حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

مستشار الرئيس الفلسطيني نبيل شعث

آخر التطورات على الساحة الفلسطينية الداخلية، وأي دور تلعبه الدول العربية في مواجهة أميركا وإسرائيل.

 

لانا مدور: مساء الخير، وأهلاً بكم إلى حوار الساعة.

لم يتغيّر شيء منذ إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، الوضع في فلسطين ما زال على حاله لا بل ازداد سوءاً، لم تندلع الثورة ولم تتحوّل الاحتجاجات إلى انتفاضة.

كل الإنشائيات والخطابات العربية بقيت فقاعة، فماذا بعد؟

نائب الرئيس الأميركي حدّد زيارةً للمنطقة كان قد أجّلها مرّاتٍ عديدة آخر هذا الشهر. سيسبقها أيضاً اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني، والمتوقّع أن تشارك فيه الفصائل كلها ولو أن بعضها بشكل رمزي.

أما الإجراءات الإسرائيلية لقتل القضية والحقوق الفلسطينية لا تهدأ، كذلك التسريبات حول ما تحيكه إدارة ترامب من خططٍ وصفقاتٍ بالتعاون مع بعض العرب.

في حوار الساعة الليلة نسأل عن القضية الفلسطينية، ونتناول إجراءات السلطة الفلسطينية بشكل خاص مع المستشار السياسي للرئيس الفلسطيني الدكتور نبيل شعث.

أهلاً بك دكتور شعث.

 

نبيل شعث: أهلاً وسهلاً.

 

لانا مدور: سنبدأ من حيث انتهينا، من مرور شهر وثلاثة أيام على إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل. هل تعتقد أنّ الأميركيين نجحوا في تمرير ما يريدون بأقل خسائر ممكنة؟

 

نبيل شعث: لم يمرّروا شيئاً، نحن مرابطون في القدس إلى يوم الدين، هذه عاصمة بلادنا، نحن سدنة المسجد الأقصى والصخرة وأيضاً سدنة كنيسة القيامة ونحن لم نتخلّ عنها ولن نتخلى عنها، هذا الشعب الفلسطيني المرابط في القدس والصامد في القدس والواقف بكل شجاعة في وجه الاحتلال الإسرائيلي ومن ورائه الحقيقة شعب فلسطين وحراك شعبي عربي وإسلامي ومسيحي في كل مكان يقف إلى جوارنا. ترامب حقيقة فقط أعطى النموذج لما يسمّى بصفقة القرن، وهو نموذج نرفضه كليةً بكامله، ليس فقط في الجانب المقدسي منه، وللقدس أهميتها الخاصة كما قلت، نحن المرابطون في القدس إلى يوم الدين، ولكن أيضاً كلّ ما يتعلق بحل القضية الفلسطينية، هو يتحدّث عن استمرار المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، لا يتحدّث عن دولة فلسطينية مستقلّة، لا يتحدث عن انسحاب إسرائيلي كامل، لكي أكون واضحاً من البداية، أقلّ من الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأرض التي احتُلّت في العام 1967 وفي مقدمة ذلك القدس، بما يتيح لنا إقامة دولة مستقلة على هذه الأرض عاصمتها القدس الشرقية، وتنفيذ حقّ اللاجئين بالعودة حسب القرار 194 وحلّ كافة المشكلات التي كانت قد أجِّلت إلى الحلّ النهائي، قبل ذلك لا يمكن، ومن دون ذلك لا يمكن لنا قبول لا ترامب ولا مشروعه ولا أميركا ولا مشروعها ولا أيّ مشروع آخر شبيه. ليكن ذلك واضحاً، وقد أوضحناه بأعلى صوت، وبكلّ صمود وبكلّ استحقاق للعالم، أقلّ من ذلك لا نتحدث عن عملية سلام، لا نريد صفقة ترامب من أولها إلى آخرها، وبالأخصّ ما بدأ به من اعتداء وانتهاك لحرمة القدس والشرعية الدولية التي تحميها.

 

لانا مدور: ولكن دكتور شعث، هذا الكلام المبدئي للفلسطينيين تقابله سلطة الأمر الواقع للإسرائيليين. بعد إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، تمّ إقرار مزيد من المستوطنات، يتم العمل الآن على اعتبار المستوطنات جزءاً من دولة إسرائيل، مسألة الأونروا تمهّد لإجهاض حق العودة لنزع صفة اللاجئين عن الفلسطينيين.

إذاً سلطة الأمر الواقع تضغط على كلّ هذه القرارات المبدئية التي تتخذونها. ماذا أنتم بفاعلين؟

 

نبيل شعث: نحن لم نتوقّف أبداً عن مقاومة الأمر الواقع. الأمر الواقع لا يحقّق أيّة شرعيّة للاحتلال الإسرائيلي. الأمر الواقع هو أمر احتلال، وهذا الاحتلال الإسرائيلي لتمكّن من أرضنا بالقوة العسكرية في مواجهة كلّ القوى العربية في العام 67 وحتى في العام 73 الذي تحقق فيه انتصار عربي جزئي. ما زال هذا الاحتلال الإسرائيلي موجوداً على قلوبنا وفي أرضنا وفي أقدس مقدّساتنا، ولكنّه احتلالٌ مرفوض وأمرٌ واقع مرفوض لا نقبله ولا يقبله معنا الكثيرون، والـ129 دولة التي وقفت في وجه الولايات المتحدة في الجمعية العامة رافضةً لمشروع ترامب تقول إنّ هناك شبه إجماع دولي يقف إلى جانبنا. الـ14 دولة التي وقفت في وجه ترامب في مجلس الأمن ومن بينها بريطانيا وفرنسا، الجماهير التي قامت في كلّ عواصم البلاد العربية والإسلامية أيضاً تقول ذلك، وجودنا نحن على هذه الأرض، كنّا مليون ونصف مليون فلسطيني عام 48، نحن الآن على الأرض الفلسطينية 6 فاصل 5 ملايين فلسطيني. في زمنٍ يُجبَر فيه الناس على الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسّط لا يهاجر الشعب الفلسطيني، الشعب الفلسطيني رابضٌ على أرضه، ثابت، مرابط على أرضه، وبالتالي هذا الأمر الواقع غير مقبول، ونحن نقاومه شعبياً ونقاومه دولياً ونقاومه في كل مكان وسنستمر في مقاومته.

 

لانا مدور: ندخل الآن أكثر في التفاصيل السياسية والعلاقة بين السلطة الفلسطينية والولايات المتحدة الأميركية هي محط الأنظار خصوصاً بعد القرارات التي اتخذتها السلطة باعتبار أن أميركا لم تعد راعية لعملية السلام، ورفضتم استقبال نائب الرئيس الأميركي الذي سيعود أواخر هذا الشهر، ويبدو كما يُحكى أنّ السلطة ستغيّر رأيها وستستقبله. هل هذا صحيح؟

 

نبيل شعث: هذا غير صحيح نهائياً. أولاً، هو لم يطلب زيارتنا بعد أن رفضناه بشكل علنيّ، وأدّى رفضنا له إلى تراجعه عن الزيارة بكاملها، لقد وقف إلى جانبنا شيخ الأزهر ووقف إلى جانبنا البابا القبطي المسيحي في مصر، ووقف في وجهه الكثيرون ممّن رفضوا، مدينة بيت لحم بأكملها رفضت استقباله. عندما رفضنا ذلك، هو لم يجرؤ على أن يطلب منا أن يزور مرة ثانية، ولو تجرّأ سنرفضه، لن نقبل بزيارته. لن نتراجع في موضوع رفضنا للدور الأميركي في قضيتنا، فهي دولة منحازة برئاسة منحازة، مرفوضة، ولا يمكن لنا أن نستمر ونقبل بمشروعها الذي سمّوه بصفقة القرن أو صفعة القرن أو ما شئتِ من تسميات تليق بأميركا والرئيس الحالي.

 

لانا مدور: دكتور شعث، الآن علاقتكم مقطوعة مع الإدارة الأميركية؟ كل الاتصالات مقطوعة بين السلطة الفلسطينية والإدارة الأميركية؟

 

نبيل شعث: ليست هناك اتصالات سياسية، لكن ما زال مكتب مفوضيتنا في واشنطن موجوداً، كانوا قد هدّدوا بإغلاقه، ونحن سنظلّ فيه إلى أن تتم مطالبتنا بإغلاقه، فنحن لم نغلق هذا المكتب حتى الآن، هناك قنصلية أميركية في القدس.

 

لانا مدور: كنتم قلتم أنتم أيضاً أنكم ربما قد تذهبون إلى إغلاقه ولم تتخذوا هذه الخطوة، لماذا؟

 

نبيل شعث: لا، نحن لم نقل ذلك إلا رداً على مطالبتنا بإنزال العلم الفلسطيني وبالتوقف عن، إذا هم أرادوا ذلك فنحن سنغلق المكتب وهذا ما قلناه عندما خرج القرار في أوله، ولكن هو موجود، لدينا جالية كبيرة في الولايات المتحدة، مفوّضنا هناك في واشنطن يصرف الجزء الأكبر من وقته مع الجالية الفلسطينية هناك، ونحن لم نغلق هذا المكتب حتى الآن. القنصلية الأميركية الموجودة في القدس يستخدمها المواطنون لطلب التأشيرة أو لأمور غير ذلك، ولكن ليست هناك اتصالات سياسية مع الولايات المتحدة الآن.

 

لانا مدور: هناك مسؤولون في البيت الأبيض يقولون، دكتور شعث، بأنّ الخطة الأميركية للسلام التي ستعرض، وعلى ما يبدو أن نائب الرئيس الأميركي سيعرضها وهو موجود في إسرائيل، هذه الخطة ستوجّه نداءً إلى رام الله والعالم العربي وستستطيع أن تغلب الغضب الفلسطيني.

هل وصلتكم أجواء ماذا سيعرض نائب الرئيس الأميركي في زيارته، ما هي هذه الخطة التي ستلقى القبول منكم ومن العالم العربي بحسب أجواء البيت الأبيض؟

 

نبيل شعث: هم يحلمون، وأنا أعتقد أنّه من الصعب جداً تفسير مواقف السيّد دونالد ترامب الرئيس الأميركي، كما أنّ كثيراً من هذه المواقف هو قد تخلّى عنها، لا ننسى السور العظيم الذي أراد من المكسيك أن تبنيه بطول 3200 ميل وارتفاع عشرة أمتار، مجهّز بالإلكترونيات وغيرها، تدفع ثمنه المكسيك لكي تمنع المكسيكيين من دخول الولايات المتحدة، لا زلنا نذكر موقفه من الصين.

 

لانا مدور: لكن دكتور شعث، ربما قد يطرحون خطة مقبولة فلسطينياً، قد يعطونكم بعض الحقوق أو لا أدري، هل هناك أجواء من هذا القبيل؟

 

نبيل شعث: ليس لدينا مخرّفون في الساحة الفلسطينية لكي نتصوّر أنّ هذا الرجل سيأتي بشيء مقبول. لقد قلت في بداية هذا الحديث بكلّ وضوح، بأعلى صوت، أقلّ من انسحاب إسرائيلي كامل من الأرض المحتلة عام 67 وبالأخصّ القدس الشرقية، وأقلّ من دولة فلسطينية مستقلة عليها عاصمتها القدس الشرقية، وأقلّ من حق اللاجئين في العودة حسب القرار 194، لا نريد الدخول في عملية سياسية. وإذا دخلنا في عملية سياسية، يجب أن تكون دولية تماماً كالعملية السياسية الإيرانية التي دخلتها خمس دول أعضاء لمجلس الأمن زائد دولة، وهذا الاتفاق استند إلى الشرعية الدولية. أقلّ من إطار دولي يستند إلى الشرعية الدولية لن نقبل. نحن على ثقة ويقين كاملين أنّ ما يقدّمه ترامب في صفقته هذه يقصر عن ذلك كثيراً، ولا يرتقي إلى أي شيء مقبول لدينا لا بالنسبة للقدس، ولا بالنسبة للاستيطان، ولا بالنسبة للأرض التي يمكن الانسحاب منها، ولا بالنسبة لسلطة ذاتية تحت الحكم الإسرائيلي، ولا بالنسبة لسيطرة الجيش الإسرائيلي على الأمن في المنطقة. كلّ ذلك هو من محتويات خطة ترامب وهو مرفوض من أساسه.

 

لانا مدور: دكتور شعث، رغم أنك أجبت بشكل واضح، وهذا الموقف هو موقف يُعتبَر واضحاً بالنسبة لللسلطة الفلسطينية من مسألة ما يمكن أن تقدّمه إدارة ترامب، إلا أنّ هذه الإدارة لا زالت تعوّل أيضاً بحسب التسريبات، تحديداً في الصحف الإسرائيلية هنا نتحدّث، عن عزل مبادرة السلام عن الأزمة بين واشنطن ورام الله، وكأننا أمام موضوعين منفصلين، وكأن هناك أزمة بين واشنطن ورام الله لا ندري كيف اندلعت، وهناك مبادرة السلام وأن واشنطن قادرة على إقناع رام الله بمبادرة السلام والمشكلة بينكما والمشكلة الثنائية ببينكما تحل على حدة.

ما رأيك بهذه المقاربة؟ من يسوّق لها ومن يتبنّاها بهذه الطريقة؟ هل فقط إسرائيل هي التي تسوّق وتتبنّاها أو أن أيضاً بعض الشركاء في المنطقة العربية؟

 

نبيل شعث: إسرائيل لا تريد عملية سلام، لنقُلها من الآخر، حتى عملية سلام ترامب، إسرائيل تريد فقط استمرار الأمر الواقع، أي أن يستمر الاحتلال الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية بكاملها، أن تقوم هي باستيلاب الأرض والماء وتحويلها إلى مستوطنات إسرائيلية، تكريس ضمّ القدس الشرقية إلى الغربية في ما يسمّونها عاصمة إسرائيل الموحّدة، الاستمرار في هذا المشروع الإسرائيلي يعني إستحالة أن تكون هناك إمكانية أميركية لشرح ذلك، أو جزء من ذلك، أو التعاطي مع ذلك بأية حال من الأحوال، ثم نحن غادرنا.

 

لانا مدور: دكتور شعث، انطلاقاً مما تقوله، ما نفع أن تتمسّكوا أنتم بعملية السلام إذا كان الطرف الآخر لا يريدها، بمعنى يجب البحث عن بدائل حتى عن عملية السلام؟

 

نبيل شعث: من دون شكّ أنّ هناك بدائل، حتى بالنسبة لعملية السلام، بديل ما يحدث المشروع الذي أطلقت عليه المشروع الإيراني، لأن المشروع الإيراني كان مشروعاً دولياً بإطار دولي.

 

لانا مدور: هذه ستحسب عليك بالمناسبة، المشروع الإيراني، مشروع السلام الفلسطيني على الطريقة الإيرانية؟

 

نبيل شعث: لا، أنا أتحدّث عن الإطار، الإطار الذي تم به الوصول إلى الاتفاق الدولي مع إيران كان إطاراً دولياً ولم يكن إطاراً أميركياً. صحيح أميركا موجودة فيه لكن كان إطاراً دولياً، هذا الإطار الدولي أميركا تريد التخلّي عنه، ترامب لا يكفّ ولا يكلّ من مطالبة العالم بأنّ إيران تنتهك هذا الاتفاق وكلّ الأطراف الأخرى، أوروبا وروسيا والصين، تقول إنّ إيران لم تخل بأي شيء من هذا الاتفاق، وأنه لا يجوز للولايات المتحدة أن تنتهك هذا الاتفاق بجانبها، لأنّ ذلك اتفاق دولي وليس اتفاقاً أميركياً. ذلك ما أعنيه بالموذج الإيراني.

 

لانا مدور: من الذي سيجبر دكتور شعث إسرائيل على الذهاب إلى هذا الخيار، أن تقبل بهذا النموذج، دول خمسة زائد واحد، لا أدري ماذا يمكن أن يكون شكل مجموعة الدول التي ستكون موجودة؟ ليس هناك من ضاغط على إسرائيل. ما الذي سيضغط على دولة تكسب في كلّ ما تريد، حصلت على عاصمتها من أكبر دولة في العالم، ما الذي سيضغط عليها لكي تقبل بما أنتم تريدونه؟ هي لا تعبأ أو لا تكترث إلى الموقف الأوروبي حسب تصريحات نتانياهو في الآونة الأخيرة، ولا نظن أن روسيا أو الصين قادرة على أن تضغط على إسرائيل في الوقت الحالي؟

 

نبيل شعث: أنا أرجو أن ينظر مشاهدوك إلى الأمام قليلاً، أنا أدرك أنّ ما سأقوله لن أمر لن يتحقّق غداً، ولكنّه في السنوات الثلاث، الأربع القادمة، ونحن علينا أن نصمد ونصبر ونرابط ونصابر في هذه السنوات القادمة، لكنّ الولايات المتحدة تفقد تدريجياً قدرتها على حكم هذا العالم. ما حدث في عام 1991 من انهيار الاتحاد السوفياتي، ومن انتصار الأميركان في الخليج، هو الذي مكّن أميركا من أن تحكم العالم بين 1991 ومنتصف العام 2010 وللعام 2015. في تلك الفترة، أميركا كانت تقرر وما تقرره كانت تلتحف به إسرائيل، لأنه في الحقيقة الذي يحكم هو الولايات المتحدة، ليس إسرائيل، إسرائيل هي المشروع الأميركي في منطقتنا، ليس العكس. ولذلك الآن الوضع يتغير.

 

لانا مدور: دكتور شعث، هذه نظرة استراتيجية هامة من قبلك. تعتقد أن الدور الأميركي يتراجع في المنطقة؟ وما هي عوامل هذا التراجع؟ لو سمحت أن تفسّر لنا أكثر.

 

نبيل شعث: ارتكبت الولايات المتحدة أخطاءً فادحة في الشرق الأوسط، ارتكبت أخطاءً فادحة في أفغانستان والعراق، هي التي أنتجت القاعدة وهي التي أنتجت داعش وهي التي أنتجت الإرهاب وهي التي أنتجت.

 

لانا مدور: صمود سوريا عزّز هذا التراجع الأميركي؟

 

نبيل شعث: ولكن هي تدفع ثمن ذلك، ترامب قال في مطلع عهده أن أخطاءنا في العراق وأفغانستان كلفتنا ثلاثة ترليون دولار، لو كنّا أنفقناها في الولايات المتحدة لأعادت بناء البنية التحتية في الولايات المتحدة بأسرها. في تلك الفترة نمت قوة روسيا، لم تعد روسيا التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، الآن روسيا دولة قوية وقادرة، نمت الصين وأصبحت قوة اقتصادية عالمية، نمت أوروبا، نمت جنوب إفرقيا وأصبحت القوة الأساسية في إفريقيا، نمت البرازيل والهند. العالم لم يعد عالماً تحكمه الولايات المتحدة وحدها وفي السنوات القليلة القادمة سنرى ذلك جميعاً وعلينا أن نصبر وأن نتّحد وأن نضع كل قوانا سوياً لكي نستطيع أن نستفيد من هذا العالم الجديد. في خلال الأسابيع الماضية، أنا كنت في زيارة أمثّل الرئيس أبو مازن في روسيا، وكنت في الصين، والتقيت بالقيادتين الروسية والصينية، وقبلها كنت عند الرئيس زوما في جنوب إفريقيا، وقبلها كنت في بروكسل التقيت بـ28 ممثلاً للاتحاد الأوروبي في الرئاسة الأوروبية وجميعهم يتفهّمون هذا الموقف، مستعدّون لكي يشكّلوا إطاراً دولياً وليس إطاراً تحكمه وتسيطر عليه أميركا، جميعهم يدركون أن العالم يتجه نحو عالم متعدّد الأقطاب، لم يعد هناك مجال ولا إمكانية لكي تستمر أميركا في حكم هذا العالم. علينا أن نخطط لذلك وأن نستعد لذلك وأن نستفيد منه.

 

لانا مدور: دكتور شعث، عفواً، روسيا سمعت منها أنها جاهزة للضغط على إسرائيل للقبول بتشكيل هذه المجموعة الدولية؟

 

نبيل شعث: بالتأكيد، كما اجتمعت هذه المجموعة وتمكنت من الوصول إلى اتفاق مع إيران، وهذا كان اتفاقاً، حقيقة لم يكن أحد يتصوّر إمكانية تحقيقه دولياً طالما أن الولايات المتحدة كانت تريد أن تكون هي الخصم والحكم، نفس الأمر بالنسبة لإطارنا، ثم من الذي يقول إنّ روسيا والصين الآن تعدمان أو تحتاجان إلى أدوات للضغط على إسرائيل؟ هناك علاقات روسية إسرائيلية.

 

لانا مدور: مصالح؟

 

نبيل شعث: وهناك علاقات صينية إسرائيلية وهناك مصالح، وإسرائيل تدرك تماماً، ما أقوله عن أن الزمن انتهى في حكمٍ ديكتاتوري أميركي تدركه إسرائيل أيضاً، إسرائيل تحاول أن تخترق أوروبا، تحاول أن تخترق هذه الدول، تحاول أن تخترق أميركا اللاتينية لأنها تدرك أن أميركا لم تعد وحدها قادرة على حكم العالم.

 

لانا مدور: تحاول اختراق الدول العربية، وربما قد نجحت في ذلك.

إذا الدول العربية لم تستخدم مصالحها للضغط على إسرائيل أو على أميركا دكتور شعث، ما الذي سيدفع الروس للقيام بذلك أو الصينيين؟

 

نبيل شعث: مصالح أوروبا، أوروبا أيضاً لها مصالح، ليس مئة بالمئة تتفق مع مصالح الولايات المتحدة، لو كان هناك فعلاً تطابق بين المصالح الأوروبية والأميركية لما كانت تداعيات المشكلات العديدة التي تمر بها أوروبا في علاقاتها في الولايات المتحدة، ونفس الأمر بالنسبة لروسيا، ونفس الأمر بالنسبة للصين، لا يمكن وقف ذلك، أذكّر المشاهدين بما حدث في أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، خرجت بريطانيا وفرنسا منتصرتين في الحرب العالمية الثانية، ولكن اضطرتا للتخلي عن كل الإمبراطوريات الأوروبية في الهند وإفريقيا، وذات الأمر بالنسبة لديغول بالنسبة للجزائر التي كانوا يعتبرونها جزءاً لا يتجزأ من فرنسا، نحن مقدمون على هذا العهد ولكن هذا الرئيس الذي يحكم أميركا الآن يعتقد أنه قادر بأصبعه أن يوقف التاريخ، هو غير قادر على أن يفعل ذلك ولذلك هو يتخبّط.

 

لانا مدور: دكتور شعث، عفواً سنتوقف الآن مع فاصل قصير، ولكن بعد الفاصل سأدخل معك أكثر في السيناريوهات التي بدأت تسرّب هنا وهناك. طبعاً كان هناك تسريب لسيناريو عن دولة فلسطينية من دون القدس وطرح أسماء أخرى، أيضاً الآن هناك طرح لبعض الخطط عن إلغاء الدولة بشكل تام. سأسألك عن هذا الموضوع، سندخل أيضاً أكثر في تفاصيل الاجتماعات الفلسطينية الفلسطينية، المصالحة، هل يمكن أن نرى موقفاً فلسطينياً موحّداً في المرحلة المقبلة.

بعد الفاصل مشاهدينا، ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

لانا مدور: من جديد أهلاً بكم مشاهدينا إلى حوار الساعة الليلة، ضيفنا هو المستشار السياسي للرئيس أبو مازن الدكتور نبيل شعث. أهلاً بك.

ودكتور شعث سأعود معك قليلاً إلى زيارة نائب الرئيس الأميركي المرتقبة، سيزور مصر والأردن. هل لديكم فكرة ماذا سيسمع من الرؤساء، من الرئيس المصري والعاهل الأردني؟

 

نبيل شعث: لا نستطيع التنبؤ تماماً، ولكن نتمنى أن يسمع موقفنا وأن يسمع موقفاً عربياَ قوياً، نتمنى ذلك. لا بأس، دعيني أكون صريحاً، لقد مررنا بأزمنة كانت فيها الأوضاع العربية تشابه الوضع الراهن أو أصعب منه، وأذكّرك بحرب العام 82 في لبنان، تلك الحرب التي وقف فيها الشعبان الفلسطيني واللبناني في وجه الجيش الإسرائيلي بكامله، بطيرانه وبحريته وقواته البرية، وصمدنا 88 يوماً، لم يحدث أثناءها اجتماع وزراء خارجية عرب ولا مؤتمر قمة عربي، وأقول لك أكثر، ولا تظاهرات عربية.

 

لانا مدور: الاجتياح الإسرائيلي.

 

نبيل شعث: في تلك الفترة وصمدنا 88 يوماً صموداً بطولياً، لكن في النهاية إضطرت القوات الفلسطينية تاركة سلاحها الثقيل للقوى اللبنانية المقاومة والمجاهدة، وانتقلنا من بيروت إلى تونس وإلى غيرها.

 

لانا مدور: دكتور شعث، عفواً، فقط للتوضيح، أنت تشبّه اليوم التخاذل أو التخلي العربي عن الفلسطينيين الذي حصل عام 82 بنفس الحال اليوم؟ هناك تخاذل وتخلٍ عربي عن الفلسطينيين أيضاً وعن القضية الفلسطينية؟

 

نبيل شعث: الموقف شبيه بجوانب عديدة، خصوصاً أنّ العدو في هذه المرحلة بكلّ وضوح وصراحة أميركا، كانت في عام 82 إسرائيل تلعب الدور المواجه، وكان هناك خلاف في أميركا ما بين هيغ وريغان، تبعه وزير خارجية جديد، وأميركا من دون شكّ هي الراعي وهي الأساس، لكن المواجهة كانت مع إسرائيل في عام 82. الآن المواجهة مع أميركا، هذا يصعّب الموقف على الكثير من أشقائنا العرب، ولكن حقيقةً في النهاية، لا أريد تكرار صيحة أبو عمار رحمه الله يا وحدنا، لأنه لا، معنا قوى جماهيرية عربية موجودة في كل مكان، وشعبنا صامد على أرضه، ولا ننسى أبداً بطولة الشعب اللبناني الذي وقف معنا وإلى جانبنا وتحمّل الكثير في عام 82، لكن بعد ذلك تتغيّر الأوضاع العربية، تغيّرت مرات عديدة، في 67 كانت هناك هزيمة عربية، في العام 73 كان هناك توحّد عربي وانتصار. نحن لا نتخلّى عن انتمائنا لأمّتنا ولا نتخلّى عن انتمائنا لقومياتنا ولكن ندرك أننا أحياناً نمر بأوقات صعبة.

 

لانا مدور: رغم أن هذه الأمّة تخلّت عنكم. هذه المفارقة؟

 

نبيل شعث: لا بأس، تتخلّى في فترات وتستعيد قواها وتستعيد عافيتها في فترات أخرى، نحن على استعداد لأن نتحمّل التضحية في تلك الفترات التي لا تقف أمّتنا إلى جانبنا وقوفاً حقيقياً، ندرك أنّ ذلك سيتغيّر، وقد تغيّر في الماضي، ولا نستخدم ذلك حجّة لعدم تحمّلنا المسؤولية. لا، نحن نتحمّل المسؤولية.

 

لانا مدور: دكتور شعث هذه رسالة هامة في الواقع للعرب الآن، ولكن في مقابل هذه الرسالة التي ترسلها أو تقولها على الهواء، هناك أيضاً بعض المشاريع الخطط. أنتم رفضتم في كل تصريحاتكم، كل قادة السلطة، رفضتم أن يكون هناك عرض عليكم نقل القدس والقبول بأبو ديس أو خطط أخرى، ولكن الآن الكتاب الأخير الذي نُشِر عن ترامب والذي يحدث ضجة في الولايات المتحدة الأميركية، يقول فيه الكاتب أن الخطة الترامبية تقضي بأن تعطى الضفة للأردن وغزّة لمصر.

هل لديكم معلومات حول ذلك، أم هذه أول مرة تسمعون بهكذا خطة؟ وبالمناسبة الكتاب ذكر أنّ الطرفين، مصر والأردن، قبلا بذلك.

 

نبيل شعث: أول مرة تتسرّب لدينا معلومات عن ذلك، ولكنّي أؤكّد لك أنّ إسرائيل لن تقبل ذلك، على الأقلّ لن تقبل ذلك بالنسبة للضفة. بالنسبة لإسرائيل، لو غرقت غزّة وأنا من غزّة، لكن لو غرقت غزّة يكون أسعد لإسرائيل أن تذهب غزّة إلى مصر أو إلى أي مكان آخر، لكن مصر لم تقبل أبداً في أي فترة من تاريخها أن تُضَمّ غزّة إلى مصر، وظلت غزّة دائماً فلسطين، الضفة أصبحت جزءاً من الأردن، بقية فلسطين أصبحت جزءاً من إسرائيل إلا غزّة بقيت غزّة نموذج فلسطين المقاوم والمستمر، فلذلك أنا لا أعتقد أن هذا الكلام صحيح وأن هذه التسريبات لا معنى لها إلا خلق مزيد من الشكوك ومزيد من المشكلات. إسرائيل لن تتخلّى عن الضفة إلا بالقوة، إسرائيل تعتقد أنّ الضفة بكاملها والقدس بكاملها هي مطلب الحدّ الأدنى الذي يريدون، والمشروع الاستيطاني الصهيوني الإسرائيلي مشروع مستمرّ حتى هذه اللحظة، ونحن موجودون لمقاومته، فلذلك أنا لا أصدّق هذه التسريبات. هناك تسريبات كثيرة، أبدأ أولاً، هل تقبل ذلك إسرائيل أصلاً؟ لأن أميركا لن تفرض على إسرائيل مشروعاتها من هذا النوع. لماذا؟ هي تريد كل الضفة، هي تريد كل القدس وهي تعبّر عن ذلك بكل وضوح، وترامب قال لنا في آخر خطبه لقد أزلت موضوع القدس من طاولة التفاوض.

 

لانا مدور: إسرائيل لن تقبل بإعطاء الضفة للأردن وغزّة لمصر؟

 

نبيل شعث: على الأقل الضفة ومصر لن تقبل أن تأخذ غزّة، لنكن واضحين.

 

لانا مدور: قلت إنّ الموقف العربي لا يكون دائماً داعماً للقضية، ولكن هل تخشون دكتور نبيل شعث بأن تكون هناك اتفاقات تمرّر من تحت الطاولة بين بعض الدول العربية طبعاً والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل؟

 

نبيل شعث: نحن نحاول جهدنا أن نعمل على الطاولة، وأن نطالب بأن تكون الأمور على الطاولة، نذهب إلى القمة الإسلامية في تركيا حتى تكون الأمور على الطاولة، نطالب الآن بقمة عربية وقبل ذلك باجتماعات لوزراء الخارجية لكي تكون الأمور على الطاولة.

 

لانا مدور: لماذا لا يعقدون قمّة عربية بالمناسبة؟ لماذا لا تكون هناك قمّة عربية طارئة؟ غريب هذا الأمر. هل لديكم تفسير لذلك؟

 

نبيل شعث: هو يعكس أيضاً التردّد لأنني كما قلت، وعذراً، أنا أقبل الإنسان أن يكون واقعياً حتى في تقييمه للأمور، هذه المرة المواجهة مع أميركا، المواجهة، ليس هناك قناع إسرائيلي، الآن المواجهة مع أميركا.

 

لانا مدور: والدول العربية غير جاهزة لذلك.

 

نبيل شعث: الدول العربية غير جاهزة لكي تواجه أميركا، لنكن واضحين، المسألة غير محتاجة لتفسير بالنوايا، تفسير بالحسابات.

 

لانا مدور: دكتور شعث، في ما يتعلق بالمساعدات، خفض المساعدات للأونروا، المساعدات الأميركية، طبعاً من الأهداف هو نزع صفة اللاجئين عن اللاجئين الفلسطينيين، ومسألة الأموال أيضاً، التهديد بقطع الأموال وإلى ما هنالك، وأنا أيضاً شاهدت لك في مقابلات سابقة، كنت تقول بأنك تتمنّى أن تكون هناك دول عربية تعرض هي أن تقدّم المساعدات للسلطة الفلسطينية بدلاً عن الأميركيين.

هل وصلتكم أية عروض من دول عربية أو إسلامية لكي تكون بديلاً في سد الفارق على المستوى المالي؟

 

نبيل شعث: للأسف الشديد لا، حتى الآن لم يصل شيء، وقد قلت في حديث سابق لي في برنامج تلفزيوني طويل أنّ ذلك يذكّرني بالانتفاضة الثانية، يوم أن استدعاني العاهل السعودي الملك عبد الله رحمه الله وأرسل طائرته إلى عمّان لكي أذهب إلى الرياض في اليوم الثالث للانتفاضة الثانية، لكي يسألني سؤالاً واحداً، كم تريدون لكي تستطيعوا مواجهة الإسرائيليين الذين سيقطعون أموالكم هم والأميركان، والرقم الذي طلبته منه قام بدفعه، وقام بفرض حصص على الدول العربية، كان يومها ذلك قبل اندلاع الانتفاضة، في بدايتها، هذه المرة حتى الآن نحن لم نسمع أية وعود.

 

لانا مدور: لا دول عربية ولا دول إسلامية؟

 

نبيل شعث: حتى الآن ليست هناك أية عروض بذلك. الرئيس أبو مازن طالب في القمة الإسلامية بمليار دولار وقفية لحماية القدس، لم يصلنا بعد شيء. قبل ذلك كانت القمة العربية قد اعتمدت 300 مليون دولار لمساعدة القدس، لم يأت شيء من ذلك. ولذلك، حتى الآن ليس هناك أي عرض، يمكن أن يأتي بعد ذلك. أما بالنسبة لوكالة الغوث، فدائماً الدول العربية ترفض المساهمة في ميزانية وكالة الغوث باعتبار أن ذلك مسؤولية دولية. لذلك الرئيس أبو مازن سيكون في بلجيكا قريباً لكي يلتقي بـ28 وزير خارجية أوروبي وسيطالب أوروبا بزيادة دعمها لوكالة الغوث.

 

لانا مدور: إذا عرضت عليكم دول إسلامية مثلاً، كتركيا أو إيران، مساعدة، تقبلون بها؟

 

نبيل شعث: بالتأكيد أهلاً وسهلاً.

 

لانا مدور: حتى من إيران، لا مشكلة؟

 

نبيل شعث: طبعاً لا يوجد أي مانع إطلاقاً لأيّ دعم يأتينا، نرحّب به، أهلاً وسهلاً.

 

لانا مدور: هذا ما يؤخّر انطلاق شرارة الانتفاضة الثالثة؟

 

نبيل شعث: الانتفاضة هي كلمة عامة، تعني حراكاً شعبياً مستمراً ومتصاعداً، هذا الحراك الشعبي يأخذ أشكالاً مختلفة، انتفاضة الـ1987 التي سُمّيت بعد ذلك انتفاضة الحجارة لم تبدأ بالحجارة، ولكن أصبحت الحجارة هي شعارها واستخدامها، وكانت هناك أشياء عديدة في الانتفاضة الأولى، حقيقةً نموذج لنماذج النضال الشعبيّ، الانتفاضة الثانية في العام 2000 ذهبت أكثر إلى استخدام الأسلحة والمواجهة المسلّحة، وبالتالي، كانت هنالك انتفاضة في القدس، استُخدِمت فيها الجباه على الأرض، الصلاة في كل مكان حول القدس، حول المسجد الأقصى، إلى أن انسحبت القوات الإسرائيلية من المسجد الأقصى، فالانتفاضة تعني عملاً شعبياً فلسطينياً جماهيرياً مستمراً ومتصاعداً ومبدعاً ومبتكراً في الأدوات أيضاً.

 

لانا مدور: يتضمن العامل المسلح أيضاً؟

 

نبيل شعث: في عام 2000 كانت هناك عناصر مسلحة.

 

لانا مدور: لكن يبدو، أنا أسألك لأنه في الآونة الأخيرة، لاحظنا أمراً ملفتاً، هو أن تصريحات قيادات فتح والقيادات في السلطة الفلسطينية تؤكد أو تشدّد على مسألة سلمية الانتفاضة، وتلغي بشكل تام مسألة أن يكون هناك أيّ شيء مسلّح، فأنا الآن أعتبر أنني أسمع شيئاً جديداً من قبلكم؟

 

نبيل شعث: لا، أنا تحدّثت عن الماضي، لم أتحدّث عن الوضع الراهن. قلت إن كلمة انتفاضة فسرّت أو ترجمت إلى أدوات مختلفة. في الانتفاضة الأولى وفي انتفاضة القدس الأخيرة كانت شعبية وسلمية بالكامل، في انتفاضة عام 2000 كانت شعبية وكانت مسلحة. الآن غزّة واجهت لسنين طويلة هجمات إسرائيلية مسلحة وهذه الهجمات تصاعدت في العام 2008 و2009 و2012 و2014، إلى أن توصلت غزّة إلى هدنة تراوح فيها وتقلص فيها استخدام الأسلحة إلى حد أقل بكثير مما كان.

 

لانا مدور: ممتاز.

 

نبيل شعث: في الضفة نفس الأمر، نحن نواجه عدواً، قواه العسكرية في قطعة أرض محاصرة، ليس لها حدود مفتوحة، تأتي لها بذخائر أو أسلحة، في هذا الوضع المواجهة مع عدو دخله الفردي 40 ضعفاً، هو رابع قوة عسكرية في العالم، هو خامس قوة نووية.

 

لانا مدور: دكتور شعث، تماماً، إسقاط الخيار المسلّح ألا يخسّر القضية الفلسطينية بوجه هذا العدو المسلح والقوي وكل ذلك؟

 

نبيل شعث: نحن نختار السلاح الذي يناسب في المرحلة المناسبة، لأنه نحن تحت احتلال مسلح، من حقنا في القانون الدولي، طالما أنّ استخدام السلاح هو ليس ضد المدنيين وليس في الخارج وإنما في مواجهة العسكريين، وهذا هو القانون الدولي، هو من حقنا، لكن من حقنا أيضا ًأن نختار الزمان والمكان والأسلوب. الاختيار الفلسطيني حتى الآن هو اختيار شعبيّ، هو اختيار مقاومة شعبيّة، ومواجهة شعبيّة مستمرّة ومتصاعدة ومبدعة، ومقاطعة اقتصادية، وهناك أدوات عديدة لممارستها في الداخل، ويمكن لهذا الشعب أن يبتكر دائماً أدوات جديدة في المواجهة. في الخارج أيضاً هناك مواجهة قانونية ومواجهة اقتصادية، الـBDS وغيرها.

 

لانا مدور: السيّد حسن نصر الله أعلن أنه التقى قيادات فتح في مقابلته مع الميادين، وأنّ فتح موافقة على تفعيل انتفاضة ثالثة، ولكن أنتم تراجعتم، فُهِم من قبل قيادات فتح، تحديداً السيّد عزام الأحمد، أنه حصل هناك تراجع لما تمّ خلال اللقاء، حتى كان هناك قيادات أخرى تحدّثت عن ذلك.

هل أحرجكم كلام السيّد؟

 

نبيل شعث: لا، أنا بموضوع الانتفاضة كما قلت، وبالسلاح أو بالأدوات التي يختارها الشعب الفلسطيني، في هذه الفترة، هي موضوع يمثّل إجماعاً فلسطينياً، ليس هناك تراجع إطلاقاً عن هذا.

 

لانا مدور: إذاً لم يكن كلام السيّد نصر الله عن لقاءات مع فتح، لم يكن محرجاً بالنسبة إليكم؟

 

نبيل شعث: غير محرج، نحن تركنا أسلحتنا الثقيلة للقوى المقاومة اللبنانية وفي مقدمتها القوة التي يقودها القائد حسن نصر الله، نحن ليس لدينا عداء وليس لدينا مواجهة وليس لدينا إحراج، وكلٌ منّا يحسب حساباته من منطلق وطني، من منطلق مواجه، حقيقة كل واحد لديه حساباته، لديه جواره، لديه طرقه، لديه أساليبه، لديه إمكانياته، ونحن نحترم كل القوى التي تواجه من أجل تحرير بلادها كلٌ بالطريقة التي تناسب شعبه وتناسب إمكانياته وتناسب جيرانه، وهكذا. ليس هناك أيضاً أية مشكلة، وهو حقيقةً لم يفرض علينا ولم يقل لنا عليكم أن تفعلوا ذلك، لم يخوّنّا إذا لم نفعل ذلك، بالعكس تماماً، ليس هناك أية مشكلة، وهو يدرك كما نحن ندرك أن كل زمان وكل مكان له سلاحه.

 

لانا مدور: السيّد نصر الله تقصد؟

 

نبيل شعث: وله أدواته وله طرقه. المهم أن نستمر في المواجهة، المهم أن نوحّد صفوفنا، وسأعيدك لهذه النقطة، أنا متأكّد أنك ستسألينني عنها، المهم أن نكون جميعاً مستعدين للاستمرار، مرابطين على هذه الأرض، صامدين في مواجهة العدو.

 

لانا مدور: بالفعل لقد تقدّمت عليّ في السؤال، كنت سأسألك عن اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني المرتقبة الأسبوع المقبل، ويبدو أنّ حركة حماس ستكون ممثلة بوفد رمزي كما تم الإعلان عنه في الصحافة، الجهاد الإسلامي لم تعلن موقفاً بعد رغم أنه قد تكون هناك كلمة عبر الـconference call كما فهمنا أو شيء من هذا القبيل.

هذا الاجتماع دكتور شعث هل سينتج موقفاً موحّداً فلسطينياً للمرّة الأولى؟

 

نبيل شعث: هذا اجتماع هامّ للغاية، واستراتيجيّ للغاية، وأنا أنتظره بفارغ الصبر، وكنت أتمنّى وأنا سعيد بمشاركة حماس، الآن موضوع مشاركة رمزية أو غير رمزية، هذه قضية شكلية تتعلّق بعضو مراقب أو عضو كامل، وذلك يرتبط بأنّ حماس حتى الآن رسميا لم تشارك في المجلس الوطني الفلسطينيّ، وتنتظر عقد الاجتماع القادم للمجلس الوطني الذي يقرّر العضوية الكاملة، لكن بالنسبة لنا، حماس مشاركتها هامّة، ونتمنّى أيضاً مشاركة الجهاد، نريد مشاركة الجميع. هذا الاجتماع سيدرس بكلّ وضوح وكلّ عمق كلّ القضية من اتفاق أوسلو، وما يمكن إبقاؤه منه أو التخلّي عنه ومن المخالفات الإسرائيلية.

 

لانا مدور: عفواً دكتور شعث، أقاطعك لأنّ الوقت بدأ ينفد منّا. هل صحيح أنكم ستتخلّون عن السلطة الفلسطينية بشكلها الحالي وتعلنون نفسكم دولة تحت الاحتلال؟

 

نبيل شعث: هذا أحد الخيارات المفتوحة، وستتمّ مناقشته، هناك خيارات أخرى تتعلق بالتعامل مع إسرائيل بكافة أشكاله، خصوصاً وإسرائيل تنتهك وتخالف حتى اتفاق أوسلو نفسه، فما بالك بالشرعية الدولية المتعلقة بالطريقة التي تدير فيها مناطقنا المحتلّة، وبالتالي هناك إعادة نظر بكلّ هذه القضايا، هناك دراسة لاستراتيجيّتنا القادمة في المواجهة الإسرائيلية في الداخل وفي الخارج وفي علاقاتنا العربية.

 

لانا مدور: ستبحثون تغيير السلطة الفلسطينية؟

 

نبيل شعث: مطروح، صدّقيني أنّ ذلك أيضاً مطروح، ستبقى السلطة أو تصبح دولة تحت الاحتلال، أنا ضدّ فكرة حلّ السلطة وحلّ الدولة عندما يكون الواحد في مواجهة.

 

لانا مدور: لا، تغيير السلطة، أي انتخابات، تغيير الرئيس؟

 

نبيل شعث: هذا أيضاً موضوع مطروح، وهو جزء لا يتجزأ من عملية الوحدة الوطنيّة، عملية المصالحة هي أساسا تنطلق إلى الاتفاق على انتخابات للمجلس الوطني لمنظمة التحرير، وانتخابات تشريعية ورئاسية، وهذه الانتخابات كان قد حُدّد لها موعد في مارس القادم، أرجو أن نستطيع الوفاء به، والمجلس سيبحث كل النقاط العالقة في موضوع المصالحة والوحدة الوطنية. علينا أن نتوحّد كاملاً وسريعاً لأنه في وحدتنا قوة، في وحدتنا قدرة على المواجهة، في وحدتنا إقناع للعالم بموقفنا.

 

لانا مدور: دكتور شعث، هل حياة الرئيس عباس في خطر؟

 

نبيل شعث: كلنا في خطر، والرئيس أبو مازن حقيقةً في نفس الموقع والموقف الذي كان فيه الشهيد الأخ أبو عمار، وهو يدرك ذلك، بكلّ شجاعة وبكلّ إيمان وبكلّ إقدام، وهو يواجه حقيقةً بالرغم من كل الظروف الصعبة، وهو غير متردّد وغير متراجع ويدرك المخاطر التي يتعرّض لها.

 

لانا مدور: هناك تهديدات يتعرّض لها؟ هل هناك تهديدات وصلت له، لحياته، اغتيالات؟

 

نبيل شعث: بالتأكيد، حتى ترامب في تغريداته التعيسة قال انه آن الأوان لكي يتم تغيير السلطة الفلسطينية ورئيسها وقائدها، هو يدرك ذلك.

 

لانا مدور: لماذا استقبل بطريرك الروم الأرثوذكس خلال عيد الميلاد لدى الطوائف الشرقية رغم أن الشعب لم يكن يريد هذا الرجل أن يدخل إلى بيت لحم قطعاً، إطلاقاً؟

 

نبيل شعث: هناك فرق حقيقة بين البطريرك وبين الطائفة المسيحية الفلسطينية، التي هي حقيقةً جزء لا يتجزأ من نضالنا ومقاومتنا ومن شرفنا ومن استمرارنا. الرئيس لم يحضر العشاء الذي كان مقاماً بحضور، وإنما ذهب إلى القداس، وذهابه إلى القداس هو أمر حقيقة لم يتخلَّ عنه قائد فلسطيني منذ انطلقت السلطة الفلسطينية، كان الرئيس أبو عمار رحمه الله يعيش في الدير الملحق بكنيسة المهد في بيت لحم من 22 ديسمبر إلى 18 يناير لكي يحضر عيد الميلاد الغربي والشرقي والأرمني في 18، وذلك أمر لا يستطيع أبداً ولا يريد أبداً الرئيس أبو مازن أن يتخلّى عنه، ولكنّه تخلّى عن العشاء الذي كان سيعطي الفرصة لهذا البطريرك في لقاء خاص، في القداس لا يستطيع ولا يمكن للقائد الفلسطيني أن يتخلّى عن دوره في هذه المسألة.

 

لانا مدور: شكراً لك دكتور نبيل شعث. انتهى وقت هذا الحوار مع أنه كان لدينا أيضاً الكثير من المواضيع لنتطرّق إليها وسننتظر الاجتماع المرتقب الأسبوع المقبل أيضاً لنرى ما هي الخطوات التي ستتخذ على المستوى الفلسطيني. شكراً لك دكتور نبيل شعث، إذاً، المستشار السياسي للرئيس الفلسطيني كنت معنا من رام الله في حوار الساعة لهذه الليلة.

وأنتم أيضاً مشاهدينا شكراً للمتابعة. وإلى اللقاء.