حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

علي عبد الكريم علي - السفير السوري في لبنان

 

مايا رزق: طابت بالخير أوقاتكم مشاهدينا الكرام.

على نحوٍ أحاديٍ، قرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إخراج ملفٍ يعود إلى تسعينات القرن الماضي، فرضه على الطاولة قائلاً إنّ القدس عاصمة لإسرائيل، فسالت دماء الفلسطينيين التي يبدو أنها لن تجفّ وسط خذلانٍ عربي وموجات من التطبيع تتكشّف تفاصيلها يوماً تلو الآخر.

على نحو أحادي أيضاً، اتّخذ ترامب قرار الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي قيل إنّه وُجِد أصلاً لإسكات طبول الحرب، فهل هناك من يريد إطلاق العنان لها مجدّداً؟ وهل القطيعة الدبلوماسية والاقتصادية التي أرادها ترامب بين بلاده وطهران ستنعكس توتّراً على علاقاته غير الوردية أصلاً مع الدول الأوروبية؟

يبدو أن ترامب من المؤمنين بمقولة من يلعب وحيداً لا يخسر أبداً، مقولة قد تؤتي ثمارها في عالم المال الذي خبره ترامب جيّداً، إلا ان التاريخ لطالما أثبت فشلها في عالم الدبلوماسية والعلاقات الدولية، ليبقى السؤال، من هو الخاسِر الأكبر وسط هذه المتغيّرات التي تعصف في المنطقة؟

يقول وزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظريف إنّ محادثاته مع الدول الأوروبية على المسار الصحيح، ما يُبعِد فرضية الخسارة عن طهران حتى الآن، فيما الأكيد أنّ إسرائيل باتت في صفوف الخاسِرين، وخصوصاً بعدما تعرّضت له من قصف صاروخي في الجولان السوري المحتل، قصف تقول إسرائيل نفسها إنه فرض قواعد جديدة من بينها أنه لا يمكن مهاجمة سوريا من دون أن تكون لذلك تداعيات.

ويبدو أن الجيش السوري وحلفاءه في محور المقاومة ليسوا من الخاسرين بعد، بعد نجاحهم في تحرير آخر معاقل الإرهابيين في محيط العاصمة السورية دمشق. أما لبنان والعراق، فنجحا في إجراء انتخاباتٍ برلمانيّة من دون حدوث أيّة خضّاتٍ أمنية، فيما لم تتّضح حتى الآن الصورة النهائية للتكتلات البرلمانية وبالتالي للتشكيلات الحكومية المُرتقبة.

عن هذه التطورات وسواها، يحدّثنا اليوم السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي. أهلاً بكم.

 

(فاصل)

 

مايا رزق: سعادة السفير صباح الخير وأهلاً بك في الميادين.

 

علي عبد الكريم علي: صباح الخير، وكلّ عام وأنتم بخير.

 

مايا رزق: وأنت بألف خير يا رب، وصوم مبارك للجميع.

بدايةً، تطوّرات كثيرة تشهدها المنطقة، وربما البداية لا بدّ من أن تكون من فلسطين مع ذكرى النكبة، اليوم بعد مرور سبعين عاماً على النكبة الفلسطينية، تشهد فلسطين اليوم حدثاً تاريخياً من خلال قرار ترامب نقل سفارته من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل.

لماذا اختار الرئيس الأميركي هذا التوقيت بالذات برأيكم؟

 

علي عبد الكريم علي: هو التحدّي، تحدّي الشرعية، تحدّي قوّة الحقائق على الأرض أيضاً، ونحن نراها ربّ ضارةٍ نرجو أن تكون نافِعة، ونحن غداً نستقبل شهر رمضان المبارك نرجو أن يحفل هذا الشهر ببركة اندحار هذا المشروع أو تقهقر هذا المشروع أو مقدّمة خسارة كبيرة يُمنى بها، وبتقديري ما تحقّق في سوريا من صمود أسقط كل الرهانات التي كان يقودها الأميركيّ والأوروبيّ ودول المنطقة، هو أيضاً وراء هذا الاندفاع المغامر في الإقدام على افتتاح عكس الشرعية وعكس المنطق وعكس الحقائق على الأرض وعكس المصلحة الأميركية كما نراها.

لذلك نحن نستبشر بهذا الشهر المبارك أن يكون هنالك تصعيد واستجابة كبيرة ليس للشعب الفلسطيني فقط، بل أيضاً للرأي العام العربيّ، للرأي العام الدوليّ، لقوى الخير في العالم، التي يتهدّدها مثل هذا السلوك وينعكس وبالاً نراه خطيراً جداً إذا لم يكن هنالك غيورون وهنالك من لديهم شعور بالمسؤولية، هذا ما نتوقّعه، روسيا والصين وأيضاً عقلاء في أوروبا وعقلاء في أميركا وحتى عقلاء يهود يرون في هذا الذي يقدم عليه نتانياهو وترامب وكل الذين يتواطؤون معهم أيضاً في الأنظمة العربية وفي أنظمة أخرى، كل هذا هو عكس السلام الدولي وعكس المصلحة الدولية، لأن هذا القهر بأبشع صوره للشعب الفلسطيني، لحقوق الشعب الفلسطيني، لمعنى السيادة، لمعنى الكرامة الإنسانية، لا أراه قابلاً للنجاح وأنا ممن يستبشرون في اندحار هذا المشروع.

 

مايا رزق: هي نظرة متفائلة ونحن نأمل أن تحدث بطبيعة الحال، ولكن الوقائع على الأرض تشير غير ذلك. نرى اليوم أكثر من مئة شهيد فلسطيني ارتقوا منذ بداية مسيرات العودة حتى يومنا هذا ولم يحرّك العالم أي ساكن تجاه هذا الأمر، والأخصّ من ذلك وربما الأهمّ، ذكرتم أوروبا وذكرتم حتى الأمم ككلّ، ولكن الوضع العربيّ، ونظرة العرب لما يحدث الآن في فلسطين، يطرح العديد من التساؤلات. حتى لم نسمع استنكاراً واحداً.

 

علي عبد الكريم علي: أولاً، النظام الرسمي العربي، سوريا وكل الذين يقرأون بمنطق مسؤول يدركون بأنّ الجامعة العربية والنظام الرسميّ العربيّ، ما خلا المواقف التي يشكّل منطق السيادة الذي جسّدته سوريا، والذي كانت معه بنسبٍ متفاوتة حكومات الجزائر، والعراق، ولبنان، ودول أخرى بنسب أقلّ، ولكن الشارع العربي الذي يرى في الحراك الفلسطينيّ سواء في الأرض المحتلة عام 48، أو في الضفة والقطاع، وفي الشتات الفلسطيني، هذا بتقديري، مجرّد هذا الاندفاع بهذه الحماسة الكبيرة وبهذا التمسّك بمعنى الكرامة والتمسّك بالأرض، هو الذي سيرغم حتى المراهنين على تمرير صفقة القرن، على تمرير حلولهم الاستسلامية، على تمرير الصفقات التي تضمن لهم مواقعهم وعروشهم، وكل هذا أراه، طبعاً لا أقول بأن المعركة سهلة ولا أقول بأن أميركا التي تملك كل هذه القوة العسكرية والاقتصادية وكل هذا النفوذ وكل هذه الهيمنة، نحن لا نستهين بهذا، ولكن أيضاً هم يجب ألا يستهينوا بأن إرادة الشعوب، لأن هذا الذي يجري بحق الفلسطينيين ليس اليوم يبدأ، عُمره 70 سنة، عُمر اغتصاب الحق الفلسطيني، وبالتالي هذه السنوات لم تلغِ تمسك الفلسطيني بحقه، ولم تلغ لسوريا حقها في تمسكها بكل ذرّة تراب في الجولان، ولم تلغِ أيضاً للشعب اللبناني تمسّكه بمزارع شعبا وبكل الحقوق مهما صغرت أو كبرت. لذلك هذا الذي يراهن عليه ترامب ويراهن عليه نتانياهو ويستسهل في الرهان عليه سياسيون عرب آخرون، أرى سيصل إلى الجدار الذي ينفجر به، لأن هذه الإرادة، رأينا بعض الشهداء مقطوعي الأرجل والأيدي، ومع ذلك هم يشاركون، لذلك هناك إرادة أقوى من كل هذا الرهان. أنا لا أتفاءل بالمعنى السهل الذي سنحقّقه بضربة واحدة، ولكن مغامرات ترامب سواء باتجاه أوروبا وخروجه من الاتفاق النووي الذي يصطدم بالمصالح الأوروبية، التي يعبّرون عنها ولو بارتباك، ولكن هذا الارتباك سيتصاعد لأن هنالك مصالح لشعوبهم، اقتصادية وأمنية وسياسية بكل هذا الاتجاه، أرى بالمجمل أن هذا الرهان فيه خسائر كبيرة، فيه آلام كبيرة، فيه دماء كثيرة، ولكن أيضاً فيه اندحار تصنعه إرادات مواجهة هذا، لأنه هو عكس المنطق وعكس التاريخ، وما صنعه المقاوم الفلسطيني والمقاوم اللبناني والمقاوم السوري والمقاوم بكل أشكال المنطقة، هو الذي يؤكّد بأنّ هذه الإرادة مهما كان حجمها وموقعها، لم يكن يصدّق أحد أنّ المقاومة اللبنانية ستستطيع إذلال وقهر الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهَر في وادي الحجير أو غيره، ولم يكونوا يصدّقون.

 

مايا رزق: برأيكم، المقاومة هي التي ستقلب المشهد في فلسطين؟ المقاومة المسلحة بالتحديد؟

 

علي عبد الكريم علي: المقاومة السورية واللبنانية والفلسطينية، وأيضاً الرأي الدولي المقاوِم، أنا أرى في الموقف الذي يتّخذه الرئيس بوتين والذي تتّخذه الصين والذي تتّخذه دول أخرى، هو مقاومة من نوع آخر. مجرّد التمسّك بالسيادة ورفض الإملاءات الأخرى ورفض أن تُفرَض إرادة وهيمنة الإدارة الأميركية، مجرد الخروج من أحادية القطب هو مقاومة.

لذلك المقاومات بأشكالها المختلفة ستتلاقى وستثمر نجاحاً وستثمر تراجعاً، قد لا يكون الخسارة بالضربة القاضية، أرى أن ترامب وإدارة ترامب والإدارات التابعة له ومعه نتانياهو وكل المكابرين وكل الرؤوس الحامية، عندما يصطدمون بفشل وبخسائر، فما رأينا في الردود على الصواريخ السورية، كيف يهوّنون، كل هذا يجب أن يُقرَأ معاً، وبالتالي التفاؤل يبنى على هذه القراءة المتعدّدة الوجوه والمتعدّدة الآثار على المناطق المختلفة.

 

مايا رزق: سنتحدّث عن هذا الموضوع بالتفصيل. مندوبة واشنطن في الأمم المتحدة نيكي هايلي قالت أمس إن نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس لن يؤثّر على عملية السلام. في المقابل، لاحظنا معظم الصحف الأجنبية أكان ذا غارديان أو نيويورك تايمز أو غيرها من الصحف قالت أو تساءلت، أين هو هذا السلام الذي يتحدث عنه ترامب وسط سيل دماء الفلسطينيين. برأيكم عملية السلام إلى أين في هذه الفترة؟

 

علي عبد الكريم علي: أولاً، لا توجد عملية سلام. هذا المُسمّى يُستخدَم في المسرح الكوميدي، هذا السلام الذي تتحدّث عنه المندوبة الأميركية، ولا يصح أن يقال عنه ذرّ رماد في العيون، هو أقل من ذلك، لأن ما أقدمت عليه الإدارات الأميركية وتوّجها ترامب بهذا الاستخفاف الصارخ بكل المعايير، بكل الأعراف، أنا أراهم لا يريدون السلام ولكن كانوا يتوقّعون أنهم يستطيعون تسويق هذا الاستسلام بهذا القالب الذي يفرضونه، كونهم يملكون هذا الحشد، رأينا كيف حشد هذا العدد الكبير في الرياض عندما جاء ترامب، توقّع أن مجرّد هذا الحشد يسهّل عليه تمرير كل الصفقات التي يريدها سواء بالنسبة للأرض الفلسطينية المحتلة أو بالنسبة للمنطقة وللثروات التي يريد الهيمنة عليها، أو حتى لمصادرة القرار الدولي ككلّ، رأينا التراجع اللاحق. هذا يشير إلى أنه كما كان التراجع تجاه كوريا الشمالية، وكما كان التراجع تجاه مواقف كثيرة مع روسيا ومع الصين ومع غيرها، أيضاً لندع الآتي من الأيام، لأنّ هذا الحراك الذي عبّر عنه الفلسطينيون وضمناً النواب الذين هم أعضاء في الكنيست وقوى في أرض الـ 48، كل هذا يشير بأن الكرامة هي التي تقود الحراك الفلسطينيّ، ويجب أن تقود الحراك العربيّ أيضاً، والشواهد التي أشرت إليها سواء في حرب الـ 73 عندما كُسِر الجيش الذي لا يُقهَر وعندما التقى الجيشان المصري والسوري وبإرادة حقيقية، وكذلك عندما صنعت المقاومة درساً مضيئاً ما تزال آثاره إلى اليوم ودحر الاحتلال الإسرائيلي رغم أن القرار الدولي بقي 22 عاماً من دون حراك بما يخصّ الجنوب اللبنانيّ، ولكن المقاومة اللبنانية طبّقت هذا القرار، عملياً لم تطبّقه بل فرضت التطبيق الحقيقي، وهذا الأمر يسري على المقاومة الفلسطينية ويسري أيضاً، ولو كانت المواقف، أنا أرى في الشارع المصري وفي الشارع المغربي وفي الشارع الخليجي مَن يتلاقون مع هذه الرؤية، ليس وزير خارجية البحرين ممثلاً للرأي العام للشعب البحريني.

 

مايا رزق: الذي قال إنه من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها.

 

علي عبد الكريم علي: ولا لشعب الإمارات ولا لشعب الجزيرة في السعودية. لذلك نحن نرى بعين مَن يقرأ حقائق الأرض ليبني التفاؤل على هذه الحقائق.

 

مايا رزق: سعادة السفير سنجول سوياً على ما ورد في عدد من المواقع الإلكترونية وتحديداً في الميادين نت، حيث كتب الدكتور عبد العزيز بن حبتور رئيس حكومة الإنقاذ الوطني في اليمن في الميادين نت تحت عنوان "سبعون عاماً من نكبة الشعب الفلسطيني معمّدة اليوم بدماء أكثر من 50 شهيداً و2000 جريح".

 

تقرير: الميادين نت. كتب الدكتور عبد العزيز بن حبتور في الميادين نت تحت عنوان "سبعون عاماً من نكبة الشعب الفلسطيني معمّدة اليوم بدماء أكثر من خمسين شهيداً و2000 جريح".

المشهد لم يتغيّر بعد مرور سبعين عاماً على صناعة النكبة للأمّة برمّتها وعلى أهلنا الفلسطينيين على وجه الخصوص، وإليكم أبرز معالم المشهد في الآتي.

أولاً جرى قتل وترويع آلاف الفلسطينيين من القرى والبلدات الفلسطينية وتهجيرهم إلى معسكرات لجوء في الداخل والخارج.

ثانياً هناك محوران أساسيان في عالمنا العربي في الموقف والفكر والرؤية بشأن فلسطين المحتلة. رأي له موقف ثابت من القضية الفلسطينية بأنها قضية شعبٍ ووطنٍ وهوية، وبأن الدفاع عن هذه الفكرة أمرٌ مقدَّس، ويتمثل هذا المحور في إيران، والعراق، وسوريا، والمقاومة الفلسطينية، وحزب الله وحلفائه السياسيين من الأحزاب اللبنانية، وبحلف واسع وكبير من اليمنيين يقودون المقاومة ضد دول العدوان السعودي الإماراتي تتقدمّهم حركة أنصار الله والمؤتمر الشعبي العام وطيفٌ واسعٌ من الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج. رأيٌ آخر تبرز معالمه بشأن القضية الفلسطينية المحورية بأنها لم تعد أولوية في خياراته وبالتالي جرى خلق وهم جديد للأمّة العربية والإسلامية بأن هناك عدواً آخر هو جمهورية إيران الإسلامية لا دولة الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني.

ثالثاً حشدت غالبية دول مجلس التعاون الخليجي إمكاناتها المالية والإعلامية والتسليحية في ما سُميت ثورات العربي. والخلاصة من كل هذا العمل هي إخراج جيوش هذه البلدان من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي وخدمة للمشروع الصهيوني.

رابعاً جرى الترويج لحكاية صفقة القرن على قاعدة تصفية القضية الفلسطينية. ولهذا سارع عددٌ من دول مجلس التعاون الخليجي وبالذات المملكة السعودية والإمارات المتحدة ومملكة البحرين العظمى وربما إمارة قطر إلى البدء بالتطبيع التدريجيّ تمهيداً لنفاذ بنود صفقة القرن.

خامساً لم تتعلّم وتتّعظ الحركة الصهيونية العالمية ولم يتعلّم بعد القادة اليهود المُتصهينون من محارق الهولوكوست ولا من دروسها العميقة.

 

مايا رزق: إذاً سعادة السفير قال الدكتور عبد العزيز بن حبتور إن المشهد لم يتغيّر بعد مرور سبعين عاماً، ولكن هناك محوران أساسيان في عالمنا العربي وربما هذا ما تغيّر. نلاحظ أن هناك محوراً متمسّكاً بالقضية الفلسطينية ونلاحظ من جهة أخرى، هناك محور آخر يبدو أن لديه مصالح أخرى تقتضي عليه التطبيع بأشكاله، لاحظنا أن هناك تطبيعاً اقتصادياً، هناك تطبيع رياضي مع إسرائيل، وغيرها من الأمور.

 

علي عبد الكريم علي: لم يتغيّر ولكن الترجمة على الأرض، أشار إلى محورين، هو تغيّر، مجرّد أن، أكيد كانت بعض الأصوات التي تطفو على السطح الآن، كانت موجودة حتى في بداية النكبة واغتصاب فلسطين، لم يكونوا يجرؤون على الإعلان الذي يجرؤون عليه اليوم ولكن هم هم.

 

مايا رزق: ما الذي تبدّل بين الأمس واليوم؟ هذا ما أريد أن أعرفه اليوم.

 

علي عبد الكريم علي: تبدّل أن التجربة على الأرض أعطت نتائج، بمعنى سقط جدار الخوف. لم يكن يجرؤ اللبناني على التفكير بأننا نستطيع أن نواجه جيش الاحتلال الإسرائيلي. ألم يكن يقال في لبنان بأن قوّة لبنان في ضعفه وأنه بلد سياحي؟ ولكن الآن أنت تقرئين والكل يقرأ ويتابع كيف يتلقّف حتى صقور القيادية الإسرائيلية حديث السيّد نصر الله، وكيف يعيدون النظر حتى في ارتدادات ما كان يصرّح به ساستهم. لذلك هذا الذي صنعته سوريا وصنعته المقاومة في لبنان وصنعته المقاومة في فلسطين، وصنعه الموقف الصلب في إيران وصنعته المقاومة العراقية في دحر المحتل الأميركي، وصنعه الروسي والصيني أيضاً في إلغاء الأحادية القطبية التي كانت تمثلها الإدارات الأميركية خلال العقود الثلاثة الماضية، كلّ هذا يجب أن يُقرَأ في التبدّل الذي يُبنى عليه. لذلك سقط جدار الخوف وصار لبنان بهذه المساحة الصغيرة وبهذا العديد غير الكبير للمقاومين اللبنانيين، اضطر الإسرائيلي أن يخرج مذعوراً عام 2000، ويترك بعض أمتعته وبعض أسلحته، ويترك الأجراء والتابعين له من عملاء، نهباً لكلّ المصادفات.

 

مايا رزق: ربما هذا ما يحصل الآن في الجولان المحتل.

 

علي عبد الكريم علي: وكانوا يراهنون أيضاً عندما اندحر هذا المحتل وتكبّد ضربة قاسية عام 2006، لأنه كانت الإرادة الاميركية ومعها دول في المنطقة إضافة لإسرائيل يريدون محو المقاومة والانتقام لانتصار الـ 2000، ورأينا كيف كُسِر هذا العدوان وكل هذا الإصرار. لذلك، صار الانتقام اللاحق أن تُستهدَف سوريا كواسطة عقد وكظهير وداعِم وشريك لهذه المقاومة، وكان هذا العدوان المركَّب من كلّ أنواع الأسلحة واستُقدِم الإرهابيون من كل بقاع الدنيا ووُظّف الإعلام ووُظّف المال ووُظّفت الاستخبارات واستقدمت الجيوش، كل هذا ورأينا كيف صمدت سوريا أكثر من سبع سنوات وكيف سقط الرهان ويتداعى اليوم. لذلك نحن نقرأ من خلال كل ذلك، هذا المتغيّر الذي تسألين عنه هو الذي يفرض على الإسرائيلي أن يستنجد بترامب لكي يقدم على هذه الخطوات الانتحارية، هي مغامرة، ولكن هذه المغامرة هي أقرب للمقامرة ونهايتها أراها في عكس مصلحة، لأن حقائق التاريخ وحقائق الواقع الذي نحن نعيشه هي التي تشير إلى أن هذا الرهان كما انكسر في سوريا وكما انكسر في عام 2006 مع المقاومة في لبنان وانكسر مع لبنان كله في عام 2000، وينكسر الآن مع هذه الجموع الفلسطينية التي لا تملك إلا الأسلحة المتواضعة ولكن تملك إرادة كبيرة وتملك الذعر الذي تراه في الجانب الآخر. لذلك، عندما سقطت الصواريخ السورية على الجولان، طبعاً كابر نتانياهو وكابر ليبرمان وأنكرا ، ولكن النزول إلى الملاجئ، بينما خرج السوريون بعد منتصف الليل في دمشق يهلّلون، وكأنهم يصنعون عرساً.

 

مايا رزق: أريد الحديث عن هذا الموضوع بالتحديد.

 

علي عبد الكريم علي: لذلك هذا التقابل، هذه القراءة هي التي نبني عليها استنتاجنا وتفاؤلنا الذي تفاجأتِ به، هذا التفاؤل مبني على كلّ هذه الصورة المتعدّدة المحطات والوجوه من لبنان إلى فلسطين إلى إيران إلى العراق إلى سوريا إلى اليمن، هذا اليمن الأعزل، المدمّى، المدمَّر الآن، الذي يُستهدَف بكل هذه البشاعة، ونرى، رأيتِ واستشهدتِ بعبد العزيز بن حبتور وما قالته جماهير اليمن في خروجها الكثيف، ما قالته جماهير سوريا أيضاً في التعاطي، رغم كل التزوير وقلب الحقائق بقيت سوريا بوصلتها فلسطين، ترفض أن تصفّى القضية الفلسطينية وترى في استهداف سوريا، لأن سوريا رفضت التفريط بأمتار بالجولان، ورفضت التفريط بحق الفلسطينيين في أرضهم وفي سيادتهم وفي كرامتهم وفي عودتهم إلى أرضهم.

لذلك كل هذا يجب أن يُقرَأ معاً ونقرأ خطوط التفاؤل من خلال كل هذه الخارطة المعقدة والمركبة والخطيرة، ولكن زوايا الضوء وإشعاعات هذا الضوء.

 

مايا رزق: سنعمّق هذه القراءة في ما حدث ليلة الصواريخ في العاشر من الحالي في الجولان السوري المحتل، حتى سنتحدّث عن الاتفاق النووي وخروج الولايات المتحدة من هذا الاتفاق وتداعيات هذا الخروج وإن كان فقط مرتبطاً بالشق النووي أو هناك نوع من ليّ لذراع من يدعم المقاومة في العالم العربي، وحتى سنتحدّث عن الانتخابات اللبنانية والعراقية، ولكن بعد هذا الفاصل سعادة السفير.

مشاهدينا الكرام دقائق قليلة ونعود. إبقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

مايا رزق: من جديد أهلاً بكم مشاهدينا الكرام، ونجدّد الترحيب بضيفنا سعادة السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي. أهلاً بك.

في هذا الشق من الحلقة، سنتطرّق إلى ليلة الصواريخ كما أحب الكثير أن يسمّيها هذه الليلة، في العاشر من الشهر الحالي. هل فرضت هذه الليلة معادلة جديدة تكمن في أنه لا يمكن الهجوم على سوريا أو قصف سوريا من دون ترقب رد على ذلك من الداخل السوري؟

 

علي عبد الكريم علي: ليس فقط ليلة الصواريخ، أنا برأيي إحباط العدوان الثلاثي الذي قادته أميركا وبريطانيا وفرنسا لمصلحة إسرائيل وبالتعاون مع إسرائيل، كان هذا أيضاً علامة فارقة ومضيئة، وكذلك إسقاط طائرة الأف 16، وكذلك إسقاط الرهان، لأن داعش والنصرة وكل مسميّات الإرهاب هم أدوات استثمر فيها الإسرائيلي، فعندما أحبطت هذا الإرهاب وأسقطت الرهان فيه، أيضاً هذا شكّل ذعراً للإسرائيلي فلجأ إلى العدوان المباشر، لذلك كأصيل في العدوان على سوريا استخدم الهجوم وليس عبر الوكلاء الذين كانوا. لذلك كل هذا معاً، ولكن مجرّد الاستهداف للرد بعد العدوان الإسرائيلي المتكرّر، والذي كان يُرَدّ عليه وكانت تُسقَط صواريخه وكانت تُسقَط طائراته، الطائرة التي أعلن عن إسقاطها هنالك مراكز إسرائيلية ومراكز غربية قالت إن هنالك طائرتين أخريين أيضاً سقطتا. لذلك أنا أرى أهمية لهذا اليوم، ولكن يُربَط بالأهميات الأخرى المتلاحقة، وأرى هذا الذعر الذي ظهر على المستوطنين، وظهر على الساسة، والتناقض في تصريحات القادة العسكريين والقادة السياسيين، والتراجع اللاحق كل يوم، كلّ هذا مؤشر لقراءة التفاؤل الذي استغربتِ الوقوف عنده. أنا أراه مبنياً على كل هذه المحطات التي أشير إليها.

 

مايا رزق: ربما المفارقة اليوم بما حدث في الجولان السوري المحتل، هو اعتراف إسرائيل وعدد من المحلّلين في إسرائيل، وحيث كتبت صحف وعنوَنت أنه ربما تغيّرت المعادلة، ربما الطائرات الإسرائيلية لم تعد في أمان في الأجواء السورية، وهذا ما أريد التشديد عليه اليوم، وهذا ما تحدّث عنه الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله عندما قال إن المعادلة تغيّرت، أنّ الرد المقبل ربما سيكون في قلب الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

علي عبد الكريم علي: أولاً المعادلة زادت وتائرها ولكن هي التصدّي، لم يكن آمناً الطيران الإسرائيلي في الأجواء ولكن الآن.

 

مايا رزق: هذا بالمفهوم الإسرائيلي طبعاً وليس بمفهومنا.

 

علي عبد الكريم علي: ولكن الآن هم أكثر قلقاً وأكثر ذعراً وأكثر خوفاً وأكثر ارتباكاً، لذلك والرد الذي عبّر عنه الرئيس الأسد والرد الذي تُرجِم على الأرض والانعكاس الذي قرأناه في هذا الارتباك الذي جسّده المستوطنون وجسّده قادة المستوطنين وقادة الجيش الإسرائيليّ، وأيضاً المسؤولون السياسيون الإسرائيليون، كلّ هذا يجب أن نترقّب أكثر منه في الأيام القادمة أو في أي عدوان تُقدم عليه إسرائيل، سواء تجاه سوريا أو تجاه دول المنطقة وتجاه الفلسطينيين. لذلك هذا العنف الدموي الخارج على كل الأعراف تجاه العُزّل من أهلنا في غزّة وفي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، التعاطي بأبشع الصوَر حتى مع أعضاء الكنيست الإسرائيلي من العرب أو مع رجال الدين أو مع العاجزين أو مع الأطفال أو مع الإعلاميين، كلّ هذا ولو كان فيه مظهر قوّة، ولكن فيه مظهر تحدٍ لوجدان العالم. لذلك، أنا أتفاءل بأن الرأي العام الأوروبي والرأي العام في الدول التي تسعى لتمرير صفقة القرن.

 

مايا رزق: ماذا عنهم؟

 

علي عبد الكريم علي: أنا أرى أن هذا الاطمئنان الذي قد يشعر به هذا الحاكم أو ذاك، هذا المسؤول أو ذاك، أو ربما تنتشي إيفانكا أو ينتشي كوشنير أو ينتشي ترامب في ما أقدموا عليه، ولكن هذه النشوة أراها قصيرة الأمد كثيراً، وبالتالي الإحباط الذي سيواجههم في هذا الغضب الذي يكبر ويأخذ بُعداً واقعياً على الأرض، وفي هذه القوة التي ستفاجئهم بأن هناك  إرادة وهنالك قوّة وهنالك استخدام للسلاح وهنالك مهارة وهنالك تصميم في سوريا، في لبنان، في العراق، في مصر أيضاً.

 

مايا رزق: سعادة السفير، رغم هذا التصميم، كانت هناك ردود فعل خليجية وربما أهمها ما قاله وزير الخارجية البحريني عندما قال إنه من حق إسرائيل الرد والدفاع عن نفسها بالتحديد.

 

علي عبد الكريم علي: هذا الكلام.

 

مايا رزق: أنتم كنتم في الكويت وكنت سفيراً لسورية في الكويت وربما أنت أدرى الناس في المزاج الخليجي تجاه هذا الموضوع.

هل ما يحصل اليوم هو فعلاً مفاجأة لحضرتكم أم هو كان موجوداً أصلاً وهو الآن يظهر إلى العلن؟

 

علي عبد الكريم علي: مسؤول يقول ذلك، وخاصة أنه سبق أن زار وفد خليجي ومن البحرين الكيان الإسرائيلي قبل ذلك.

 

مايا رزق: ولكن هناك مسؤول رسمي بصفة وزير خارجية.

 

علي عبد الكريم علي: الإعلان عن، أنا أشرت إلى أنه حتى في الأربعينات والخمسينات والستينات والسبعينات، ما يُعلَن اليوم كان يقوم به مسؤولون خارج الإعلام، لذلك أنا بتقديري هذا الإعلان هو ليس في مصلحة من قاموا بهذه الخطوات. أنا كنت سفيراً في الكويت ووجدان الشعب الكويتي يرفض ذلك، وبتقديري وجدان الشعب البحريني يرفض ذلك، ووجدان الشعب السعودي يرفض ذلك. لذلك إذا كان حاكم أو وزير أو مسؤول أقدم على هذا، لا يعني أن هذا يطابق وجدان الشارع.

أنا كنت في الكويت لمدة ست سنوات، الشوارع في دولة الكويت والأسماء التي تحمل أسماء المدن العربية، أسماء شخصيات قومية عربية، شخصيات مقاومة عربية أيضاً، كل هذا يشير إلى تناقض مع هذا الذي أقدم عليه هذا الوزير، وطبعاً بتقديري ليس كل الدول تقدم، أنا بتقديري الموقف المعلن لدولة الكويت مختلف، ما عبّر عنه رئيس برلمان الكويت في مواجهة الوفد الإسرائيلي كان تعبيراً حقيقياً عن وجدان الشعب الكويتي والشعب الخليجي برأيي. لذلك لا نخشى مثل هذه المواقف التي تحاصر أصحابها أكثر مما تجد امتداداً لها. أنا أتفاءل لأن الشارع المصري والشارع الخليجي والشارع المغربي وإذا رأينا الحراك، أنا بتقديري للرئيس الأسد في الدول العربية رصيد كبير عبّر عنه الناس في التظاهرات، في التعابير، لأنه يقف هذا الموقف. لذلك هذه المواقف أراها ولو كانت فاقعة، وتشير إلى خسائر بالمظهر، أراها مقدّمات لربح يُبنى عليه لأنها تكشف بعض الذي كانوا يحاولون أن يقوموا به بالسر.

 

مايا رزق: بالحديث عن العلاقات بين سوريا وبين دول الجوار، أريد الحديث بالتحديد عن العلاقات بين سوريا ولبنان. لبنان خرج اليوم من انتخابات برلمانية. تتكشّف نتائج هذه الانتخابات يوماً تلو الآخر. هناك ولادة لتكتلات جديدة.

برأيكم هل سينعكس ما حصل في لبنان من انتخابات على العلاقة بين سوريا ولبنان؟

 

علي عبد الكريم علي: إننا أولاً نهنّئ الإخوة الذين فازوا في الانتخابات ونهنّئ الدولة أيضا أنها مرت بسلام وبنتائج جيّدة، وأنها على قانون نرجو أن يكون أيضاً مقدمة لإعادة نظر بحيث يكون قانوناً أكثر عدالة، مع أن هذا القانون أضاف تمثيلاً بتقديري جيّداً. لذلك كون النسبية كانت أساساً في هذا القانون، وإن كانت هنالك ملاحظات يقولها كثير من اللبنانيين تجاه القانون، ولكن سمح هذا القانون باستخدام النسبية للمرّة الأولى، وبالتالي كان التمثيل أقرب إلى التوازن. ولذلك، نحن نرى أنه بالنسبة للعلاقة الأخوية بين لبنان وسوريا، أرى أن الضغوط الخارجية التي فُرِضت على بعض القوى في لبنان، أرى أنّ حقائق الانتصار الذي صنعته سوريا وجيش سوريا وشعب سوريا وحلفاء سوريا في مواجهة الإرهاب، كان خطراً وما يزال على المنطقة، ولكن بدرجات الآن متراجعة كثيراً، لأنّ الانتصار الذي حققته سوريا على هذا الإرهاب التكفيريّ وحقّقه لبنان بالتعاون مع سوريا في جرود عرسال وفي أكثر من منطقة في لبنان، كلّ هذا يسمح بأن نتفاءل بأنّ هذه العلاقة الأخوية يفترض أن تتعافى أكثر، وأن يكون التعاون أكبر لمصلحة لبنان ولمصلحة سوريا.

 

مايا رزق: قلتم أمس إنه لا يوجد لديكم خصوم في لبنان؟

 

علي عبد الكريم علي: لا، التعبير الذي ورد في جريدة الأخبار اليوم، أنا قلت بأن الذي يحدث في سوريا والانتصار الذي تصنعه سوريا رئيساً، وجيشاً، وشعباً، وحواضن، ويكبر كل يوم، وصنعه لبنان بالتعاون مع سوريا على الإرهاب التكفيري، يسمح بأن يراجع البعض موقفه ودوره، فبالتالي نحن لا أعداء.

 

مايا رزق: من تدعو إلى مراجعة مواقفه؟

 

علي عبد الكريم علي: كل الذين راهنوا أو قرأوا بشكل خاطئ مواقع بعض المجموعات الإرهابية أو مسميّات هذه المجموعات، أنا برأيي مصلحة لبنان ومصلحة هؤلاء، حتى الذين رفعوا الصوت، يدركون الآن أن الكلام عن السلاح، عن المقاومة، يدركون أن إسرائيل اليوم ما تفعله بالشعب الفلسطيني، وما كانت تفعله بالشعب اللبناني عندما دخلت إلى العاصمة يومها، عام 82، وأدركوا عندما انتصرت المقاومة كيف تعاطت بهذه المسؤولية العالية، ولم تُسء إلى أيّ أحد، حتى الذين، لذلك كل هذا، قلت إن المراجعة تسمح بالخروج من الخطأ الذي ارتُكب والاستفادة.

 

مايا رزق: من ارتكب هذا الخطأ؟

 

علي عبد الكريم علي: لا أسمّي، أنا أقول قوى دعمت، موّلت، سلّحت، سهّلت عبور إرهابيين، وكان هذا في عكس مصلحة لبنان وعكس مصلحة سوريا، والتعاون كان بين القوى السياسية في لبنان وسوريا، ومنهم فخامة الرئيس، ودولة الرئيس بري، وقيادات وطنية كبيرة في لبنان إضافة للمقاومة اللبنانية، كلهم كانوا شركاء سواء بالمواقف، بالتصريحات، أو بالتنسيق.

 

مايا رزق: ذكرتم الجميع ما عدا رئيس الحكومة سعد الحريري.

 

علي عبد الكريم علي: أنا أحترم المقامات، وأحرص على التكامل بين البلدين. الاتفاقات الناظمة للعلاقة بين البلدين فيها ما يسمح وخاصة أزمة السوريين الذين أرغموا على اللجوء وبعضهم استُقدِم ولم يُرغَم، بعضهم أغري بالنزوح، كل هذا يجب أن يُقرَأ وبالتنسيق بين حكومتين، وبالتالي هو مصلحة للبلدين، ونحن أواصر القربى ، أواصر الأخوّة، الجغرافية الواحدة المتداخلة، التاريخ الواحد والعدو المتربّص بنا الواحد أيضاً، سواء الإسرائيلي أو التكفيري، الإرهاب التكفيري لا يميّز بين مسلم ومسيحي والإرهاب التكفيري لا يميّز بين سوري ولبناني.

 

مايا رزق: بالحديث عن الإرهاب التكفيري، اليوم سوريا تقلب صفحة الإرهاب، تقلب صفحة وجود المسلحين في ضواحي العاصمة السورية دمشق.

أثمان كثيرة دُفِعت لهذا التحرير، أليس كذلك؟

 

علي عبد الكريم علي: سوريا دفعت في كل الجغرافية السورية.

 

مايا رزق: ولكن تحديداً.

 

علي عبد الكريم علي: لا، تتعافى العاصمة اليوم بشكل كامل، ربما تصبح هي الأكثر أماناً في المنطقة كما كانت قبل بداية هذه الأحداث، ويعرف الجميع بأن سوريا، كلّ سوريا، كانت في مقدمة دول العالم من حيث الأمان ومن حيث الاكتفاء ومن حيث حرية العبادة. لذلك الشعارات المزوّرة والمزيّفة التي حاولوا تسويقها للاعتداء على سوريا، الآن تسقط كل هذه الرهانات ويتكشف للعالم بأن سوريا التي كان لا يعرف المسيحي والمسلم أيهما المسيحي وأيهما المسلم، لأن هنالك عيشاً واحداً، حرية عبادة، وهنالك أمان، تستطيع أية فتاة في العشرين من عمرها أن تقود سيارتها بعد منتصف الليل من دمشق إلى دير الزور من دون أن يعترضها أحد.

هذه السوريا التي تتعافى اليوم هي جائزة وهي درس وهي وسائل إيضاح يجب أن يقرأها الجميع بأن دمشق التي انتصر فيها جيشها وشعبها، التظاهرات التي كان يخرج بها أبناء القرى في الغوطة قبل وصول الجيش السوري إليها ويطلب نجدة الجيش، هذا أيضاً شريك في الانتصار وشريك في الرد على محاولات التزوير التي قامت بها منظمات الخوذ البيضاء والسياسة البريطانية والأميركية والفرنسية وبعض دول الخليج التي موّلت وسلّحت، كل هذه الحقائق الآن تسمح للإخوة الأعزّاء في هذا البلد الشقيق العزيز لبنان بأن يقرأوا الحقائق كما هي، وهو مصلحة للبنان كما هو مصلحة لسوريا.

لذلك عندما تتعافى دمشق بكل محيطها يعني يتعافى لبنان، ويصبح المعبر إلى الأردن أيضاً مصلحة للأردن أن يسير، وهو توّاق وراغب ولكن.

 

مايا رزق: ولكن هذا ما سيزعج إسرائيل ربما؟

 

علي عبد الكريم علي: لذلك هذه الضغوط هي التي تمنع أيضاً من افتتاح معبر نصيب ومن التكامل العراقي السوري بعد أن انتصرت العراق وسوريا على داعش وعلى النصرة وعلى فلول كثيرة، ما يزال الأميركي يراهن في التنف وفي غيرها لإطالة أمد النزيف، ولكن هذا لا يغيّر من حقائق الأرض، حقائق الأرض نحن ننتصر.

 

مايا رزق: قلتم إن الوجود الأميركي في سوريا يصل إلى خواتيمه. هل فعلاً بدأ العدّ العكسي لخروج القوات الأميركية من سوريا، وهو أصلاً أمر تحدث عنه دونالد ترامب وأعرب عن رغبته بخروج قواته من سوريا؟

 

علي عبد الكريم علي: أرى أنّ المكابرة والمغامرة والمؤامرة التي يقودها كثيرون في هذا العالم وعلى رأسهم الصقور في الإدارة الأميركية وفي المخابرات الأميركية والبريطانية وغيرها، هذا محكوم لأن الواقع انتصرت أنت، بمعنى لا يستطيعون تغيير حقائق الأرض، يستطيعون تأخير الإنجاز زمناً قصيراً ما.

 

مايا رزق: هل ستخرج القوات الأميركية قريباً من سوريا؟

 

علي عبد الكريم علي: بالمطلق طبعاً، ستخرج، مصلحتها تفرض عليها أن تخرج وقوّة الحقائق على الأرض تفرض عليها أن تخرج.

 

مايا رزق: هل هنالك فترة زمنية معينة أم لا معلومات حتى الآن؟

 

علي عبد الكريم علي: لا أستطيع أن أقول غداً أو بعد غد، ولكن أستطيع أن أقول بمنطق الواثق نحن منتصرون، وبالتالي هذه الجيوب كما استطعنا أن نسقط رهانهم باتجاه حلب وأن نسقط رهانهم قبلها باتجاه حمص وباتجاه القلمون وباتجاه القصير وأخيراً باتجاه دمشق وكل مناطق الغوطة واليرموك وغيرها، أيضاً هذه الأمور مصلحة أميركا وخسارة أميركا في الرهان ستفرض عليها أن تعيد النظر، وأنتم تعلمون والكل يعلم بأن هنالك لا ثوابت عندما.

 

مايا رزق: هل خسارة هذا الرهان بالتحديد سعادة السفير، إسمح لي أن أستفيد من وجودك معنا، عِلماً أن الوقت قد بدأ يداهمنا، هل هذه الخسارة، خسارة الرهان في ما يحصل في سوريا وحتى ربما في ما يحصل في لبنان وفي فلسطين، دفعت بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني؟

هناك من يقول إن هذا الانسحاب هو ليس فقط ذات طابع اقتصادي أو ذات طابع نووي، أي فقط يعني الشق المسلح، هناك من يقول إنه لِلَيّ ذراع المقاومة في العالم العربي، أكان ذلك في لبنان، أو في سوريا، او حتى في فلسطين.

 

علي عبد الكريم علي: أولاً التقديرات حتى للسياسيين الأميركيين وللخبراء السابقين في الإدارات بأن هذه المغامرة مصلحة أميركا فيها هي المُهتزّة، ليست، أما طبعاً يريد المقاومة، هدف أمن سوريا ومحور المقاومة أفسد عليهم المشروع، كانوا يريدون تفكيك الشرق الأوسط، تحويله إلى جزر مذهبية وطائفية، كانوا يريدون أن تبقى إسرائيل هي القوّة الوحيدة المُهيمنة والباقي يقتتلون في ما بينهم. أنت عندما تنتصر وتُسقِط هذا الرهان، عندما تنتصر المقاومة ويصبح الجيش الذي لا يُقهَر مقهوراً، عندما تتعافى سوريا التي أريد تفكيك سوريا وإضعاف سوريا وإخراج سوريا من دورها ومن محوريتها، عندما تصمد سوريا كل هذه السنوات بكلّ قسوة العدوان عليها، كلّ هذا طبعاً يريدون لا ليّ الذراع، يريدون الانتصار أو الانتقام لهزيمتهم.

الرهان هو الذي خسر، لذلك الخروج من الاتفاق النووي الإيراني، طبعاً هذا لا يسعد لا إيران، وبالتالي هذا يعتدي على الدول الأوروبية، هي صاحبة المصلحة في الانفتاح على إيران والاستثمار في إيران، ولكن هذا أيضاً ليس لنهاية الشوط، الذي يسعى إليه الفرنسي والبريطاني والألماني وغيرهم للتمسّك بالاتفاق لأن هذا مصلحة لهم، وبالتالي الذي تسألين عنه بتقديري، الخاسِر في النهاية هو الأميركي وليس الإيراني، والخاسِر في النهاية حتى، طبعاً نتمنّى أن يكون منطق الاستقلالية والسيادة والمصلحة هو المسيطر على القرار الأوروبي بعواصمه المختلفة، ولكن حتى الآن ما تزال مقاربات غير مكتملة، إذا ما اكتملت تصبح، وهذا لمصلحتهم، تكون الخسارة الأميركية أكبر، وبكل الحالات ليست رابحة هذه الإدارة بهذا الإقدام، سواء على افتتاح السفارة ونقل العاصمة إلى القدس، وليس أيضاً في الخروج من الاتفاق النووي الإيراني، وحتى الآن نرى ارتباكاً بدأ يطرأ على ما بدا من خطوات تجاه اللقاء بين ترامب وزعيم كوريا الشمالية.

 

مايا رزق: كيم جونغ أون، صحيح.

 

علي عبد الكريم علي: قلت بأنهم يستهينون بكرامات وقرارات وسيادة الدول، ومن يستهن بالآخر لا يضمن أن الردود عليه ستكون مضمونة بأنها ليست قاسية.

 

مايا رزق: سعادة السفير السوري في لبنان الأستاذ علي عبد الكريم علي شكراً جزيلاً لك على هذه الحلقة.

 

علي عبد الكريم علي: شكراً لكم. إن شاء الله رمضان يحمل خيراً لسوريا وللبنان ولفلسطين، واندحاراً لكل المشاريع التي تقود الخراب للعالم.

 

مايا رزق: عساه خير للجميع سعادة السفير.

مشاهدينا الكرام شكراً جزيلاً لطيب المتابعة، وإلى اللقاء.