بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الفنان السوري عابد عازرية

 

زاهي وهبي: مساء الخير. فنّانٌ من خارِج التصنيف وخارِج المألوف، لم يُساير السائِد ولا جرفه التيار. منذ بداياته حتّى اليوم ظلّ أميناً لمشروعه الموسيقي الثقافي بأبعاده الروحية الصوفية المنفتحة على الثقافات المتنوِّعة المُختلِفة. يراه البعضُ نخبوياً، ربّما لهذا السبب يعرِفه الغرب أكثر مما يعرِفه الشرق، الشرق الذي تشرّبَ روحه وتشبّعَ بخمائِره الإبداعية مازِجاً إياها بما استخلصه من إقامته المديدة في الغرب وبما تعرّف إليه من موسيقى ونصوصٍ مُلهِمة، فكان مثلاً جسراً بين "غلغامش" و"كوكتو"، بين "الشيرازي" و"غوتيه" وبين كثيرٍ من التجارب المُضيئة التي لو عرفنا قيمتها لكنّا ربما تجاوزنا عصر الظلام المحيط بنا. مُبدِعٌ عربيّ شرقيّ غربيّ يُقيمُ في منزِلةٍ بين منزلتين صانعاً تجربةً فريدةً لا تُشبه إلّا صاحبها. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُرحِّب بالفنان السوري العربي والعالمي الأُستاذ "عابد عازرية" أهلاً وسهلاً بك

عابد عازرية: أهلاً وسهلاً

زاهي وهبي: شرّفت. سؤالي الأول أُستاذ، أين وصلت في مشروعك الإبداعي وإلى أين قادتك الموسيقى؟

عابد عازرية: دائماً، بالنسبة لي، كان عندي حلم منذ صغري وربما لم أكن أعرِف ما هو هذا الحلم، لكن هو الذي قادني دائِماً إلى أماكن وأماكن وربما سيأخذني إلى أماكن أُخرى، فربما هذا الحلم هو الذي جعلني أُحقّق أشياء وربما أشياء لم تتحقّق بعد وأشياء لن تتحقّق لأنني دائِما طموح، والإنسان الذي عنده مشروع وطمُوح أعتقد لا يتوقف

زاهي وهبي: ربما العُمر أقلّ من الحلم، الحياة أصغر من حلم حقيقي

عابد عازرية: بكثير

زاهي وهبي: منذ صغرك كنت مولعاً بالشِعر، صحيح؟

عابد عازرية: منذ المُراهقة طبعاً

زاهي وهبي: منذ المراهقة. هذا الولع بالشعر أو الحبّ للشِعر كيف وُلِد؟ من أين وُلِد؟

عابد عازرية: من الصعب عليّ أن أُفسِّره بصراحة. لكن يُمكنني القول، ربما عندي بعض الشواهِد الصغيرة كما أتذكّر في سن الأربع عشرة أو الخمس عشرة. أولاً حين كنتُ صغيراً كنت أُحبّ الذهاب إلى السينما، لم أكن أُحبّ المدرسة لأنّ السينما كانت تنقلني إلى العالم، إلى الكرة الأرضية إلى (أميركا) إلى (روسيا) إلى (إنكلترا) إلى (فرنسا) وأرى عوالِم مختلفة جداً، لكن في سنّ الأربع عشرة كان في (لبنان) مجلّة "شعر" التي أسسها "يوسف الخال" و"أدونيس"، وهذان الشخصان كان لهما علينا فضل كبير وعلى آخرين، أحدثا نهضة فنية ليس فقط شعريّة، نهضة فنّية عرّفونا فيها بأشعار من العالم، برسّامين من العالم، بدراسات، بموسيقيين

زاهي وهبي: فتحا أُفقاً

عابد عازرية: أحدثا نهضة بكلّ بساطة. ربما منذ ذاك الحين، كانت (بيروت) في ذاك الوقت نافِذة على الكرة الأرضية، على الغرب والشرق، تجد فيها أشياء بدوية وفي آنٍ واحد آخِر صرعة أميركية في ذاك الوقت

زاهي وهبي: في عُمر الأربعة عشر كنت في (بيروت)؟

عابد عازرية: كنت آتي وأذهب كثيراً

زاهي وهبي: بين (حلب) و(بيروت)

عابد عازرية: طبعاً

زاهي وهبي: على كلّ حال سنتحدث أكثر وسنسمع رأياً من الشاعر الكبير "أدونيس"، وقبل أن أطرح المزيد من الأسئِلة نريد أن نُشاهدك في ربورتاج "علامة فارِقة" لو سمحت

 

علامة فارِقة

عابد عازرية:

- أغلب شغلي مبني على الشِعر وعلى الخيال سواء أكان أساطير أو نصوصاً قديمة أو حديثة كلّها مبنية على حال خيالية

- أنا في العادة لا أختار نصاً ولا قصيدة، أختار موضوعاً. هذا الموضوع يحتوي على جزئيات مبنيّة عليه بحيث تشكّل كلّها موضوع واحِد كبير، مثل في الأوبرا أو المسرح هناك موضوع طويل لكن في داخله حركات، فضمن الموضوع الكبير تكون هناك حركات

- الجديّة تكون حينما يعبِس المرء ويُكشِّر وأنا لا أُكشِّر ولا أعبس وأُحبّ الضحك كثيراً، لكن في الشُغل هناك نظام عمل وحرفيّة. أيام زمان، كان الحرفي يستغرِقه أشهر ليصنع طاولة أو كرسياً، فهذا لا يعني أنه جدّي لكنه يحتاج إلى نظام، إلى دقة ونظام، والشغل الذي أشتغِل فيه لا يعني أنني لا أُحبّ الضحك، أنا أعشق الضحك

- أنا أشعُر بنفسي دائِماً أنا نفسي مئة في المئة مع كلّ الناس ولكن مع بعض الناس لا أشعُر بنفسي في أمان فقط، أشعُر بنفسي مُرتاحاً ومسروراً. لا أكون مسروراً مع كلّ الناس أكيد لكن مع كلّ الناس في إمكاني أن أُبدي رأيي، يُمكنني أن أقول ما أُفكِّر فيه

- في الأول، في البداية أرتجِل، في بداية العمل دائماً ارتجال، وبعد ذلك هذا الارتجال يوصلكِ إلى أماكن غير منتظرة وهذه الأماكن غير المنتظرة تفرِض عليكِ جوّها وتُصبحين منظَّمة وحرفية أكثر بعد ذلك. في هذه الحال فقط يكون المرء عن جدّ حرّاً كثيراً

- أنا بالنسبة لي غادرت (سوريا) حين كنتُ شاباً صغيراً وغادرتها إلى الأبد أكيد واخترت (فرنسا) لأنه بلد توافقني المعيشة فيه، وعملي الذي اشتغلته كلّه في (فرنسا) وعلاقاتي العملية وحتّى العاطفية كلها موجودة في (فرنسا)، فعندي أنا طفولتي فقط في (سوريا) في (حلب)، ما عدا طفولتي لا أمتلِك أيّ شيء في (حلب) ولا عندي أيّ حنين. أنا إذا غادرت (باريس) لخمسة عشر يوماً أتعب، على العكس بلدي هي (باريس). المنفى أتصوّر حينما يكون الإنسان لا يقوم بالأشياء التي يريدها وهو مضطرّ للكذِب على نفسه وعلى الآخرين، هذا أكبر منفى في الدنيا. وكما يقول "علي بن أبي طالب"، "الفقرُ في الوطن غُربة والغنى في الغُربة وطن"

- الحياة تُقرِّر والناس يُقرّرون والدنيا تُقرِّر، انا المهم في حياتي أنني قمت بالشيء الذي أُحبّه، هذا أهمّ شيء، وأخلصت له واشتغلته بدقّة، هذا أهمّ شيء لأنه في النهاية ما يتركه المرء للآخرين، الآخرون يقرّرون. عندما تشتغلين هديّة للآخر إمّا الآخر يأخذها ويستعملها أو لا يستعملها ولكن أنت تكونين قدمتِ هديتك

- من خلال كلّ شُغلي الذي بنيته كان إقامة جسر مهم جداً بين الموسيقى العربية والموسيقى عامةً. اليوم مثلاً نسمع موسيقي برازيلي وتكونين أنت إنكليزية وتسمعين له لكن أيّ موسيقي عربي أو أيّة ألحان عربية يسمعها الناس في العالم؟ لا أحد، الموسيقى العربية محليّة. حلمي كان منذ طفولتي إقامة جسر بين الموسيقى العربية الجديدة والموسيقى العالمية الأُخرى وهذا الشيء يحتاج إلى لغات جديدة، إلى تقنيات جديدة، إلى أفكار جديدة، إلى فهمٍ جديد، وبعد ذلك إلى وعيٍ جديد

- أتصوّر أنّ بيت القصيد في هذه الحياة أن يحاول المرء أن يكون سعيداً في كلّ ما يقوم به، والسعادة ليست هي أن يضحك المرء فقط، لا، السعادة أن ينتِج وأن يقوم بشيء يُحبّه ومن الممكن أن يفيد الآخرين

زاهي وهبي: نتمنّى لك سعادة دائِمة. سنُعرِج على بعض النقاط التي أثرتها. مسألة أنّك غادرت (سوريا) إلى الأبد، لماذا إلى الأبد؟ هل من أحد يترك بلاد الوطن طوعاً وإلى الأبد؟

عابد عازرية: وطنك هو الذي تكون فيه سعيداً

زاهي وهبي: نعم

عابد عازرية: لا يوجد وطن في العالم، الوطن كذبة كبيرة، هذا بالنسبة لي ولا تؤاخذني. هناك الكثير من الناس يتعلّقون ببلدهم في (روسيا) وفي (أميركا) وفي (إنكلترا) وأنا أتصوّر، كما قلت جملة، "الفقر في الوطن غربة" لـ "عليّ بن أب طالب"، "والغنى في الغربة وطن". الوطن هو المكان الذي تُبرعِم فيه، تُزهِر فيه، لكن ليس المكان الذي تذبل فيه. (سوريا) بلد جميل مثل (لبنان) مثل (مصر) مثل كلّ تلك البلاد لكن البيئة الفنية بيئة بدائية جداً

زاهي وهبي: نعم، مع أنّ (حلب) مدينتك أو مسقط رأسك أعطت الموسيقى العربية خُلاصات وتجارُب ومُبدعين

عابد عازرية: لو كنت أنا فناناً أو موسيقياً مُحافِظاً لكنت أكون مسروراً جداً في (حلب)، أنا عندي كلّ شيء إلّا أن أكون محافِظاً. (حلب) لا تُحبّ إلّا المُحافظة، لا تحبّ الأشياء الجديدة. تقليدية، مُحافِظة، فولكلورية. مثلاً القدود الحلبية

زاهي وهبي: لكنها حلوة

عابد عازرية: حلوة في وقتها، لكن مثل المُسجِّلَة القدود الحلبية لا تؤاخذي، ممكن أن تظلّ تسمعها سبعمئة سنة، وبعدين؟ من "باخ" في (أوروبا) سمِعنا إلى اليوم لـ "أوليفييه ماسيون" موسيقى لها أوّل ولا نهاية لها وهذا كلّه دليل ليس على الإبداع فقط بل دليل على تطوُّر المُجتمع

زاهي وهبي: لكننا نظلّ نسمع "بتهوفن"، نظلّ نسمع "موزارت"

عابد عازرية: وهكذا لازم، نحن ظللنا نسمع فقط الأشياء القديمة، لا شيء جديد عندنا، الأشياء الجديدة كلها عبارة عن دوران في نفس الدائِرة، لا يوجد شيء

زاهي وهبي: تقصِد لا توجد إضافات في رأيك

عابد عازرية: وبعد ذلك لا توجد أشكال جديدة. نحن عندنا إذا غنّينا موشحاً أو قدّاً أو قصيدة نكون أبدعنا وهذا هو عبارة عن تقاليد. من اللازِم أن نخترِع أشكالاً جديدة، موشّحات جديدة، أشكال موشّح جديد، قصائِد جديدة، هذا الذي لم يتُمّ. مثلاً، يُمكنني أن أذكر ولو مثلاً صغيراً

زاهي وهبي: يا ليت

عابد عازرية: شخص قد يكون خيالياً وأُسطوري اًوقد يكون حقيقياً. كلّ الأشياء دائِماً تبدأ من واقع وبعدها تُصبِح وهمية مثل كلّ الأساطير. الموسيقي "زرياب" غادر (بغداد) لأنّ أُستاذه

زاهي وهبي: "حسن الموصلّي"

عابد عازرية: "الموصلّي" هدّده بالقتل إذا بقي أو يعطيه مالاً لكي يُسافِر، هكذا تقول الأُسطورة طبعاً أنا لم أكن موجوداً. فغادر إلى (تونس) بدايةً ولم يكن مسروراً في (تونس)، من (تونس) ذهب إلى (قرطبا)

زاهي وهبي: في (الأندلس)

عابد عازرية: وهناك أسّس أوّل معهد موسيقي في تاريخ البشرية. الموسيقى كانت لا تُدرّس وكانت شفهية قبل ذلك. أسّس مدرسة

زاهي وهبي: ماذا تريد أن تقول لي من خلال هذا المثل؟ حضرتك "زرياب" جديد؟ 

عابد عازرية: لا، لا، هذا الآخرون يقولونه ويقرّرونه، ربما في النهاية أكون أنا جعلت الموسيقى مثل دولاب الموسيقى، يكرُج قليلاً، وهذا يكون عظيماً

زاهي وهبي: دعني، قبل أن أنتقل إلى الموسيقى، ما الذي بقي في وجدانك، في وعيك، في ذاكرتك من (حلب)؟ من طفولتك في (حلب) 

عابد عازرية: حين ينام الناس وتكون (حلب) هادِئة جداً، هذا أحلى شيء

زاهي وهبي: إلى هذا الحدّ لا تُحبّ الناس؟

عابد عازرية: لا، أنا أُحبّ الناس لكن لا أُحبّ الضجيج

زاهي وهبي: تحب الصمت

عابد عازرية: شوف، "التوراة" تقول إنّ الله خلق الطوفان لأن الناس أشرار بينما السومريون والبابليون يقولون أن الآلهة أغرقت البشر بالطوفان لأنهم يُحدثون ضجيجاً

زاهي وهبي: والله يُحدثون ضجيجاً، معهم حقّ. قلنا أنّك أحببت أو تعرّفت على الشِعر الحديث وعالم الحداثة الشعرية من خلال "أدونيس" و"يوسف الخال" ومجلّة "شِعر"

عابد عازرية: طبعاً

زاهي وهبي: هلّ كان هناك شعراء أثيرون إلى نفسك؟ نصوصهم تركت أثراً وحفرت؟

عابد عازرية: "محمّد الماغوط"، "بدر شاكر السيّاب" قبله طبعاً. "أُنسي الحاج" شاعر كبير جداً ومهم جداً، بعد ذلك "أُنسي الحاج" حرّر اللغة العربية كثيراً، حرّرها من أوزان أو تقاليد الماضي كما أنا أُحبّ، الماضي عظيم إذا كان هناك مُستقبل. إذا ماضٍ فقط فهو مُتعِب ومُملّ، مملّ جداً

زاهي وهبي: حسناً الموسيقى، كيت أتيت إلى عالم الموسيقى؟ أعني مُراهِق تُحبّ الشعر وتحب الشُعراء وتتعرّف إلى عالم

عابد عازرية: ربما هو الشِعر الذي دفعني قليلاً إلى الموسيقى. أنا منذ طفولتي أُغنّي، وعندما كنت في المدرسة كنت أُرتِّل، كان مطلوباً منّي لكننا كنّا مُجبرين على الترتيل وليس لأنني أُحبّ أن أُرتِّل. مع الوقت، في سن الأربع عشرة والخمس عشرة، عندما بدأت أقرأ الشِعر صرت أُحِبّ الأوزان وأقرأ البحور، "فعول مفاعيلٌ مفاعلٌ" إلى آخره. أي أوزان "الفراهيدي" تلك شغلت رأسي كثيراً حين كنت صغيراً لأنني أكتشف أنّ هناك سبعة عشر بحراً والبحر هو الوزن وهو الـ Tempo كما يُسمّونه أو الموسيقى. و"زرياب" الذي كنت أُحدّثك عنه قبل قليل أوّل ما أعطى كدرس في الموسيقى ألا يستعمل الطالب ولا آلة بل يستعمل اللغة وتقاطيع الأحرُف ومخارِج الحروف. من هذا البحث، النص يبدأ بإيقاع والإيقاع لاحقاً يعطونه دفّاً أو "مزهة" بحيث يتمكن الموسيقي من العزف على إيقاع اللغة مثل "فعولٌ مفاعيلٌ". نحن كنّا في المدرسة نعزفه قرعاً على الطاولة. وبعد ذلك يُمكن أن يأخذ مقاماً، فليكن ما كان، "نهوند" أو "سكاه" أو ما يُريده فيغنَّي عليه وتبدأ القصيدة المُغنّاة في هذا الوقت. فاعتقاد "زرياب" أنّ اللحن والموسيقى كلّها تبدأ من الإيقاع، أنا أجد هذه الطريقة سليمة جداً

زاهي وهبي: من يعرِف تجربتك وسمعك تُغنّي ويتابع أو يقرأ عنك يقول أنّه عندك شغف باللغة، عشق للغة العربية وربما غير العربية، كتبت بالفرنسية أيضاً.  هلّ هذا صحيح عن شغفك في اللغة؟

عابد عازرية: هو في النهاية، اللغة أياً كانت هي ذاكرة الإنسان، وأنا الإنسان يهمني كثيراً، أُحبّ الإنسان كثيراً الذي يعمل، لا أُحب الإنسان الذي لا يفعل شيئاً، أُحبّ الإنسان الذي يُنتِج ويشتغِل ويبحث سواء كان عالماً أو سائِقاً، مهما كان، المهم أن يخترِع شيئاً جديداً، يُعطي للبشرية شيئاً جديداً لكي، لا تتقدّم الإنسانية فحسب بل تنفتِح. أنا لا أؤمن بالتقدّم لأنّ التقدُّم هو تأخُّر صدّقني. لكن الانفتاح

زاهي وهبي: حسناً، هذا التوق إلى الجديد وإلى التجديد وإلى الانفتاح من أين؟ من (بيروت) في مرحلة معينة؟

عابد عازرية: ربما ورثته من أهلي، ربما ورثته من البيئة التي عشت فيها، من إخوتي، ربما بلا وعي من (حلب) التي ربما أنا لم أكن أرغب في العيش فيها لكنها بالتأكيد منحتني أشياء كثيرة بالضرورة أكيد

زاهي وهبي: كما تعرِف، أنا حاورت الكثير من الحلبيين في حياتي المهنية، أنت أول حلبي يقول لي لم أكن أُحب أن أعيش في (حلب)

عابد عازرية: هذا يعني أنني أول حلبي أشتغل في الفن بطريقة صحيحة (يضحك)

زاهي وهبي: (يضحك)، سامحوني يا أهل (حلب)، مشكلتك 

عابد عازرية: أهلاً بـ (حلب) وأهل (حلب)، لا توجد مُشكلة

زاهي وهبي: نعم. إذا قلنا أن هناك شعراء أثروا بك وأحببتهم، هلّ هناك موسيقيون قبل أن تتحول إلى ساعٍ للتجديد وباحث عن الجديد؟ أكيد هناك موسيقيون تركوا أثراً ما

عابد عازرية: معرِفتي الموسيقية كانت ضئيلة جداً، ربما أكثر ما سمعته في طفولتي ومُراهقتي هو الألحان الدينية للحقيقة. مثلاً أنا أُحبّ الألحان السريانية، البيزنطية، الذِكر، المولِد النبوي، كلّ الأشياء الإسلامية والمسيحية كنت أُحبها كثيراً لأنها بلادنا في الآخر وهي الألحان نفسها، الكلام يتغيّر لكن المقام واللحن والاصطلاحات الموسيقية هي نفسها

زاهي وهبي: وتتناسل من بعضها البعض

عابد عازرية: فأنا ربّما بلا وعي كنت متشرِّباً هذه الأشياء كثيراً، بعد ذلك، عندما كبِرت قليلاً كنت أسمع الأغاني الدارِجة. لكن كنت أهرُب من ألحان (حلب)، لماذا؟ أخاف أن تحتلّ لي كلّ مساحة أُذني

زاهي وهبي: نعم

عابد عازرية: كنت أخاف منها

زاهي وهبي: ربما عندك إشباع، (حلب) إلى هذا الحدّ رابضة عليك؟

عابد عازرية: مثلاً مثل عندك والِد لا يتركك تتنفّس، على طول عليك أن تمشي حسب إرادته وأنا كنت طفلاً حراً، أُريد أن أكون حراً وأُكوِّن شخصيتي، (حلب) فيها شيء أو (بيروت) أو أيّ مكان في المنطقة عندنا، أولاً يمنعك أن تكون أنت وأنت من اللازم أن تكون ما يريده هو وأنا عندما ذهبت إلى (باريس) وصلت إلى محطّة قطار، ما أن وصلت قلت هذا المكان سيسمح لي أن أكون ذاتي

زاهي وهبي: أي سنة ذهبت؟

عابد عازرية: في أوّل مرة سنة 1965 وفي ثاني مرّة وإلى الآن منذ 1967

زاهي وهبي: منذ سنة 1967

عابد عازرية: إلى الآن، يعني صار لي خمسون سنة هناك

زاهي وهبي: في علاقتك بـ (حلب) هناك شيء، مقولة قتل الأب في علم النفس

عابد عازرية: لا، ليس قتل بل الابتعاد عن الأب

زاهي وهبي: الابتعاد عن الأب

عابد عازرية: أجل طبعاً

زاهي وهبي: حسناً، الإقامة في (باريس) بعد كلّ هذه السنوات باختصار، ماذا أخذت منك وماذا أعطتك

عابد عازرية: طبعاً طلبت منّي أشياء كثيرة لأنّ (باريس) متطلِّبة كثيراً. إذا كنت إنساناً بطيئاً أولاً أو غير باحث تصير على الهامش

زاهي وهبي: نعم

عابد عازرية: فجعلت منّي شخصاً أكثر من اللازم، أُحاسب دائِماً، يعني لو سؤال عن التاريخ، لو عن الجغرافيا، لو عن التاريخ لا أكتفي بالجواب السريع والبطيء من اللازم أن أبحث أكثر. علّمتني البحث

زاهي وهبي: حلو، البحث في الحياة هو الحياة

عابد عازرية: في كلّ شيء. أحياناً، لا أعرِف، في الكومبيوتر أبحث عن شيء وأبحث، لكن الناس في بلادنا يكتفون بالقليل

زاهي وهبي: الإنسان الذي لا يبحث قد لا يكون إنساناً على قيد الحياة

عابد عازرية: شيء من هذا

زاهي وهبي: لو سمحت لي سنسمع مقتطفاً من شغلك، أنا من أهوى ومن أهوى أنا" لـ "الحلّاج" أليس كذلك؟

عابد عازرية: أي نعم

زاهي وهبي: وسنتحدث طبعاً عن الموسيقى والشِعر الصوفي والأشياء الروحية

عابد عازرية: لمعرفتك فقط، عندما اشتريت دواوين "الحلّاج" اشتريتها من (بيروت) في زماني، وتعرفت عليها في سنة 1968، كانت هناك مكتبات في (بيروت) وفي (بغداد)، ذهبت إلى (بغداد) و(حلب)، وكان أصحاب المكتبات يقولون لي، "لماذا تشتري هذه الأشياء؟ ماذا تريد بها؟"

زاهي وهبي: نعم

عابد عازرية: تصوّر

زاهي وهبي: هذا جهل مع احترامي

عابد عازرية: طبعاً، هذا الذي كنت أبحث أنا لأهرب منه، أريد أن أقوم بشيء مُضيء، وفي تاريخنا نحن وبلادنا هناك أُناس وأشياء مُضيئة جداً ومن اللازم أن أبحث عليها

زاهي وهبي: منها الذي حضرتك تشتغل عليه، نسمع مُقتطفاً ثمّ موجزاً إخبارياً سريعاً ونُتابع "بيت القصيد" مع الفنان "عابد عازرية"

المحور الثاني:

زاهي وهبي: إذا مُقتطف من اشتغالك على "حافِظ الشيرازي" الشاعر الفارسي العظيم والفيلسوف والشاعر الألماني "غوتيه"

عابد عازرية: هناك دائِماً صُدَف تُغيِّر لك حياتك كلها، أفكارك، ربما حياتك العاطفية وحياتك في الصداقة وفي العمل. أنا قرأتُ من زمان كثيراً ديوان "غوت" بالعربي وكنت في (مصر) سنة 1974. كانت أُختي تدرُس هناك فذهبت إليها في زيارة ورأيته على بسطة، كتاب اسمه "الديوان الشرقي" لمؤلِف الغربي. قرأته وأُعجِبت به كثيراً وتركته عنده وراحت الأيام. عندي صديق إيراني في (باريس) لمدة خمسين سنة لم يذهب إلى (إيران)، عنده ابنه شاب وانتحر للأسف بصراحة، فأراد أن يراني أكثر فأكثر وقال لي، "أنا خسرتُ ابناً لكن عندي صديق، ربحت صديقاً معك" وسافر لأوّل مرة بعد خمسين سنة إلى (إيران) وزار أهله. أخته التي تركها عمرها سنة أصبحت جدّة وأحضر لي معه هديّة

زاهي وهبي: ديوان "حافظ الشيرازي"

عابد عازرية: ديوان "حافظ" بالعربي مُترجم في (طهران) وقال لي، أحضرت لك هذا الكتاب ليتك تفعل منه شيئاً. بالنسبة لي وفاة ابنه وحزنه الكبير دفعاني لأن أشتغل له هدية وتذكّرت "غوت" لأنّ "غوت" كتب هذا الكتاب الكامل مثل أجوبة لـ "حافظ". عندما نقرأ "حافظ" ونقرأ "غوت" نكتشف أنّ "غوت" في الآخر غيَّر حياته كلّها عندما قرأ "غوت"

زاهي وهبي: عندما قرأ "حافظ"

عابد عازرية: طبعاً، وكلّ القصائِد موجهة لـ "حافظ". فقلت هذا يعني أنه لا يوجد حلّ سوى أن نجمعهما اليوم بعد خمسمئة أو سبعمئة سنة معاً، لكن نجمعهما في (الأرجنتين) على ألحان تانغو. فهناك منتِج عندما أقمنا أول حفلة قال لي "عابد" أتجمع ألماني وفارسي وباللغة العربية؟ لماذا؟ فقلت له، "لماذا لا؟" قال لي "في التانغو؟" قلت له، "لماذا لا؟" هذا في بلادنا مستحيل أو صعب

زاهي وهبي: هلّ تصحّ هذه الخلطة في رأيك؟

عابد عازرية: الدليل شاهدناه، صحّت

زاهي وهبي: هذا يدلّك كم أيضاً حوار الثقافات

عابد عازرية: طبعاً ليس سهلاً في كلّ العالم، لأنّ الانفتاح بين الثقافات يُزعِج الكثير من الناس، يُزعِج كلّ المؤسسات في النهاية

زاهي وهبي: نعم. قبل أن نسمع شهادة في تجربتك، اليوم نحن في زمن، حالياً في السنوات الأخيرة هناك في العالم تصاعُد نبرة عُنصرية شعبية، عودة المُجتمعات وكأنها ستعود لتنعزِل عن بعضها البعض. كم هذا الشغل في هذا الزمن بالذات ممكن أن يكون نوعاً من مواجهة مع الزمن؟

عابد عازرية: أنا لا أشتغِل في السياسة، لكن هذا نوع من السياسة التي أقوم بها أنا. المواجهة للذي يحدُث في العالم هو في الفنّ، في الاختراع، في الابتكار، في مزج الثقافات، في كشف الثقافات. مثلاً "الحلّاج"، "ابن عربي"، "رابعة العدوية" أصدرتُ عنهم اسطوانة بدأت ألحانها سنة 1973. كانوا غير مقروئين والآن هناك بعض الناس وبعض الشباب صاروا يلحنون لهم وهذا عظيم وأنا مسرور، لأنّ في تراثنا وتراث البشرية "الحلّاج" و"ابن عربي" ليسا ملكاً فقط للعرب، هما ملك للإنسانية. عندما إنسان سويدي يقرأ اليوم "ابن عربي" يعتبر أنّ هناك شيئاً كونياً Universal عالمياً يقرأه بينما اليوم عندنا أشياء نحن في البلاد العربية كلها محليّة

زاهي وهبي: نعم. أنا شخصياً أجد في الفِكر الصوفي والعرفاني في الإسلام وفي الفقه في هذا المجال أحد المخارِج المُمكنة من الظلامية التي نعيشها

عابد عازرية: ربما الوحيدة

زاهي وهبي: ربما الوحيدة أيضاً. حسناً، لو سمحت لي، بما أننا نتحدث عن المزج والجِسر بين الثقافات، نريد أن نسمع رأياً من المُترجِم والمسرحي الفرنسي "فلوريان أزوليه"، ممكن أن نسمعه في "كلام يوصل"؟

عابد عازرية: تفضل

زاهي وهبي: إذا أردت

كلام يوصل

فلويان أزوليه – مُترجِم ومسرحي: ما يلفتني في عمل "عابد عازريّة" هو تفانيه في كلّ ما يفعله ويعتبره بعض النُقّاد موسيقياً أو مُترجماً، لكنني أنظُر إليه كفنّان كامل وكشخص يُعطي اللغة الكثير من الأهمية ويهتمّ بكلّ التفاصيل في عملِه منذ سنوات عدّة. فضلاً عن ذلك، يحرِص على ترجمة أعماله مثل "ملحمة غلغامش" وعندما نتناول أسطوانات "عابد عازريّة" نرى أنه هو بنفسه من ترجم القصائِد العربية، وهذا رأيي وهذا ما يلفتني في "عابد". يتحلّى بحريّة مُطلقة لا حدود لها ويُدهشني ما أراه، إضافةً إلى أنني أعرِف "عابد" منذ بضع سنوات وهو لا يُساوِم على حريّته أبداً. يتحلّى بحريّة وجوديّة وحريّة فنيّة وهذا ما يُميِّزه وربما ما يُميِّزه أيضاً شيء من البساطة وبالتالي يسعه التعجرُف والتغطرُس أكثر لكنّه رجلٌ متواضع وبسيط جداً. السؤال الذي أودّ أن أطرحه على "عابد" هو التالي: "عابد"، هلّ يُمكنك الاتصال بي عندما تعود من (لبنان) لنتناول العشاء معاً إذا سمح وقتك؟

زاهي وهبي: سؤال طريف لكن الذي قاله عنك

عابد عازرية: يعرفني جيداً

زاهي وهبي: يعرِفك ويعرِف علاقتك بالحريّة وتواضعك، هذه أيضاً صفات جميلة في الإنسان أكيد

عابد عازرية: أنا سأقول لك شيئاً في هذا الخصوص، في سنتيّ الـ 1971 و1972 التقيت بـ " الأخوين رحباني" اللذان أنا مُعجب بهما وأُقدِّرهما وأضعهما فوق رأسي لأنهما أناسٌ اشتغلا وأبدعا وأنجزا أشياء جيِدة مع السيّدة "فيروز" طبعاً. في ذاك الوقت كنت قد أنتجت أوّل أسطوانة سنة 1971 وكان فيها شعر لـ "أدونيس" ولـ "خليل حاوي" ولكثير من الشعراء ولـ "محمود درويش" ولـ "سميح القاسم"، فقال لي "عاصي الرحباني" عندهم في المكتب، هلّ يُمكننا أن نسمعها؟ فقلت له، طبعاً. أخذها وسمعناها فقال لي "عابد"، إذا ستُكمِل هكذا ستموت من جوعك

زاهي وهبي: بمعنى أنّ هذا النوع من الفنّ لا يُطعِم خبزاً كما يقولون

عابد عازرية: فقلت له، أنا ذهبت إلى (فرنسا)، لكن قال لي، وهلّ الفرنسيون يسمعون العربية؟ فقلت له، لكن نحن نسمع إيطالي وإنكليزي فلماذا لا يسمعون عربي؟ وهكذا هي القصص، إذا أحدهم يُقيم مع نفسه تحدياً كبيراً يمكن أن يصل إلى أشياء

زاهي وهبي: كيف هو تفاعل المتلقّي الغربي مع شُغلَك؟

عابد عازرية: أولاً يُدهَش من الشغل بشكلٍ عام للأسطوانة، حتّى الغلاف مشغول، حتّى الترجمة مشغولة، كلّه مشغول مثلما هو مشغول في (أوروبا) وأحسن

زاهي وهبي: كم صارت، كم أسطوانة لغاية اليوم؟

عابد عازرية: حوالى عشرين أسطوانة

زاهي وهبي: ليست قليلة

عابد عازرية: تستغرق وقتاً كثيراً

زاهي وهبي: لكن برويّة، بهدوء، من دون عجقة

عابد عازرية: أنا لم أقم بشيء ثانٍ في حياتي إلّا هذا الشغل. من حُسن الحظّ تمكّنت، صار لي على الأقل حوالى 35 سنة وفي إمكاني أن أربح الحدّ الأدنى من حياتي من شُغلي، هذا عظيم، عظيم جداً وأنا رجُل لا يهمني أن أكون ثرياً ولا في عُمري بحثت عن الثراء

زاهي وهبي: اشتغالك على الموسيقى مع الشِعر، الموسيقى مع الكلِمة، الإصرار على مزج الشِعر والموسيقى، لماذا؟

عابد عازرية: أظنّ أنّ عندنا مادة غنيّة في المشرِق ومن اللازم أن يعرِفها الناس، كلّها مُخبّأة وأُسميها أنا كتابات هامشية، كلّها كتابات مُهمّشة ومُخبأة، التاريخ العربي خبأها كلها ولا أدري من، الحكّام أو غير الحُكّام

زاهي وهبي: السُلطة بكلّ أشكالها، السلطة السياسية، الدينية، الاجتماعية أحياناً

عابد عازرية: أتصوّر أنّ هناك مواد حُرّة جميلة مُضيئة 

زاهي وهبي: أعني الشعر الصوفي الآن حديثاً قُمِع وطُمِس

عابد عازرية: أنا قلت لك أنّ هذه المكتبات كانت تُبهدلني، أنت شاب صغير ولماذا تقرأ هكذا كتابات؟ لا يعلمون أنني أبحث عن الفتيلة وغيرها من أجل أن

زاهي وهبي: ما الذي أعطاك إياه الشِعر الصوفي أو الشِعر الروحي أو الموسيقى الروحية إذا كان هذا الوصف ينطبِق على موسيقاك؟ ما هي الآفاق التي فتحها أمامك؟

عابد عازرية: أولاً كلّ هذه الأشعار كوّنتني كما أنا، هذا مهم جداً وله فضل كبير عليّ. ثانياً، الشِعر الصوفي جعلني أُدرِك أنّ هناك علاقة بين الإنسان والكون كبيرة جداً، والإنسان ليس هو فقط الإنسان، هو الطاولة وهو الأكل وهو الشُرب وهو السماء وهو الأرض، فالإنسان مع الله متواصل والله موجود في كافة الأشياء. الله ليس موجوداً لا في كنيسة ولا في جامع ولا في أي دين، موجود في كلّ الأشياء. أنا عندما كنت صغيراً كانت والدتي تقول لي هذه الكلمة، وأمّي متديّنة كبيرة، كانت تقول، "دعنا نخرج يا "عابد" فأسألها، "إلى أين؟"، تقول لي "إلى الخارج لنرى وجه الله"

زاهي وهبي: أجل، أُمّي كانت تقولها

عابد عازرية: أرأيت؟ هؤلاء الذين تركوا هذه الآثار، هؤلاء يجعلوننا نرى وجه الله بالنسبة لي، مُضيء وجه الله

زاهي وهبي: يمكنني أن أقول أنّ الموسيقى والشِعر جعلاك أقرب إلى الله؟

عابد عازرية: جعلاني أقرب إلى الكون طبعاً

زاهي وهبي: إلى الكون وليس إلى الله

عابد عازرية: الله هو الكون

زاهي وهبي: نعم، تؤمِن بوحدة الوجود حضرتك

عابد عازرية: طبعاً

زاهي وهبي: وتتماهى مع الصوفيين

عابد عازرية: وحدة الوجود هي احترام الأشياء، "بابلو كزال" في زمانه وهو عازِف إسباني مهم جداً كان يرى أطفالاً، يُعلِمهم احترام الطفل الآخر. عندما نحن لا نحترِم كأطفال وكعجائِز وكشباب الآخرين معنى ذلك أننا نسبّ الإله، نسبّ الله، نسبّ الأنبياء، لأنّ في الإنسان روح إلهية وهذا ما علّمنا إياه المتصوّفون

زاهي وهبي: إن كنت تريد أن تحترم الله عليك أن تحترِم مخلوقاته والكائِنات والوجود كلّه

عابد عازرية: نعم، من دون أن تكون رجل دين

زاهي وهبي: ماذا وجدت في إنجيل "يوحنّا"؟ اشتغلت على نصوص حضرتك من إنجيل "يوحنّا"

عابد عازرية: طبعاً، النص الكامل اشتغلته. أنا ربما اشتغلته، ربما لولا أن توفّت والدتي وأنا كنت أُحبها جداً لما كنت كتبت المشروع لأنّ والدتي كانت مؤمنة جداً

زاهي وهبي: نعم، كان كتحيّة لروحها

عابد عازرية: روحياً، لم تكن تذهب لتصلّي في مكان

زاهي وهبي: لا، العمل كان تحيّة لروحها أقول

عابد عازرية: هدية تقريباً أولاً، ثانياً "يوحنا" كاتب دراماتيكي كبير غير التلاميذ الإنجيليين الآخرين، "لوقا" و"مرقص"

زاهي وهبي: بماذا غير؟

عابد عازرية: كانوا شهوداً. الشهادة الآن هي كما هي أو متى لا نعرِف، لكن ما تركه "يوحنا" والموجود عندنا والمُترجَم من اليوناني وليس من الآرامي، المسيح تحدّث مع تلاميذه بالآرامي أي في اللغة العربية في النهاية بالنسبة لي أنا

زاهي وهبي: نعم، العربية جذرها آرامي

عابد عازرية: آرامي طبعاً، نحن كلنا آراميون

زاهي وهبي: مما أفهم، تقول أنّ "يوحنّا" شريك وليس فقط شاهِداً؟

عابد عازرية: "يوحنّا" تحدث وتعمّق في الشيء الذي أراد أن يقوله "المسيح" أي حكى في النور، في الضوء، أن في الإنسان نور. كلما كبُر النور في داخله كلما صارت الحياة عظيمة، "المنصوفي" تحدث في الشيء نفسه وفي النهاية كلّهم يزورون بعضهم البعض

زاهي وهبي: في الوقت نفسه اشتغلت على نصّ للإمام "علي بن أبي طالب"

عابد عازرية: طبعاً

زاهي وهبي: واستشهدت بمقولته في ربورتاج "علامة فارِقة"

عابد عازرية: طبعاً

زاهي وهبي: ما الذي أغواك؟

عابد عازرية: هناك خُطبة ألقاها، "خطبة البيان"، قرأتها للمُستشرق الفرنسي "نيماسينيون" وهي طويلة جداً، لكن أخذت منها مقاطِع

زاهي وهبي: مُستشرق معروف جداً

عابد عازرية: سحرتني فتوفقت. لماذا؟ لأن في قراءتي الشخصية، وكل شخص له قراءته أيضاً. في قراءتي أنا أتصوّر أنّ النصّ يقول إن الإنسان هو وريث الله على الأرض، فهل يُعقل أن أكون أنا وريث الله على الأرض وأُشعوِذ وأؤذي وأقتُل؟ فهذا النص غير معقول كم هو جميل وواسِع، يُعطي للإنسان والإنسانية سعة كبيرة

زاهي وهبي: بمعنى أنّ الإنسان عليه أن يرتقي لكي يكون جديراً بأن يكون وريث الله على الأرض خصوصاً بأفعاله

عابد عازرية: طبعاً، هذا المطلوب

زاهي وهبي: نعم. هذا الذي نُحاول أن نقوله من خلال حوارنا مع حضرتك أُستاذ "عابد"

عابد عازرية: تسلَم

زاهي وهبي: اسمح لنا أن نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث: 39:16

زاهي وهبي: حلو، جميل جداً. إذا تحدّثنا عن المزج الثقافي، بمعنى نص شعري بالعربي، نص شِعري بلغة أُخرى أو ترجمة نصّ من لغة، مسألة ربما قد تكون سهلة إلى حدٍّ ما. مزج الموسيقى بمعنى التأليف الموسيقي لآلات شرقية وغربية، الاشتغال على المسرح بآلات شرقية وغربية وبمقامات مُختلِفة مسألة ليست سهلة

عابد عازرية: كما قلت لك، القصص تحتاج إلى شغل وبحث وتستغرِق وقتاً

زاهي وهبي: بمعني الهارمونية والتناغم

عابد عازرية: أنا اضطررت عندما اشتغلت "نصيب"، مشروع الأسطوانة الذي اشتغلناه في عدة مُدن وعدة بلدان حتّى أقمناه في سنة 2005 في (لبنان)، عليك أن تعرِف كلّ المقامات الإسبانية، عليك أن تدرس حركات "الفلامينكو" كلها، الأوزان وفي آن واحد قارِنها مع ما يركب بالعربي. التقيت أنا في هذه القصائِد في "مدريد" أحد المستشرقين وقد جمعها وكتبها بالحرف اللاتيني

زاهي وهبي: نعم، قصائِد أندلسية

عابد عازرية: قصائِد أندلسيّة لشعراء مجهولين، فعاودت كتابتها بالنوتة بالعربية كلّها وأخرجت منها قصّة من تسع حركات أو عشر حركات

زاهي وهبي: حلو الذي سمعناه، "خدُّكِ بُستان"، حلو

عابد عازرية: أرأيت كيف؟ جميل. كان العرب في (الأندلس) أو الإسبان في (الأندلس)، أولاً كانت كلّ الأديان تعيش مع بعضها البعض في سعادة مُطلقة، كلّ الأديان. بعد ذلك كان رجل الاقتصاد "ابن رشد" وكلّ الكُتّاب والفلاسفة والعُلماء، كان لا يوجد شيء أفضل من شيء. كان هناك نوع من، ليس الديمقراطية فأنا لا أؤمِن بهذه الكلِمة لكن أقول، هناك نوع من عدالة مُعيّنة واحترام

زاهي وهبي: احترام الآخر والتسامح وقبول الآخر

عابد عازرية: احترام الآخر بين العلوم والمعارِف. بمعنى كيميائي كان يحترم إماماً، إمام كان يحترِم رجل الرياضيات وهذا مُهم. لكن والله أنني أنا إمام لكن رجل الرياضيات هذا مسكين؟ لا يصحّ لأنهم كلّهم يُكوّنون هذا المُجتمع، والمجتمع الأندلسي كان عظيماً

زاهي وهبي: هذا ما نعانيه اليوم كعرب، كلّ واحِد فينا يدّعي أنه يمتلِك الحقيقة ويمتلِك اليقين ويمتلِك الدنيا والآخرة معها وللأسف، وتوزِّع صكوك غُفران، بمعنى مثل القرون الوسطى في (أوروبا) للأسف، والتكفير      

عابد عازرية: ما زالت

زاهي وهبي: نعم؟

عابد عازرية: ما زالت عندنا في بلادنا للأسف، ما زالت هذه الأشياء، ما زال هذا الجانب

زاهي وهبي: طبعاً. هلّ "الفلامينكو" بمعنى الشغل العربي مع "الفلامينكو" أسهل من غيره كون البعض يعتبر أنّ "الفلامينكو" أُصوله أو جذوره عربية؟

عابد عازرية: لا. أنا اشتغلت بالفرنسي واشتغلت بالإيطالي واشتغلت بالألماني، مثلاً مع "حافظ" لحنت أيضاً لـ "غوت" من أجل أن يكون معي مُغنٍّ ألماني وأنا لا أعرِف الألمانية، إسباني على الأقل أُدبِّر نفسي. لا، في نفس الصعوبة ونفس السهولة. هي في الأساس تحتاج إلى وقت. أنا أقول إنّ اللحن، أو لحن القصيدة أو لحن النصّ الحلو هو مثل القفل، باب مقفول في مكان، تمرّ إلى جانبه ولا يفتح. في وقتٍ معيّن يأتيك المُفتاح، تفتح الباب وتدخل وتكون الموسيقى مضبوطة

زاهي وهبي: نعم، ربما لا يُمكننا أن نحكي عن علاقتك بالشِعر وفي اللغة من دون أن نتحدث عن علاقتك بـ "أدونيس" سواء على المُستوى الشخصي أو على المُستوى الإبداعي

عابد عازرية: اشتغلت أسطوانة كاملة لـ "أدونيس" طبعاً

زاهي وهبي: نعم، هذا مرجع سؤالي. ما الذي يجمعك بـ "أدونيس" شخصاً بمعنى شاعِراً وشعراً؟

عابد عازرية: توجد أشياء مُشتركة بين شخص "أدونيس" الذي عنده خبرة كبيرة وعنده تجربة كبيرة في الشعر وفي الأدب وفي الحياة وفي الفلسفة والفِكر والدين. أنا أعرفه منذ سنة 1968 حين كان يسكُن في (بيت الشعّار) في (لبنان) وهو ربما كان أوّل الشُعراء الذين لحّنت لهم ولم أُلحِّن لشُعراء قدماء في البداية لا "متنبي" ولا "أبو العلاء المعرّي" ولا "طرفة ابن العبد" ولا هؤلاء، لحّنت لـ "أدونيس" لأنّ "أدونيس" قصائِده مثلاً "مهيار الدمشقي" وهي قصيدة أعطت الشِعر العربي حوالى مئتي بيت، بينما لـ " أمرؤ القيس" أو لـ "عنترة" كانت القصيدة من خمسة سطور بالكاد وأسطُر صغيرة مقارنة مع الشعر الحديث وهذا استهواني كثيراً، هذه الحرية الموجودة في هذه الكتابة

زاهي وهبي: حسناً، دعنا نسمع إذا سمحت، مثلما ذكرت أنا منذ قليل، نسمع "أدونيس" الشاعر العربي الكبير وما يقوله عن حضرتك

كلام يوصل

أدونيس – شاعر: عدا الصداقة الطويلة والقديمة هناك نوع من الوِحدة في فهم العمل الفنّي وفهم الحياة الغربية وعلاقتنا بها، وأعتقد أنّ عندنا أشياء مُشتركة من حيث النظرة أيضاً إلى الماضي، النظرة إلى ماضينا المُشترك. أعتقد أنّ هذه النظرة إلى ماضينا المُشترك تجعل نظرتنا المُشتركة إلى واقعنا المُشترك نظرة متآلفة بيني وبينه. فنحن نلتقي على أكثر من صعيد في ما يتعلّق بفهم العالم المُحيط بنا وفي ما يتعلّق بنتاجه الإبداعي أيضاً لهذا العالم وفي علاقة الغرب بالشرق أيضاً خصوصاً علاقة بلدنا المُشترك السوري بالحضارة الغربية لإبداع شكل. مثلاً المضمون لا قيمة له فيحدّ ذاته في أيّ عمل فنّي سواء كان موسيقياً أو شِعرياً أو شيء آخر. مثلاً إذا أردت أن تتحدث عن الموت لنقُل، الموت موضوع، كلّ الناس تحدثوا عن الموت لكن يُصبِح حديثك عن الموت مهماً في الشكل الذي تُعطيه لهذا الحديث، وفي هذا المعنى، الشكل هو المضمون للعمل الفنّي والموسيقى تُسهِّل أو تفتح إمكانات للعلاقات المُباشِرة بين الجسد الإنساني والجسد الكوني. إذاً تمُد جسوراً وروابِط لإقامة هذه الوِحدة بين الإنسان والكون، وهذه الوحدة بين الإنسان والكون هي من القِيَم أو الصوفية مما يحرِص عليها المتصوِّف لأنه عندما يصل إلى حال الوِحدة بين جسده والكون يعتقد أنه وصل إلى نُقطة الاتحاد ضدّ لله نفسه لأنّ الله ما هو إلّا الطاقة الخلّاقة المبثوثة في الكون. مما يُحفظ ويُشكر فيه ويُعدّ طليعياً "عابد" أنه يُعطي للشِعر مكانه في الموسيقى ويُعطي للموسيقى أيضاً مكانة في الشِعر، بينما بقية المُغنين ينحصر أداؤهم في الأُغنيات والتصدّي لغناء الشعر عمل مُهِمّ جداً وعمل يقوم على مسؤولية كُبرى، ليس مسؤولية موسيقية فقط بل مسؤولية شعرية أيضاً

زاهي وهبي: توجد تقاطعات بينك وبين "أدونيس"

عابد عازرية: هناك شيء كثير من هذا لكن أُريد أن أقول لك مسألة إضافية، أنا أحترِم الإنسان الذي يُشبه نفسه. هناك أُناس مثلاً يحكون في الفلسفة وفي الفِكر وهم سلوكهم اليومي ولا بائِع خيار

زاهي وهبي: نعم

عابد عازرية: هناك انفصام. "أدونيس" متّفِق مع نفسه

زاهي وهبي: نعم، حضرتك مع التماهي بين المُبدِع ونصّه سواء كان هذا النصّ شعرياً

عابد عازرية: طبعاً، وفي وحياته أيضاً، عندما يتحدث عن الحرية يعيش الحرية أيضاً. "أدونيس" كان في (سوريا)، وُلِد في (سوريا)، غادر (سوريا) وجاء إلى (لبنان)، غادر (لبنان) في الحرب وذهب إلى (فرنسا) وفي الغد ربما يذهب إلى (أُستراليا)، ما من شيء يحدّه لأنّه إنسان حرّ وفِكره حرّ. فليقول ما يُريده، ليس لأنه يُطلِق أحكاماً على الناس، لا، لأنه  فِكر حرّ وهذا الشيء بيننا دائِماً، بكلّ هدوء وصمت موجود بيننا

زاهي وهبي: كم هناك ثمن لهذا الأمر، عندما يكون الإنسان حراً إلى هذه الدرجة، هلّ يدفع ثمناً في رأيك؟ وهلّ دفعت حضرتك ثمنَ حريّتك؟

عابد عازرية: أنا فقدت في هذه الحريّة أهلي

زاهي وهبي: نعم، في أيّ معنى؟

عابد عازرية: بمعنى لم أعد أراهم لخمسين سنة. بلدي، إخوتي، لهفة الناس، المحبة الموجودة في الشرق. لكن دافعت عن شيء مهم جداً طوال حياتي وهو الأفكار التي أُريدها، وهذا مهم جداً

زاهي وهبي: نعم. هل يُمكننا أن نقول أنك اخترت حريّتك على حساب أيّ شيء آخر؟

عابد عازرية: أهم شيء في الكون هو الحريّة، أهمّ قيمة. ما يُحزنني دائِماً عندما تحدُث تظاهرات أو حروب أو ثورات أو أنّ ما تريده قليلاً من كلّ المُفكّرين الذين يتحدثون عن الحريّة. يتحدثون عن مطالبات، يطالبون بأنهم يريدون كذا ويُريدون كذا لكنّهم لا يُطالبون بحرية كبيرة، والفنان دائِماً سواء كان غربياً أو شرقياً "غوت" أو "حافظ" قالوا الشيء نفسه، "فولتير" أو "أدونيس" قالاا نفس الشيء وهو الحرية. "علي بن أبي طالب" طلب للإنسان حرية ليشابه الله وليكون من بني الله

زاهي وهبي: وحريّة الفرد في الدرجة الأولى

عابد عازرية: طبعاً، طبعاً

زاهي وهبي: تبدأ حرية الشعوب

عابد عازرية: وليس أنا من الجماعة ولا الجماعة منّي، المفروض أن تُحترم القيمة الفردية والقيمة الجماعية كلّها

زاهي وهبي: نعم، أُستاذ "عابِد" إذا أردنا أن نُصنّفك، أنا قلت في البداية في تقديمي لحضرتك أنك خارِج التصنيف. وأعتقد أن كثيرين يحتارون إذا أرادوا أن يضعوك ضمن كادر مُعيّن أو إطار. حضرتك كيف تُقدِّم نفسك؟ أنت موسيقي ماذا؟ أو فنان ماذا؟

عابد عازرية: أنا أشتغِل موسيقى عربية جديدة

زاهي وهبي: موسيقى عربية جديدة، نعم

عابد عازرية: فقط، وإذا نجحت في حياتي كلها في جعل الموسيقى العربية تتغيّر شعرة أو شعرتين وللجيل الجديد، لموسيقيين شباب جُدد يعطيهم تفكير أنه من المُمكن أن نُغيِّر الأشياء سواء كانت موسيقى أو شِعراً أو هندسة فهذا عظيم جداً، ولو ملليمترين

زاهي وهبي: هلّ يحزّ في نفسك أنك معروف في الغرب وفي (أوروبا) أكثر مما أنت معروف في البلاد العربية؟

عابد عازرية: لا، لا، لأنّ الجمهور جمهور والناس ناس والإنسان إنسان. هناك أُناس هناك عندهم مراجِع، مصادِر موسيقية وفي إمكانهم أن يفهموا البحث الذي تقوم به والتأليف الذي تقوم فيه والابتكار. عندنا نحن الموسيقى للتسلية للأسف. نحن مثلاً، أنا كان عندي حلم أن أؤلِف موسيقى مثلما يفعل الرسّام، مثلما يقول فيلسوف، عندنا نحن الموسيقى للتسلية، ونحن في مطعم يغنّون لنا ويعزفون لنا ولم تتجاوز هذا الشيء

زاهي وهبي: حتّى حضرتك ربما، ولو من باب الدعابة طالبت بأنّ شركات الإنتاج في العالم العربي، الإنتاج الموسيقي والغنائي مثل "روتانا" وغيرها أن تُحاكَم في (لاهاي)

عابد عازرية: طبعاً، لأنها تُشوِّه ذوق الشعب. أنا أقول أن الشعب لا ذوق عنده أوكي، لكن يُمكننا أن نمنحه، مثلاً أهالينا القدماء كانوا على الأقل يسمعون "عبد الوهاب" مثلاً ونحن أتينا وسمعنا "فيروز" والرحابنة، لا أقول لك أن هذا عظمة لكن إلى حدٍّ ما بالنسبة إلى اليوم عظمة. إلى حدٍّ ما

زاهي وهبي: نسبةً لما نسمعه

عابد عازرية: طبعاً، موضة التجارة

زاهي وهبي: لكن لماذا هذا الواقع؟

عابد عازرية: هذا الواقع على فكرة أُستاذ "زاهي" موجود في الكرة الأرضية كلها. الفن صار سلعة والبشر صاروا سلعة ولذلك المتصوفة طالبوا بأن يكون الإنسان وريث الله على الأرض وليس أن يكون سلعة للبيع بعشرة دولارات أو بخمسين دولاراً، الإنسان أهم من هذا بكثير لأنه حين يبيع نفسه أو يبيعه الناس خلص، هذا يعني أننا رجِعنا إلى أيام (روما) القديمة. في (روما) القديمة كانوا يضعون لهم سلاسل في ايديهم وأرجلهم لكن اليوم ألغوها ووضعوا لهم سلاسل مُختلِفة

زاهي وهبي: صارت السلاسل

عابد عازرية: في رؤوسهم

زاهي وهبي: في الرأس، في الفِكر، في طريق العيش والمستلزمات التي نلهث لتأمين مُستلزماتها طوال الوقت هذا العيش المُعاصر كيف في رأيك؟ هل يوجد أُفق؟ أنت لماذا تشتغِل في هذه الحال؟ على ماذا تُراهن؟

 عابد عازرية: عندي أمل، عندي أمل كبير، مثل العالِم أو الأُستاذ أو أيّ إنسان باحث لو لا أمل عنده لا يبحث. أقول أنا دائِماً إذا هناك حقل تنمو فيه أعشاب برية لا بد من أن تنمو زهرة تغني هذا الحقل. وأنا عندما أقول لك أنني لن أرجع إلى (سوريا) في حياتي، أذهب في زيارة. من دون أدنى شك أُحبّ هذه البلاد و(لبنان) لكن يبقي لي فيها شيء دائِماً، طفولتي التي ما زالت باقية وهي التي تجعلني أصِل إلى أماكن لا نهاية لها، الطفولة هي الأساس عندي كلّه

زاهي وهبي: إذاً (حلب) لها فضل و(سوريا) و(بيروت)

عابد عازرية: طبعاً، لكن العالم الخارجي لهم، لا   

زاهي وهبي: لا يهمني العالم الخارجي، أنا أتحدث عن الروح

عابد عازرية: طبعاً، طبعاً

زاهي وهبي: أتحدث عن الوجدان

عابد عازرية: لكن هذه الأشياء أنا بحثت عنها ولم يعلِّمها لي أحد. من اللازم على الطفل والشاب والمُراهق أن يبحث هو ويفتِش

زاهي وهبي: لكن أليس من اللازم أن تبذل أُستاذ "عابد" جهداً أكبر لكي تصل أكثر إلى المُتلقّي في بلادنا؟ الإنسان العربي

عابد عازرية: هذا الكلام أُستاذ "زاهي" ليتك توجهه للمنتجين وليس لي. المنتجون ومنظّمو المهرجانات. عندما تأتينا دعوات أنا والموسيقيين هذه أكبر سعادة لنا

زاهي وهبي: حضرتك في (دمشق) أحييت أكثر من حفلة

عابد عازرية: نعم

زاهي وهبي: وفي (لبنان) أحييت حفلات

عابد عازرية: نعم

زاهي وهبي: ونتمنّى أن نراك في المهرجانات الكُبرى

عابد عازرية: وأنا أيضاً

زاهي وهبي: في (بعلبك)، في (بيت الدين)، في (جبيل). التجارب والنماذج التي تأتي، بصراحة ليست أهم ولا أكثر عُمقاً

عابد عازرية: على الأقلّ معهم. هناك أُناس يشتغلون قليلاً وهناك أكثر لكن العالم متنوِّع، بمعنى أن يكون هناك القليل من التنوّع وألاّ كلهم للرقص والتسلية. فنّ التسلية هذا انتشر كثيراً جداً

زاهي وهبي: نعم، طغى على كلّ ما عداه

عابد عازرية: طبعاً. فليضعونا مع المُسلّيين. ممكن بين التسلية وبين الإصغاء والاستماع يبدو أن الناس راحوا في غير مسيرة لكن أنا آمل، ربما الشباب الصغار مختلفين، الجيل الجديد الصاعد، ربما

زاهي وهبي: وهلّ يختلِف الوضع في (أوروبا)؟

عابد عازرية: بالنسبة؟

زاهي وهبي: في علاقة الناس بالفنون الجديّة

عابد عازرية: طبعاً، مثلاً اليوم لا توجد مدينة في (فرنسا) إلّا فيها على الأقلّ مسرح كبير للموسيقى الكلاسيكية، أوبرا، موسيقاهم الأوبرا وليست موسيقانا، موسيقى البا روك والجاز والكلاسيك، موسيقى النهضة، الموسيقى الشعبية. اليوم تسمع برازيلي في (أوروبا)، تسمع ياباني، تسمع إندونيسي. عندنا اليوم كلّها أغانٍ راقصة، للتسلية. أتمنّى أنا أن نستمع إلى الموسيقى البرازيلية الكبيرة، نستمع إلى التانغو الأرجنتيني الحقيقي، نستمع إلى الطقوس اليابانية والصينية. لا نسمع هكذا أشياء عندنا، أولاً نحن في بلادنا وفي (لبنان) بالذات لا توجد إذاعة للموسيقى الكلاسيكية، معقول؟ الموسيقى الكلاسيكية ولو أنها ليست موسيقانا ولكن مُغنِية

زاهي وهبي: أتعلم أيمتى نسمعها؟ عندما يموت أحدهم ويعلنون الحداد في التلفزيونات

عابد عازرية: على رئيس الجمهورية، صارت مربوطة للأسف بالحُزن، تصوّر كيف هي الأشياء. وبعد ذلك ماذا يذيعون؟ أشياء بسيطة، من المفروض أن نكتشِف هذا العالم والتأليف وكيف تُركّب الأشياء، تأسيس اللحن. بعد ذلك الموسيقى الغربية موسيقى كلها تنويع، عندك لحنٌ صغير طوله عدد من السنتيمترات والمؤلّف عمله أن يُخرِج هذا اللحن ليجعله لساعات أو ساعة أو ساعتين. هذا شغل كثير، فالمُستمِع أيضاً وليس على المؤلِّف فقط أن يشتغِل، المُستمع أيضاً من اللازم أن يشتغل على نفسه ويسمع. لذلك، إذا لا أحد يقول لك أنك تشتغِل للنُخبة فأقول لهم أنني أشتغل للناس الذين يريدون أن يستمعوا ويشتغلوا على أنفسهم. لكن والله أحدهم يقطِّع خياراً وبندورة في المطبخ وتسمعه أُغنية لي، لا أدري، الأمر صعب قليلاً

زاهي وهبي: سأُتابع مع حضرتك ولكن سنتوقف مع استراحة أخيرة ثم نُعاود "بيت القصيد"

المحور الرابع: 59:28    

زاهي وهبي: ملحمة "غلغامش" الشهيرة التي ألهمت الكثير من الشُعراء والكثير من الفنانين هي من أوائِل الأعمال التي ألهمتك واشتغلت عليها

عابد عازرية: بدأت العمل عليها سنة 1970 وأنهيته سنة 1977

زاهي وهبي: سبع سنوات

عابد عازرية: سبع سنوات لأنها جعلتني اطلِع على الأدب السومري والبابلي والأشوري في النهاية، وفي اطلاعي على كلّ هذه الآداب والأساطير القديمة حياتي كلّها تغيّرت لأنننا تربينا كتوحيديين، بعد ذلك اكتشفت أنّ التوحيد كله أو الفِكر التوحيدي أتى كلّه من هذه الأساطير القديمة، قصة الطوفان وقصة الخليقة كلّها ولو في تعبير آخر وفي معانٍ أُخرى. لكن قراءتي لهذه النصوص جعلتني أغيّر طريقة تفكيري 180 درجة وأرى الدنيا بطريقة مُختلفة ، لذلك أكملت في هذه النصوص. مثلاً التسجيل الذي سمعناه قبل قليل هو تسجيل منذ سنة 2010 وهو قريب زمنياً وأنا ظللت إلى الآن أشتغِل فيه، عمل لا ينتهي العمل الفنّي

زاهي وهبي: ما سرّ هذه الملحمة؟ سعي الإنسان للخلود؟

عابد عازرية: أنا في رأيي ليست ملحمة بل عمل فنّي. يعني، "ملارميه" الشاعر الفرنسي عندما توفّى وجدوا على طاولته قصيدة كان لا يزال يكتبها اسمها "هيروديال" وكان قد نشرها منذ 25 سنة وبقي يشتغل فيها. العمل الفنّي لا ينتهي ولو تجلّى في نص ثانٍ أو ثالث. مثلاً هناك الكثير من القصائِد لحنتها وكلّها مصدرها "غلغامش" طبعاً لكن في النهاية كلّها تولِّد بعضها الآخر. كلّ إنسان عنده نوع من ذخيرة موسيقية أو أدبية أو تشكيلية وهذه الذخير تظلّ تظهر في أشكال مُتعدّدة لكنها نفس الذخيرة

زاهي وهبي: "غلغامش" هي من الإرث الإبداعي العظيم لبلادنا، اليوم حين ترى جزءاً كبيراً من إرث (العراق) و(سوريا) يُدمَّر، يُحطَّم، يُنتهَك، كيف تتفاعل؟ كيف تعيش مع ما يجري في بلادنا من مأساة ومن فجيعة؟

عابد عازرية: أنا أُفضِّل ألّا أقول شيئاً لأن أشياء كثيرة تُحزنني، تحزنني كثيراً خاصةً في السنة الماضية، يوم "اليونيسكو" في (باريس) للأسف، لم أشارك فيه لأنني لا أُحب أن أشارِك في هكذا مناسبات ولا في أي تظاهر له علاقة سواء ضد أو مع، لأنني أعتقد

زاهي وهبي: أنا لا أحكي عن ضد أو مع

عابد عازرية: لا لا، أنا عارِف

زاهي وهبي: أنا لا أتحدّث في السياسة، أنا أتحدّث كإنسان، كفنان

عابد عازرية: هذه الأشياء التي تُدمّر، يدمّروننا نحن في الآخِر، يدمّرون كلّ البشرية هنا. للأسف، أنا أتذكّر الصورة عند احتلال (العراق) مِن قِبَل الجيش الأميركي

زاهي وهبي: والمتحف

عابد عازرية: وتدمير المتحف، مديرة متحف (بغداد) كيف كانت تولوِل، ما زال صوتها في أُذني. أعتقد أنها كانت تولول على آلاف السنين من الآثارات التي راحت

زاهي وهبي: طبعاً، ومُستمِرّ المُسلسل. متحف (الموصل)، آثار الأشوريين، (تدمُر)، رأس "أبو العلاء المعرّي" وتمثاله، تشعُر وكـأنّ هذا مقصود، ليسوا أناساً هم جهلة

عابد عازرية: ممكن، ممكن جداً. على كلّ حال هناك خراب وتدمير صار في المنطقة لا أعلَم إن كنّا سنشفى منه

زاهي وهبي: نعم. في رأيك الفن، ماذا في إمكانه في غمرة هذه المأساة سواء المأساة في بلادنا أو مأساة الكوكب كلّه اليوم في عصر القِيَم الاستهلاكية وتسليع البشر، ماذا يفعل الفن؟

عابد عازرية: الشاعر "رامبو" كان له من العُمر ستّ عشرة سنة حين كتب شعراً أحسن من "فيكتور هيغو" الذي كان له من العُمر خمسين سنة

زاهي وهبي: نعم، واعتزل في عُمر التاسعة عشر وترك الشعر

عابد عازرية: في عُمر العشرين سُئل، لماذا؟ قال لهم لأنّ قصائدي لا تمسح دمعة من عين طفلٍ يبكي. الشعر لا يُغيِّر الحياة لكنه يُعطي عزاءً للحياة. ربما الفنّ يمكنه أن يعطينا القليل من العزاء

زاهي وهبي: يُبلسِم ربما قليلاً

عابد عازرية: يُعطِّرنا ربما ويُبلسِمنا هذا أكثر شيء مُمكن لكن أهمّ شيء أنّه يُحدِث أيضاً رؤية جديدة للحياة لأنّ مع الإنسان دائِماً تدور الحضارات وتنزِل وتصعد وربما الفنّ يبقى على طول. لماذا الآن نحن اليوم يُمكن أن نقرأ نصّاً مثل "غلغامش" عمره على الأقلّ أربعة آلااف وخمسمئة سنة أو خمسة آلاف سنة ومع ذلك قوي؟ لماذا؟ لأنّ الشعر أو الفنّ يبقى دائِماً خارِج المعمعة

زاهي وهبي: ما هي الموسيقى في نظرك؟ تعريفك للموسيقى؟

عابد عازرية: بالنسبة لي، عندما أُمارِس أو أسمع الموسيقى أجدها الصلاة، مكان الصلاة. والصلاة مسألة فيها خشوع وفيها توحُّد مع الكون، مع الناس، مع الآخرين، مع الذات. الموسيقى إذا لم تكن هكذا تُصبح تسلية

زاهي وهبي: دعنا نسمع لو سمحت رأياً أخيراً في حضرتك وفي تجربتك من الموسيقي والمُلحِّن العازف الأُستاذ "أُسامة خوري"، نسمعه معاً

 

 

كلام يوصل

أُسامة خوري – موسيقي ومُلحّن: أوّل مرة تقابلت فيها مع "عابد" كانت هنا، مُقابل "معهد العالم العربي"، هنا في المقهى والمرة الثانية كانت في المطبخ. موسيقى "عابد غزارية" لا يُمكنني أن أقول أنها موسيقى عربية أو شرقية أو غربية، لا يُمكننا أن نُصنِّفها في صنفٍ واحد لأنّني مثلاً حين أسمع موسيقى "عابد" أرى ألواناً مُختلِفة وأرى موسيقى أفلام، أرى مدى مسرحياً كبيراً، أرى موسيقى كلاسيكية، أرى "تانغو"، ألواناً كثيرة. طابع ولون "عابد" نسمعه ولا نرى لوناً معيناً له سواء كان تصنيفه أجنبياً أو غربياً أو شرقياً. هناك مسألة أيضاً أُحبّها كثيراً في مؤلّفاته وهي أنّه في الألحان عنده نوع من الحيلة لصوغه الجملة الموسيقية. في المفهوم الغربي دائِماً في نفس الجملة يقلب بين الـ Major والـ Minor ليس لغرض التعقيد بل لغرَض الجمال مع الموسيقى نفسها. بالنسبة لي هو فنّ جريء لأن النصوص التي يستعملها نصوص تحكي في مُحرّمات، تحكي في الحبّ تحكي في الجنس، حتّى بشمولية أكثر أيضاً تتحدث للصداقة تحكي بكلّ شيء، بكلّ الأمور الحياتية. شخص "عابد عازرية" عنده نمط حياة، في العربي نقول نمط حياة لكن في الفرنسية أُحبّ الـ sense خاصتها بالفرنسية حين يقولون، الفنّ حياة. فأشعُر أنا أن نمط حياة "عابد" هو فنّ للحقيقة سواء كان في قراءة أو طبخ أو في أصحاب، في كلّ شيء. عنده نمط حياة مميز وعنده حبّ كثير أكيد وهذا واضح في شغله وواضح في كلّ الأشياء. عنده حبّ كبير لشغلِه، لأصحابه، لكلّ الناس حوله. فـ "عابد" بالنسبة لي أخ وصاحب وأب روحي وكلّ شيء وهو يعرِف كم أنا أُحبّه، واشتقنا إليه By the way وننتظر رجوعه إلى بلده. سؤالي لك هو، أولاً من الصعب جداً أن أسألك سؤالاً لأنّ معرفتي بك تغطّي أشياء كثيرة، لكن سؤالي لك هو، إذا كنت أتذكّر جيداً أعرِف أنّ أحد الشعراء الذين تحبهم كثيراً هو "بودلير"، لماذا؟

زاهي وهبي: لماذا تُحبّ "بودلير" الشاعر الفرنسي الكبير؟ تفضّل

عابد عازرية: "بودلير" قرأته بالعربية لأنني لم أكن أعرِف الفرنسية عندما كنت في (حلب)، كان ربما عُمري ربما خمس عشرة سنة وربما السبب مجلة "شِعر" التي عرّفتنا بكلّ هذه الأشياء. "بودلير" شاعر متمرِّد كبير، لا يوجد عند هحلال ولا يوجد عنده حرام، وأنا الإنسان الذي ليس عنده حلال ولا حرام لكن عنده الوجدان والضمير، هذا مهم جداً. بعد ذلك "بودلير" لغوياً لم يكن في إمكاني أن أقول عنه شاعراً كبيراً لأن في العربي يضيع الشِعر كلّه، لكن المعاني التي عنده والذي شدّني إليه هو عدم المُحرّمات، وبعد ذلك عاش حياته للأخير في تعلّقه بشيء اسمه الشعر ثم الشعر ثم الشعر لدرجة أنه حوكِمَ وكانت محاكمته كبيرة على كتابه "أزهار الشرّ". هل من أحد يكتب كتاباً ويُسمِّه "أزهار الشرّ" وليس "أزهار الخير"؟ عندنا نحن هناك رومانسية كبيرة والأشياء كلها طيبة وكذا لكن الأشياء ليست كلها طيِبة

زاهي وهبي: أليس هو أيضاً من كتب قصيدة عن "جيفة"؟

عابد عازرية: عن "جيفة"، طبعاً طبعاً. يقول لحبيبته يوماً ما ستُصبحين كما هذه الجيفة فلذلك أحبّيني الآن ودعيني أُحبّكِ كي لا يأخذنا الموت وفقط نعيش الموت. مهم جداً، شاعر مهم جداً وأنا بالنسبة لي أثّر بي إنسانياً كثيراً لأنني للمرة الأولى أقرأ لشعراء يحكون في الموت وفي الحياة وفي الشرب وفي التوحّد وفي أشياء جديدة بطريقة، بعد ذلك كان مغروماً بالشرق لا تنسى، كما "غوتيه. كلّ هذه الفترة من القرن الثامن عشر والتاسع عشر، كلّهم في (أوروبا)، كانت فترة ظهور الصناعة والتكنولوجيا وبدأت كلّ تلك الفترة، كلّهم كانوا يريدون رحلة إلى الشرق، والشرق كان النبع البريء الصافي وصاروا يشربون منه ماء الصفاء

زاهي وهبي: دائِماً نسمع كلمة "روح الشرق"، ما هي "روح الشرق" في نظرك؟

عابد عازرية: أنا أتصوّر أن هذا شيء، مثلاً الآن ترى شخص من بلادنا يقولون عنه أنه من فلان طائِفة وذاك من فلان طائِفة وأنا أجدهم من نفس الطائِفة. لكن ترى نموذج هذا الشخص الذي نختاره من عندنا ومن يُقابله في بلاد أُخرى تجدهما يختلفان عن بعضهما البعض. أنا مثلاً عندما وصلت إلى (باريس) سمعتهم للمرة الأولى في كنيسة "نوتر دام" يرتلون فقلت لهم، هؤلاء ليسوا مسيحيين، قالوا لي كيف ليسوا مسيحيين؟ لأنهم لا يرتلون مثلنا، بينما المسلمون والمسيحيون يرتّلون في نفس المقامات ونفس الألحان. فأنا في اعتقادي أنّ هذه الأشياء التي تجمع الشرق وكأنها آتية من "روح الله"، روح السماء. توحّدهم في الكون ليس قليلاً

زاهي وهبي: ليس بالصدفة أنّ الرسالات السماوية أو الديانات الثلاث خرجت من هنا، من الشرق

عابد عازرية: صحيح، والذين قبلهم وهذه الأساطير التي ظهرت كلها في بلاد (الرافدين) وفي (فينيقيا) وفي بلاد "آرام" وفي (مصر) وعند بعض الفراعنة ليست قليلة، فكّروا في الكون، فكّروا في الإنسان، فكّروا في الحياة وفي الوجود وفي الموت وما بعد الموت، في الجنة. هم من أسسوا لحضارة الكون اليوم في النهاية، الشرق أسس لحضارة اليوم. اليوم، أكبر الفلاسفة الأوروبيين والأميركيين ماذا تجاوزوا؟ بالنسبة لأسئِلة الفلاسفة أو الحكماء، حكماء "سومر" و"بابل"، لم يتجاوزوهم في شيء بل طرحوها بطريقة مُختلِفة. أنا مثلاً حين أكتُب ألحاني، أكتب قدّا أو موشحاً حلبياً لكن في طريقة جديدة. كلّ البشرية في النهاية تقوم بشيء في حلّة جديدة، هذا هو فقط 

زاهي وهبي: لن تستطيع أن تخرُج من هذا القدّ الحلبي

عابد عازرية: أنا لا عندي أن أطلع أو أدخل

زاهي وهبي: تُجدده لكنه سيظلّ موجوداً في الأعماق

عابد عازرية: أكيد طبعاً

زاهي وهبي: أنا سُعِدت جداً في اللقاء معك أُستاذ "عابد عازرية" وأتمنّى لك التوفيق في مشاريعك جميعها

عابد عازرية: شكراً

زاهي وهبي: وإن شاء الله تتكرّر لقاءاتنا دائِماً

عابد عازرية: شكراً لاستقبالك الحلو

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً

عابد عازرية: الله يخليك

زاهي وهبي: شرّفت ونوّرت. شكراً لفريق العمل، لمُخرِج البرنامج "علي حيدر"، لمُنتِجة البرنامج "غادة صالِح"، لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله.