حوار خاص

برنامج مخصص للحوارات الخاصة مع شخصيات بارزة وفاعلة.

رافاييل كورّييا - الرئيس السابق للإكوادور

 

محمد جرادي: مشاهدينا الكرام مشاهدي قناة الميادين أهلاً بكم من العاصمة الفنزويلية كاراكاس في هذه المقابلة مع الرئيس السابق للإكوادور رافاييل كورّييا.

مرحباً بك سيّد رافاييل.

 

رافاييل كورّييا: شكراً جزيلاً. أشعر بسعادة كبيرة للمشاركة في هذه المقابلة، وأودّ أن أرسل عناقاً حاراً جداً إلى لبنان، الشرق الأوسط، وتحديداً إلى العالم العربي.

 

محمد جرادي: أسألك بداية، ماذا يحصل في أميركا اللاتينية؟ لماذا هذا التراجع على مستوى الحكومات التقدمية لمصلحة اليمين الاقليمي؟

 

رافاييل كورّييا: حسناً، وكما قلنا في مناسباتٍ متعدّدة، هناك هجمة همجية يشنّها المحافظون في هذه المنطقة، فهم لا يحترمون حدوداً ولا يتورّعون عن ارتكاب أي شيء بمعنى أنهم لا يحترمون الديمقراطية.

أنظر ماذا حلّ بالبرازيل. لقد نفّذوا انقلاباً هناك ولم يحترموا حقوق الإنسان. هذا ما فعلوه مع لولا دا سيلفا وأيضاً مع خورخي غلاس نائب رئيس الإكوادور، ولم يحترموا إرادة التكامل التي كنّا نتقاسمها جميعاً في السابق، سواءٌ كانت الحكومات يساريةً أم يمينيةً أو من أيّ تصنيف عقائدي آخر.

أنظر كيف يتعاطون اليوم مع أوناسور ومع سيلاك. إذاً هي هجمة ذات استراتيجية موجّهة أطلق عليها ما تُسمّى لوفارا أي الحرب القضائية عبر تسييس القضاء لملاحقة القادة اليساريين والتعرّض لحقوقهم الإنسانية، واختلاق جناياتٍ أو جرائم غير موجودة أصلاً أمام أعين العالم الذي يتعاطى مع ذلك كله بغاية اللا مبالاة.

فلو أنّ هذا الأمر كان يحصل مع قادةٍ محافظين أو يمينيين منحازين للولايات المتحدة لكان تفاعلهم غير ذلك كلياً.

 

محمد جرادي: هذه الهجمة سيّدي الرئيس من اليمين الاقليمي تنتهج خلالها إما رفع دعاوى قضائية بحق الحكومات اليسارية، أو من خلال التضليل الإعلاميّ، أو كما حصل في الإكوادور؟

 

رافاييل كورّييا: نعم، حصلت خروقٌ دستورية، على غرار ما حصل في البرازيل، كما كانت خسارة الانتخابات ديمقراطياً بين قوسين في الأرجنتين، ولكن في الواقع كان علينا نحن الحكومات التقدمية مواجهة وسائل إعلام يمينية شرسة، ومثالٌ على ذلك مجموعة كلارين الإعلامية في الأرجنتين.

أما في الإكوادور، فنحن فزنا جميعاً، ولكنّ الخيانة والثورة المضادّة وُلدتا من داخل صفوفنا بطريقةٍ لم يسبق لها مثيلٌ في تاريخ الإكوادور، وربما في تاريخ أميركا اللاتينية. لذلك تراهم يتبعون النهج ذاته في الملاحقات وفي تدمير كلّ ما جرى تحقيقه وفي إضفاء الصفة الشرعية على النيوليبرالية وشرعنة كلّ ما كان يلزمها لذلك، وإلحاق رموز مراكز القوّة التي تهيمن على الاقتصاد بالحكومة لتواصل أعمال السرقة والنهب التي طالما مورست بحق بلداننا في السابق.

 

محمد جرادي: فنزويلا حتى الآن صامدة، وهي في مقدّمة هذه الدول، أقلّه زمنياً اليوم. هل ستخرج هذه الحركات التقدمية من هذه التجارب أكثر قدرة ومناعة؟

 

رافاييل كورّييا: فنزويلا تقاوم، نعم، ولكنّها لم تنجُ من الضرر. إنهم يلحقون بها الضرر الكبير. لقد ألحقوا ضرراً كبيراً بالشعب الفنزويلي، وهذا الأمر يعرفه العالم أجمع، فالعقوبات المتّخذة بحقه غير قانونية كلياً، وقد فُرِضت عليه على نحو أحادي الجانب من الولايات المتحدة الأميركية، واليوم تحاول كندا على ما أعتقد أن تحذو حذوها، ضد فنزويلا.

هكذا سبق أن تعاملوا مع كوبا أيضاً، حيث ألحقوا الضرر المباشر بالشعب الكوبي من خلال الحصار الذي فرضوه عليه، واليوم يفعلون الأمر ذاته ضد الشعب الفنزويلي.

لاحظ أنّ هناك نقصاً في الأدوية وفي المواد الغذائية، ولكنّ الشعب الفنزويلي على غرار الشعب الكوبي نراه يقاوم أيضاً، ولكن بطبيعة الحال فهذا الموقف مُكلف وله أثمانٌ عالية، وأعتقد أنه من هذه الناحية قد تعزّزت مناعة وقوة هذا الشعب في هذه المواجهة من خلال تطوير قدراته على تنظيم صفوفه وتعميق قناعاته في سبيل تحقيق الأهداف المنشودة في وجه، وهنا أكرّر، في وجه كل الأهداف الأخرى التي تنتهك القوانين الدولية والقوانين المتّبعة داخل القارة الأميركية. ولكن على أية حال، نعم، إنهم يلحقون الضرر بالشعب، نعم، ويعرّضونه للأذى الكبير.

 

محمد جرادي: ما هو مستقبل أوناسور خصوصاً مع خروج عدد من البلدان منها؟

 

رافاييل كورّييا: نعم، صحيح، مع أنهم قالوا إن خروجهم مؤقت، ولكن عملياً لقد خرجت ستة بلدان من أصل 12 بلداً، فكانت الضربة قوية جداً وكان الجرح خطيراً، وأرجو ألا يكون هذا الجرح مميتاً.

أعتقد أن شعوبنا لن ترضى بالعودة إلى الوراء كما آمل أن هذا الليل الحزين الذي نعبره لن يطول أمده، وأن الحركاتت الدائرية في تعاقب الأنظمة تبدو في كل مرة أقصر في جميع أنحاء العالم، والقصد في هذه الحال أميركا اللاتينية. نحن نشهد اليوم تقدّماً لليمين، ولكن لن يستطيع هذا اليمين أن يعيدنا إلى ما قبل إنجازاتنا في مطلع هذا القرن.

هناك عددٌ كبيرٌ من الحكومات التقدمية الشامخة والحريصة كل الحرص على سيادتها وكرامتها في أميركا اللاتينية، ولكن بطبيعة الحال، نعم، لقد حصل تراجع، ولذلك نرى أن شعوبنا سيكون لها ردّ فعل، وستستعيد ما قد خسرته وسنمضي قدماً.

من بين الأمور التي سنستعيدها لأننا سبق أن حقّقنا فيها تقدّماً ملموساً، التكامل، هذا الحلم الذي حمله المحرّرون الأوائل، والذي لم يعد حلماً بل أصبح حاجةً واقعية للبقاء على قيد الحياة بكل معنى الكلمة، ونستطيع متّحدين أن نواجه هذا النظام العالميّ الذي لا نعدّه غير عادلٍ فحسب بل إنه في الحقيقة غير أخلاقي أيضاً.

 

محمد جرادي: بعد انتخابات الرئاسة الفنزويلية، المناسبة الأولى في القارة اللاتينية على مستوى انتخابات الرئاسة هي في كولمبيا في السابع والعشرين من الشهر الحالي بين المرشّحين، مرشّح اليسار غوستافو بترو. هل لا يزال نَفَس الشارع اللاتيني إلى جانب الحكومات التقدمية اليسارية بنسبٍ عالية؟ يبدو أنّ استطلاعات الرأي في بلاده تشي إلى ارتفاع نسبة حظوظه في المنافسة بشكلٍ جدّي على الرئاسة.

 

رافاييل كورّييا: عملياً، يقال الكثير، لاحظنا ورأينا ورأينا، ولكن ليتكم تشاهدون أيضاً كلّ أعمال العنف التي تمارَس ضد المرشّح بترو، ضده وضد محازبيه، إلا أن أخبار تلك الأعمال لا تصل إلى أي مكان، ولو حصلت في فنزويلا لكانت قد جالت العالم بأسره. هذا أحد الأمثلة على إزدواجية المعايير التي أشرت إليها سابقاً.

نعم، أعتقد أن لدى غوستافو بترو حظوظاً مرتفعة للفوز في الانتخابات في كولومبيا، ولكن هذا إن تركوه يحقق هذا الفوز، فالفوز مسألة والوصول إلى السلطة هناك مسألة أخرى. أعتقد أن اليمين الكولومبي وخاصة في الشمال لن يسمح بوصول بترو إلى الحكم.

 

محمد جرادي: إذاً أية سيناريوهات مُرتقبة على مستوى التفاوض مع الأقطاب الداخليين أو على مستوى أميركا والاتحاد الأوروبي، تنتظر فنزويلا في المقبل من الأيام، بدءاً من الأسبوع الطالع؟

 

رافاييل كورّييا: هذه هي استراتيجية مراكز وبلدان الهيمنة، وكلّ ما لا يستطيعون تحقيقه عبر صناديق الاقتراع يحاولون الوصول إليه كما حصل فعلياً من خلال تدابير قسرية وانتهاكاتٍ على أرض الواقع للقوانين المعمول بها بين دول القارة الأميركية وللقوانين الدولية كالعقوبات المفروضة على فنزويلا.

 

محمد جرادي: حتى برغم الوعود من الرئيس، وعد بخطة اقتصادية وطنية شاملة ووعد بالحوار المفتوح مع كل الأطياف على المستوى المحلي، حتى في ظل هذه الوعود، لا تزال أميركا تضغط، والاتحاد الأوروبي يضغط، يبدو أنّ النيّة مبيّتة، وهو ما ردت عليه الحكومة بسخرية، أنه ماذا لو ربح المرشّح المعارض، ستكونون حكمتم عليه تلقائياً بعدم الاعتراف بشرعيته؟

 

رافاييل كورّييا: ربما علينا أن نحدّد أمراً، فنحن كبلدانٍ ذات سيادة لا نقبل مبدئياً حضور مراقبين دوليين، لأن شعوبنا هي من يتولّى مهمة المراقبة حصراً، ولكننا، نعم، نقبل مرافقين دوليين. فعلاً لطالما أزعجتنا هذه المسألة، وأنا هنا أتكلم أيضاً باسم نيكولاس مادورو، وتشافيز كان يتكلم تكراراً عن هذه النقطة بالذات.

عندما كنا عبارة عن مستعمرات كانوا يرسلون إلينا مراقبين من الاتحاد الأوروبي، فقلنا حسناً سنواصل استقبال وفود المراقبين في عملياتنا الانتخابية فقط بشرط أن تحضر وفود المراقبين من بلدان أميركا اللاتينية في عملياتهم الانتخابية في أوروبا، وذلك فقط ليستوعبوا أننا نتعامل معهم بندية.

صحيح أننا لسنا أكبر قدراً من أحد، ولكننا بالتأكيد لسنا أقل شأناً من أي أحد، وليدركوا أن حقبة المستعمرات قد ولّت وانتهت في أميركا اللاتينية الجديدة.

الولايات المتحدة مدهشة فعلاً، فبالنسبة إليها الانتخابات في أيّ مكانٍ من العالم تكون جيدة ونزيهة فقط في حال فوز المرشّح الذي تدعمه. لا أحد يستطيع مناقشة أو مساءلة شفافية ونزاهة الانتخابات الفنزويلية، فربما هي الانتخابات الأكثر رقابةً وتدقيقاً في العالم أجمع قبل بدء العملية الانتخابية، خلالها ومن بعدها.

لذلك أعتقد أن علينا جميعاً أن نقبل ديمقراطياً نتائجها، أعتقد أن المشكلة تكمن في مكان آخر، لا في الانتخابات بحد ذاتها. مشكلتهم هي أنهم يعرفون مسبقاً أن مرشّحهم لن يفوز فيها، أي أنهم يشكّكون في إمكانية تحقيق ما يصبون إليه، ولذلك يستبقون الأمر ويمعنون في التعرّض لشرعية هذه الانتخابات التي تتّصف بشفافية لا يستطيع أي طرف جدي الشك في نزاهتها. ولكن بالنسبة إليهم فإن الانتخابات تكون شرعية والديمقراطيات تكون صالحة فقط في حال فوز المرشّح الذي يريدون له الفوز.

 

محمد جرادي: ويمكننا الاعتراف لهذا المحور، اليمين البرجوازي، اليمين الاقليمي المدعوم من أميركا والغرب، أن لديه مفاتيح قوة، مثلاً لدى القوى هنا في فنزويلا التي تنتمي إلى اليمين البرجوازي مفاتيح على مستوى المواد الغذائية، السلع الإنتاجية الكبرى. هذا أيضاً مفتاح يمكن التحرّك عبره بوجه خطط مادورو؟

 

رافاييل كورّييا: الأمر ليس اعتقاداً بل هو مؤكّد وهذا هو ما فعلوه خلال السنوات الماضية. هناك مقاطعة وحصار من الخارج، وهناك أيضاً مقاطعة وحصار من الداخل، فما يحصل في فنزويلا منذ سنوات طويلة عبارةٌ عن حربٍ اقتصادية حقيقية ورهيبة، يفعلون ذلك لتشويه سمعة الحكومة الفنزويلية، كما حصل مع كوبا تماماً. يتحدّثون عن فشل النموذج الاقتصادي الكوبي، وهذا مستحيل ما دام هناك حصارٌ تفرضه الولايات المتحدة الأميركية، لن يقدر أي بلد من أميركا اللاتينية على الصمود ستة أشهر تحت الحصار الأميركي المفروض على كوبا، بينما كان على كوبا أن تقاومه مدةً تجاوزت النصف قرن. لذلك لا يصلح هذا التقييم لأن في ذلك الكثير من الخبث.

لا مجال لتقييم النظام وخاصة الاقتصادي في كوبا إذا لم تأخذ بعين الاعتبار أنّ هناك حصاراً جدياً تعاني منه كوبا منذ نصف قرن، والأمر مشابه بالنسبة إلى فنزويلا. يعلو صراخهم بأن الاقتصاد لا يسير على نحو جيد، وأن سياسات الحكومة قد فشلت، ولكن أليس علينا أن ننظر إلى المقاطعة الاقتصادية والحظر والحصار الاقتصادي الذي تفرضه عليها مجموعات الهيمنة الاقتصادية في الداخل ودول الهيمنة أيضاً في الخارج، عبر الحصار والإجراءات والعقوبات التي يفرضونها، منتهكين كل القوانين الدولية؟

فإذاً أرجو أن تنتهي هذه الحرب الاقتصادية، علماً أنني لا أعتقد بأنها ستنتهي، بل أتوقع أنها ستشتدّ، ولكنني في الوقت نفسه أعتقد أيضاً أنّ الشعب الفنزويلي الذي يتمتع بهذه الروحية البوليفارية والروحية التي بناها القائد تشافيز يعرف كيف سيقاوم.

 

محمد جرادي: هذه المقاومة قد لا تدفع بطول أمدها ربما إلى أن تختار أميركا القوة العسكرية للضغط، لمزيد من الضغط على الشعب الفنزويلي بعدما فشل اقتصادياً في حصاره والتضييق عليه والتضييق على مقدّرات عيشه؟

 

رافاييل كورّييا: لو أقدم ترامب على هذا العمل البربري، أي شنّ عملاً عسكرياً ضد فنزويلا، فأعتقد أنه سيندم لأنه سيجد هنا شعباً ليس وطنياً فحسب بل لديه من البطولات في تاريخه ما يمكنه من الدفاع عن وطنه ومن الدفاع عن أرضه بجدارة. لا أستبعد ذلك، أخذاً بالاعتبار نفسية ترامب، ولكن أعتقد أنه من غير المرجح حصول ذلك وبنسبةٍ عالية، فمهما بلغ الشغف والتهوّر لدى ترامب لكونه متطرّفاً ومُبتدئاً، فإن لديه مستشارين سينصحونه وسيقولون له إن في ذلك عمل جنوني.

 

محمد جرادي: تتوحّد أهداف أميركا باتجاه العالمين العربي واللاتيني، وتتشابه الأسباب التي تقود سياساتها وأجندتها الخارجية نحو شعوبنا العربية وشعوبنا اللاتينية، لكن يبقى الاختلاف في الشكل، العدوان الإسرائيلي بقيادة وإملاءات أميركية على الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكثر من ذلك الإرهاب التكفيري الذي بدا في أكثر من دولة عربية لاسيما العراق وسوريا، وأيضاً طالت لبنان بعض شراراته، وعلى المستوى اللاتيني الوجه يختلف إنما بناحية اقتصادية، لكن الأسباب والموجبات تبقى واحدة، هي السيطرة على شعوب دول عالم الجنوب الثالث، محو أي فكر تحرّري لهذه الشعوب على حساب الرأسمالية؟

 

رافاييل كورّييا: سيواصلون منع أو عرقلة ممارسة شعوبنا لحقوقها في الاستقلال والسيادة. من جهتي أقول، كلّ التضامن مع الشعوب التي تواجه هذا العدوان في الشرق الأوسط، أرسل عناقي الحار ومحبتي الخالصة وتقديري إلى الشعب الفلسطيني، كما أعانق الشعب السوري والعراقي والليبي. شهدنا كيف تمارَس ازدواجية المعايير على نحوٍ مدهش، ففي معظم الحلات هم الذي يختلقون الظروف والمجموعات التي يزعمون لاحقاً بأنهم يحاربونها، كما حصل مع حركة طالبان في أفغانستان وتنظيم داعش وغيرها من الأدلّة التاريخية التي لدينا وتدينهم. طبعاً، أعتقد أيضاً أن الوضع هنا يختلف، ففي الشرق الأوسط هناك مجازر، عمليات عنف، وقتل، مجازر بحق الأطفال، أما نحن، فكان علينا أن نواجه حرباً اقتصاديةً قد سبّبت لنا أحياناً خسائر في الأرواح ولكن بطريقةٍ غير مباشرة.

أما هناك فالقصف مباشر والحرب مفتوحة، ونرجو أن يتحقّق السلام سريعاً هناك، السلام الحقيقيّ، أي ليس فقط أن تتوقف هذه الحرب، بل أن تُحترَم كرامة وسيادة الشعوب، أن تُطبَّق العدالة والمساواة والرفاهية والحياة الرغيدة للجميع، هذا السلام تحتاج إليه أميركا اللاتينية ويحتاج إليه الشرق الأوسط ويحتاج إليه العالم أجمع، وعلى دول الهيمنة أن تطلق سبيل هذا السلام، وأن تقلع عن عرقلته ومنعه من أن يتحقّق.

 

محمد جرادي: سيادة الرئيس، أستثمر ما تبقى من الوقت للحديث معك حول الشأن الإكوادوري الداخلي.

في حال عودتك إلى الحكم ونجاحك مُجدّداً ووصولك إلى سدّة الرئاسة، ما هي الإنجازات التي تجول في خاطرك ولم تنجزها سابقاً؟

 

رافاييل كورّييا: حسناً، بالنسبة إليّ، فقط أجري استفتاءٌ غير دستوري بحيث جرى التلاعب به كلياً، وكانت نتيجته منعي من حق الترشّح مجدّداً. لقد رُفِعت ضدي خمس أو ست دعاوى قضائية ويسعون من خلالها إلى محاولة منعي من العودة إلى الحكم مدى الحياة.

بحسب القانون، وهذا الاستفاء غير الدستوري، عندما يُتّهَم أحدهم بجناية ما تتعلق بأمور الفساد، لن يتمكن طيلة حياتك مطلقاً من الترشّح مجدّداً لأيّ منصب يستدعي إجراء أية انتخابات شعبية في البلديات والولايات، وما يحاولون فعله اليوم هو ما تسمّى لوفار أو الحرب القضائية، وعمليات الملاحقة وتسييس القضاء، على غرار ما يفعلونه مع لولا دا سيلفا أو كما يتعاملون مع خورخي غلاس نائب رئيس جمهورية الإكوادور، وها هم الآن يتوجّهون نحوي. حسناً، لا بأس، فنحن نعرف كيف سنقاوم ونعلم أن الطريق ليس مليئاً بالورود وأنّ كل شيءٍ يحتاج إلى وقت ليتحقق.

بإستطاعتهم أن يضلّلوا كثيرين لبعض الوقت، وباستطاعتهم أن يضلّلوا قليلين لوقت طويل ولكنهم لن يستطيعوا تضليل الكثيرين لوقت طويل.

 

محمد جرادي: كيف تفسّر الإدارة الإكوادورية الحالية إدارة ظهرها لجوليان أسانج، جعلت أمنه الشخصي وحياته عرضة للخطر؟

 

رافاييل كورّييا: جوليان أسانج أعتقد أن أيامه معدودة داخل سفارتنا، وليس خافياً على أحد أن الحكومة الإكوادورية الحالية قد استسلمت كلياً للولايات المتحدة الأميركية، فقد عادت القيادة الجنوبية للجيش الأميركي إلى الإكوادور، وأنا كنت قد طردت الطاقم العسكري من سفارتهم لدينا. كان عددهم 52 عسكرياً وجميعهم متورّط ومتسلّل في كل مكان، والآن يعودون مجدّداً إلى هناك، وقد جرى توقيع الاتفاقيات الأمنية الشهيرة التي ليست سوى عملية تدخل في البلاد.

ومن ضمن تلك الاتفاقيات، بإمكاني أن أؤكّد أن هناك بنداً يتعلق بقضية جوليان أسانج، وقد بدأوا يُهيئون الظروف لإخراج جوليان أسانج من سفارتنا في لندن. إنهم يُهيّئون الأرضية لذلك بمساعدة الإعلام الذي يتولّى الضجيج بشأن انتهاكه قواعد اللجوء أو أنه صرف الكثير من المال في سبيل ضمان ظروفه الأمنية، والمفروض أن الفضيحة الجديدة التي يعملون على نشرها هي أن أسانج يتدخّل في سياسة بلدانٍ أخرى، وربما يكون هذا الأمر صحيحاً، ولكن يجدر بهم في هذه الحال أن يقطعوا عنه خدمة الإنترنت مؤقتاً، وأنا سبق أن فعلت ذلك عندما تدخّل في شؤون الانتخابات الأميركية في السابق وتحديداً عندما هاجم هيلاري كلينتون، فلو هاجم ترامب حالياً لكنت سأفعل الشيء نفسه. فنحن لا نقبل التدخّل في شؤون انتخاباتهم الداخلية وعلينا أن نمارس ما نفرضه نحن على الآخرين تجاهنا.

لا نستطيع التدخّل في هذه الانتخابات، ولكن ما يحصل الآن هو أنهم منعوا عنه الزيارات وقطعوا عنه خدمة الأنترنت والاتصالات الهاتفية إلى أجلٍ غير مُحدّد. إذاً عملياً، أسانج مقطوعةٌ عنه الاتصالات كلياً، وهو يخضع حالياً لحرب نفسية ضده بغية دفعه للخروج من تلقاء نفسه من السفارة، أو على الأقلّ، إذا لم يغادر فإنهم بذلك يؤسّسون لرأي عام ضاغط لإخراجه من هناك. ولكنني أقولها بألم، لقد تعرّض جوليان أسانج للخيانة من قِبَل الحكومة الإكوادورية وإن أيامه داخل سفارتنا باتت معدودة.

 

محمد جرادي: سيادة الرئيس، سؤال، النقد الذاتي بنّاء، ما هي الأخطاء المُرتكبة من قِبَل الحكومات التقدمية في أميركا اللاتينية؟

 

رافاييل كورّييا: كثيراً، إذا حكمت عشر سنوات، فهل تعتقد أنك لن ترتكب أي خطأ خلال هذه المدة؟ والثورة البوليفارية هنا، أظنّ أنها تحكم منذ عشرين عاماً تقريباً، فهل تعتقد أنها لم ترتكب أخطاء خلال هذه المدة الطويلة؟

وإذا كان حزب العمال في البرازيل قد حكم البلاد طيلة ثلاث ولايات، أي ما يقارب الـ12 عاماً أو أكثر، ربما 14 عاماً، أفلن يكون قد ارتكب أخطاء طيلة هذه المدة؟

ولكن النجاحات كانت أكثر بكثير، أما ما تتداوله وتتلاعب به وسائل الإعلام الفاسدة، فالإعلام اللاتيني هو إعلامٌ فاسدٌ جداً، ويجب أن تعلموا أنتم في العالم العربي هذا الأمر، يجب أن يعرف بذلك العالم أجمع.

أعتقد أنها مسألة تخصّ الإنسانية جمعاء. المفروض أن الأمر عبارة عن سلطةٍ في مواجهة قوى مضادة تؤدي دوراً سياسياً، وفي أيّ نظام ديمقراطي، هناك سلطة رسمية من جهة ومن الجهة المقابلة إما أن تكون السلطة المضادة أو النظم الاجتماعية أو ما تسمّى سيادة القانون، ولكن في هذه الحالات، ما من شي، يفعلون ويقولون ما يشاؤون، وفي الواقع يكوّنون رأياً عاماً يتوافق مع مصالحهم بعد نشر أضاليلهم والتلاعُب بآراء الناس.

إذاً، عندما تقضي مدة عشر سنواتٍ في الحُكم، فبطبيعة الحال قد يحصل أن تجد من بين آلاف الإنجازات التي تحقّقت بعضاً من تلك الإنجازات غير موفّق، ولكن عندما تلقي الضوء على الإخفاقات حصراً، فهذا لا يمكن اعتباره إعلاماً بل تلاعباً بالرأي العام. لا أعرف إذا كان العالم العربي يعرف اللاعب الشهير ليونيل ميسي، أعتقد، نعم، تعرفونه جيداً، هو أفضل لاعب كرة قدم في العالم، فإذا احتُسِبت فقط الأهداف التي فشل ميسي في تسجيلها خلال فترة احترافه، فسيبدو عندئذٍ كأسوأ لاعب في التاريخ. وهذا لا يمكن أن نسمّيه إعلاماً بل إنه تضليل وتلاعب، لأن ميسي قد حقّق أهدافاً أكثر بكثير من تلك التي فشل في تحقيقها.

هذا هو ما تفعله هذه الوسائل الإعلامية الفاسدة. نعم، بالتأكيد حصلت أخطاء ولكن النجاحات كانت أكثر بكثير والتقييم العام إيجابي جداً، وخاصة البعثات والبرامج الاجتماعية الكبرى التي كانت ناجحة جداً. وهناك مسألة إضافية، فالنقد الذاتي له وقته، ونحن كنا سبّاقين وطليعيين في ممارسة النقد الذاتي في حينه، ولكن أيضاً هناك وقتٌ آخر أيضاً للعمل وللقناعات ولاتّخاذ خطوات محدّدة في وقتها المناسب. ونحن اليوم في هذا الوقت بالذات، أي وقت العمل والقناعات، فلنترك النقد الذاتي لليوم التالي بعد الفوز.

ما أودّ حصوله فعلاً هو أن نتّحد جميعاً، فالانتخابات في بلداننا للأسف غالباً ما تقسّمنا، ولكن الخلافات يجب أن نحلّها من خلال الانتخابات، أي داخل الأطر الدستورية وباحترام إرادة الأكثرية التي ستعبّر عن نفسها في انتخابات حرة ونزيهة وشفافة. عندما يتمكّن هذا الشعب السيّد من التعبير عن إرادته، يصبح علينا جميعاً، خاسرين وفائزين، مواطنين وأجانب، أن نحترم هذه الإرادة من أجل خير فنزويلا وخير أميركا اللاتينية الوطن الأكبر وخير الديمقراطية. إذاً فلنحترم هذه الإرادة ذات السيادة للشعب الفنزويلي.

 

محمد جرادي: الرئيس الإكوادوري السابق رافاييل كورّييا شكراً جزيلاً لك حللت ضيفاً عزيزاً على قناة الميادين.

الشكر أيضاً موصول لكم مشاهدينا الكرام لطيب المتابعة. دمتم بأمان الله.