أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

اللاهوتي والأكاديمي فادي عبد النور

 

غسان الشامي: مساء الخير، مقدمة هذه الحلقة ليست من عنديّاتي كما العادة بل أستلّها من عظة الأب الراحل ميشال حايك الذي نحاول الإضاءة على فكره ولاهوته اليوم، هي عظة يوم الجمعة العظيمة عام 2000 حين قال نقلاً عن شاعر عباسي "إن تاريخ المسيحيين المشرقيين هو جمعة حاشوش وماشوش بالسريانية أي أسبوع الآلام، عاشوا تاريخهم في كل زاوية في هذا الشرق بالدماء والدموع والجسد والفكر والروح على هذه المسيحية المشرقية المعذبة، ولكن الظاهرة أيضاً والمهانة ولكن القادرة على التغلب على الهوان بالفرح". يتابع "تربطنا بالمسيح صلة قربى دموية لذلك طلب منا أن نكمل في هذه البقعة نفسها سيرة تجسّده ولنا نسبة بالعالم العربي نسبة لغة وقربى وتمازج منذ نجران وغسان والحيرة ونحن هنا لنبقى شهادة للشرق، شهادة على التعدّد الإنساني ودعوة مستمرة إلى الحرية". أشكر ضيفنا الدكتور فادي عبد النور الذي سيُضيء على فكر الأب حايك ولاهوته ومواقفه ونبدأ بتعريفكم على هذا الإنسان الاستثنائي على أن نعرّفكم على الدكتور عبد النور في بداية المحور الثاني من هذا الحوار.

تقرير:

وُلِد الأب ميشال حايك في بلدة بجّي ف قضاء جبيل عام 1928، تلقّى دروسه الإبتدائية والثانوية في مدرسة دير سيّدة ميفوق ومعهد الرسول بجونيه والجامعية في جامعة القديس يوسف وبعدها في المعهد الكاثوليكي في باريس. نال الدكتوراه في اللاهوت والليتورجيا والآداب والعلوم الاجتماعية والسياسية.

سيم كاهناً عام 1954 في باريس وشارك في المجمع الفاتيكاني الثاني بين عامي 1961 و1965 كمسشتار لاهوتي، ودافع عن القدس باسم الدول العربية في الجمعية العامة للأونيسكو، ومثّل لبنان في المؤتمر الإسلامي في الجزائر عام 1972 ودرّس في المعهد الكاثوليكي في باريس وفي الجامعة اللبنانية وفي جامعة الروح القدس الكسليك.

كانت عظاته الشهيرة التي ألقاها طيلة أربعين عاماً بين 1965 و2004 في كاتدرائية مار جرجس المارونية في بيروت خلال الصوم الكبير محط أنظار أهل الفكر والمؤمنين. نُشر له 72 مقالاً بالعربية و59 بالفرنسية والإنكليزية منها "اللقاء الأخير"، "قلق الحدود في شعر فوزي المعلوف"، " المسيح في الإسلام"، "مواقف واقتراحات حول الإصلاح الطقسي"، "إلياس النبي في التقاليد السريانية"، "من هو عمر وما هو موقع الإسلام في تاريخ الخلاص؟"، "مصدر عبارة عيسى المسيح في القرآن"، وله ثلاثة عشر كتاباً بالعربية وأحد عشر كتاباً بالفرنسية والإنكليزية منها "المسيح في الإسلام"، كتاب "العبور والميعاد"، "رسالة إلى بني جيلنا"، "القداس الماروني"، "المارونية عقدة أم قضية"، "المارونية ثورة وحرية"، "العرب أو معمودية الدموع"، "طريق الصحراء"، "أبحاث مسيحية إسلامية"، "الناسك الباريسي، ومن مجموعاته الشعرية "كتاب العبور والمعاد"، "قصائد إلى الغربة والموت"، "كهف الذكريات"، "ضاقت الأرض". توفى في أيلول سبتمبر عام 2005.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور فادي.

فادي عبد النور: أهلاً بك أستاذ غسان.

غسان الشامي: أهلاً بك كاتباً وباحثاً وصديقاً، على ماذا تقوم العمارة اللاهوتية عند الأب ميشال حايك؟   

فادي عبد النور: العمارة اللاهوتية عند الأب ميشال حايك تقوم أولاً على المسيح، المسيح كمدماك الأساس ، ولأن المسيح هو إله وإنسان فالمدماك الآخر الذي تقوم عليه العمارة هو الإنسان، ولأن الإنسان والمسيح يظهران في المجتمع أو يطلان على الدنيا بوجه متجسّد فكانت برأيي الفكرة الأساسية الثالثة في مشوار الأب حايك والتي كان يبحث عنها دائماً هي فكرة المارونية.

غسان الشامي: يعني هو سليل حضور ماروني بعد 450 سنة من بداية المسيحية.

فادي عبد النور: مئة في المئة.

غسان الشامي: هناك اتكاء لدى الأب حايك على مفهوم الوجودية اللاهوتية الناقدة وقد اتبعها، هل نجمت هذه الوجودية اللاهوتية الناقدة عن ضغط الواقع الكنسي الذي عاشه أو عن ضغط الحال المسيحي الذي كان يراه؟ وهل هذه الوجودية الناقدة اللاهوتية تصلح الآن سيّدي؟

فادي عبد النور: بداية يجب ألا ننسى أن أبانا ميشال حايك هو شاعر ومَلَكة الشعر لديه ليست عارضاً فهو لا يكتب شعراً زائداً عن اللاهوت ، ولكن اللاهوت عند الأب ميشال لا يأخذ طابع الشعر فقط بل أن الخطاب الشعري لديه أساس في الخطاب اللاهوتي. أنت تعرف أن الشعر يفجّر الكلمة والكلمات بين يديّ الشاعر تحاول أن تفتح آفاقاً جديدة قد لا يعرفها الشاعر نفسه هذا أولاً. ثانياً الأب ميشال حايك كان يحب الياس أبو شبكة الذي هو من الشعراء الوجوديين المعروفين بنزعة القلق الموجودة في قلب الشاعر. الأب ميشال حايك هو اللاهوتي الذي يتبصّر بالوجود، ثالثاً هو كان متأثّراً بالفيلسوف هايدغر المعروف عنه سؤال السؤال في الفلسفة، ولكي نسأل السؤال فيجب أن نعرف حدود الجواب وحدود الجواب هي التي تفتحنا على معنى السؤال، هذه الأمور الثلاثة مجتمعة تقودنا إلى فكرتك التي أسميتها  الوجودية اللاهوتية الناقدة.

غسان الشامي: وأنا أؤيد وأثني على هذا الكلام بمعنى أن الشعراء الكبار هم نقّاد كبار، هم ثوّار كبار وعقلهم عقل نقدي. في الواقع سنحاول جاهدين في هذه الحلقة عن الأب ميشال حايك أن نضبط إيقاع سياقها لسبب أساسي لأن هناك أفكارً كثيرة لديّ، سأبدأ من موقع إنطاكيا والقدس هذا الثنائي في فكر الأب حايك.

فادي عبد النور: المدينتان اللتان شغلتا فكر الأب حايك هما القدس وإنطاكيا، نحن نعرف أن إنطاكيا كانت عاصمة الرومان قبل أن ينتقل قسطنطين إلى القسطنطينية، ونعرف أنه حين تنصّرت الإمبراطورية كانت تسمّى مدينة الله العظمى وما زالت، ونعرف أيضاً أنه في إنطاكيا كان يوجد 150 كرسياً أسقفياً وكان من بينها بيروت وطرابلس وجبيل وبشرّي، ونعرف أيضاً أن مجمع خلقيدونية عام 451 إذا قرأنا المحاضر كانت تحمل تواقيع هؤلاء الأساقفة. إنطاكيا كانت في فكر الأب ميشال هي المشرق كله وما زلنا حتى اليوم نقول بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق، وكان يعتبر أن إنطاكيا هي مساحة الحرية وهي الجذور الروحية وكذلك القدس التي كانت قبلة صلاتنا بالنسبة له، حين كنا نصلّي كنا نتوجّه ناحية القدس ، فإنطاكيا تعطينا هذه المساحة لنستطيع أن نقيم حريتنا ، والقدس في الوقت نفسه تعطينا هذه القبلة لنرفع الصلاة من قلب هذه المساحة صوب الله، لذلك لعبت القدس وإنطاكيا دوراً هاماً في فكر الأب ميشال.

غسان الشامي: إذا جئنا إلى موقع لبنان في فكره يقول كلاماً خطيراً "لبنان متعدّد في تفرّده وطليعة العرب المتطلّعة إلى التحوّل الإنساني"، أولاً كيف نقرأ عبارة "متعدّد في تفرّده" وكيف نقرأ موقع لبنان في السياق المشرقي لأن الأب حايك لم يعزل لبنان عن السياق المشرقي.

فادي عبد النور: بالطبع سوف تسألني عن نظرة الأب حايك إلى الأرض، أنا برأيي لكي نستطيع فَهْم نظرته إلى لبنان بالجملة التي تفضلت بها فدعنا نبدأ من الأرض، بالنسبة لفكر الأب ميشال حايك فهم يميّز في نظرته إلى الأرض حيث يقول إن في مشرقنا نظرتين ، النظرة الأولى يسمّيها النظرة الإمبراطورية والنظرة الثانية يسمّيها النظرة البدوية، بالنسبة للنظرة الإمبراطورية يقول إن الإمبراطورية هي رعية للراعي، هي ملك للراعي ولا يوجد مفهوم واضح للأرض ولكنهم جميعاً رعيّة هذا الإمبراطور. النظرة البدوية تقول إن البدوي لا معنى عنده للأرض لأن الأرض بالنسبة له هي حسبه ونسبه ، لذلك يقول الأب ميشال أنه إذا أخذنا فعل "بنى" في اللغة العربية القديمة فهي تعني استولد بنيناً فالبنيان لدى البدوي لا تعني البناء بل تعني الإنجاب، حتى عمّر تعني أنه عاش عُمراً طويلاً فالتعمير ليس العمران. حين جاء الموارنة وعاشوا مع الأرض التي أصبحت بالنسبة لهم الأمّ والزوجة وأمّ البنين استقدموا هذه الفكرة إلى الشرق وزرعوها وأصبحوا يحبّون الأرض وتزوّجوا مع الأرض كما يقول الأب ميشال، فكرة الأرض هذه أوصلتنا إلى إقامة فكرة الدولة، أول مَن استقدم فكرة الدولة بالمعنى الحديث في المشرق هم الموارنة. لبنان بهذه الصورة فريد، يقول إنه من الناحية الجغرافية لا تجد رملاً، جغرافيتنا فريدة من نوعها بينما الشرق من حولنا عبارة عن عصبيات وقبائل وعشائر يحكمها شخص واحد مطلق ، بينما في لبنان لدينا عدة فئات وهذا ما يجعل لبنان متعدداً في تفرّده وهو الحال الفريدة في المشرق كله القادرة على تكوين الجسر بين هنا وهناك. عام 1981 أقام محاضرة في نيويورك دُعي إليها وكان عنوانها "المارونية والأرض" قال حينها إنه كما رُفع لبنان على مدخل القارات الثلاث عنوان الحرية في العالم القديم فهكذا رُفع تمثال الحرية على مدخل العالم الجديد عنواناً للحرية، كأنه يقدّم صورة تماثلية. 

غسان الشامي: نحن سندخل إلى الرؤية المارونية عند الأب حايك، كتابه "المارونية ثورة وحرية" أو "المارونية عقدة وقضية" سنبدأ بالثورة والحرية، أين يضع الموارنة في المسيحية المشرقية؟

فادي عبد النور: بالنسبة للأب ميشال حايك الموارنة هم الأساس بمعنى أنهم يجب أن يلعبوا دوراً رائداً بحكم وجودهم في لبنان وبحكم دور لبنان في المشرق، لذلك يقول أنه كما كان نهر العاصي عاصياً ويتجه صعوداً فلحقه الموارنة من الهرمل إلى جبيل فيجب على الموارنة اليوم أن يكونوا في الشرق، في الكنيسة المارونية، يجب أن يعيشوا العصيان ويكونوا صورة للحرية ورمزاً لهذه الثورة. الأب ميشال حايك لم يكن يتصوّر المشرق من دون المارونية لأنه هنا تولد الثورة وهنا يولد العصيان كما كان المسيح مثالهم.

غسان الشامي: سآتي إلى المسيح ولكن المارونية كنيسة وهو كان يقول أنه لا يحب كلمة كنيسة ، ولكن في الواقع أن هناك قدّيسين بالمعنى الشعبي أهم بكثير من مار مارون يعني مار سركيس أو مار جرجس أكثر شهرة ، ولم يكن هناك لا كنيسة جرجسية ولا كنيسة سركيسية ولكن كان هناك كنيسة مارونية، هل توافق أنت على مقاربته المارونية وعدم قبوله بمفهوم الكنيسة المارونية بالمعنى السيستيماتيكي؟ 

فادي عبد النور: الأب ميشال حايك لم ينزع نفسه من الكنيسة ولكن كان خوفه في أن يحصر المارونية في هذا البُعد الديني الصرف فقط ، وأن نستثني من المارونية كل العظام، وكما قال في إحدى عظاته " إن أفذاذ الموارنة هم شذّاذها"، لذلك كان يخاف، إذا تكلمنا فقط عن الكنيسة المارونية نتكلم عن مؤسسة تنتظم ضمن قاعدة معينة ونستثني كل أولئك الشذّاذ الذين أنتجوا الفكر الماروني وعدّدهم ونقصد بهم جبران، أمين الريحاني، الشدياق، البساتني الذين أعطوا البُعد الماروني الهائل في مجال الأدب، في مجال الفكر وحتى في مجال القومية مع أمين الريحاني، وحتى العروبة مع نجيب عازوري ومع خير الله خير الله، لذلك كان يهرب من التحدث عن الكنيسة المارونية وكان يفضّل كلمة المارونية لكن هذا لا يمنع أن الأب ميشال متجذّر في كنيسته وكان يحب كنيسته، ونحن نعلم أن أول كتاب له كان عن القداس الماروني وحاول من خلالها أن يقيم نهضته الشهيرة.

غسان الشامي: ولكن الكنيسة لم تكن على علاقة طيبة معه.  

فادي عبد النور: الأب ميشال حايك كان إنساناً استثنائياً وكما كان يقول دائماً القاعدة هي تكرار رتيب ، أما الاستثناء فهو مجال للإبداع لذلك فهو استثنائي بمعنى هو شوّاذ القاعدة لأنه في مجال الإبداع وفي مجال الخيال استثنائي، كيف تنتظر ممن يعيشون في قواعد أن يقبلوا هذا الاستثناء.

غسان الشامي: في مقاربته لموضوع الموارنة والعروبة، الذين ذكرتهم والذين يضعهم في مصاف عليا من كتّاب وأدباء وشعراء ومفكّرين موارنة إما بنوا جسوراً مع العروبة وإما بنوا جسوراً مع سوريا كجبران وأمين الريحاني، ما هي مقاربة الأب حايك بين الموارنة والعروبة؟

فادي عبد النور: بالنسبة للأب ميشال حايك الموارنة موجودون في لبنان وقد قال في أواخر عظاته أن لبنان ذو وجه عربي وبعد الطائف أصبح عربياً، والموارنة بالنسبة للأب حايك هم من حرّروا اللغة العربية أيام الحكم العثماني وهم عملوا من أجل اللغة العربية حتى فكرة الأمّة العربية أول من تكلّم عنها كان نجيب عازوري. لهذا السبب وانطلاقاً من فكرة القومية العربية لا يمكنه فصل الموارنة عن العروبة لا بل قد تكون رسالتهم في فكر الأب ميشال هي إعادة إحياء اللغة والتاريخ والحضارة العربية لأنهم "أمّ الصبي" وهم أصحاب هذه الأرض.

غسان الشامي: أنت تعرف أن الموارنة والعرب منذ اللحظة الأولى، أول سجال تم لدى معاوية بن أبي سفيان بين المونوفيزيت والموارنة وقد ظهر الموارنة على المونوفيزيت بهذا المعنى وكان هناك قول شهير لمعاوية. ثانياً مار يوحنا مارون عندما جاء إلى لبنان من الأفامية كان الحكم للعرب هنا، هنا أريد توضيح علاقة الموارنة بالعرب والمسلمين.

فادي عبد النور: الأب ميشال في إحدى عظاته عام 1979 يقول بكل ثقة المؤرّخ أنه ما من ماروني شتم العرب والمسلمين من المفكرين الكبار لا بل كانوا هم من ناصروا القضية العربية وهم من ناصروا القضية الفلسطينية، حاول تبرئة الموارنة، خلال الحرب تعكّر المزاج بين الموارنة والعرب والعروبة، والأب ميشال يهمه التاريخ أكثر من الأشياء الآنية. ما معنى دور ورسالة الكنيسة المارونية اليوم؟ ما نريد قوله في فكر الأب ميشال أن دورنا في الشرق وخاصة أن لبنان بالنسبة له نقطة الارتكاز لكل الموارنة ونحن عرب بمعنى أن رسالتنا يجب أن نؤديها هنا وبالطبع من دون أن تحدّنا الأرض لأن رسالتنا كونية شاملة.

غسان الشامي: ولكنه في أماكن أخرى يعبّر عن خيبات له من العرب، هل يمكن أن نضيء عليها أيضاً؟

فادي عبد النور: في الحياة وفي الفكر حين أمد يدي لأصافح الآخر وأتواصل معه ونقرأ التاريخ سوياً ونبني المستقبل وهذا كان همّ الأب ميشال حايك، إذا كنا نقرأ التاريخ فذلك ليس لنسكن فيه ولكن التاريخ يعطينا نوعاً من البذور لنقدّم رؤية مستقبلية لأن المستقبل يهمنا. كان في كل مرة يمد يده ولا أحد يمد يده إليه لذلك كان هناك خيبات أمل.

غسان الشامي: وأيضاً هناك خيبة لديه من الموارنة أنفسهم من الشرق والغرب ولديه خيبة من الشركاء، إذا أخذنا كل هذه الخيبات، كل هؤلاء الذين خاب أمله بهم أليس لديهم خيبات من الموارنة أيضاً؟

فادي عبد النور: خيبات مشتركة، الأب ميشال حايك عندما كان ينتقد كان يقول للموارنة قبل أن تلوموا الآخرين دعونا نتطلع، كان دائماً يتحدث عن المارونية السياسية كعارض في حياة المارونية، كان يهمّه المارونية كمساحة حرية، مساحة إبداع ووقفة روحية، هي مشروع روحي ومشروع حرية، ولاحظ خلال تاريخ الموارنة أنهم لم يكونوا على مستوى مشروع الحرية أو على مستوى الوقفة الروحية لذلك كان يوجه الانتقاد للموارنة قبل أن ينتقدهم الآخرين. لقد خاب أمله بهم وفضّل أن ينعزل بمعنى أن يعيش وحدته لأنه لم يجد من يفهمه ومن ثم تنسّك علّه في علاقته بالمسيح يستطيع فعل شيء ولكن التاريخ يمشي ولا يسأل.

غسان الشامي: سنتابع حول الأب حايك بعد الفاصل، أعزائي تابعونا في حلقة عن الأب الاستثنائي الراحل ميشال حايك بعد هذا الفاصل.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، نقدّم لكم الآن صورة شخصية للدكتور فادي عبد النور قبل أن نتابع الحوار.

تقرير

وُلد الدكتور فادي عبد النور في لبنان عام 1963 وحصل على شهادة الجدارة في اللاهوت من المعهد الكاثوليكي في باريس عام 1991 وعلى شهادة الدراسات المعمّقة في تاريخ الأديان والأنتروبولوجيا الدينية من جامعة باريس 4 عام 1993 وعلى الدكتوراه في اللاهوت من جامعة مونريال عام 2009.

عمل أستاذاً محاضراً في جامعة مونكتون في كندا وهو أستاذ محاضر في كلية اللاهوت والعلوم الدينية في جامعة مونريال منذ عام 2010 وعضو في لجنة إصلاح برنامج الدراسات العليا في الكلية، ويدرّس اللاهوت والفلسفة في جامعة القديس يوسف منذ العام 2015.

الدكتور عبد النور خبير وباحث في اللاهوت الأساسي واللاهوت المنهجي واللاهوت والحداثة واللاهوت والفلسفة وعضو في الجمعية الكندية للاهوت. ألقى العديد من المحاضرات ويتقن العربية والفرنسية والإنكليزية.

له "الحقيقة والمحبة"، "قراءة في اللاهوتي هانس آرز فون بالتزر بالفرنسية" وكتاب آخر عنه بالعربية هو قيد الطبع، وترجم إلى الفرنسية كتاب "بين الإبن والخليفة الإنسان في تصورات المسيحية والإسلام" لمشير باسيل عون، و"هل الدين نزعة إنسانية" للشيخ شفيق جرادي.

غسان الشامي: تحية لكم، دكتور عبد النور قبل أن أدخل في مواضيع أخرى في فكر الأب ميشال حايك هل الموارنة عقدة أم قضية؟

فادي عبد النور: الأب ميشال حايك كان يقول دائماً أن هناك قضية للموارنة ولكن مشكلة الموارنة في الشرق أنهم روّاد حرية وطلاب حرية ومشروعهم مشروع حرية ، لذلك يتحولون إلى عقدة لأنه حسب رأيه أنه في هذا الشرق فكرة الحرية غير مقبولة، وأستذكر جملة من إحدى عظاته يقول خلال الحرب إذا لبنان يموت اليوم لأنه يكون صورة مسبقة لما يمكن أن يحدث في هذا الشرق من موت. اليوم تتحق تنبوءاته أو أننا نجرّب أن نعيش رؤيته المستقبلية لذلك أنا أقول إن الموارنة هم عقدة لأنهم سيطالبون دوماً بالحرية وسيظلون ثواراً في هذا الشرق، ثورة على كل التقاليد البالية، ثورة على أن نسكن أشياء موروثة لا تتقدّم إلى الأمام.

غسان الشامي: هل هم الآن كذلك؟ أنظر إلى هؤلاء الساسة الذين يخوضون الانتخابات هل هؤلاء يعبّرون عن المارونية؟

فادي عبد النور: من أجل ذلك لم يكن الأب ميشال حايك يرضى بأن تتحول المارونية إلى مارونية سياسية أو إلى زواريب سياسية، لهذا السبب كان يتعالى دائماً لذلك كان يهرب من هذه التسمية ويتحدث عن المارونية كمشروع حرية، صحيح ما تقوله لأننا نخاف أحياناً.

غسان الشامي: كتابه "المسيح في الإسلام" مشروع حضاري تأسيسي، حقاً من يقرأ هذا الكتاب يجد هذا البُعد الجميل والبهيّ والمتّكئ على حقائق تاريخية. أولاً كي يعرف من يشاهدنا ما هي السمات الرئيسة لهذا الكتاب دكتور عبد النور وهل ما يزال هذا الكتاب مرجعاً للحوار الإسلامي المسيحي؟

فادي عبد النور: لا أدري إذا كان لا يزال مرجعاً لكن هذا الكتاب مهم أن نصله مع كتاب آخر للأب ميشال حايك كتبه باللغة الفرنسية "سر إسماعيل". الأب ميشال حايك سعى دوماً لمد جسور الحوار، إلى قراءة للإسلام تعيده إلى المشروع الخلاصي لله، لهذا السبب كان يعلم أن إبراهيم هو نقطة وصل بين الديانات اليهودية والإسلام والمسيحية ، ولكن كان يعلم أنه قد يكون نقطة فصل لهذا السبب بحث في سورة إسماعيل عن لقاء بين المسيحية والإسلام كما بحث عن ذكر المسيح في الأدب الإسلامي كي يقول للمسلمين إن المسيح ليس غريباً عنكم بل يلعب دوراً كبيراً، لهذا السبب آن الأوان أن نعيد اللقاء بين الديانة الإسلامية والديانة المسيحية وهذا هو الهدف، هل ما زال الحوار مستمراً؟ لا أعرف أستاذ غسان قد تكون أنت أكثر دراية مني ولكن حسب ما أرى في لبنان بالذات الحوار الإسلامي المسيحي يقتصر على أمور لا أعرف إلى أين تقودنا.

غسان الشامي: في هذا الكتاب إذا أخذناه على ما يحصل حالياً في المشرق سيّدي، نحن أيضاً أبناء هذه الساعة، في الكتاب هناك محورية القُربى وهو يركز على مفهوم القُربى التي تربط بين المسيحيين والمسلمين، هل ما يحصل أطاح بالقُربى وكيف يمكن إعادة وصل صلات القُربى بين الناس في هذا المشرق؟

فادي عبد النور: سؤال كبير جداً، لا أعتقد أن ما يحصل أطاح كثيراً بصلات القُربى، أنا أعلم أن كثيراً من المسلمين بوجدانهم، بفكرهم، برؤيتهم يدركون أهمية وجود المسيحي في هذا الشرق، كيفية إعادة تجذير وصون وتثبيت هذه الصلات التي تحدّث عنها الأب ميشال تتطلّب جهداً من الطرفين. المسلم عليه أن يفهم ويدرك ويعرف أن المسيحي ليس غريباً بل هو إبن هذا الشرق، وخلال جلساتي مع ألأب ميشال كان يقول لي إن المسلم لا يستطيع أن يربح إلا حين يدرك أن أقرب شخص إليه في هذا الشرق هو المسيحي، كما أن المسيحي لا يربح إذا لم يدرك أن المسلم في هذا الشرق هو أقرب شخص إليه ويجب أن يبنيا سوياً صورة جديدة لهذا الشرق هي صورة الحرية. 

غسان الشامي: هو كما قلت يُعيد الحوار الإسلامي المسيحي إلى إبراهيم، يقول "لا بد للمؤمنين بإله إبراهيم من أن يقفوا صفاً واحداً للدفاع عن الله"، هل هناك فعلاً رؤية موحّدة لله بين الإبراهيميين الثلاث اليهود والمسحيين والمسلمين؟

فادي عبد النور: بالتأكيد إن الله واحد، لا نختلف على وحدانية الله بالنسبة لهذه الديانات ولكن لا توجد رؤية موحدة، اختلافننا يتمحور حول تصوّرنا عن الله. إحدى عظات الأب حايك بعنوان "قتلوك لأنك قاتل" يخاطب فيها المسيح ويحاول استعراض سبب قتل المسيح وينتهي بنتيجة أن المسيح قُتل لأنه قاتل، قتل الإنسان وقتل الله بمعنى أنه قتل الإنسان العتيق الذي بداخلنا، إنسان الطمع، إنسان الشهوة، الإنسان الذي يريد أن يكون محور كل شيء ، ولكن الخطير في فكر ميشال حايك حين قال إن المسيح قتل الله، نفس الصرخة التي صرخها نيتش "مات الله نحن قتلناه" استخدمها الأب ميشال في عظته وهنا لا نتكلّم عن الله بل عن تصوّرنا لله، المسيح قتل صوَراً في داخلنا عن الله كان من الممكن أن تقتل الإنسان وتقتل الله في وجوده. لدينا رؤية موحدة عن الله في كثير من الأحيان كونه يقتل الإنسان، عندما تخوض حرباً باسم الله وتقتل الإنسان ألا يكون لدينا رؤية موحدة عن الله الذي يقتل الإنسان، ولكن ما كان يبحث عنه الأب ميشال هو أن نتخلّص من كل هذه الصوَر ونقتلها لأن الحب هو الأساس، هذه هي الصورة عن إله الحب القادرة على جمع جميع الشعوب والدفاع عن الله.

غسان الشامي: يقول إن الكنيسة المارونية غير معنية بالتاريخ حتى بتاريخنا وإن المارونية قضية كبرى حملها رجال صغار فأسقطوها وأسقطتهم، من أين جاء كل هذا السخط يا سيّدي؟

فادي عبد النور: لا أعرف إن كان هذا سخط بقدر ما هو مرارة وخيبة أمل لدى الأب ميشال ، والحقيقة أنه ما من أحد قرأ هذا التاريخ بعمقه كالأب ميشال حايك، عندما قال إن الكنيسة غير معنية في التاريخ وفي تاريخنا، الكنيسة في رؤية الأب ميشال لم تدخل في قلب التاريخ ولم تلاحق التاريخ ولم تفهم أنه ما من إنسان إلا في سياق تاريخي جغرافي اقتصادي سياسي ، وتحاول النزول إلى الناس. في مرة كنت أنا والأب ميشال نتحدّث عن هذا الموضوع قال لي هناك الميمات الأربعة كما يسميها فسألته ماذا تقصد قال لي المأكل، المشفى، المدرسة، المأوى، من هذه الميمات الأربعة ندخل في التاريخ، إذا أرادت الكنيسة المارونية أن تشجّع الموارنة على البقاء في الأرض وعدم تركها فيجب عليها أن تنتبه إلى هذه الميمات الأربعة ولكنها غير معني بهم.

غسان الشامي: سأخبرك ما يلي، براد احتلها الترك وزرعوا فيها الأوباش، لم يخرج عن الكنيسة المارونية أي احتجاج على قبر مار مارون، أحد مطارنة الموارنة يكتب عن مار مارون في شباط الماضي ويقول إنه تنسّك على جبل قورش يعني حتى اللحظة نعم ما يقوله الأب حايك عن أن هذا الجهل بالتاريخ ما يزال قائماً، ولكن سيّدي دعني أذهب إلى المسيح الثائر، هو كان بنظره أن المسيح ثائر وأن المسيحية ثورة كيف؟ 

فادي عبد النور: الأب ميشال في إحدى عظاته يستعرض حياة المسيح لشرح فكرة المسيح الثائر، يقول أليس ثائراً مَن أخضع قانون السبت وحرمته إلى محبة الإنسان؟ أليس ثائراً مَن ثار على السلطة الدينية في حينها وأسماهم القبور المكلّسة؟ أليس ثائراً مَن قال لا تعبدون الله بهذا الهيكل أو ذاك ولكن عبادة الله بالروح والحق؟ أليس ثائراً مَن غفر حتى للذين أتوا ليرجموها لأنها حسب الشرعية الموروثة جاءت ضد شريعة موسى المكتوبة على الحجر؟ يسوع خطّ على الأرض بالتراب أن الإنسان شريعة الغفران، هذه هي الثورة التي كنا نبحث عنها، هي ثورة لأجل الإبداع وهي ما كان يسكن هاجس الأب ميشال. كان يقول لي دائماً إذا كنت تريد قاعدة أي نظام يكرّر نفسه فما معنى الحياة لذلك إبحث دوماً عن كل جديد وهنا يكون الإبداع ويكون هناك معنى للمارونية وللثورة، الثورة ليست أن تقتل بل هي أولاً ثورة على الذات، ثورة على اللاإنسانية. ثانياً ثورة على كل الأمور البالية التي نتوارثها من وقت إلى وقت ونفكر بأننا نتناقلها. الأب ميشال يقول عندما تريد نقل تقليد معين لا تكرّره حتى لا يصبح روتيناً، انقله بإبداع وهذه هي الثورة الحقة وهذا ما لم تفهمه كنيسته. كتاب "المرافقة" هو آخر كتاب للأب ميشال وهو كتاب الجنّاز بشعره الناقد وقلت له حينها أن مَن يقرأ هذا الكتاب يتمنّى أن يموت، جمّل الموت. كان همّه في الكتاب هو الإبداع ولكن للأسف أحياناً تصطدم بحاجز وعلت الصرخة أن هذا ليس تقليدنا فكان يجيبهم وماذا يعني التقليد.   

غسان الشامي: مفهوم الثورة المعاصر يقترن بالعنف، ألا يتناقض مفهوم الثورة والمسيح الثائر مع دعوته لالتزام المسيحي بالسلام برأيك؟

فادي عبد النور: هناك فرق بين عنف وعنف، هناك عنف قد يؤذي الآخر إلى حد الإلغاء ولكن هناك عنف لا يؤذي الآخر، هو عنف الجرّاح الذي يستأصل المرض بعملية جراحية لإنقاذ المريض، هذا هو العنف الذي كان يدعو إليه والذي نتيجته السلام.    

غسان الشامي: دعوته للإصلاح الدائم الروحي والخلقي والثقافي والاقتصادي والسياسي ماذا بقي منها؟

فادي عبد النور: لا شيء للأسف الشديد، إذا كان همّنا هو أن نحافظ على تقاليد موروثة بحجة أن من قبلنا أخذوا بها، لماذا نحن غير معنيين بتاريخا؟ التاريخ يتغيّر، الزمن يتغيّر وكل شيء يتغيّر وهذا ليس معناه أن نغيّر الإيمان وليس هذا هو هدفنا ولكن علينا الكثير بأنه حين نقدّم إيماننا يفهم علينا إنسان اليوم عن ماذا نتحدّث، هذا ما كان يقوله الأب ميشال دوماً، كان يقول اتركونا في قلب هذه الثورة، اتركونا دائماً، الإصلاح هو عملية مستمرة وليس عملية آنية كل عشر سنوات بل الإصلاح تعيشه بطريقة مستمرة، حين تعرف كيف تبدع وكيف تقتل الإنسان العتيق وتقتل صوَراً عن الله بداخلك.

غسان الشامي: على معرفتك به هل مقاربته للحرية ناجمة عن سطوة الحرب التي كنا نعيشها في لبنان؟

فادي عبد النور: بالتأكيد لا، الأب حايك وُلِد عام في 19 كانون الثاني عام 1928 وذهب إلى باريس أوائل الخمسينات لأنه كان عاشقاً للحرية، عاش خمسين عاماً في باريس لأنه كان عاشقاً للحرية، الحرية هي من جبلته. هناك كلمتان مهمتان في فكر الأب ميشال أريد الإضاءة عليهما يقول "فُطرت غريباً" في كهف الذكريات ولديه قصائد إلى الغربة، تخيّل شخصاً يكتب قصائد إلى الغربة، الغربة مهمة جداً لديه، والأمر الثاني هو الحرية. كان يقول لي أنه حينما آتي إلى لبنان أشعر نفسي غريباً وحين أذهب إلى باريس أشعر بأنني غريب، ما بين الغربتين أنا أعيش، في كل غربة لديّ حرية بطعم مختلف. الغريب هو الإنسان الذي لا يعرف كيف يسكن بحيث يبقى مكانه ويعتبر مكانه ملكاً له. الأب ميشال عاش على الأرض غريباً بمعنى هو مارق ليزرع الإبداع ويعرف أن وجهته ليست هنا لذلك بقي حراً.

غسان الشامي: لديه دعوة هامة جداً للجامعة المشرقية وأنا لا أخفيك أنني اتكأت على هذا الرجل في المفهوم المشرقي وفي نبش التراث، هو يطالب بجامعة مشرقية ونبش التراث ويطالب بالمجمع الإنطاكي، أين هذا التراث؟ مَن هو المسؤول عنه الآن؟ التراث الماروني المسيحي الإنطاكي، المجمع الإنطاكي، الجامعة المشرقية؟

فادي عبد النور: أنت تفضلت وقرأت لي الجملة أن المارونية وُضعت بين أيدي رجال حسبناهم كباراً أسقطوها فأسقطتهم.

غسان الشامي: أنا أتكلم مسيحياً الآن.

فادي عبد النور: أنطلق من هنا لأذهب إلى المسيحية وأقول أن كل التراث المشرقي الإنطاكي أو المجمع الإنطاكي كان حلماً لدى الأب ميشال، وبرأيي أن هذا الحلم مات مع الأب ميشال ومع أشخاص كثيرين.  

غسان الشامي: ألا يمكن إحياء هذا الحلم بالناس، بكم، بالذين تشرّبوا هذا النوع من الفكر؟ 

فادي عبد النور: نتمنى، حين رحل الأب ميشال تشعر أن شيئاً انسلخ منك وأن شيئاً مات معك، تشعر أن هذا العملاق الاستثنائي أخذ أحلاماً كثيرة معه قد لا يستطيع أحد أن يحلم بها لأن تلك الأحلام كانت بقدر قامته وبهذا العلوّ، ممّن تنتظرهم!

غسان الشامي: أنا أقول دائماً كما كان هو مؤمن أن هذه البلاد ولاّدة ويمكن ذلك. سؤالي الأخير كما بدأت أنت سيّده المسيح كان شاعراً "أنظروا إلى زنابق الحقل، الحق الحق أقول لكم أن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها". أبانا ميشال حايك ختم حياته شاعراً بديوان "ضاقت الأرض"، هل هذا ذروة اليأس من الناس والمجتمع؟  

فادي عبد النور: لا أعتقد أنه كان يائساً، أنا أعرفه جيداً.

غسان الشامي: الأرض تضيق على ناسها يا سيّدي.

فادي عبد النور: ربما لأن هؤلاء الناس لم يفهموا، الأب ميشال كان يقول دائماً أنا مسيحي والمسيح وجهتي وحتى الأرض التي زارها المسيح، دعس المسيح ترابها، حوّلها المسيح. الأب ميشال كان يعتبر أن الأرض هي الهيكل والفصول هي طقوس هذه الدنيا ولكن قبلتنا ووجهتنا هي السماء، لهذا السبب كان يعتبر أن الأرض ضاقت به وآن الأوان للرحيل ولكن ليس عن يأس.

غسان الشامي: أنت تعرفه جيّداً، هل كانت بلاغته يومية؟ هو بليغ في الشعر والكتابة ولكن في يومياته هل كان بليغاً في اللغة؟

فادي عبد النور: بالتأكيد، كلماته كما نقول باللغة العامية اللبنانية "حفر وتنزيل" فهو يعرف كيف ينتقي الأفعال ولكن الأجمل من ذلك أنه يفاجئك بشعره وصوَره.  

غسان الشامي: لقد ضاق بي الوقت، كنت أتمنى أن يكون وقتاً أكبر لأن لديّ الكثير من الأسئلة ولكن عسى ولعل. أختم من عند الحايك أيضاً يقول "رسالتنا أرضنا الأولى ووطننا وذاتنا من دونها نكون عُراة من أي أرض ووطن وذات، نحن هنا في هذا الشرق لنبقى لأن الشرق كما يعترف أشرف أبنائه لنا يحتاج إلينا". شكراً للأب حايك على كلماته، وللدكتور فادي عبد النور على حضوره وإضاءاته، وللزملاء في الميادين الذين يقرعون معي أجراس المشرق شكري الجزيل، ولكم أنّى كنتم كما العادة سلام عليكم وسلام لكم.