي وهبي: التي كُتِبَت أثناء حصار "بيروت"

زين العابدين فؤاد: أثناء الحصار وللأسف "عدلي" لم يغنّها لأنّه بعدها بقليل حصلت مجزرة "صبرا وشاتيلا" فلم يُكتًب هذا اللحن. من أغاني "بيروت" "صوت المسا" 

صوت المسا داخل خطوة ورا الثانية

و عيون بتتقابل في حلم حرية

صوت المسا ، يجينا

ورفاقه ، في الخندق

بيلونوا المينا والبحر، بالأزرق

يا بيوت بتفتح ع العروق والنبض

من الأرض طعم الناس

من لعشق  طعم الأرض

بيروت شجر عالي

بيميل ويحضن بعض

وبيرسم المينا

مركب وطير ابيض

نص الشوارع ورد، نص الشوارع نار

وعيون في عمر المهد بتفرّق الأمطار

يا بيوت بتفتح ع العروق والناس

يا حمامه ناسيه عشها، في متراس

يا حرب يا جايه، يا مجمعه الحراس

يا حلم حريه ماشي ورافع الراس

زاهي وهبي: كنت تكتُب هذا الشِعر الجميل والطائِرات تقصف والمدافع تدوي والبوارِج في بحر "بيروت" و"عدلي فخري" يُلحِّن ويُغنّي

زين العابدين فؤاد: أجل

زاهي وهبي: سيكون لنا لقاء آخر بإذن الله، سنتحدّث ملياً عن تجربة "بيروت" وتجربة "اليمن" و"دمشق" والكتابة للأطفال. ظلمنا في هذا اللقاء كتابتك للأطفال. يكون لنا بإذن الله لقاء. ألف شُكر أُستاذي، ألف شكر على تشريفك "بيت القصيد"

زين العابدين فؤاد: أنا سعيد في أن أكون معك في أيّ وقت، والحوار معك شيء مُمتِع

زاهي وهبي: ألله يخلّيك، من لُطفك ومن ذوقك. كلّ الشُكر لفريق العمل، للمُخرِج "علي حيدر" للمنتِجة "غادة صالِح". لمشاهدينا في كلّ أنحاء العالم نلتقيكم في الأسبوع المقبل على خير بإذن الله