بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الفنان الفلسطيني محمد بكري

 

زاهي وهبي: مساء الخير. زيارته الأولى إلى (لبنان) أثارت غضب الاحتلال الإسرائيلي ونقمته، ولم تتورّع وزيرة الثقافة العبرية عن الدعوة لمُحاكمته مُجدداً وهو الذي حوكِمَ أصلاً بسبب فيلمه "جنين جنين" الذي فضح فيه وحشيّة الجيش الإسرائيلي وهمجيته. والمُفارقة أنّ الزيارة التي أغضبت كيان الاحتلال قوبِلت في الوقت نفسه بتهمة التطبيع علماً أنّ ضيفنا يأتي (لبنان) لأوّل مرّة مسبوقاً بمسيرته الإبداعية المتميّزة وبتجربته المُتراكمة التي أوصلته إلى العالمية وبأعماله المسرحية والسينمائية التي سلّطت الضوء على حقيقة الاحتلال الإسرائيلي في (فلسطين) وعلى جرائِم جيشه الموصوفة، فهو مُبدِعٌ فلسطيني ممن اختاروا البقاء في أرضهم ووطنهم وعاشوا ويعيشون المواجهة اليومية مع دولة الاحتلال. يُسعِدنا في "بيت القصيد" بيت المبدعين العرب أن نستقبل الفنان العربي الفلسطيني القدير الأُستاذ "محمّد بكري" أهلاً وسهلاً بك

محمّد بكري: أهلاً بك

زاهي وهبي: نوّرت

محمّد بكري: الله يخلّيك

زاهي وهبي: أوّل زيارة إلى (بيروت)، أوّل مرّة في (بيروت) ويُحتفى بك وبأعمالك، ماذا يعني لك هذا الأمر؟

محمّد بكري: لقائي مع أحبّتي، لقائي مع بلد حبيب. (لبنان) هي جارتي الأولى، أقرب بلد عليّ في الدنيا (لبنان) أيضاً جغرافياً، وكُنت أتمنّى هذا اللقاء، منذ زمنٍ بعيد أحلم به وتحقّق والحمد لله. عشق، حبّ أوّل، شتاء أوّل، هيام، وهناك نوع من الجنون أيضاً لأنه يستغرِق وقتاً لكي تفهم ماذا يحدث معك. هذا اليوم الخامس أو السادس إذا ليس أكثر وما زلت لا أفهم أين أنا موجود، حتّى أضيع في الشوارِع، وبشغف كبير كلّ ما يحصل معي بشغف كبير. لا أعرِف كيف أُعبِّر لك أكثر من هذه الكلمات

زاهي وهبي: كيف تفاعل الجمهور مع مسرحيتك "المُتشائل"، العرض المسرحي الذي قدّمته، ومع ما عُرِض حتّى الآن من أفلام؟

محمد بكري: المسرحية هي ما بعد بعد المسرحية. هي ليست ممثلاً يؤدّي دوراً على المسرح

زاهي وهبي: ماذا هي؟

محمد بكري: هي قِطَع من حياتنا، هي حياتنا، هي أمانة في رقبتي، هي رسالة مفتوحة وجرح مفتوح، هي أنا 

زاهي وهبي: بمقدار فرحك بلقاء (بيروت) أخيراً بعد كلّ هذه السنوات هناك غضب من الاحتلال الإسرائيلي عليك، هناك نقمة، هناك تهديدات بالقتل، هناك دعوة لمُحاكمتك من قِبَل وزيرة الثقافة في دولة الاحتلال. كيف تلقّيت هذا الأمر وبماذا ترُدّ عليه؟

محمّد بكري: بصراحة لم أتفاجأ أبداً لأنّ (إسرائيل) تدّعي أنّ هذه الدولة (لبنان) هي دولة عدوّ، أنا أعتقد وأحسّ وأُفكِّر أنّ هذه الدولة دولة أحباء وليست دولة عدو، فإذا زيارتي لأحبتي أصبحت جريمة فأنا لا أعرِف كيف اُعرِّف العدو ّ والصديق. هم يعتبرون أنفُسهم أعداء ويعتبرون (لبنان) عدوّاً لهم، هم تعدّوا على (لبنان) وليس العكس، هم الذين دمّروا (بيروت) وليس العكس، هم الذين جعلوا ملايين الناس من دون بيت ومن دون مأوى وليس العكس، هم يرفضون الآخر وليس العكس. أنا أعيش هناك، أنا لا أُحارِب لا في بندقية ولا في حجر ولا في دبابة

زاهي وهبي: بماذا تُحارِب؟

محمّد بكري: أنا أروي حكايتي، هذه هي حربي، أروي حكايتي وروايتي الفلسطينية التي لا يُمكن أن تُحتوَى ضمن رواية إسرائيلية

زاهي وهبي: ربما ما أثار غضب الإسرائيليين هذه المرّة عليك هو موقفك الذي عبّرت عنه في (بيروت)، الرافض للتطبيع مع الاحتلال

محمّد بكري: نعم

زاهي وهبي: موقفك من التطبيع هو فعلاً رافض؟ أُحبّ أن أسمع منك مُباشرةً رفضك لهذا التطبيع

محمّد بكري: أنا لا أستطيع أن أقبل تطبيع إنسان عربي لبناني فلسطيني مع، قلت وأعود وأقول، مع سياسة الكيان الصهيوني

زاهي وهبي: نعم

محمّد بكري: لا أستطيع، هذا شيء لا يُمكن أن يكون وكأنه مفروغ منه أو مفهوم ضمناً، ولا يُمكن أن أُملي طريقتي في دفاعي عن نفسي ورواية حكايتي، لا أستطيع أن أُملي هذه الطريقة على ابن المُخيّم من (شاتيلا) أو من (برج البراجنة) أو (عين الحلوة) أو الجليل) أو (صبرا) أو أيّ مكان آخر

زاهي وهبي: بمعنى آخر، حضرتك اخترت الكلمة والصورة، ابن المُخيّم أو ابن (فلسطين) ابن (الضفة) ابن (غزّة) له الحقّ أن يختار الحجر وأن يختار الرصاصة وأن يختار السكين

محمّد بكري: لكلّ إنسان حقّه التاريخي والإنساني في اختيار أداة المقاومة التي تليق به لكي يتحرّر من القمع ومن الاحتلال. ابن المُخيّم سواء ضرب الحجر أو أطلق رصاصة، حقّه الكامل. أنا لا أستطيع أن أُملي طريقتي عليه وأنا أقبل الآخر كما يروق له وكما تُملي عليه الظروف، بمعنى عندما يأتي إنسان فنان لبناني أو إنسان مثقف

زاهي وهبي: "زياد الدويري" مثلاً، لنذكُر مسألة أثارت

محمّد بكري: لا أُريد أن أذكُر أسماء ولكن أقول، أيّ إنسان أيّ فنان لبناني إذا استخدم طريقتي أنا فهذا غير مقبول لأنه يعيش جغرافية مُختلِفة عنّي. أنا مُجبَر بحُكم أنني أعيش هناك أن أتعامل مع الكلمة ومع المسرح ومع الفنّ كوسيلة للدفاع عن نفسي

زاهي وهبي: لكن ربما أحدهم يقول لك أُستاذ "محمّد" تحرِّم على غيرك ما تُحلّله لنفسك في هذه الحال

محمّد بكري: لا أُحرِّم على أحد. أنا لستُ محرِّماً ولستُ نابذاً لآراء وأفكار الآخرين إذا كانت هذه الأفكار إنسانية وغير غوغائِيّة

زاهي وهبي: نعم. هلّ تخشى التهديدات التي وُجّهَت إليك من الإسرائيليين؟ هلّ تخشى المُحاكمة مُجدداً وأنت ربما لا تزال تحصد آثار مُحاكمتك في موضوع فيلم "جنين جنين"؟

محمّد بكري: لا أخشى. أقول لك لماذا لا أخشى؟ لأنني أخشى الله فقط. لا أخشى لأنني لم أقُم بأيّ عمل إجرامي ولم أقُم بأيّة جريمة غير أن أروي روايتي لأهلي في (لبنان)

زاهي وهبي: رواية الحقّ الفلسطيني

محمّد بكري: روايتي، رواية الإنسان الفلسطيني

زاهي وهبي: الحق الفلسطيني أو الإنسان الفلسطيني؟

محمّد بكري: الحقّ الفلسطيني، الإنسان الفلسطيني

زاهي وهبي: نعم. أُستاذي، في الوقت الذي فيه (إسرائيل) غاضبة من زيارتك، هناك مجموعة من المثقفين والكُتّاب العرب والفلسطينيين الذين نُجِلّ ونحترِم بمعزِل عن الأسماء استنكروا هذه الزيارة واعتبروا أنّ (بيروت) تستقبل حالة تطبيعية وأنت الذي تقول بملء الفم الملآن أنّك ضدّ التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي

محمّد بكري: "وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً على المرءِ من وقعِ الحسامِ المُهنّدِ". هذه ردة فعلي لهؤلاء الناس، ومن يتّهمني بالخيانة إمّا أن يكون جاهلاً أو أن يكون خائناً

زاهي وهبي: كيف تلقّيت وقع هذا البيان الذي صدر ضدّ زيارتك؟

محمّد بكري: كسكّينة في قلبي

زاهي وهبي: كان المأخذ عليك أُستاذي بشكلٍ أساسي في البيان أنّكَ قدّمتُ أعمال الكاتب "إميل حبيبي" الذي كما جاء في البيان سخِرَ من المقاومة ومن العروبة وقبل جائِزة إسرائيلية معروفة. حضرتك ردّيت وقلت في "راديو الشمس" أنّ من يتّهمكَ بالخيانة أو بالتطبيع هو الخائِن منذ اليوم الذي ولدته أُمّه، بالحرف قلت هذا الكلام

محمّد بكري: نعم

زاهي وهبي: البعض اعتبر وكأنك تقصد المناضل الكبير "بسّام الشكعة"، وهو الذي تعرّض لما تعرّض له من محاولات اغتيال على يد الاحتلال وهو صاحِب تاريخ نضالي طويل

محمّد بكري: هلّ تُصدِّق ذلك؟ هلّ تُصدِّق أنّ إنساناً مثل "محمّد بكري" الذي قام بهذه الأفلام وهذه المسرحية وهذا المشوار الفنّي الطويل الذي يصبّ كلّه في نفس المكان يسخر أو يشتم إنساناً عظيماً كان ضحية عملية إجرامية إسرائيلية عندما وضعوا له المتفجرات، "بسام الشكعة"؟ معقول أنا "محمّد بكري" أتكلّم عن شخص مثل "بسام الشكعة"؟ أنا لا أعرِف من هؤلاء

زاهي وهبي: نعم

محمّد بكري: أنا أجهل هوية هؤلاء، هويتهم الشخصية وهويتهم السياسية، أجهلها ولا أعرِف من هم. أنا قلت وأقول والآن أعود وأقول، من يتّهمني بالخيانة هو إمّا جاهل وإمّا خائِن

زاهي وهبي: على كلّ حال أنا يهمني موقفك الواضح والصريح الرافض للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وأنا أُحييك على هذا الموقف

محمّد بكري: أنا رافض للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي من قِبَل العرب الذين يعيشون خارِج (إسرائيل) في الدول العربية، وأنا أرفض التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي ومع الإيديولوجية الصهيونية

زاهي وهبي: عظيم

محمّد بكري: لا غبار على هذه الكلمات

زاهي وهبي: عظيم. مُحاكمتك بسبب فيلم "جنين جنين" اُستاذ "محمّد" كم أثّرَت على مسيرتك؟ كم أعاقت عملَك الإبداعي وعملك الفنّي؟

محمّد بكري: أعاقت! أعاقت ومُلاحقات مستمرة منذ ذلك الحين، تشويه سُمعة، تحريض دموي، وهدر دماء. أنا بني آدم، في النهاية بني آدم من لحم ودمّ، أتعب

زاهي وهبي: نعم، هلّ من السهل عليكم كفلسطينيين في الداخل، كمُبدعين فلسطينيين مثل حضرتك، مسألة الحفاظ على الهوية الفلسطينية؟ مسألة المواجهة اليومية مع الاحتلال الإسرائيلي للتمسُّك بهويتكم العربية الفلسطينية كم هي مسألة شاقة وكم هي صراع يومي؟

محمّد بكري: التمسُّك بالهوية والنضال من أجل الحِفاظ على الهوية الوطنية وأن تبقى أيضاً إنساناً هو من شبه المُستحيل، وأحياناً يتمثّل ذلك في رغيف الخُبز، في المعيشة وهذه ليست هواية. لذلك أنا ألوم المُثقفين العرب أو أشباه المثقفين الذين يضعوننا في خانة التطبيع وأنا ما زلتُ حيّاً، أين أذهب؟ أين أذهب؟

زاهي وهبي: هلّ قدّمت تنازلات كبيرة في مسيرتك؟ هلّ تخلّيت في لحظة من اللحظات عن قناعات، عن مبادئ في سبيل فيلم؟ في سبيل عمل مسرحي؟ في سبيل دور مُعيّن؟ لا بأس، أنا قد أكون أعرِف الجواب لكن أُريد أن أسمعه منك

محمّد بكري: أولاً جلّ من لا يُخطئ، أنا لستُ نبياً ولستُ إلهاً ولستُ ملاكاً. طبعاً في مسيرتي الفنية منذ أن كان عُمري 20 سنة لغاية الآن وعمري 43 طبعاً أخطأت هنا وهناك ولكن على عدد أصابِع اليد الواحدة أو نصف اليد الواحدة، وهي ليست تلك الأخطاء التي تجعلني أقول " ماذا فعلت؟" لا والحمد لله لكن في مسيرتي الفنية كلّها أنا أعتزّ بـ "المُتشائِل"، أعتز بـ "إميل حبيبي" أعتزّ بـ "غسان كنفاني" أعتزّ بكلّ المُبدعين الفلسطينيين

زاهي وهبي: على كلّ حال سنتحدث عن رغبتك في تقديم فيلمين عن "غسان كنفاني" وعن "محمود درويش" لكن اسمح لنا قبل أن نتوقف مع موجز إخباري أن نُشاهدكَ في ربورتاج "علامة فارِقة" الذي أعدّته الزميلة "سحر حامد" مشكورة ً ثمّ نتوقف مع موجز إخباري ونعود بعده لمتابعة الحوار

علامة فارِقة

محمّد بكري:

- أنا أصنع أفلاماً من أجل أن يراها الناس سواء أكانت تمثيلاً أو إخراجاً

- أخاف من نفسي، أخاف أن أُخيِّب آمالاً. عادةً الناس حين يرون ممثلاً ينتظرون أشياء كثيرة، بطل ولا أدري ماذا وأعتقد أنني جداً بسيط

- أحب أن يكون البني آدم عارياً من الأوصاف، يكون هو نفسه. أحياناً قد يكون شجاعاً وأحياناً قد يكون جباناً وأحياناً أخرى قد يكون عنيداً، حسب الظرف الذي تعيشه. نحن لسنا شعاراً يمشي على قدمين، نحن بشر

- المواجهة، المواجهة هي التي تجعلك تكون عنيداً وشجاعاً ومُغامراً أو شيئاً من هذه الصفات، رغيف الخبز أحياناً. الحياة حلوة لكنها صعبة وهناك ثمن يجب أن تدفعه من أجل أن تعيش

- أحياناً كثيرة تُفرَض عليك مقولة كردّ فعل لشيء اسمه احتلال واضطهاد وقهر وإذلال، وهذا يتنافى مع روحي

- ينقص العالم العربي التمجيد للإنسان. الإنسان هو أهمّ شيء على هذه الأرض، إذا كان على هذه الأرض ما يستحق الحياة كما قال "محمود" فهو الإنسان، قيمة الإنسان المُفتَقَدة في عالمنا العربي وفي السينما أيضاً

- صعب التعبير عن هكذا سؤال، "ماذا يعني لك أن تكون "أبو" لأن الـ "أبو" شيء كبير. أنا أخاف من الشعارات، أخاف من الرموز الكبيرة، أخاف أن أكون وأحاسب نفسي كثيراً وأخاف على أبوّتي منّي، أخاف، يُخيفني

- المرأة التي أُحبها تعلم ذلك، هي التي حين رأيتها تمنّيت وحكيت مع ربّ العالمين وقلت له " يا ربي أن تكون هذه امرأتي"، وهذا الذي صار

سحر حامد: صف لي "ليلى"

- أقلّ شيء هي نصف الدنيا

- كيف شغلات؟  صعبة عليّ      

- عبر "بيت القصيد" أُريد أن أُرسِل تحيّة لكلّ الناس ولكلّ العالم وليس فقط للفلسطينيين. كلّ الأرض وكلّ الأوطان وطني والذي لم يفهم عُمره لا يفهم. و"بيت القصيد" نافذة حلوة

المحور الثاني:

زاهي وهبي: مُشاهدينا، شاهدنا مُقتطفات من فيلم "حنّا كاي" الذي يُمكن أن نعتبره أوّل الأفلام التي نقلتك من داخل (فلسطين) إلى العالم وهو فيلم شهير جداً وحورِب أيضاً في الوقت نفسه. قلت حضرتك إنّك تُحب أن يُشاهد الجمهور اللبناني أو الجمهور العربي أول فيلم وآخر فيلم لحضرتك، لماذا أوّل فيلم وآخِر فيلم؟

محمّد بكري: كنت في أول فيلم لا أزال صغيراً وفي البدايات وفي آخر فيلم وأنا كبيراً في نهاياتي، في آخر أفلامي، لكي يروا الفرق بين الفنان الصاعِد والفنان النازل

زاهي وهبي: نعم. دعنا نستمِع إلى بعض الآراء في تجربتك لو سمحت لي، نبدأها مع مدير مسرح "القصبة" الممثل والإداري الأُستاذ "جورج إبراهيم"

كلام يوصل:

جورج إبراهيم – ممثل ومُدير مسرح القصبة: صحيح، أنا تعرّفت على "محمّد بكري" من زمان، منذ الأيام التي كان فيها طالباً في الجامعة، ومنذ ذلك الحين صرنا أصدقاء وزُملاء عمل. عمِلنا معاً في أعمال كثيرة وعندما أسّست مسرح القصبة في (القدس) في عام 1989 كان "محمّد بكري عاموداً أساسياً من أعمِدة المسرح، وقدّمنا من خلال المسرح معاً إعمالاً كثيرة منها مسرحيات مثل " الليل والجبل"، "المُهرِّج"، "المُهاجر"، "العذراء والموت" وتجوّلنا فيها في دول عديدة من العالم وشاركنا في مهرجانات عديدة. أسّسنا مسرح "القصبة" في (رام الله) في الشهر السادس من عام 2000 وبدأنا نعمل وكان "محمّد بكري" أيضاً عاموداً أساسياً من أعمِدة المسرح وكنّا نشتغِل تقريباً كل يوم عرضاً مسرحياً إلى أن بدأت الانتفاضة في الشهر التاسع ولم تُعطِنا وقتاً طويلاً وتخربشت الأمور وتخربشت برامجنا. "محمّد" فنان مُتميِّز مليء بالمواهب، ممثل وكاتب ومُخرِج سينما ومسرح وأيضاً يُغنّي وصوته حلو، يغني لـ " الشيخ إمام" خصوصاً. بعد ذلك وحسب رأيي الشخصي، "محمّد بكري" وُلِدَ لكي يكون ممثلاً في المسرح أو مُخرِجاً في المسرح وليس في السينما مع أنّ السينما تعطيه شهرة كبيرة وتعطيه أموالاً أكثر، لكن لا تعتقدوا أن "محمّد بكري" غني، لا، "محمّد بكري" كما نحن كلنا ما يدخل إلى جيبه يخرج منها فوراً. قمنا بمسرحيات تجوّلنا فيها في العالم ونلنا جوائِز كثيرة. كان عندنا نجاحات عديدة ومتميّزة للحقيقة و"محمّد" كان جزءاً كبيراً منها. رسالتي إلى "محمّد بكري"، أنا دائِماً أقول له، "كن كما أنت يا "محمّد" ولا تتغيّر، أنت هكذا حلو"، وكنت أقول له أيضاً، "ارجع إلى المسرح، المسرح حياة مُختلِفة عن السينما" مع أنه يُحِبّ السينما أكثر حسبما أنا أرى، لكن كما قلت أنا، "محمّد وُلِد لكي يكون ممثلاً مسرحياً وأسأله: أمام الناس قلّ، أنت تُحِبّ المسرح أم السينما أكثر"؟

زاهي وهبي: ألف شكر للأُستاذ "جورج إبراهيم"، تفضّل. السينما أم المسرح؟ 

محمّد بكري: أنا أحبّ كليهما، هو يحب أن يقول بأنني أُحبّ المسرح وهذا كلام صحيح لكن أنا أُحب كليهما ولا أستطيع أن أقول ما أحبه أكثر بصراحة

زاهي وهبي: لكن يبدو أنّ السينما أعطتكَ أكثر من المسرح

محمّد بكري: اشتغلت سينما أكثر من المسرح

زاهي وهبي: أغوتكَ السينما أكثر؟

محمّد بكري: كنت أفهم أنّ السينما بسبب قضيتي وبسبب قضيتنا كلنا هي أسرع، تأثيرها أسرع وأكثر وجمهورها أعرض. إذا أردنا أن ننشُر قضيتنا العادلة فالسينما تُساعِدنا أكثر من المسرح

زاهي وهبي: خصوصاً أنّك تشتغِل فيها تمثيلاً وإخراجاً، أفلام روائية وأفلام وثائقية في نفس الوقت. تجربتك في إدارة مسرح السرايا في (حيفا) كيف تجدها ولماذا استقلت، كأنّ العمل الإداري لم يُلائِمك

محمّد بكري: والله هي أيضاً تجربة فاشلة

زاهي وهبي: فاشلة!

محمّد بكري: جداً لأسباب كثيرة

زاهي وهبي: مزاج الفنان طاغٍ عليك؟

محمّد بكري: ربما، لكثير من الأسباب ليس محبّذاً الدخول فيها من هذه النافذة الموجودين فيها. لا، ليس لها علاقة بالإدارة، لها علاقة أكثر بالإمكانيات

زاهي وهبي: المتاحة والمتوافرة

محمّد بكري: الضئيلة جداً التي كانت مُتاحة ولم أستطع القيام بشيء

زاهي وهبي: نعم. إلى جانب المسرح والسينما عندك تجربة تلفزيونية، قدّمتُ برنامجاً على التلفزيون الفلسطيني بعنوان وجهاً لوجه قدّمت فيه عشرات المُبدعين الفلسطينيين والشخصيات الفلسطينية. ماذا أضافت إليك التجربة التلفزيونية؟ فنان كبير ونجم وممثل له مكانته، ماذا أضاف إليك العمل التلفزيوني؟

محمّد بكري: هذا العمل عَمّقَ ارتباطي وحُبّي للناس وجعلني أفهم لماذا أنا مربوطٌ بهم، لأن كلّ هذه الشخصيات التي أجريت معها مُقابلات، وهم يفوقون المئة شخصية، مُرتبطين ليس فقط بالعائِلة الصغيرة بل بالحارة والبلد والوطن وبـ (فلسطين). بمعنى اختياراتي لم تكن عشوائية بل كانت اختيارات منتقاة

زاهي وهبي: طبعاً، وقدّمتُ أعمالاً متميّزة. أنا أتمنّى على مشاهدينا لأنه لا يتّسِع المجال للكلام عن كلّ عمل وتفصيله وتفنيده خلال ساعة من الزمن، أتمنّى أن يُشاهدوا ما هو متاحاً على اليوتيوب أو بأي شكل آخر. قرأت أنّك تتمنّى تقديم عملين أو عمل عن "محمود درويش" وعمل عن "غسّان كنفاني"، ما الذي يغريك في هاتين الشخصيتين الكبيرتين؟ وهلّ تسعى لتحقيق هذه الأُمنية؟

محمّد بكري: غسّان كنفاني" أكيد لأنه هناك برنامج شبه مُعدّ وإن شاء الله سأُصوِّره قريباً عندما يتوفّر الإنتاج. "محمود درويش" أيضاً هناك بعض الأمور التي صارت مُعدّة لكنها غير مكتملة. أُحب الشخصين وأراهما عملاقين، "غسان كنفاني" في عُمر 36 سنة قتله جهاز "الموساد" الإسرائيلي المُجرِم، ولو كان حياً اليوم "غسان كنفاني" لكان عنده ليس فقط 10 أو 12 رواية، لكان عنده عشرات الروايات والقصص. قتلوا مبدعاً من أهمّ المُبدعين الذين رأتهم وعرِفتهم (فلسطين)، وهذا لا يستحق فقط عملاً منّي أنا

زاهي وهبي: طبعاً

محمّد بكري: يستحق أعمالاً من كُثر مثلي لهذا السبب. "محمود درويش" أيضاً لم يأخُذ حقه في السينما ولا في المسرح. كانتا مُحاولتين ليستا بقدر ولا بقيمة "محمود درويش"

زاهي وهبي: صحيح

محمّد بكري: وأنا أُحاوِل أن أبني عملاً أُعطيه حقه فيه

زاهي وهبي: خصوصاً أن هناك معرِفة شخصية بينك وبينه

محمّد بكري: أُحبه كثيراً

زاهي وهبي: وهناك شَبَه ليس بالشكل بقدر ما هو ربما أيضاً بالنزق، نزق الفنان، نزق المُبدِع

محمّد بكري: لا، "محمود" أحلى مني

زاهي وهبي: كلاكما أحلى من بعضكما البعض تأخذ عمره. ذكر الأُستاذ "جورج إبراهيم" أنك تُغنّي لـ "الشيخ إمام" وأنت التقيت بـ "الشيخ إمام" في (مصر)، صحيح

محمّد بكري: في أول زيارة لي إلى (مصر) كنت مصراً على رؤية "الشيخ إمام" قبل أن ينتهي الليل، التقيته في نفس الليلة وهذا الحديث في عام 1983 عندما كنت أصوّر فيلم "حنّا كاي"، لأنني أيضاً أشرت على المُخرِج استخدام موسيقى لـ "الشيخ إمام" في فيلم "حنّا كاي" واستخدموها فعلاً. كنت أرغب في مقابلته جدياً

زاهي وهبي: زرته في حيّ "الغوريّة" في منزله

محمد بكري: نعم، في منزله على السطوح فوق

زاهي وهبي: ما أحبّ أغاني "الشيخ إمام" لنفسك؟

محمّد بكري: أحبّ الأُغنيات؟ " حلّوا المراكب"

زاهي وهبي: ماذا تقول؟ ذكّرني بها

محمّد بكري: حلّوا المراكب مع المغرِب وفاتوني عالشط واقف بلا مركب وسابوني

زاهي وهبي: الكلام أعرِفه ككلام لكن ذكّرني كيف يُغنيّها "الشيخ إمام"

محمّد بكري: (يغني مقطعاً منها)

زاهي وهبي: نعم، قبل أن أسألك، إحساسك عالٍ، و"الشيخ إمام" جزء من تكويننا ووجداننا وكذلك "أحمد فؤاد نجم"، قبل أن أسألك عن العائِلة، يُمكننا أن نقول أُسرة من الممثلين والفنانين

محمّد بكري: مجانين كلنا

زاهي وهبي: هذه "السوسة" عفواً على التعبير، أورثتهم إياها جميعاً. أُريد أن أُسمعك رأياً من ابنتك "يافا"

محمّد بكري: ابنتي؟

زاهي وهبي: نعم، إذا سمحت

يافا بكري – فنانة: يا أبي يا حبيبي، حبيب قلبي ورفيق دربي أُحبك كثيراً كثيراً. تحية لك منّي ومن كلّ الأهل في (فلسطين). أحببت أن أوجِّه لك سؤالاً. لو يرجع فيك الوقت كثيراً إلى الوراء ماذا كنت ستكون ولماذا؟

زاهي وهبي: جيّدة هذه المُفاجأة؟

محمّد بكري: قتلتموني قتلاً

زاهي وهبي: أراك تسمعها بتأثُّر

محمّد بكري: نعم؟

زاهي وهبي: سمعتها بتأثُّر أقول

محمّد بكري: لم أكن متوقّعاً لأنني لم أكن أعلم

زاهي وهبي: رداً على السؤال؟

محمّد بكري: ماذا سألتني؟

زاهي وهبي: سألتك لو عاد الزمن فيك هلّ تغّير شيئاً؟

محمّد بكري: لا، أكون أباها

زاهي وهبي: تكون والدها. الله يخليكما لبعض

محمّد بكري: Double meaning، بالمعنى المزدوِج

زاهي وهبي: نعم، وهو؟

محمّد بكري: أبوها. أبوها وأبوها  

زاهي وهبي: أطال الله في عُمرَك ويخلّيك في همّتك

محمّد بكري: إن شاء الله

زاهي وهبي: كم يُمكننا أن نقول أنّ عائِلة فنيّة أو أُسرة فنيّة هي أٌسرة "محمّد بكري"؟

محمّد بكري: كيف السؤال؟ لا بأس

زاهي وهبي: كم يُمكننا أن نقول براحة ضمير أنّ عائِلتك هي أُسرة فنيّة؟ بمعنى آل "بكري" يُمكننا أن نقول حينما نتحدّث عنهم أنّهم فنانون كلّهم اليوم

محمّد بكري: أنا لا أُحبّ هذه التعريفات الكبيرة عائِلة فنيّة أو مناضلين أو كما تعلم هذه

زاهي وهبي: لكن هذا الواقع، عندك أولاً

محمّد بكري: صعب عليّ أن أقول لكن في إمكاني أن أقول شيئاً واحداً، أنا أموت اليوم مطمئناً إلى أنّ أولادي والحمد لله وابنتي يتعاملون بالفنّ وليس بالسلاح ولا بالعُنف ولا بالمُخدرات ولا بالتطرّف الديني ولا بالعصبية القبلية، يتعاملون في شيء اسمه الحُبّ الذي هو الفنّ، محبّة الآخر، وتقدير الإنسان وتقديم أجمل ما لديهم من أجل هذا الإنسان. هذا الشيء هو رصيدي في الحياة وأنا أموت وأنا مطمئِنّ البال والحمد لله

زاهي وهبي: عُمرك طويل، كم عدد الأبناء الله يخليهم؟ ستّة؟

محمّد بكري: خمسة أولاد وبنت

زاهي وهبي: من أجل هذا علاقتك بـ "يافا" مميّزة جداً

محمّد بكري: أُحاول ألّا أُميّزها عن الآخرين لكن لا أنجح دائِماً

زاهي وهبي: الأمور ليست ناجحة معك، يبدو ذلك عليك. كم عدد الممثلين من شبابك الخمسة؟ 

محمّد بكري: ثلاثة ممثلين ومُخرِج من بينهم، في الوقت نفسه ممثل ومُخرِج

زاهي وهبي: من أكثرهم شبهاً بك؟

محمّد بكري: كلّهم

زاهي وهبي: نعم. هناك بعض الأعمال تشترك فيها مع أبنائك

محمّد بكري: نعم. "زياد" ابني أخرج فيلماً اسمه "صياد الملح"، فيلم قصير وأنا و "صالح" ابني مثلنا فيه الشخصيات. أنا أخرجت أدوار "زياد" و"صالِح" في فيلم قصير أيضاً وأخرجت دوراً لـ "صالِح" في المسرح، وآخر فيلم صوّرناه هو لـ " آن ماري جاسر" وإن شاء الله يذهب إلى الأوسكار ويصل إلى التصنيفات الخمسة النهائية، مثلت فيه أنا و"صالح"

زاهي وهبي: الذي هو فيلم " واجب"

محمّد بكري: "واجب" نعم

زاهي وهبي: لكن هلّ من السهل عندما يكون مثلاً الأب والإبن يؤدّيان مشهداً معيناً، هلّ من السهل أن ينسى الإنسان أن من في مقابله هو ابنه؟ يدخل في الشخصية كلياً؟

محمّد بكري: وقت التصوير لا تستطيع أن تُفكِّر في شيء آخر غير أنك أنت شخصية وهو شخصية. هو ابنك في الفيلم وليس ابنك في الحياة وأنت شخصية في الفيلم وهي ليست شخصيتك في الحياة، هذا حينما يقول المُخرِج " أكشن"، لكن قبل الـ "أكشن" وبعد الـ "أكشن" أكل هواء لأنّ الأمور حساسة كثيراً والعلاقات متوترة جداً لأنّه بين أب وابنه هناك حساب مفتوح وهذا يؤثِّر جداً على الشغل، قبل وبعد. ولا مرة أنت تكون موضوعياً في تحكّمك بالأشياء وحُكمك على الأشياء، دائِماً عليك أن تقول الأشياء بحذر شديد. بمعنى لا أستطيع أن أسمح لنفسي بأن أتحدّث مع "صالح" ابني وهو يتحدّث معي في الطريقة نفسها التي أتحدّث فيها مع "جورج إبراهيم" أو "مكرَم خوري" أو آخرين اشتغلت معهم. أسمح لنفسي أن أكون حراً أكثر مع الآخرين مما هي الحال مع ابني لأنه كما قلنا هنالك حساب مفتوح وهذا الحساب لسنا نحن المسؤولين عنه، هذا قدرنا

زاهي وهبي: على كلّ حال نُمسّيهم بالخير جميعاً ونُمسّى المرأة التي حين رأيتها للمرة الأولى وأحببتها قلت "يا رب تكون من نصيبي" وصارت أم أولادك. نمسيهم بالخير جميعاً. ودعنا نُشاهِد، بما أننا ذكرنا فيلم "واجب" الذي سيُشارِك في مُسابقة الأوسكار للأفلام الأجنبية بدعم من وزارة الثقافة الفلسطينية، دعنا نشاهد مشهداً منه ونتوقف مع استراحة ثم نُتابِع الحوار

محمّد بكري: إن شاء الله

 

المحور الثالث

زاهي وهبي: مشهد من فيلم "من يوم ما رحت". الصوت الذي سمعناه في البداية هو صوت "يافا" ابنتك؟

محمّد بكري: صحيح

زاهي وهبي: اخترت "إميل حبيبي" لكي تحكي له في هذا الفيلم، "من يوم ما رُحت" لتُخبره ما يحدُث معك، تُخبره عن الوضع التي تعيشه. طبعاً قدّمت مسرحية، روايته الشهيرة "يوميات..

محمّد بكري: "يوميات كفاء سعيد أبي النحس المتشائِل"

زاهي وهبي: "المتشائِل"، أيضاً قدّمتها كعمل مسرحي. لماذا اخترت "إميل حبيبي" لتحكيه من خلال ضريحه أو قبره؟

محمّد بكري: اخترت "إميل حبيبي" لأنّ العقل يسكنه وتسكنه المسؤولية، ونحن في هذه الأيام العصيبة التي نعيشها في كلّ الوطن العربي كم نحن في حاجة إلى إنسان عنده العقل وعنده المسؤولية. نحن لا نستطيع أن نُغامر في حياة الناس وحياة الشباب. دفعت الشعوب العربية دماءً بما يكفي ابتداءً من الحروب الأهليّة وانتهاءً بحروب أُخرى مع أُمم أُخرى ومع شعوب أُخرى، يكفي خلص. "إميل" من أية نوعية؟ "إميل" كان بالنسبة لي مصدَر إلهام للعقل والتعقّل والمسؤوليّة والإخلاص لمن أنت تنتمي إليهم، من هذا الباب، لذلك أنا زرته لأحكي له وأقول، " يا أخي أنت علّمتنا العقلانية وأنا عقلاني والله يا أبو "سلام" عقلاني لكن تفضّل ماذا يفعلون"، كيف تُفسِّر هذا؟ كنت أسأله، " هلّ هذه هي الطريق التي من اللازم أن نمشي عليها؟ العقلانية؟ لكن هم لا يردّون علينا ولا يريدوننا، لا يريدون حتّى وجودنا أصلاً"

زاهي وهبي: لو كان "إميل حبيبي" يعيش اليوم ما كان أول شيء يخطُر في بالك لتقوله له؟

محمّد بكري: هل اُعيد النظر يا أبو "سلام"؟ هل أتندّم على مسيرتي يا أبو "سلام"؟ هل أحمل السلاح يا أبو "سلام"؟ هل أُحارِب يا أبو "سلام"؟ ماذا أفعل يا أبو "سلام"؟ لا أحد يرد عليّ وعلى عقلانيتي، أمد يدي لسلامهم فيضربونني. يريدون بيتي، يريدونني أن أرحل. لا يعطني حريّتي ويخربون الدنيا. ماذا أفعل يا أبو "سلام"؟ أنت قلت لي لا تكره أحداً ولا تحقِد على أحد ومدّ يدك للسلام وحارِب بالفنّ والأدب والشعر والموسيقى، ها أنا فعلت هذا وأكلت هواء يا أبو "سلام". ماذا أفعل يا أبو "سلام"؟

زاهي وهبي: من أفلامك المميّزة فيلم "زهرة" أيضاً، هناك أفلام كثيرة قدّمتها حضرتك تستوقف. ربما أفلام "جنين جنين" و"حنّا كاي" أكثر شهرةً لكن فيلم "زهرة" يعني لي بشكلٍ خاصّ لأنني ابن المنطقة التي أتت إليها "زهرة" عندما تهجّرَت من (فلسطين)، التي هي خالتك. لماذا قمت بفيلم عن خالتك؟

محمّد بكري: قمت بفيلم عن خالتي ليس لأنها خالتي

زاهي وهبي: نعم

محمّد بكري: قمت بفيلم عن خالتي من أجل أن أقول لخالتي ولجيل خالتي أنّ الذين بقوا في أراضي عام 1948 تسلّلوا وعادوا أو منهم من بقي ولم يهرُب ولم يتسلل، "شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم على حضوركم وبقائِكم لأنّه بفضلِكم أنا لم أُصبِح لاجئاً فلسطينياً في أيّ مكانٍ في هذا العالم"

زاهي وهبي: هي رحلت؟ هل أتت إلى (لبنان)؟

محمّد بكري: رحلت وعادت

زاهي وهبي: أتت إلى (بنت جبيل) في البداية؟

محمّد بكري: (بنت جبيل) وبعدها (صور)

زاهي وهبي: إلى جانب (عيناتا) قريتي؟

محمّد بكري: ثم عادوا بعد ذلك بشهر، عادوا لأنهم رأوا أنّ الإنسان الذي يرحل يُصبِح من دون كرامة ولا يساوي شيئاً، ففضلوا أن يعيشوا بكرامتهم تحت الاحتلال من أن يعيشوا في مُخيَّم لاجئين من دون أيّ حقّ في الإنسانية والكرامة أو أيّ حقّ. أنا لا أفهم وضع الفلسطينيين في (لبنان) حتّى الآن، لا أستطيع أن أفهم. أنا كنت في (صبرا) وكان قلبي سيطُقّ

زاهي وهبي: للأسف

محمّد بكري: عندما رأيت الناس الذين يعيشون في (صبرا)، بأيّ حقّ؟ لماذا؟ ماذا فعلوا؟ ماذا فعلنا لله نحن؟ ماذا فعلنا للعالَم لنعيش أكثر من سبعين سنة في هذا الوضع الذي ممنوعين فيه أن نعيش وأن نشتغِل وأن نتنفّس؟ لماذا؟

زاهي وهبي: هذا شيء لا إنساني، أقلّ ما يُقال

محمّد بكري: لماذا؟ أليست مُفارقة هذه؟ أليست مُفارقة أنّ وضع الفلسطيني تحت الاحتلال أهوَن من وضعه في مُخيّم (صبرا)؟ أو في مخيم (شاتيلا)؟ أليست مفارقة هذه؟ أليس هذا الشيء مُحزناً في بلدي (لبنان)، بلدنا هذه ولها فضلٌ علينا؟

زاهي وهبي: نعم

محمّد بكري: (بيروت) حبيبتنا، لماذا يكون هذا؟ لماذا يحدث لنا هذا ونحن جزء من هذا الوطن العربي؟ (سوريا) الكُبرى و(لبنان) الكُبرى و(فلسطين) الكُبرى كلّنا بلد واحدة، لماذا؟ لماذا هذا الجفاء لماذا؟ حرام

زاهي وهبي: إن شاء الله صرختك وصوتك يصِلان لمن يعنيهم الأمر وطبعاً هو صوتنا وصرختنا في الوقت نفسه. إذاً النموذج الذي تنحاز إليه هو نموذج "زهرة" من أبناء (فلسطين)

محمّد بكري: نموذج؟

زاهي وهبي: كرمز، كسيّدة، كمثال للنساء الفلسطينيات

محمّد بكري: "زهرة" هي سيّدة الأرض، "زهرة" هي (فلسطين)

زاهي وهبي: حسناً. ما رأيك أن نسمع ما تقوله "زهرة" لك

محمّد بكري: يا

زاهي وهبي: كيفني معك؟

محمّد بكري: والله عال

زاهي وهبي: كيفني معك؟ وصلنا إلى "زهرة"، وصلنا إليها. هي خالتك وأنت من السهل أن تصل إليها

محمّد بكري: أنتم تحدّثتم معها؟

زاهي وهبي: نعم، هلّ نسمعها؟ دعنا نسمع ما قالت 

محمّد بكري: لا إله إلّا الله

كلام يوصل

الحاجة زهرة بكري – خالة محمّد بكري: أحس أنه كما أولادي الذين ولدوا من بطني، جيِّد وشهم وابن حلال وحنون، حنون على أهله وعلى أقربائه وعلى شعبه، على شعبه الفلسطيني حنون عليه كثيراً. قال لي، " خالتي أريد أن تحكي لي ماذا حدث معكم، أين رحتم وإلى أين أتيتم" فحكيت له بالتفصيل كلّ ما حدث معنا، كيف تركونا وكيف نمنا خارِجاً في "بيادر ساجور" وكيف ذهبنا إلى (لبنان) وكنت أحمل ابنتي الكبيرة على حضني وكان الطقس شتاءً وثيابها على رأسي وحالة. خرجنا صباحاً وظللنا نمشي إلى العصر إلى أن وصلنا إلى "رميش" و"بنت جبيل" ومن بعدها ذهبنا إلى (صور)، إلى مُخيّم (صور). وعندما رجعنا لم يكونوا رجالنا هنا لأنهم أخذوا الرجال المسلمين كلهم إلى السجن وذهبوا وصاروا يعطونا هويات حمراء في البداية وبعدها صارت محاكِم ودنيا. "حنّا نقّاره" الله يرحمه تعب كثيراً إلى أن حصل لنا على هويات زرقاء ومكثنا هنا. حكيت له القصة بالضبط، كيف رحنا وكيف رجعنا وماذا فعل بنا اليهود. عندما كانت تحدث الحروب في (لبنان) مع "حزب الله" ومع اللبنانيين كنا نرفع رؤوسنا بهم، كم سررنا وكم بكينا على الذين استشهدوا الله يرحمهم. مسؤول والحمد لله، قبضاي ومُحصِّل نفسه أينما ذهب، بمعنى "قدّها وقدود" "أبو صالِح"، الله يرضى عليه ويُسهِّل أموره، الله يسهِّل أمره كيفما راح وكيفما أتى. لا يُمكنه أن يسكُت، لا يُمكنه أن يترك القضية، يظلّ يُكافِح ويظلّ يعمل ويقيم ويحطّ إلى أن يهلك فينا. وصيّتي عندك يا خالتي أن تذهب لزيارة أولاد خالك "حمد" وتطمئِن عليهم ونرى كيف هم وهل هم مسرورون؟ وأن تجلس معهم وتؤنسهم وتحكي معهم وتُسلِّم لنا عليهم كلهم، والله يُسهِّل أمورك

زاهي وهبي: أطال الله في عمر السيّدة "زهرة" ويطيل الله في عُمرك

محمّد بكري: وعُمرك

زاهي وهبي: كيف كانت أمام الكاميرا؟ حركتها أمام الكاميرا وحديثها في الفيلم؟ هلّ كانت مُطواعة معك؟

محمّد بكري: لم تكن ترى الكاميرا عن بعد متر ولا مهتمة بها، كنت أنا أسأل وهي تُجيب وكانت أقوى من الكاميرا حقيقةً، ولا كانت تشعُر بالكاميرا. أيضاً ربما لأنّ علاقتي معها كابن، في أمان العلاقة، بلا خوف ولا توجّس ولا تشكيك في السؤال أو في الجواب. هي تعلم مع من تتحدّث وأنا أعلم من أسأل، وهناك علاقة لأنها أُخت والدتي أيضاً وهي أرضعتني وليس أنه

زاهي وهبي: أتعلم؟ ربما الكلام التقليدي أنّ أحدهم يرى (فلسطين) في هكذا سيّدات، في هكذا أُناس، يرى (فلسطين) مُجسّدة في هيئة بشر

محمّد بكري: من أجل أن أُطمئِنك أخي "زاهي" أنا أعتقد أنّه في كلّ الوطن العربي وليس فقط في (فلسطين) هناك مئات آلاف الزهرات أن لم يكنّ ملايين. كلّ أُمّ، أُمك أليست كذلك؟

زاهي وهبي: الله يرحمها

محمّد بكري: أمّ الإخوان ألَسنَ كذلك؟ كلّهنّ هكذا

زاهي وهبي: صحيح. ذكرت قبل قليل الواقع العربي والشباب العربي، أحد أفلامك الذي هو "يرموك" أثار جدلاً وأثار نقاشاً كثيراً حوله. من الأسئِلة التي طُرِحت أنه لماذا "يرموك" وليس (اليرموك) أي من دون ألـ؟ الذي هو شيء من حكايات في مُخيّم (اليرموك) في (سوريا)

محمّد بكري: مهمّ جداً للناس الذين يُشاهدونني أن يعرفوا، لم أُفكِّر قيد أنملة ولا لحظة في (اليرموك) الذي هو المُخيّم

زاهي وهبي: نعم

محمّد بكري: الذي يحدُث في مُخيّم (اليرموك) والأحداث الأليمة التي تحدث في الوطن (سوريا) كلّه وفي (اليرموك) بالتحديد في ذلك الزمان هو الذي أعطاني الإلهام للقيام بالفيلم، ولكن "يرموك" كان قصدي فيها، غير الإلهام من المُخيّم، أن "يرموك" من فعل رمى أو يشلحوك مرمياً، ولأن الإسم أحدث حساسية وبعض الناس أساءت فهمي وأساءت فهم أنني لا أقصد (اليرموك) واعتقدوا أنني أقصد (اليرموك) غيّرت الإسم وأسميت الفيلم "سواد" لأنني لا أقصِد بتاتاً مخيم (اليرموك) لللاجئين ، مع أنّ الحدث الذي يحدُث في الفيلم قد يحدُث في أيّ مكان في العالم ولكن كان هناك من يُريد أن يُسيء لي شخصياً ونقل الفيلم بـ Rough Cut وقبل أن ينتهي إلى أهل (اليرموك)، وإذا يسمعني الآن يعرِف من هو، أكيد يعرِف من هو، بقصد الإساءة لي وللفيلم، وهذا الذي حدث. الناس الذين شاهدوا الفيلم اعتقدوا أنني أقصد (اليرموك) بينما أنا لا أقصِد (اليرموك) بالمرّة لذلك أنا غيّرت الإسم،" اقلع السن واقلع وجعه" كما يقولون في المثل العربي الدارج بالرغم من أنني لا أقصِد (اليرموك) فلماذا أترُك

زاهي وهبي: للأسف، دائِماً هناك أُناس يتصيّدون في المياه العكرة. لكن ربما هذا يجعلني أطرح سؤالاً، كيف تنظُر إلى ما يحدُث في بلادنا العربية؟ وهلّ ترى لـ (فلسطين) علاقة بالأمر؟ بمعنى أنّ هذه النكبات العربية الكُبرى والمُتتالية من بلد إلى بلد أحد أهدافها أن ننسى (فلسطين)؟ وأن تُصبِح نكبة بسيطة أمام هذه النكبات؟

محمّد بكري: أنا أعتقد أنّ ما يحدُث في الوطن العربي كلّه وراءه (إسرائيل) و(أميركا). أنا لستُ محللاً سياسياً ولستُ مفكراً سياسياً ولكن سألتني فأجتهِد وأُجيب. أنا أعتقد أنّ هناك قوّة ظلاميّة مُحتلّة من قِبل (إسرائيل) و(أميركا) والعلاقة العضوية الموجودة بين المُحتلّ وعقلية المُحتلّ والـ Apartheid وبين الاستعمار واستعمار العالم، وتثبيت الشرق الأوسط تحت الهيمنة الغربية الاستعمارية، هنا مربط الفَرَس. طبعاً أنا أنفسنا نحن، ألوم كوادرنا الشبابية، ألوم قياداتنا السياسية، ألوم الأحزاب اليسارية التي أعلنت إفلاسها في الوطن العربي، ألومنا كلنا، ألوم نفسي أيضاً

زاهي وهبي: طبعاً

محمّد بكري: ألوم نفسي أيضاً، أنا لستُ بريئاً من هذا المُصاب ولكن أعتقد أنّ هناك من يُغذّي هذا الانقسام وهذه الحروب الأهلية ، وأتأمّل وأتمنّى وأُصلّي لربّي ألّا تطول هذه الأمور ويعود الناس إلى صوابهم، كما حصل في (لبنان). في (لبنان) كانت حرباً أهلية دامية لمدة 15 سنة، والحمد لله اليوم المسيحي والمُسلِم والكتائِبي والدرزي والفلسطيني كلّهم يعيشون مع بعضهم البعض. كان هناك وضع غير طبيعي وصعب اقتصادياً ومادياً وسياسياً

زاهي وهبي: ولكن لا يوجد اقتتال وتذابُح وخراب

محمّد بكري: ولكن إذا تسمح قياساً بما يحصل في (سوريا) أو في (اليمن) أو في (ليبيا)

زاهي وهبي: وفي (العراق)

محمّد بكري: نحن في وضع جيِّد. أتمنّى على (لبنان) كما تمنّيت على (تونس) أن يكونا أمثلة للتعايش بين البشر وبين الأحزاب المُختلفة ويُعطوا للآخرين مثالاً بأنه من اللازم أن نعيش هكذا، وخلص يكفي قتلاً وذبحاً

زاهي وهبي: أُستاذ "محمّد بكري" سأُتابع مع حضرتك في القسم الأخير ولكن نتوقّف مع استراحة أخيرة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع:

زاهي وهبي: مُشاهدينا نتابع "بيت القصيد" في القسم الأخير مع الفنان الفلسطيني القدير الأُستاذ "محمّد بكري" ونستمع أيضاً إلى رأي في تجربتك إذا سمحت لي أُستاذ "محمّد" من المُخرِج والمُنتِج المعروف الأُستاذ "فيصل حصايري"، نسمعه سوياً

كلام يوصل

فيصل حصايري - منتِج: "محمّد بكري" لا أُبالِغ لو كنت أحسب جيداً، أعرفه منذ حوالى عشرين سنة. صادف أنني قابلته في يوم من الأيام في (رام الله) خلال تخطيطي لمهرجان سينما فلسطينية ما بين (رام الله) و(القدس) وكان هو هناك، ثم في عام 2002 وجدت "محمّد" بالصدفة في أحد شوارِع (روما) أمام قاعة سينما لمهرجان سينما فلسطينية. ذكّرته بنفسي وذكّرته بالمقابلة الأولى التي صارت بيني وبينه في (رام الله) وأعلمني "محمّد" أنّ عنده مادة فيلم صوّره خلال الاجتياح وينوي منتجته والعمل عليه وهذا ما حصل بالفعل عندما دعوته أن يرجع إلى (روما) مع المادة وهذا ما حصل في الواقع وتمت منتجة الفيلم في (روما). ومنذ ذلك الحين وتلك السنة بدأت تربطني مع "محمّد" علاقة جيّدة جداً، علاقة صداقة تجاوزت الفيلم الذي كان يتسبّب له بمشاكل كبيرة منذ حوالى 15 سنة في المحاكم الإسرائيلية حيث كانوا يظنون أن القصة انتهت ، لكنها أُعيدت مرة ثانية من قِبَل مجموعة ثانية من الإسرائيليين. الحالة المأساة التي سببها فيلم "جنين جنين" زادت قوة  في العلاقة بيننا والتعاطي بيننا وأصبحنا نتقابل بطريقة أكاد أقول مُنتَظمة سواء عنده في بلاده أو حين يأتي إلى هنا في (تونس) أو في أحد المهرجانات المُختلِفة في العالم، وبالتالي العلاقة التي تربطني بـ "محمّد" ليست علاقة مهنية فقط، هي علاقة أُخوّة كبيرة خصوصاً عندما يصل إلى (تونس) فتشعُر بـأنّ "محمّد" يزهو ويصبِح أكثر حركةً وأكثر ديناميكية، لعلّ وجوده في (تونس) وعلاقته بالمكان تجعله أكثر فرحاً، أكثر نشاطاً، وهذا ما يجعل "محمّد" صديقاً قريباً جداً خصوصاً وأننا فكرياً أنا وإياه نتقابل في العديد من المسائِل سواء أكانت سياسية أو كانت في ما يخصّ الإبداع. "محمّد" في الأساس ممثل وله طالَع المُخرِج، وأكيد "مُحمّد" له Talent بمعنى موهبة كبيرة في الإخراج وفي الكتابة بالتحديد وهو يمشي في هذا الطريق ونتمنّى أن يواصل، وشاهدنا أعماله التي تلت "جنين جنين" والتي قوبِلَت بالاستحسان وقوبِلت بجوائِز مهمة أيضاً في الكثير من المهرجانات. السؤال الذي يُمكن أن أطرحه على "محمّد بكري" هو أصلاً طرحه عليّ الكثير من المرّات وأنا طرحته أيضاً عليه الكثير من المرات، يا "محمّد" يا "بكري"، متى سوف يجمع بيننا عمل سينمائي ثانٍ بعد تجربة “جنين جنين"؟ شكراً

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ "فيصل حصايري"، تفضّل

محمّد بكري: قريباً يا "فيصل"، قريباً إن شاء الله، ممكن أن يكون العمل القادم

زاهي وهبي: إذا بمستوى "جنين جنين" وإذا يقيم الصدى الذي قام به "جنين جنين" والأثر فسيكون عملاً عظيماُ ونشدّ على أياديكم

محمّد بكري: للحقيقة، مع "فيصل" أنا أرغب أن أقوم بعمل درامي روائي وليس وثائقياً

زاهي وهبي: تجربتك في الإخراج كم هي تجربة مُرضية بالنسبة لحضرتك؟ وهلّ التمثيل لم يتركك تقول كلّ ما تريد أن تقوله حتّى خضت تجربة الإخراج؟

محمّد بكري: أنا لستُ مُخرجاً وربما لن أكون مُخرجاً، بمعنى لا أحلم أن أكون مخرِجاً. الأفلام التي أخرجتها فقط فيلم "زهرة" وكان ذلك باختياري من أجل أن أشكُر هؤلاء الذين بسببهم كما قلت أنا موجود في بلدي ، ولكن باقي الأفلام التي قمت بها كانت ردود فعل وليست فعلاً. ردود فعل على جرائِم من ناحية وسياسة موجّهة إسرائيلياً من ناحية أُخرى ضدّي وضدّ شعبي، فأنا حاولت أن أُدافِع عن نفسي في هذه الأفلام

زاهي وهبي: كيف ترى مسيرتك؟ إذا نظرت في مشوارك الإبداعي كيف تجده؟ ولو طلبت منك أن تضع عنواناً عريضاً، فرضاً عنوان مانشيت في جريدة لمسيرتك ماذا يكون عنوانك؟

محمّد بكري: أكتُب جملة واحدة، لم أصنع بعد الفيلم الذي أُريد

زاهي وهبي: رغم كلّ النجاحات، رغم كلّ ما قدّمته

محمّد بكري: لم أصنع بعد "غسان كنفاني"، لم أصنع بعد "محمود درويش"، لم أصنع بعد فيلماً يُحاكي الضمير العالمي ويُحاكي الضمير العربي كما حاكيته في مسرحية "المُتشائِل"

زاهي وهبي: نعم، هلّ حققت الكثير من أحلامك؟

محمّد بكري: الحلم الوحيد الذي حقّقته أنني تزوّجت من تمنّيت أن أتزوّج

زاهي وهبي: منذ متى تزوّجت؟

محمّد بكري: 42 سنة

زاهي وهبي: 42 سنة؟ يبقى الحب 42 عاماً؟

محمّد بكري: يزداد

زاهي وهبي: يزداد، بصدق؟

محمّد بكري: بصدق

زاهي وهبي: عينك في عيني؟

محمّد بكري: أحلف على الله

زاهي وهبي: حلو، حلو. بالعكس هذا شيء يُفرِح وعكس ما يقال. تعلم النظريات والشعارات أنّ الزواج مقبرة الحبّ وكلام من هذا النوع

محمّد بكري: أعتقد أنّ الحبّ لا يموت

زاهي وهبي: لا يموت

محمّد بكري: الحبّ الحقيقي لا يموت. تتغيّر وتكبر في العُمر ولا تعود شاباً ولا تعود تقوم بأشياء كما كنت تقوم بها بنفس الطاقة ونفس الاندفاع، لكن الحبّ لا يموت خصوصاً عندما يُصبح عندك أولاد وأحفاد، كيف ممكن؟ كيف ممكن أن ينتهي؟ غير معقول، غير طبيعي

زاهي وهبي: اشتغلت في يومٍ من الأيام كعامِل بناء في ورشة وكنت تحمُل الإسمنت وغيره. ماذا يبقى فيك من ذاك العامل؟

محمّد بكري: ماذا بقي من ذاك العامل؟ الإصرار على الحياة لأنني اشتغلت من أجل أن أعيش ولم يكن هناك من رزق آخر وإذا لم أشتغِل أجوع أو أُجوِّع أهل بيتي، فكنت مضطراً إلى العمل لأنه لم يكن هناك حلّ آخر وكانت رفيقتي وحبيبة قلبي "ليلى" زوجتي معي وهي التي كانت تشدّ من أزري وتقول لي " ولا يهمك غداً تهون" وتشفق عليّ وتُشجعني وتدعمني وتتفّهم الوضع الذي أنا فيه، والشغل ليس عيباً

زاهي وهبي: طبعاً الشغل ليس عيباً، وأنا أسأل عن التجربة كتجربة

محمّد بكري: كان الشغل صعباً ولم يكن سهلاً لكن مرّت تلك المرحلة والحمد لله

زاهي وهبي: إذا أردت أن تقول شيئاً للسيّدة زوجتك، لـ "ليلى" أمام الملأ عبر الكاميرا ماذا تقول لها؟

محمّد بكري: لا. أقول لها بيني وبينها

زاهي وهبي: نريد أن تقول شيئاً أمامنا، بيني وبينك وبينها فقط

محمّد بكري: يا رب يخلّيها بصحتها وألاّ تمرض ولا مرض

زاهي وهبي: يا ربّ. بماذا ستعود إلى (فلسطين) من (بيروت)؟ ماذا ستحمِل معك؟ ليس بالمعنى المادّي

محمّد بكري: أعرِف

زاهي وهبي: ماذا ستحمِل معكَ من (لبنان) إلى (فلسطين)؟

محمّد بكري: حبّ أن أعود. أتأمّل أن تجعلني هذه الزيارة أعود أيضاً وأيضاً، وعندي إحساس أنّ في الدنيا خير هنا، بمعنى من كلّ الذي قلته أنه هذا البلد وهؤلاء الناس فيهم خير والخير سيغلِب الشرّ، هذا إحساسي. ربما أكون متفائِلاً ولكنّي أُريد أن أكون متفائِلاً وأُحبّ أن أكون متفائِلاً وأنا إحساسي لا أُخطئ كثيراً فيه

زاهي وهبي: إن شاء الله نُشاهدك في عمل يُصوَّر هنا في (بيروت)

محمّد بكري: والله هذا أملي الكبير، أملي الكبير أن نشتغل عملاً هنا، أولادي كانوا هنا واشتغلوا وأتأمّل أن تنتقل التجربة لي. أنا أعرِف الكثير من الناس الذين يتعاملون في السينما ويشتغلون سينما جيّدة جداً في البلد وأتأمّل أن يُحالِفنا الحظّ مع بعضنا البعض وأن نشتغِل

زاهي وهبي: أنا عندي صديق مُخرِج معروف حلمه أن يُخرِج عملاً لـ "غسان كنفاني" في فيلم

محمّد بكري: من؟

زاهي وهبي: أُعرِّفك عليه، أُعرِّفك عليه أكيد. أنا استمتعت جداً في الحوار معك وفي استقبالك، وأنا أيضاً انتظرت 53 سنة، لأنّ قريتي تطلّ على منطقة (الجليل) الفلسطيني لكي أتعرّف عليك. أعرِفك كما كلّ مُحبّيك في العالم يعرِفونك، من خلال الأفلام ومن خلال وما يُكتب عنك في الصُحف. سعيد جداً أنني أخيراً

محمّد بكري: أُقدِّر جداً ما تقوله وأحترمك جداً على عملك وعلى برنامجك وعلى هذا البرنامج لأنه ليس أيّ شيء

زاهي وهبي: الله يخليك، وأُحمِّلك تحيات لـ (فلسطين) وأهل (فلسطين) وخصوصاً لـ (الجليل) الفلسطيني وأريدك أن تُحيي (فلسطين) على طريقة "الشيخ إمام"، إذا سمحت في ختام هذا اللقاء

محمّد بكري: لم أعُد أجرؤ أن أقول لك لا

زاهي وهبي: مع أنني مهّدت وفرشت

محمّد بكري: فرشت لي الطريق

زاهي وهبي: نعم

محمّد بكري: (يغني)

زاهي وهبي: الله، ألف ألف شكر

محمّد بكري: الشكر لك

الحلقة انتهت