أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

الإسلاميون في السلطة: تركيا نموذجاً

أثار حزب العدالة و التنمية التركي جدلا واسعا في الأوساط الإسلامية و العربية التي تناقضت و تضاربت أراؤها بشأن هذا الحزب الذي أمسك بالقرار التركي بعد الانقلاب الابيض الذي قاده رجب طيب أردوغان على نجم الدين أربكان رئيس حزب الفضيلة ورئيس الوزراء.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكم.

أثار حزب العدالة والتنمية التركيّ جدلاً واسعاً في الأوساط الإسلاميّة والعربيّة التي تناقضت وتضاربت آراؤها بشأن هذا الحزب الذي أمسك بالقرار التركيّ، بعد الانقلاب الأبيض الذي قاده رجب طيب أردوغان على نجم الدين أربكان رئيس حزب الفضيلة ورئيس الوزراء، والذي كان يمثّل الإسلام المحافظ المُزعِج للمؤسسة العسكرية على اعتبار أنه مناوئٌ للعلمانية. وتمّ تشكيل حزب العدالة والتنمية من قبل النواب المنشقّين عن حزب الفضيلة الإسلاميّ الذي تمّ حلّه بقرار صدر عن محكمة الدستور التركية في 22 يونيو حزيران 2001. وكان مؤسّسو حزب العدالة والتنمية يمثّلون جناح المجدّدين في حزب الفضيلة.

ومَرَدّ التضارب في الرؤى حول حزب العدالة والتنمية يعود إلى كون هذا الحزب يدّعي أنّه إسلاميّ التأسيس، لكنّه مع عضويّة تركيا في حلف الناتو، ومع علاقات أكثر من طبيعية مع الكيان الصهيوني، ومع تدمير الدول العربية بدءاً بليبيا ووصولاً إلى سوريا العربية. كما أنّ رئيس الحزب رجب طيب أردوغان كثيراً ما يتحدث عن إحياء الإمبراطورية العثمانية الإسلامية، ويقول في هذا السياق أنّ هدف الثورة الصامتة هو بدء حركة إحياء للإسلام العثماني على أسسٍ جديدة ومقبولة من المجتمع التركي والإسلامي والدول الاقليمية وأميركا والاتحاد الأوروبي.

واتخذ العلمانية والليبرالية سقفاً لثورته الصامتة، وغطاء الإسلام السياسي الذي يقوده باسم حزب العدالة والتنمية إرضاءً للمؤسسة العسكرية وتجنّباً لشرّها جعله يكون وسيطاً بين الإرادات الدولية وبين العالم العربي والإسلامي. وأراد أن يجعل من تركيا مركزاً للإسلام التركيّ المعتدل ليُفسَح له في المجال لتصدير هذا النموذج من الثقافة العثمانية لكل العالم الإسلامي وتوثيق العلاقات معها حتى أنّه جعل من اسطنبول مقراً للمؤتمرات الإسلامية.

هذه الخلطة الأردوغانية جعلت الحاجة الأميركية والدول الأوروبية إلى الدور التركي في المنطقة مُلحّة وضرورة في نفس الوقت، ولقد أقرّ بعض الباحثين أنّ حزب العدالة والتنمية التركي هو إخوانيّ الفكر والنفس والتوجّه، باعتبار أنّ نجم الدين أربكان المرجع الأول الروحي لهذا الحزب كان قريباً من فكر حسن البنّا وسيّد قطب. وكثيراً ما كان أربكان يلتقي مع رموز تنظيم الإخوان المسلمين من كلّ الأقطار الإسلامية، وقد صرّح مهدي عاكف مرشد الإخوان ذات يوم بأنّ أربكان هو ممثّل الإخوان في تركيا. وعندما قرّرت واشنطن تسليم العالم العربي والإسلامي للإخوان المسلمين، كان لتركيا الدور الكبير في تفعيل هذه الطبخة الأميركية كما يقول متابعو الشأن التركي.

إنّ بقاء حزب العدالة والتنمية الإسلامي على رأس الدولة التركية يجب أن يفتح الكثير من التساؤلات، خصوصاً وأنّ الإسلام السياسيّ الحاكم سجل أفولاً في معظم الجغرافية التي أصبح الإسلاميون فيها صُنّاع قرار. ويمكن القول ها هنا أن المغرب وتركيا هما البلدان اللذان ما زال فيهما الإسلاميّون يسيطرون على مقاليد الأمور، في تركيا بشكل كامل وفي المغرب على الحكومة وبعض من البرلمان.

السؤال، أين أخفق حزب العدالة والتنمية؟ وأين نجح؟ ما له وما عليه؟ هل كان حصان طروادة الإرادات الغربية أم كان غير ذلك؟ هذه الملفات نعالجها في برنامجنا في حلقة أ ل م الليلة، وعنوانها الإسلاميون في الحكم تركيا نموذجاً. ويشاركنا في النقاش من تركيا الأستاذ والباحث أوكتاي يلماز، الكاتب والباحث السياسي، ومن دمشق الدكتور عقيل سعيد محفوظ الأكاديمي والخبير بالشؤون التركية.

مرحباً بكُمُ جميعاً.

 

(مشاهد فيديو)

 

يحيى أبو زكريا: سيّد أوكتاي، مبدئياً، ماهيّة حزب العدالة والتنمية الذي شغل الناس وحيّر العرب والمسلمين والمتابعين، هل هو إسلاميٌ؟ هل هو براغماتيٌ؟ هل هو يجمع بين الاشتراكية والرأسمالية والإسلام؟ هل هو إخوانيّ النفس والتنفس؟

من يكون حزب العدالة والتنمية، كمدخلٍ لبحثنا هذا رجاءً؟

 

أوكتاي يلماز: أولاً تحياتي لكم ولضيفكم ولجميع المشاهدين، أحيّيكم من هنا من اسطنبول.

 

يحيى أبو زكريا: أهلاً وسهلاً.

 

أوكتاي يلماز: في الحقيقة مقدّمتك عن حزب العدالة والتنمية لم تكن منصفة كما كنت أتوقع، كنت أنتظر من حضرتك مقدّمة أقرب إلى الحيادية. نعم، حزب العدالة والتنمية تمّ تأسيسه من قبل رجب طيب أردوغان وأصدقائه، وهم كانوا أعضاء وقادة بارزين في حزب السعادة والرفاه، وهذه الأحزاب التي أسّسها كما ذكرتم نجم الدين أربكان، وهو قريب من فكر المحافظ الديني، لا يمكن وصفه بأنّه إسلاميّ، إخوانيّ، ولكن كان متديّناً وكان قريباً من الفكر المحافظ، أقرب إلى، ربما من هذا الباب، أي من باب التديّن والمحافظة على الفكر الإسلاميّ.

نعم، الحزب لا يصف، تم تأسيسه في العام 2001 ووصل إلى الحكم خلال سنة، أي في العام 2002، الحزب في الحقيقة لم يصف نفسه أنه حزب إسلامي، بل يصف نفسه هو حزب محافظ ديمقراطي، يعني يهتم بالقيم، القيم للمجتمع التركي، طبعاً هذه القيم تعتمد على القيم الإسلامية، كذلك معنية بتحقيق العدالة والتنمية في المجتمع التركي. إذاً لا يوجد أيّ نصّ من نصوص الحزب يصف نفسه أنّه حزب إسلاميّ، بل حزب أقرب، حزب محافظ ديمقراطي، أصلاً الدستور التركي كما تعلمون وهو دستور علماني، مبني على المبادئ العلمانية، يحظر تأسيس أي حزب على أساس ديني أو عرقي أو طائفي أو ما شابه ذلك.

نعم، الحزب، بشكل سريع جداً، وصل إلى الحكم في أواخر العام 2002، ومنذ تلك الفترة إلى يومنا هذا، أكثر من 15 عاماً يحكم تركيا، رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، رئيس البرلمان من هذا الحزب في وقتنا الحاضر كما تعلمون. هذه هي شخصية أو هوية الحزب، حزب مهتمّ بالقيم الدينيّة، ولكن لا يصف نفسه حزباً، ولا يقدّم نفسه حزباً إسلامياً، رغم ذلك يحتفظ بعلاقة جيدة مع الكيانات الدينية، مع الجماعات الدينية في تركيا.

في تركيا كما تعلمون لا يوجد هنا جماعات سلفيّة، بل الفكر الديني في تركيا، الفكر السائد في تركيا هو الفكر التصوّفي المعتدل، وللحزب علاقة جيّدة مع هذه الجماعات، كانت حتى علاقته كذلك جيدة مع جماعة فتح الله غولان، التي حصلت في ما بعد مشاكل وتصادم في ما بينهما، وفي البداية كان الحزب يحتفظ بعلاقات جيدة جداً مع الدول الغربية، مع الجهات الغربية، وأطلق انفتاحاً على الجوار التركي، على دول الجوار بما فيها سوريا والعراق وما إلى ذلك من الدول.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، سوف نتطرق إلى كل هذه التفاصيل، لكن أحببنا أن نؤسّس للمقدّمة، وقد قلت إنّها لم تكُ منصفةً، وأؤكّد لك أن كلّ ما جاءت على ذكره هو السائد في الأدبيات السياسية التركية، في وسائل إعلام مخالفة لحزب العدالة والتنمية، ونحن ها هنا لا نتبنّى آراء مسبقة إنما ننقل على الآخرين، ونترك التاريخ هو الذي يقدم الوصفة الحقيقية لماهية هذا التحرك أو تلكم الحركة. أرجو أن تبقى معي رجاءً.

دكتور عقيل من دمشق، حزب العدالة والتنمية ما زال يثير إلى يومنا هذا الكثير من التساؤلات. أكاديمياً كيف يمكن تصنيفه؟ الأستاذ زلماي أشار إلى أنه تيارٌ يأخذ من روح المجتمع التركي القيم الإسلاميّة، وأضاف إليها الديمقرطة، أي هو حزب إسلامي ديمقراطي إذا صح هذا التعبير. كيف تراه أنت دكتور عقيل؟

 

عقيل محفوظ: أولاً تحياتي لكم دكتور ولضيفكم وأشكر جهودكم في أ ل م وفي الميادين.

 

يحيى أبو زكريا: حياك الله.

 

عقيل محفوظ: وأشكر دعوتكم للمشاركة في هذا الحوار حول مسألة أساسية، بتقديري ليست مسألة تركية فقط وإنما تتجاوز حدود تركية إلى الإقليم بشكل أساسيّ، وأنا أتحدث اليوم من دمشق حيث يُنظَر لحزب العدالة والتنمية بأنه هو أحد أسباب، أحد مداخل الحرب التي انفجرت في هذا البلد وجرت على هذا البلد منذ آذار 2011 وحتى الآن.

وأقدّر بأنّ حزب العدالة والتنمية، هذه الظاهرة التي تمّت صناعتها، تمّت هندستها بشكل كبير، هناك مجموعة من الظروف التي ساعدت في ترويج وتقديم هذه التجربة عندما كان هناك حديث في العالم كلّه عن ضرورة وجود إسلام معتدل في دولة مثل تركيا، يمكن أن تكون وسطاً بين عالمين، بين جغرافيّتين، بين أوروبا والمشرق والعالم الإسلامي، وهذا الأمر تم كما تذكر بعد الحرب على أفغانستان.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

عقيل محفوظ: نوع من تخفيف هذا التوتر وهذا الاحتقان، خاصةً بعد الاعتداءات الأميركية المتكررة في أفغانستان وثم في العراق وغير ذلك.

أنا أقدّر بأنّ حزب العدالة والتنمية في تركيا، نعم، هو في الأساس هو تشكيل هجين، وهجنته كانت هي أحد أسباب التقاء العديد من التيارات التركية حوله، هو تحدث بمنطق اليميني المحافظ من أجل أن يخاطب التيار القومي في تركيا والتيارات ذات الطابع القومي الإسلامويّ، إذا صحّ هذا التعبير، وخاصة التي لديها اهتمامات في آسيا الوسطى وغيرها أو اهتمامات عثمانية أو غير ذلك.

ثانياً تحدّث بالعلمانية من أجل أن يجذب أيضاً جزءاً من جمهور أو يطمئن ربما جزءاً من الجمهور من التيارات العلمانية، من حزب الشعب الجمهوري والأحزاب الأخرى، وأيضاً تحدث بمنطق الذي ذكره ضيفك من اسطنبول من أن روح الشعب وهذه المسألة تتعلق بتقديري بتيارات الصوفية في تركيا، وهو جمع كل هذه التشكيلات التي تبدو غريبة في الحقيقة، وهذا الجمع، هذا التوليف، أو هذا التلفيق بشكل أدقّ، هو الذي مكّنه في الحقيقة من أن يكسب كتلة انتخابية واسعة وأن يحقق، وهو استفاد ليس فقط في الوضع الداخلي وإنما أيضاً هناك ظرف اقليمي وظرف دولي كما تعلم هو الذي ساعد في هذه المسألة.

أنا أقدّر بأنّ حزب العدالة والتنمية عندما بدأ بخطابه السياسي الذي كان نوعاً من الإسلام المتنوّر أو المستنير في لغته السياسية، كان هناك نوع من الطبقات إذا صحّ هذا التعبير، نوع من السياسات المتوازنة لهذا الحزب. نعم، كان يخاطب الغرب بلغة وثم يخاطب المشرق العربي والإسلامي بلغة أخرى، وهناك أيضاً خطابات متعدّدة داخل تركيا نفسها، وبالتالي كان هناك نوع من لعبة في السياسة من أجل أن يحقق هذا المكسب الرئيس.

أنا لديّ إشارة بتقديري إذا أردنا أن نتقصّى جذور هذا الحزب، هو انقلب على مؤسّسه في الحقيقة، وهناك تصريحات عديدة للراحل نجم الدين أربكان حول هذا الموضوع، والأتراك يعرفونها وأنت دكتور تعرفها بالتأكيد، من أنه هو اعتبر بأن هناك حزب السعادة التيار، كان يسمّى في تركيا ولا يزال، يسمّون إسلاميو الناتو في تلك الفترة، وكان من رموزه الأساسيين الذين كانوا عبد الله غول وأيضاً كان أردوغان وأشخاص آخرون معظمهم غابوا عن المشهد السياسي الآن. بدا أردوغان وحزب العدالة والتنمية كما لو أنه انقلب على مؤسّسه، وهذا الأمر نحلله بعلم النفس في مسألة قتل الأب، مسألة أوديب بهذا المعنى، لأنّك الآن لا تكاد تسمع كلمة أربكان في تركيا. الآن كما ذكر ضيفك أسسه أردوغان، هذا التمركز على شخصنة السياسة ومحورة كل المجال السياسي في تركيا حول شخص، هذا من المؤشرات التي تحيل إلى أن حزب العدالة والتنمية هو حزب يرتكز إلى أيديولوجيا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عقيل، يرتكز على أيديولوجيا وإلى شخص أحادي.

قبل الانتقال إلى الأستاذ زلماي، هل ما زلتم تعتقدون في سوريا أنّ تركيا كانت عاملاً أساسياً في تدمير الأمن القومي السوري وكانت حصان طروادة للجماعات الإرهابية، وكانت الداعم الأساس للكثير من الأضرار الأمنية في سوريا؟

 

عقيل محفوظ: نعم، هذه قراءة السوريين بصورة عامة، هذا الأمر معروف منذ البداية وحتى الآن. نحن كلما تكشّفت الأزمة السورية، وأنا أعلم بأن هناك تحولات في فهم الأزمة السورية، ليس فقط في طبيعتها الداخلية، وأيضاً بتداخلاتها الاقليمية والدولية. الآن نحن على يقين تقريباً من أن كما قلت وبدأت الحديث، من أن تركيا هي أحد الفواعل المؤسسة للحرب في سوريا، وأنّه تكشفت الأمور عن أنها كانت تؤسس قبل اندلاع الحرب وتتهيّأ وتتحيّن الفرص مع شركاء آخرين في الدوحة وفي الرياض وفي واشنطن وفي أطراف أخرى من أجل تغيير طبيعة المشهد، تغيير طبيعة الدولة في سوريا، وحتى على مستوى الإقليم، إعادة تشكيل المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط وفق نمط الاستراتيجيات الغربية الراهنة.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً، وبناءً على طلبٍ أميركي واضح وربما صهيوني أوضح.

سيّد أوكتاي، في هذا السياق ذاته، الإضرار بالأمن القومي السوري، أشرت إلى أنّ الإسلام التركي هو مستوحى من الخلافة العثمانية، من الإرث العثمانيّ. دعني أذكرك فقط أننا كنا نقرأ في مدارسنا، في الجزائر وأنا من الجزائر، أنّ الأتراك جاؤوا إلى الجزائر لإنقاذها من المركزية الغربية التي حاولت الإضرار بالجزائر وأيضاً المغرب العربي، وكنّا نقرأ أنّ البواخر والسفن العثمانية، بابا عروج وخير الدين، كانت تصول وتجول في المتوسط لإنقاذ المسلمين والعرب من الفرنجة.

كيف تفسّر اليوم دخول تركيا على خط الأزمة الليبية وتبنّيها تفجير الأمن القومي الليبي، ودخولها على خط الأزمة السورية وتفجير الأمن القومي السوريّ؟ هذا ليس إرثاً عثمانياً قط، هذا إرثٌ ربما أميركي أستاذ أوكتاي يلماز.

 

أوكتاي يلماز: نعم، سيّدي الكريم، في ما يتعلق بالموقف التركي من أزمات المنطقة، تركيا أولاً، بدايةً تركيا لم تفتعل هذه الأزمات، انفعلت هذه الأزمات بسبب المشاكل الداخلية أو بسبب التدخّلات الخارجية، هذا أمر آخر، ولكن تركيا حاولت، تركيا ماذا فعلت؟ وقفت مع المطالب المشروعة لهذه الشعوب، شعوب المنطقة، في ليبيا وكذلك في سوريا، نتذكّر بدايات الأزمة في سوريا، تركيا ماذا فعلت؟ بحكم علاقتها الجيدة مع الحكومة ومع الشعب السوري الشقيق، حاولت وعملت على التصالح وتقريب وجهات النظر بين المتظاهرين، بين المطالبين بالحقوق والحريات وبين الحكومة السورية، ولكن هذه الجهود التركية للأسف الشديد تمّ إفشالها من قبل المتطرّفين، ربما من المعارضين ومن قبل المتطرفين في الحكومة، لأن الحكومة السورية تبنّت نهج العنف ضد أية مطالبة بالحقوق وثمّ بعد ذلك حصل ما حصل.

 

يحيى أبو زكريا: سيّد أوكتاي.

 

أوكتاي يلماز: سيّدي الكريم، دعني أكمل جملتي.

 

يحيى أبو زكريا: فقط ملاحظة.

 

أوكتاي يلمز: اسمعني فقط أكمل جملتي، فقط أكمل جملتي. نتذكر بداية الأزمة، الموقف التركي لم يكن مغايراً أو مختلفًا مع موقف الدول العربية ولا العالم ولا الغرب، تركيا لم تقطع علاقتها مع سوريا إلا بعد قطع جامعة الدول العربية علاقاتها وفرضها العقوبات على الحكومة السورية. تركيا حاولت خلال سنة تقريباً العمل لتقريب وجهات النظر والمصالحة وتفعيل الإصلاحات وما إلى ذلك، ثم عندما فشلت هذه الجهود تركيا وقفت مع المطالب المشروعة للشعب السوري ورفضت استخدام العنف. هذا هو الموقف التركي.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، سيّد أوكتاي، أيضاً تركيا فتحت النار على فتح الله غولن واتهمته بالانقلاب ونسفته واعتُقِل آلاف المعارضين في تركيا. نرجو أن تعاملوا الموقف بعدالةٍ وتنميةٍ أيضاً.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم.

 

 

المحور الثاني

 

(مشاهد فيديو)

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديدٍ. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع الإسلاميين والسلطة تركيا نموذجاً.

دكتور عقيل، حبّذا لو نغوص في هذا المحور في الفكر قليلاً، في الثقافة قليلاً. نظام الحكم في الإسلام هو مسألةٌ إشكاليّة بين المفكّرين المسلمين، من علي عبد الرازق إلى نصر حامد أبو زيد إلى المفكرين التنويريين، كان هنالك موقف من الإسلام السياسي الحاكم إن صحّ التعبير.

أين تموقع التجربة الإسلامية التركية في سياق كلّ النّظم الإسلاميّة التي قامت في خط طنجة جاكرتا؟

 

عقيل محفوظ: نعم، أنا أعود من خلال متابعتي للمسألة التركية إذا صحّ التعبير أو مسألة تجربة الإسلام السياسي في تركيا، نعود إلى مسألة الدخول التركي إلى قسطنطينية، في الدراسات الاستشراقية تقول نعم تمكن الترك أو المسلمون من السيطرة على القسطنطينية بالبُعد العسكري لكنها هي التي تمكنت أو هي التي كسبت أو انتصرت بالمعنى الثقافي وبالمعنى المتعلق ببنية الدولة وبنية صناعة السياسة. وهذا الأمر، الدراسات العثمانية الكثيرة الحقيقة التي شهدت تطورات كثيرة تعزّز هذا التقدير، نعم، كان هناك مقولة دينية، مقولة إسلامية لكل هذا البناء السياسي للأمبراطورية العثمانية، لكن سياساتها العملية وتوزيع الموارد وإعادة تشكيلها، وما يتعلق بالضرائب وتشكيل الجيوش وإلى آخره كانت وفق الميراث الغربي أو البزنطي إن صح التعبير. وهذا الأمر يمكن تقصّيه في الحقيقة خلال تطوّرات كثيرة جداً عندما بدأت سياسات الإصلاح وغير ذلك.

أنا أريد أن أشير إلى مسألة وقعت عليها، قبل ذلك وقبل التجربة العثمانية، في فترة أبي جعفر المنصور في الفترة العباسية، وتعلم أن ابن المقفع كتب له رسالة الصحابة، هذا النص الجميل، رسالة الصحابة هي حول بنية الدولة في إمبراطورية عباسية مترامية الأطراف، هذه الرسالة التي تتعلق بإدارة الدولة لم يُذكَر فيها الدين ولا مرّة، لم يُذكَر نهائياً، بالرغم من أن الإمبراطورية العباسية كما هو معلوم إمبراطورية إسلامية من أعظم الامبراطوريات في التاريخ الإسلامي، هذا يعني بتقديري وحسب قراءتي بأنّ منطق الدولة شيء ومنطق الملّة إذا أردنا الحديث بهذا المعنى قد يكون مختلفاً إلى حد كبير، لكن ليست هناك قطيعة بينهما. هذا التداخل بحكم الاجتماع العربي والاجتماع الإسلامي كله يؤدي إلى تمفصلات بين البُعد السياسي والبُعد الديني.

في التجربة العثمانية كان من الواضح من أن بعد الخطاب السياسي، السلوك الاجتماعي متعلق بالدين، لكن السياسات كانت قريبة جداً من الغرب، وكان هناك حسب تقديرات مؤرّخين مثل فرنان بروديل، وأيضاً إريك هوتسباون وهما من كبار المؤرّخين، يقولون بأنه كان العثمانيون لديهم اتجاه كبير لنقل مركز الإمبراطورية من قسطنطينية إلى فيينا، وتعلم أنهم حاصروها مرتين، واستنزفت قدرات هذه الدولة بشكل كبير.

في بدايات القرن الماضي، أنا لن أذهب بعيداً في هذه النقطة بطبيعة الحال، فترة انهيار الإمبراطورية العثمانية، في عام 1919، أرسلت الولايات المتحدة الأميركية لجنة اسمها لجنة هاربور، هذه اللجنة ذهبت وأجرت مسوحاً للرأي العام في تركيا، وتبيّن لها أن أكثرية أو اتجاهات الرأي في الأناضول تميل لقبول انتداب أميركي، وإن لم يكن فانتداب بريطاني. هذه القصة، أنا أقدّر بأن هذا الأمر يتعلق بميول عميقة جداً، وأنت بدأت حديثك به في هذه الحلقة، بأنه ما الذي يربط بين مسألة حزب العدالة والتنمية وإمكانية قبوله وانتشاره وقبوله غربياً وعالمياً. هناك ميول عتيقة في هذه المسألة، في قضية أن تتشكل السياسة التركية على النمط الغربي فيما يكون خطابها السياسي على النمط المشرقي أو النمط الإسلامي.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، طبعاً أذكّر، دكتور عقيل، أنّ الاتحاد الأوروبي ما زال يرفض عضوية تركيا في المنظومة الأوروبية، وربما لأنّ الحكومة التركية رفضت الكثير من الشروط التي عرضها الأوروبيون على تركيا، ومنها الإباحة الجنسية، منها قبول الشذوذ. هذا رُفِض تركياً. أعود إلى السيّد أوكتاي يلماز.

أستاذ أوكتاي، طبعاً أنا قرأت كتاب "العمق الاستراتيجي" لأحمد داوود أغلو رئيس الدبلوماسية التركية لسنوات وواحد من دهاقنة السياسة التركية. أنا أفهم أن يعترض عليكم السوري، الجزائري، المصري، لكن حبّذا لو تعطينا نبذة عمّا حقّقه حزب العدالة والتنمية في الداخل التركيّ، لأنه لا يُعقَل أن يصمد كل هذا الصمود في الحُكم، وهو لا يتمتّع بقاعدة جماهيرية. لا شكّ أنّ الشعب التركي إرتأى قفزة اقتصادية، نهضة ما، تحسّناً في الأداء الاقتصادي، والصوت التركي هو الذي أبقى أردوغان وحزبه في السلطة. ما الذي تحقّق لكم على المستوى التركي حتى نكون منصفين؟

 

أوكتاي يلماز: نعم، أولاً، يجب التأكيد مرّة أخرى على أنّ حزب العدالة والتنمية لا يقدّم نفسه على أنه حزب إسلاميّ، ولكن يقول إنّه حزب محافظ يحترم القيم الإسلاميّة ويعمل على تنمية وتقوية هذه القيم. وماذا حقق الحزب حقيقة منذ وصوله إلى الحكم وإلى يومنا هذا؟ بلا شكّ أنه حقّق حقيقةً قفزة اقتصادية واجتماعية نوعيّة لتركيا، حجم الاقتصاد التركي منذ أن وصل الحزب إلى الحكم نما أكثر من ثلاثة أضعاف أو حوالى أربعة أضعاف، كذلك الناتج الإجمالي للاقتصاد التركي، مثلاً، على سبيل المثال، وصل من مئتي مليار إلى تقريباً 900 مليار، وما إلى ذلك من النجاحات الاقتصادية، كذلك نجاحات اجتماعية. قبل كلّ شيء، وأهم من ذلك، هو حزب العدالة والتنمية، عمل على تحقيق العدالة وكذلك على تحقيق التنمية في البلاد، ربما نجح إلى حدٍ كبير في تحقيق التنمية، كذلك قبل النجاحات الاقتصادية، أهمّ منها الانفتاح التركيّ، رفع القيود والمحظورات على الحريات في تركيا، تمّ تغيير الدستور باتجاه توسيع الحريات الشخصيّة وما إلى ذلك، تمّ رفع القيود عن الحريات الدينية، تمّ تأكيد وتقوية مدنية الدولة، أي تقليل أو إلغاء عسكرة الدولة، وفرض أساس مدنية الدولة. كان ثقل العسكر، إلى وقت قريب، كان كبيراً في تركيا، الحكومات لم تكن تتخذ القرارات من دون استشارة أو من دون موافقة المجلس العسكري الأعلى، هذه حقيقة، كذلك لم تكن المرأة المسلمة في تركيا تستطيع العمل في المؤسسات الرسميّة، حتى أحياناً في المؤسسات الخاصة بحجابها، تمّ إلغاء جميع هذه المظاهر.

وطبعاً المواطن التركيّ عاش كلّ هذه الإصلاحات والنجاحات في حياته اليوميّة. هذا ما يمكّن الحزب من البقاء، فالحزب إلى يومنا هذا قد فاز في أكثر من 15 انتخاباً، سواء كان انتخاباً برلمانياً أو محلياً أو انتخاباً رئاسياً وما إلى ذلك، حتى في الاستفتاءات، جميع الاستفتاءات. كذلك عمل على تنمية وتقوية الديمقراطية، حقوق النسان، عمل على مشروع الانفتاح الكردي، أولاً رفع بعض مظاهر الظلم عن المواطنين الكرد أو القيود المفروضة على الثقافة الكردية وما إلى ذلك، ولكن بعد نشوب الخلاف الكبير والتصادُم وتعرّض الحكومة في الحقيقة لمحاولات انقلابيّة، سواء كانت من التيار العلمانيّ المتشدّد أو من التيار الدينيّ، فتح الله غولن، ربما بعض هذه الإصلاحات الحقوقية حول الحريات تراجعت، أو على الأقلّ توقفت، لا أقول تراجعت ولكن توقفت بسبب المشاكل الأمنية ربما، بسبب الأزمات خارج تركيا، تأثير هذه الأزمات إلى تركيا سوريا والعراق، أو موجة الإرهاب الشديد التي ضربت تركيا منذ سنتين، أو بسبب تداعيات محاولة الانقلاب، ربما توقفت عجلة هذه الإصلاحات الديمقراطية والإصلاحات في مجال الحريات، ولكن الحزب مصمّم على السير بهذا الاتجاه.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ أوكتاي يلماز، تجيبني لكن باختصارٍ شديدٍ حتى أمضي إلى دمشق.

هل شكّل ويشكّل حزب العدالة والتنمية قطيعة مع الإرث الفكري لمصطفى كمال أتاتورك أبو الأتراك؟ أنت أشرت إلى الإحياء الديني، إلى عودة الحجاب، إلى إنصاف المرأة المسلمة المحجّبة، حتى زوجات رجب طيب أردوغان وعبد الله غول محجبات والكل يراهنّ. هل هنالك قطيعة مع علمانية أتاتورك أم لا، هي استمرارية ضمن الخلطة التي أشرت إليها سابقاً؟

 

أوكتاي يلماز: أنا لا أعتقد أن هناك قطيعة، بل رغم الابتعاد، أن الجمهورية التركية، رغم الطابع العلماني للجمهورية التركية، رغم الإصلاحات العلمانية، كانت بشكل ما استمراراً وتوأماً للعثمانية، كذلك هذا العهد، عهد العدالة والتنمية ليس قطيعة عن عهد الكمالية بل ربما إصلاح بعض ما أفسده التطرّف أو التشدّد العلماني، التشدّد العلماني. ما علاقة عمل المرأة بحجابها في المؤسّسات الرسمية بالعلمانية؟ كان هناك تطبيق متشدّد للعلمانية، تمّ كذلك عسكرة الدولة بسبب الانقلابات العسكرية الماضية، تمّ تصحيح هذا التطرّف، ولكن لا يمكن أن أصفه أنه قطيعة مع العهد الكمالي.

 

يحيى أبو زكريا: نعم. دكتور عقيل، إذا أردنا أن نشبّه حزب العدالة والتنمية وتجربته بمصداق إسلامي معاصر، هو أقرب إلى أيّ تيار؟ الإخوان المسلمين، بشقه المصري، تنظيم الإخوان المسلمين العالمي، التجربة الإسلامية في عهد حسن الترابي رحمة الله عليه في السودان، تجربة الإسلاميّين في تونس مع حركة النهضة، أو حزب العدالة والتنمية في المغرب الذي مازال يترأّس الحكومة المغربية اليوم؟

هو يشبه من، أو أنّه يتميز بخصيصة تركية، بماهيّةٍ تخصّ الواقع التركي على وجه التحديد؟

 

عقيل محفوظ: نعم، أنا أقدّر بأنّ المقاربات التي تفضلت بها، تجربة حزب العدالة والتنمية تجربة قريبة، حاولت منذ خمس سنوات عندما ذهب الرئيس مرسي إلى أردوغان وبايعه كمرشد عالمي، مركز إخواني عالميّ، وهذا أمر مفهوم بطبيعة الحال، وتركيا تطرح نفسها بهذا المعنى، أنا أقدّر بأنه لا، سأستخدم تعبيراً يستخدمه الترك أنفسهم، من أن تجربة حزب العدالة والتنمية وهم إسلاميو تركيا، هم لا يشبهون إسلاميي مصر بل هم يشبهون كما استخدمه الأكاديمي التركي جيهان توغال، هم إسلاميو الناتو، ولو أن الأمر يتطلب بعض التدقيق لأنه هو نما في ظل دولة منتمية إلى حلف شمال الأطلسي، وتفضّلت في مقدمة هذا البرنامج وقلت بأنّه حكم بلداً زادت علاقاته مع إسرائيل ومع التجربة الغربية بصورة عامة، ونحن نتذكر بأن باراك أوباما كان أهمّ المدافعين وأهمّ المروّجين لفكرة أن تكون تركيا حزب العدالة والتنمية نموذجاً للإسلام المعتدل ونموذجاً للعالم الإسلامي.

 

يحيى أبو زكريا: وهذا ما قاله في خطابه في القاهرة دكتور عقيل، باراك أوباما عندما زار مصر، هو عينه خطابه مدح كامل لتركيا الإسلامية المعتدلة.

 

عقيل محفوظ: تماماً، التجربة التركية، المشكلة دكتور يحيى بأن هذا الأمر صار نوعاً من سوء الفهم الجماعي، انطلت القصة على الكثير حول العالم بمن فيهم السوريون وأيضاً الجزائريين وغيرهم بأنه نعم، من المحتمل أن هذه التجربة بأن تكون نموذجاً بين قوسين للتنمية، لكن تكشّفت الأمور عن أن الكثير من الأفكار التي راجت حول هذه التجربة لم تكن صحيحة، بما في ذلك ما قاله ضيفك بأن الواقع، ما جرى هو عكس ما قاله بالتمام، هناك تراجع في الحقوق، تراجع في الحريات. أنا أمس قرأت تقريراً لـ"Freedom House" الأميركية، تضع تركيا في المرتبة الثانية في ما يخص التهديد العميق لمعايير حقوق الإنسان في السياسات العامة، المرتبة الأولى كانت جمهورية إفريقيا الوسطى.

أمس قرأت عبر تويتر تقريرها السنوي، تقول بأن تركيا هي أكثر دولة في العالم تطلب من شركة تويتر حذف وحجب المواقع حول العالم بنسبة 41 بالمئة تقريباً أو ربما أقلّ بقليل، طلبات الحذف تأتي من تركيا ومن الجهات الحكومية في تركيا. هناك استقطاب اجتماعي حاد، القصة تتعلق بانقسام اجتماعي على أساس عرقي وعلى أساس طائفي، وأيضاً ضمن الجماعة نفسها حول الانقلاب على الطرق الصوفية المتعلقة بالطريقة النورسية والميل إلى الطريقة النقشبندية. تركيا في الحقيقة اليوم هي كيان اجتماعي مفخّخ بالعنف ولذلك هي صدّرت الكثير من الإرهابيين إلى سوريا وكانت مستعدة للدخول في رهانات حادة، استجدت الولايات المتحدة الأميركية سنوات من أجل التدخل العسكري في سوريا ومن أجل إسقاط هذا البلد وتغيير طبيعة الدولة وطبيعة المجتمع.

تركيا بلد في وضع حرج للغاية. النساء، تقارير حول تجمعات النساء في تركيا تقول عكس ما قاله في الحقيقة، تركيا الآن من البلدان القليلة في العالم التي تمنع أو تحظر الاحتفال بعيد العمال العالمي، وبالإضافة إلى السجناء الإعلاميين وحظر الصحف والجامعات وتحت تهمة أو مقولة الانقلاب.

 

يحيى أبو زكريا: هنا دكتور عقيل، من فضلك، في هذا السياق، كلنا قرأ الدراسة الموسّعة لمؤسسة راند حول صناعة إسلام سياسي يكون حصان طروادة للإرادات الغربية.

كيف استطاع الغرب إنتاج مثل هذا الإسلام في نظرك؟ وكيف مُرّر في تركيا مبدئياً بناءً على مبانيك التي تقولها؟

 

عقيل محفوظ: أنا أقدّر، وأنا ذكرت لك بأنه في الواقع هناك ميل قديم بالنسبة للداخل في تركيا، والمخترقة من قبل حلف الناتو، المخترقة أيضاً من قبل الاستخبارات الأميركية، هناك 40 موقعاً عسكرياً وقاعدة تجسس وقاعدة عمل ميداني مباشر أميركية موجودة في تركيا، وأقدّر بأنّ المسألة، أنّ الغرب وخاصة أن تركيا كانت منجذبة إلى المنوال الغربي والمنوال الأميركي، وهذا الأمر يفسّر كيف أنه كان لديها على قولة مالك بن نبي قابلية أن تتلقى الإرادات الغربية وأن تتمثلها وأن تعيد إنتاجها السياسات تتوافق مع الاستراتيجيات الغربية في المنطقة، تحت عناوين إسلاموية أو رأسمالوية أو غير ذلك، تركيا مهيّأة لهذا الأمر بفعل آليات الاختراق وبفعل وجود كتلة اجتماعية تتبنّى المقولة الإسلامية وهي جاهزة لرهانات من هذا النوع واشتغلت على المخيال الاجتماعي داخل تركيا.

الشعب في تركيا مجروح من التجربة الأتاتوركية إن صحّ التعبير، كيف كانت هناك إمبراطورية ثم تقلّصت إلى دولة جمهورية، الآن انا أقدّر أن حزب العدالة والتنمية استطاع أن يلعب على مخيال الناس بشكل كبير وأن يهيّئ مجموعة من التوافقات أو حتى إذا صحّ التعبير، التواطؤات الاقليمية والدولية من أجل خدمة مشروعه الذي يتمفصل بالتمام بتقديري مع المشروع الأميركي في المنطقة والعالم.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ أوكتاي يلماز، سأطرح عليك سؤالاً هو ليس من بنات فكري، هذا السؤال طُرِح عليّ من قبل متابعي البرنامج، وهو يتعلّق بحقيقة يهود الدونمة في تركيا ودورهم في صناعة القرار التركي، ومدى صحّة أنّ بعض صُنّاع القرار القدامى والمعاصرين ينتمون إلى الماسونية العالمية، وبالتالي هم يساهمون في تدمير العالم الإسلامي بدل خدمة الإسلام الحضاري؟

 

أوكتاي يلماز: نعم، البعض يحب نظرية المؤامرة حقيقة. نعم، صحيح، هناك بعض من المؤسسين للجمهورية التركية، بعض القادة السياسيين والعسكريين، حسب هذه الادّعاءات، كانت أصولهم تمتد إلى اليهود الذين أسلموا في ما بعد، دونما بمعنى انتقل من الديانة اليهودية إلى الديانة الإسلامية، صحيح، كان هناك بعض الأشخاص من السياسيين ومن المثقفين، كانوا من أصول يهودية، حتى هؤلاء ساهموا كثيراً ربما في هزيمة الدولة العثمانية أو في إنهاء العهد العثماني. كذلك هنالك كان وما زال إلى يومنا هذا هناك وجود لهؤلاء الأشخاص، ولكن أعتقد أنّهم، خاصةً في الفترة الأخيرة، لم يعودوا يتمتّعون بهذا النفوذ وبهذا التأثير، خاصةً في حكم حزب العدالة والتنمية، لأنه لا أحد من قادة الحزب أصولهم تعود إلى السلاجقة أو إلى الأصول اليهودية أو الدونما، كلهم أشخاص معروفون، ولكن كانوا خاصة في أواخر عهد الدولة العثمانية وفي بداية عهد الجمهورية التركية كان لهم نفوذ كبير في الدولة التركية.

 

يحيى أبو زكريا: وهل يزال لهم نفوذ الآن أستاذ أوكتاي يلماز؟

 

أوكتاي يالماز: لا نفوذ الآن، خاصةً بعد استمرار العدالة والتنمية أكثر من 15 عاماً.

 

يحيى أبو زكريا: شكراً لك. دكتور عقيل، طبعاً إذا أخذنا بعين الاعتبار مآلات الحركات الإسلامية التي تسلّقت إلى دوائر القرار، الكلّ أفل، وسبحان الباقي كما يُقال، الإخوان المسلمون في مصر سقطوا، في تونس تقهقروا، في المغرب يعيشون صراعاً وصداعاً مع المخزن ومع الشعب أيضاً. أيضاً في المشرق العربي رأينا أفول الحركات الإسلامية.

ما هو مستقبل حزب العدالة والتنمية؟ هل سوف يستمر أم أنه لا، كما قال أرنولد توينبي، عندما يصل الكيان إلى ذروة القوة يبدأ بالسقوط، هل هو آيلٌ للسقوط أم سوف يبقى متأرجحاً؟ كيف تراه مستقبلاً؟

 

عقيل محفوظ: نعم، أنا أذكّر دكتور يحيى بأن الدولة العثمانية بقيت مئتي عام آيلة للسقوط لكن لم تتوافق الإرادات الدولية في تلك الفترة، لم تتخذ القرار الحاسم في هذه المسألة. وقد يكون الأمر محبطاً للأتراك أن ينسحب ذاك على هذا، لكن أقدّر بأنّ المسألة في تركيا، الحزب الآن لا تزال لديه احتمالات أوراق يلعبها، لا يزال هناك توافق دولي على استمرار هذا النمط من السياسة في تركيا، لأنها تلعب على الفروق، على التوازنات وعلى المساومات المتكرّرة بين أميركا وروسيا، بين الخليج وإيران، وحتى هناك مساومات داخل، وبطبيعة الحال المساومة هي جزء من ديناميّات التاريخ العثمانيّ بصورة عامة.

لذلك أنا أقدّر، بالإضافة إلى عدم وجود بنى معارضة قادرة على أن تمثل بديلاً عن أردوغان، وأنت تعلم الانتخابات الماضية الرئاسية، وحتى البرلمانية، لم تتمكن المعارضة بالرغم من طيف التأييد الكبير الاجتماعي، حزب العدالة لم يحصل على أغلبية مطلقة في تركيا، أغلبية أقصد من النوع الذي يؤهّله لإعادة تشكيل الدولة وإعادة تشكيل النظام، 50 بالمئة، أعلى بقليل من 50 بالمئة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عقيل وصلت حلقتنا إلى تمامها.

الدكتور عقيل سعيد محفوظ من سوريا شكراً جزيلاً لك. الأستاذ الكاتب والباحث أوكتاي يلماز من تركيا شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.