حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

معن بشور - الأمين العالم السابق لمؤتمر القومي العربي وأنور رجا - مسؤول الإعلام المركزي في الجبهة الشعبية

 

وفا سرايا: أهلاً بكم.

قالت المقاومة الفلسطينية كلمتها وأوصلت رسالتها. هو انتصارٌ فلسطينيٌ متقَنٌ في إدارة النار والحوار مقابل الإنكسار والارتباك الإسرائيليّ، وهرولته نحو مصر لوقف القصف على مستوطناته.

انتصارٌ عسكريٌ تقاطع مع نجاحٍ دبلوماسيٍ تجسّد في الأمم المتحدة أمس، ليدعم نضال الفلسطينيين ومقاومتهم المشروعة، وليفضح إزدواجية المعايير الأميركية وزيادة عزلة الإسرائيليين دولياً.

هو إنجازٌ ردعيٌ أظهره الجسم المقاوم الفلسطيني بتجانسٍ وتناغم، ليثبت مرّةً جديدة دقة سلوك المقاومة وجاهزيّتها في مرحلةٍ هي الأخطر من تاريخ القضية الفلسطينية.

كلها عوامل اجتمعت لتعزّز معنويات الفلسطينيين عموماً والغزّاويين خصوصاً، وتزيد ثقتهم بحضور المقاومة وإصرارهم رغم التضحيات وارتقاء الشهداء على إجهاض المخططات والاستمرار في الجمعة العاشرة من مسيرات العودة الكبرى، فيما الغضب يشعل أراضي الـ 48 تضامناً مع القطاع.

هل ما جرى في الأيام الماضية كان بمثابة شرارة الحرب الكبرى التي لن تكون كسابقاتها والتي ستكون ارتداداتها كبيرةً تتجاوز غزّة إلى المنطقة والإقليم؟ ما هي النتائج الداخلية على البيت الفلسطيني الواحد؟ وماذا عن الوحدة؟

أسئلة كثيرة نطرحها اليوم في حلقة حوار الساعة مع الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي الأستاذ معن بشور، ومسؤول الإعلام المركزي في الجبهة الشعبية القيادة العامة الأستاذ أنور رجا.

أهلاً بكم من جديد إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفا سرايا: صباح الخير أستاذ معن، وصباح الخير أستاذ أنور، وأهلاً وسهلاً بك اليوم في استوديوهات الميادين، وليس من الشام.

 

أنور رجا: صباح النور، وتسلمي.

 

وفا سرايا: أستاذ معن، هل وضعت المقاومة الفلسطينية بداية ما يجري في غزّة، العدو الإسرائيلي بخضم معادلة إما ابتلاع السكين وأن يقبل هذه الهدنة أو أن يكمل التصعيد؟

 

معن بشور: ما جرى في غزّة هو استكمال لمسار بدأ منذ سنوات في مجال الصراع العربي الصهيوني، فعلينا أن ندرك أنّ الصهاينة باتوا يعيشون مأزقاً استراتيجياً كبيراً على مستوى الجبهات كلّها. من الشمال هناك المقاومة اللبنانية، وفي الجنوب هناك المقاومة الفلسطينية، وسوريا التي أرادوا أن تكون نقطة ضعفٍ من خلال ما أثاروا فيها من حروب بدأت تخرج من حربها منتصرة، وبدأ الصهاينة يطالبون بعودة الجيش السوري إلى الجنوب، إلى الجولان في تعبيرٍ عن شعورهم بفشل مشروعهم بأكمله.

ما جرى في غزّة في الأيام الأخيرة يثبت أنّ هذه المعادلة بدأت تترسّخ، أي معادلة العين بالعين والسن بالسنّ، العدوان بالعدوان والقصف بالقصف، وإلى آخره.

 

وفا سرايا: والدم بالدم، صحيح.

 

معن بشور: والدم بالدم، وبالتالي بدأ الصهاينة يدركون أنهم باتوا عاجزين عن تصفية ما يسمّى بالمقاومة في غزّة، ونحن نعلم تماماً أنّ الكثير قد راهنوا ووضعوا سيناريوهات ما هو مصير غزّة. من الناحية العربية هناك تآمر رسمي عربي واضح على الشعب الفلسطيني وعلى القضية الفلسطينية وعلى القدس نفسها، ومن الناحية الصهيونية هناك استشراس في ضرب قطاع غزّة.

جاءت هذه المعركة لتثبت أو لتؤكّد أنّ المعادلة ما زالت قوية وراسخة، المعادلة التي تم تكريسها سنة 2014 ما زالت موجودة لا بل زادت قوة وازدادت ترسّخاً وتجذّراً في الأرض الفلسطينية، طبعاً من دون أن نغفل العوامل السلبية العديدة المحيطة بهذا الصراع الجاري اليوم على أرض فلسطين.

 

وفا سرايا: سنعود لتفصيل كل هذه العناوين، ولكن بهذه النقطة أستاذ أنور، هل توافق الأستاذ معن على ما ذكره، لأن البعض يقول وقرأنا الكثير من التحليلات من بعض الأطراف التي تقول إن قبول الهدنة لم يكن قراراً حكيماً، كان من المفروض إدارة التوتر بطريقة تجنّب قطاع غزّة الحرب من دون أن تفسح المجال بهذا الاسترخاء للعدو؟

 

أنور رجا: أولاً تحياتي للميادين ونهجها ومشاهديها وتحياتي لك.

 

وفا سرايا: أهلاً وسهلاً بك.

 

أنور رجا: طبعاً المسألة أبعد من ذلك. عملياً غزّة أو فلسطين بشكل عام ولكن بشكل خاص غزّة تخوض معركة مفتوحة. الحرب ليست فقط إطلاق الصواريخ، والاشتباك المباشر بالنار، النار الأقسى والأشد والأقوى هي نار هذا الصمود وهذا الإعجاز وهذا الإبداع الشعبي الفلسطيني على مدار سنوات من الزمن، أن تخوض الناس هذه المعركة ولا تركع، لأنّ برنامج الحرب على غزّة، تطويع وتركيع وتطبيع العقل على أنّ هذا قدر، ومن المستحيل أن تستطيعوا الإفلات من هذا الحصار، والخطوات الممنهجة بهذا الاتجاه هي أن تخرج الجماهير، وشعبنا في غزّة، ضدّ المقاومة، أن تقول كفرنا بالمقاومة، نحن لا نستطيع أن نستمرّ بهذا الاتجاه، وبالتالي يرفعوا الراية، وهذا الأمر تم الإعداد له وتم العمل عليه من أطراف كما تعلمين عربية رسميّة، ومن أطراف اقليميّة، وللأسف من طرف فلسطينيّ. لذلك غزّة تقاوم وأقول إنّ هذه جولة.

 

وفا سرايا: أفشِل هذا المخطط بالكامل؟ هذا اليوم ما حدث وصولاً إلى الهدنة، ولكن هذا الرد، جاهزية المقاومة زادت من إيمان الشعب الفلسطيني على أن الحلّ هو بالتمسّك بهذا السلاح وبهذه المقاومة وبهذا الخيار، من جميع الأطياف أنا أقصد؟

 

أنور رجا: بالتأكيد هي تعزّز في جانب من الجوانب المعنوية، ولكن على أرض الواقع لا نقول إن المخطط أفشِل وأنّ الجولة انتهت. لا، نحن أمامنا بالتأكيد جولات ويجب أن نكون واضحين أن شعبنا بمقدار ما صمد ويضحّي لا بدّ من البحث عن الوسائل التي يمكن أن تكون أكثر حيوية في الحفاظ على هذه الروح. هذا يعني أحياناً ممكن أن تكون هناك هدنة ما، أحياناً يمكن أن تكون هنالك رؤية معينة لإدارة هذا الصراع، ولكن لا يعني إطلاقاً الخروج من مبدأ المقاومة، إنما في التكتيكات، في المناورات، في كما يقال هنا تدوير الزوايا يفترض، نعم، أن نفكّر دائماً بالحلول، أما الاتجاه الواحد، هو رأس حربة دائماً، يجب أن نصدم رأسنا بالجدار، هذا الأسلوب أعتقد أنه صعب، مكلف. هذا الأمر تمّ العمل فيه، لكن على أرض الواقع، ما حصل أنه مثلاً جرت هدنة طويلة، بدأ الحديث عن هدنة مفتوحة، بين هذا وذاك، تظهر بعض الحالات البائسة والتيارات السياسية التي يمكن أن تدخل في التنازل، وظهر هذا الأمر، أيضاً يجب أن نكون واضحين.

 

وفا سرايا: من أطراف فلسطينية داخلية؟

 

أنور رجا: نعم، أطراف فلسطينية حتى داخل غزّة، عندما نقول داخل غزّة.

 

وفا سرايا: هل تقصد تغيير بمواقف حماس أستاذ أنور؟

 

أنور رجا: طبعاً هذا ما أقصده، وهذا أمر أصبح شبه معلن، هناك أصوات داخل حماس دعت إلى نوع من المهادنة السياسية، وأعتقد أبرز عناوين هذا الموضوع كان بالوثيقة السياسية لحركة حماس التي صدرت من غزّة. بالمقابل، كان يحكى عن اتجاه سياسي عسكري يعبّر عن إرادة كتائب عز الدين القسّام الجناح العسكري لحركة حماس.

 

وفا سرايا: الجناح العسكري لحركة حماس. أستاذ معن، هل توافق حول هذه النقطة؟ هذا التبدّل البعض يفهمه بشكل مغاير، بالعكس، هذه مرونة من قبل حركة حماس، حتى أنها تحاول أن تبرز كلاعب دولي، حتى ما يُحكى عن إرسال قوات أممية إلى قطاع غزّة وتبدّل بهذا الموقف من قبل القيادة في حركة حماس عن موقفها السابق عام 2014؟

 

معن بشور: أودّ أن تسمحي لي بداية، كان يجب أن تكون في البداية، اليوم، مثل اليوم، وهذا جزء من مسلسل الصمود، مثل اليوم انطلقت سفن أسطول الحرية، والتي كان بين روّادها المطران الراحل هيلاريون كبوجي صديق الميادين وصديق كل أحرار الأمّة والعالم، وهي مناسبة لكي نوجّه التحية لشهداء تلك المعركة التاريخية، وأيضاً لهذا التصميم المستمر اليوم بانطلاق سفن من داخل غزّة. في السابق كانت سفن تأتي إلى غزّة لكسر الحصار، هذه المرة خرجت من غزّة.

 

وفا سرايا: ومورست نفس الإجراءات من قبل المحتل الإسرائيلي.

 

معن بشور: تماماً، بحق الفلسطينيين أو بحق المتضامنين العرب والدوليين، وأيضاً المناسبة الأخرى التي يجب ألا نمرّ عليها، وهي ذكرى استشهاد الرئيس رشيد كرامي، في مثل هذا اليوم أيضاً عام 87 انفجرت الطوافة التي كانت تنقل رئيس الوزراء رشيد كرامي من طرابلس إلى بيروت.

 

أنور رجا: ذكرى اغتياله.

 

معن بشور: طبعاً ذكرى اغتيال الرئيس رشيد كرامي، وهنا أذكّر بأنّ هذا الاغتيال تمّ بعد أيام قليلة على إقرار مجلس النواب اللبناني بإلغاء اتفاق 17 أيار.

 

وفا سرايا: صحيح.

 

معن بشور: بمعنى أنّ الرئيس رشيد كرامي، وهذا ما قلته له يوم سقوط اتفاق 17 أيار، قلت له ستدفع ثمن هذا السقوط، لأنّ الصهاينة لن يسمحوا بسقوط ثاني اتفاقٍ كانوا يعوّلون عليه.

 

وفا سرايا: هذا يدفعني إلى سؤال، هل لا زال هذا الكيان المحتل يمتلك هذه القدرة على الذهاب بتصفية، لأنه حُكي كثيراً بالأيام الماضية على اتجاه إسرائيل وهناك قيادات بإسرائيل لتصفية قيادات المقاومة؟

 

معن بشور: الاغتيالات، مهما تضاءلت قوّة هذا الكيان هو قادر عبر وسائل استخباراتية وأمنية وعبر.

 

وفا سرايا: هي ليست القدرة، ولكن الخيار وتبعاته، المقصود.

 

معن بشور: لكن هذا الخيار باتت له تبعات، لم يعد سهلاً أن يتم اغتيال قائد فلسطيني كبير من دون أن يترتّب على ذلك تبعات على الكيان الصهيونيّ، وكلنا يذكر كيف انفجرت حرب بعد اغتيال الشهيد الجعبري عام 2012. أقول إن هذه الخيارات أصبحت محدودة، علينا أن ننتبه أنّ عدونا بات مقيَّداً استراتيجياً، وإن كانت قدراته على القصف والتدمير كبيرة، لكن لم يعد قادراً على ترجمة هذه القدرات إلى معادلات سياسية جديدة تلغي المقاومة أو تلقي قدرات الشعب الفلسطيني والأمّة العربية على المقاومة، وهذا أمر يتبدّى بكل وضوح. نتائج الانتخابات في لبنان أثبتت أن المقاومة متجذّرة، صمود غزّة أثبت أن المقاومة متجذّرة.

 

وفا سرايا: ما يجري في سوريا.

 

معن بشور: طبعاً صمود سوريا التاريخي هذا أيضاً أكد أن الأمّة ما زالت قادرة على المواجهة، أيضاً حين نلاحظ في مجلس الأمن وقد أشرتم إلى ذلك، أنّ مندوب الكويت لعب دوراً هاماً.

 

وفا سرايا: ربما هذه النقطة البيضاء للأسف فيما كانت من صفحة سوداء في الأيام والفترات الماضية من مواقف عربية.

 

معن بشور: وخصوصاً في ما يسمّى منظومة التعاون الخليجي، أن تلعب دولة أساسية في هذه المنظومة دوراً في المواجهة مع العدو الصهيوني، بدءاً من اجتماع ستراسبورغ العالمي للنواب وصولاً إلى مجلس الأمن، إذاً هناك في الخليج ضوءٌ يجب أن ننتبه له وأن نعتز به.

 

وفا سرايا: مغاير للخيار السعودي أستاذ معن؟

 

معن بشور: تماماً، خيار التطبيع وخيار الهرولة وخيار التحالف، المشكلة بعض هذه الدول لم تكتفِ بالتطبيع إنما ذهبت إلى التحالف مع هذا العدو، ويبدو أنّ العدو وقد بات يواجه مأزقاً استراتيجياً في مواجهته مع المقاومة في لبنان أو في فلسطين أو في سوريا مستقبلاً، هذا العدو لم يعد قادراً إلا أن يستفيد من بعض المواقف العربية لبعض الحكام العرب لكي يقنع مواطنيه أنه يحقق إنجازات معينة وكذلك على المستوى الدولي.

ترامب بنقل السفارة أراد أن يقول للصهاينة إننا معكم ولا تخافوا ولا تجزعوا ولكن كل هذا.

 

وفا سرايا: تغيّرت هذه المعايير أستاذ أنور، عذراً أستاذ معن، تغيّرت هذه المعايير؟ دولياً نحن نتحدّث، هل أصبحت إسرائيل في هذه العزلة، عدم تمرير الورقة الأميركية وحتى مطالبتها دائماً كحليف لإسرائيل بمجلس الأمن، اليوم وكأنه تغيّرت الموازين الدولية؟

 

أنور رجا: تغيّرت نحو الأسوأ إذا أردنا أن نكون واقعيين، لم تتغيّر، لأن هناك مناخاً.

 

وفا سرايا: لكن عندما يظهر المندوب الفرنسي ويقول الوضع لم يعد يحتمل في غزّة، لا بد من إيجاد حلول، هذا أليس موقفاً مغايراً للأوروبي أيضاً عن الأميركي تجاه القضية الفلسطينية؟

 

أنور رجا: مثل عتب العشيقة على العاشق، أوروبا لم تنتفض لكرامتها صراحةً، أوروبا بدت هزيلة في كل المواقف وفي كل القضايا، لكن عندما مُسّت اقتصادياً، ووصلت درجة الوقاحة لدى ترامب أن يتطاول على سيادة هذه الدول، هذا من باب رفع العتب أو حفظ ماء الوجه، ليس هنالك إجراءات جذرية تعبّر على أنّ أوروبا هذه باتت خارج إطار الهيمنة الأميركية. ترامب يتحدث مع أوروبا تماماً كماً يتحدّث مع دول الخليج، وهو يملي عليها، عليكم أن تدفعوا، عليكم إذا أردتم أن تستمروا بعلاقة مع أميركا في الناتو وغير الناتو أن ترفعوا القبعة لي، وتضربوا التحية والسلام لأميركا. وهذا برز بشكل واضح في عدّة ملفات، ربما كان أبرزها مؤخّراً بالملف النووي الإيراني.

 

وفا سرايا: الملف النووي الإيراني، ولكن سوف أعود لنقطة مهمة في ما تتحدّث عن هذه الأجواء، هل تريد أميركا التهدئة لتمرير وتجميل صفقة القرن؟

سنجيب على هذا السؤال، ولكن سنتوقّف أيضاً مع مقال، ما كنت أشير له لك أستاذ أنور وأستاذ معن حول ما كتبه عبد الستار قاسم في صحيفة الرأي اليوم، مقال تحت عنوان "تهدئة غزّة ليست من الحكمة السياسية". فلنتابع.

 

الرأي اليوم: "تهدئة غزّة ليست من الحكمة السياسية"، عبد الستار قاسم.

نجحت غزّة بصورة كبيرة في إعادة الحياة للقضية الفلسطينية على مختلف الساحات الفلسطينية والعربية والدولية، ذلك لأنها صنعت أزمة حقيقية للكيان الصهيوني من خلال مسيرات العودة. ثمّ أتت الاعتداءات الصهيونية على قطاع غزّة ظناً من الكيان الصهيوني أن الفلسطينيين لن يردّوا، وعندما ردوا لأن الكيان الصهيوني في خطابه العدواني. أجبرته الصواريخ المنطلقة على الهدوء، وكان أن قبلت غزّة الأمر، وفي هذا خطأ كبير ارتكبته القيادات الفلسطينية في غزّة.

أميركا تبحث عن الهدوء من أجل تمرير سياساتها المقبلة نحو تصفية القضية الفلسطينية، والصهاينة معنيّون بالهدوء لأنّ جبهتهم الداخلية ليست صالحةً لتحمّل أعباء الحرب. ولهذا نصيحتي ألا تستمع المقاومة لمصر أو لدولٍ عربيّةٍ أخرى، ويجب ألا تهزّها التهديدات الأميركية والصهيونية. الصمود الذي يصنع الأزمات للأعداء أفضل الوسائل لإيجاد الحلول.

ونعود لنقول إن أوضاع غزّة صعبة وقاسية ومؤلمة، لكن يكفي غزّة أنها الحارس الفلسطيني الوحيد الآن على القضية الفلسطينية. ولأنها كذلك، سيستمرّ الحصار وسيستمر الضغط على القطاع، ودائماً رأس المقاومة مطلوب من قبل جزء كبير من العرب والفلسطينيين والصهاينة وأهل الغرب، والأهمّ من قبل حُكّامٍ ونخب وأصحاب مصالح.

 

وفا سرايا: بدايةً، لديكم تعليق أستاذ أنور وأستاذ معن حول المقال. ما قلتموه تحت الهواء، أنه تحميل أكثر مما يحمله قطاع غزّة.

 

معن بشور: من دون شك الدكتور عبد الفتاح قاسم وجه فلسطيني وطني أصيل وهو موضع احترامنا جميعاً.

 

أنور رجا: صحيح.

 

معن بشور: لكنني هنا دائماً أدعو إلى التمييز بين صمودٍ يرافقه إعداد وتجهيز لمعارك قادمة، وبين تهدئة تؤدّي إلى نوعٍ من التنازلات والتفريط.

أعتقد أنّ من يراقب الأمور في غزّة عبر السنوات الماضية، مرّت أكثر من تهدئة، لكن هل كان الغزّاويون يملأون هذا الوقت بالاسترخاء، أم كانوا يملأون الوقت بالتجهيز والإعداد؟ أنا أعتقد أن التجهيز هو جزءٌ من المعركة وجزءٌ من الحرب، وحين نعلم اليوم أن غزّة كلها تستعد من أجل أن يكون يوم القدس العالمي في الجمعة القادم يوماً استثنائياً في مواجهة كما كان يوم النكبة.

 

وفا سرايا: يوم ذكرى النكبة.

 

معن بشور: وكما كان يوم الأرض، أعتقد أن المجابهة لن تتوقف، ربما الجانب العسكري منها توقف ، وأظن أن في حروب التحرير الشعبية كثيراً ما تلجأ الشعوب إلى أسلوب العمليات الخاطفة. هنا ليست عمليات ولكن حروب خاطفة من أجل إبقاء القضية حيّة وبنفس الوقت عدم إعطاء العدو المتفوق عسكرياً.

 

وفا سرايا: هل هذا يفسح المجال لتحسين الأوضاع الإنسانية؟ لأنه اليوم هنالك حديث للسيّد موسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي لحركة حماس، يقول تحديداً "إن الحركة تلقت عدداً من العروض الشفهية من أطراف مختلفة"، وذكر أن الاتحاد الأوروبي منه وأيضاً مصر اشترطت ضرورة تهيئة أجواء للمساعدة في قطاع غزّة على الخروج من الأزمة الراهنة والوضع الإنساني؟

 

أنور رجا: هنا المشكلة، أنا عندما تحدثت.

 

وفا سرايا: من دون مقابل سياسي؟

 

أنور رجا: هنا المشكلة أن المطلوب تظهير الأمر داخل غزّة على أنه قضية إنسانية وقضية جائعين ومشكلة الكهرباء والمياه والدواء، لا، هذه فاتورة تدفعها غزّة وعقاب جماعي من أطراف متعدّدة لمواقفها السياسية، لتبنّي الشعب هذا الخيار. الشعب اليوم يشكّل حاضنة للمقاومة، المطلوب أن هذه الحاضنة تتقلص، تتلاشى، ثمّ بالعكس، في مرحلة لاحقة، تنقلب على المقاومة وتخرج من هويتها، وتكون مستعدة للمساومة على كرامتها، انطلاقاً من هذا الضغط المتواصل، أنين الجرحى والجوعى، والأطفال، وهذا الألم الكبير. لذلك عندما يتحدثون عن عروض لتحسين شروط الحياة، لتحسين شروط السجين، لأنّ غزّة في سجن، وتعلمين المسجونين.

 

وفا سرايا: الوضع كارثي داخل القطاع.

 

أنور رجا: دائماً المسجونون يقومون بإضرابات من أجل تحسين شروط هذا المسجون، ولكن هذا السجن الجماعي هو برسم هذه الأمّة وبرسم هذه الأنظمة. مصر مثلاً مسؤولة بالدرجة الأولى عن هذا الموضوع. نحن نريد أن نوسّع دوائر الإيجابية.

 

وفا سرايا: كان هناك إشادة كبيرة جداً بالدور المصري لما جرى، بعد هرولة إسرائيل تجاه مصر وإحداث هذه التهدئة، خصوصاً أنها لا تريد الانجرار أو الانزلاق نحو أية حرب بالنسبة لمصر تجاه قطاع غزّة. حتى إشارة كانت من قبل الفصائل الفلسطينية لهذا الدور.

 

أنور رجا: إشارة إيجابية؟ محكومين بصراحة أهلنا في غزّة والقيادات السياسية في غزّة بضغط الجغرافية السياسية، هذه الرئة والممر والمعبر الوحيد والمعبر الآخر باتجاه الكيان الصهيوني، لذلك أنا أتفهّم هذه اللغة الناعمة، ولكن نحن نستطيع أن نتحدّث بشكل أوضح أن هذه ضريبة الحصار المزدوج، لكن واقع الأمر أن هذا دور مصر، هذه مسؤولية مصر التوسّط لإقامة تهدئة مبنية على جرح كما يقال هنا على زغل لم يشفَ بعد؟

فالموضوع المصري، دور مصر العظيم، دور مصر بقدراتها وإمكانياتها إن شاءت، إن شاءت أن تكون أكبر من ذلك. ظهيرنا مصر وكانت مصر أيام الزعيم والقائد العربي الكبير جمال عبد الناصر مأوى الأمّة كلها، وكانت ظهير القضية الفلسطينية كافة، وكانت هي الحاضنة الاستراتيجية.

 

وفا سرايا: ولكن هل هي اليوم قادرة؟

 

أنور رجا: لا، يجب أن نصارح المصريين ونقول إنّ هذا الدور لا يليق بمصر، ولا يعني ذلك أننا نريد أن نقطع شعرة معاوية أو نغلق الأبواب مع مصر، لكن المهادنة وهذه الدبلوماسية الناعمة في الخطاب السياسي لا، من شأنها أن تقوّي هذا المستهتر بقضية وببعد سياسي وإنساني.

 

وفا سرايا: هل هذه السياسة بتعليق بسيط أستاذ معن قبل الذهاب إلى فاصل إعلاني، هل هنالك بالفعل هذه الاستراتيجية المصرية أو السياسة الناعمة، ليست فقط مع الشأن الفلسطيني أو الملف الفلسطيني، حتى كان هنالك باتجاه الملف السوري، هل يُعتبَر بسبب ارتباطها بأجندات دولية وحتى اقليمية وعربية مثلاً كالدول الخليجية؟

 

معن بشور: علينا دائماً في تقييمنا للسياسة المصرية أن نتذكّر أن مصر منذ اتفاقية كامب دايفيد قد دخلت في سلسلة من التنازلات الكبيرة التي انعكست على وضعها الاقتصادي والسياسي وعلى علاقاتها ومواقفها، وبالتالي أنا من الذين يعتقدون أنّ أمر عودة مصر لأخذ دورها يحتاج إلى بعض الوقت، ويحتاج بشكلٍ خاص إلى نضالٍ داخل الساحة المصرية. أنا من الذين يعتقدون أنّ أسوأ ما يمكن أن نقع به من أخطاء من خارج مصر هو حين نحاول أن نؤستذ أو أن نحرّض أو أن ندعو مصر إلى أمورٍ معيّنة يستغلّها القيّمون على الأوضاع في مصر من أجل تحريك النزعة المصرية.

 

وفا سرايا: يمكن إسقاط هذا على الأردن كذلك، لأن المصير تقريباً والاتجاه مشابه وتوقيع اتفاقية السلام من قبل الأردن؟

 

معن بشور: الأردن موضوع آخر، مصر تم اصطيادها من قبل كيسنجر منذ عام 73، علينا أن نعترف بذلك، وعلينا أن نخرجها من هذا الشباك. لذلك تجدين في تقييم السياسة المصرية أموراً يجب، مثلاً عدم انجراف مصر في سياسة الخليج رغم حاجتها لأموال بعض دول الخليج في الموقف السلبي من سوريا. مصر، نستطيع أن نقول، موقفها من الأزمة السورية لم يكن مجارياً للموقف الأميركي.

 

وفا سرايا: ولكن أخفّ مما كان، تطرّفاً مما كان على أيام الرئيس مرسي؟

 

معن بشور: مما ينتظر منها، أخف مما ينتظر منها وخصوصاً لترابط الأمن القومي المصري مع الأمن القومي في سوريا إلى حد كبير سواء في مواجهة العدو الصهيوني أو حتى في مواجهة مجموعات الإرهاب ومجموعات مسلحة. هناك عدو مشترك حقيقي بين مصر وسوريا، ويجب أن تكون السياسة المصرية في تقديري أنا بمستوى مواجهة هذا العدو. لكن علينا أن نلاحظ أنّ بين خطاب الرئيس السابق محمّد مرسي في ملعب الإسكندرية، وبين السياسة المصرية الحالية، هناك تطوّر يجب أن يعزَّز بكلّ الاتجاهات، طبعاً صمود سوريا يلعب دوراً كبيراً في تغيير المعادلة.

 

وفا سرايا: هذا يدفعنا أستاذ معن وأستاذ أنور لنقاش هذا المشهد الضبابي، هو بطبيعة الحال مرتبط ببعضه البعض، الملف النووي الإيراني، ما يجري في سوريا، حتى استنجاد إسرائيل باللاعب الروسي في ما يتعلق بجنوب سوريا، يؤثّر على القضية الفلسطينية الأخطر في هذه المرحلة.

 

معن بشور: مصر مدعوّة من وجهة نظري، من أجل فتح علاقات مع إيران، مع الجمهورية الإسلامية، لأنه إذا تم تعاون مصري إيراني اليوم.

 

وفا سرايا: هل تسمح لها السعودية؟

 

معن بشور: هنا التحدّي.

 

أنور رجا: هنا المشكلة.

 

معن بشور: هنا التحدّي، هنا الإرادة، لأن في ذلك مصلحة مصر الاقتصادية والسياسية.

 

أنور رجا: إن الله يهدي من يشاء.

 

وفا سرايا: لأنه أخذ في ما يتعلق بالمنطقة، خلق هذا العدو الجديد بالنسبة للشعب العربي للأسف، محاولة شيطنة إيران وخلق هذا العدو بمواجهة العدو الأساسي والعدو الرئيسي للعرب وهو المحتل الإسرائيلي.

 

أنور رجا: قبل الفاصل، هنا الخلل وكما يقال الخلل بنيوي، خلل في التفكير، وهو ناتج ليس من عدم فهم، لا، صار ناتجاً من مسألة اصطفاف هنا أو هناك. لا، يفهمون أن الأمن القومي العربي لا يتجزأ. غزّة أو فلسطين جزء من هذا الأمن القومي، أن تُترَك، كذذلك الأمر سوريا جزء جوهري من هذا الأمر، اليمن، العراق، موريتانيا، أينما ذهبت. هناك مشكلة في مفهوم الأمن القومي أو بالأحرى، للدقة، في خروج من هذا المفهوم لمصالح ضيقة ظناً من أولئك أن هذا يحقق البقاء والسيادة والاستمرارية لهذا النظام أو ذاك.

 

معن بشور: أمن النظام وليس أمن البلد.

 

أنور رجا: بالضبط، أمن النظام.

 

وفا سرايا: سنكمل أيضاً في سؤال رئيسي طرحته عليك أستاذ أنور في ما يتعلق بالتهدئة الأميركية للأجواء في المنطقة لتمرير وتجميل صورة صفقة القرن. سنتابع ونناقش كل هذه المحاور، ولكن مشاهدينا الكرام اسمحوا لنا أن نتوقف مع فاصل قصير، ونتابع حوار الساعة.

 

 

المحور الثاني

 

وفا سرايا: أهلاً بكم من جديد إلى حوار الساعة، والتي نستأنف هذه الحلقة مع موقع المونيتور الأميركي، وهذا المقال تحديداً، "جهود دبلوماسية لإرسال قوات حماية دولية إلى قطاع غزّة". فلنتابع.

 

المونيتور: جهود دبلوماسية لإرسال قوات حماية دولية إلى قطاع غزّة.

أبلغ مسؤول فلسطيني مقرّب من الرئيس عباس المونيتور إن الجهود الفلسطينية منصبّة في هذه الآونة على تحشيد الدعم والتأييد لفكرة إرسال قوات حماية دولية إلى الأراضي الفلسطينية عموماً وقطاع غزّة خصوصاً، ولا سيما من خلال أعضاء مجلس الأمن الدولي، فضلاً عن القيام باتصالات مع بعض دوائر صنع القرار في العالم، مثل موسكو وبكين وباريس لمحاولة التأثير على باقي الدول للموافقة على الفكرة والبحث معها في التفاصيل اللازمة بشأن هذه القوات، جنسياتها، تمويلها، صلاحياتها، والعلاقة معها، على الرغم من علمنا بحجم المعارضة الإسرائيلية لهذا المطلب.

في المقابل، أكد نائب رئيس كتلة حماس البرلمانية في المجلس التشريعي الفلسطيني يحيى موسى للمونيتور إن حماس لديها موقف متفق عليه في أطرها الداخلية حول موضوع القوات الدولية، لا نفضّل إعلانه الآن قبل صدور قرار دولي يسمح بإرسالها، كما أن حماس إذا صدر القرار ستقوم بإجراء المشاورات اللازمة مع باقي الفصائل لتحديد آليةٍ متفقٍ عليها للتعامل مع هذه القوات الدولية، مع إننا نرى صعوبة في تمرير الطلب الفلسطيني بإرسال القوات الدولية إلى قطاع غزّة، لأنّ الأمم المتحدة ومجلس الأمن تسيطر عليهما الولايات المتحدة الأميركية التي ستقف ضدّ خطوةٍ من هذا النوع.

 

وفا سرايا: أستاذ معن، كيف تقرأ هذه الجهود الدبلوماسية لإرسال قوات حماية دولية؟ ربما موقف القيادة الفلسطينية كان معروفاً مسبقاً، واليوم أكدت عليه، ولكن المفارقة والتمايز بالموقف لحركة حماس.

 

معن بشور: من دون شكّ، الضغوط التي تتعرّض لها حركة حماس وخصوصاً لكونها مسؤولة عن غزّة، يجعلها أكثر استعداداً للبحث في مثل هذه الترتيبات، وخصوصاً أنّ مزاجاً فلسطينياً لا يجد ضيراً في وجود قوات تخفف من آلام وعذابات الشعب الفلسطيني، وإن كنّا نحن من الذين يعتقدون أن مثل هذه القوات ستشكّل حاجزاً بشرياً بين شعب فلسطين وبين النضال ضدّ المحتلّ، لكن هنا علينا أن ننتبه، كما يقولون من يأكل العصي ليس كمن يحصيها، علينا أن ندرك أن هناك بالفعل محنة حقيقية، هذا الشعب الفلسطيني شعب أسطوري في صموده وفي مقاومته، ولكن أيضاً علينا نحن أن نتفهّم أحياناً كثيرة إذا أطلق صرخات وجع هنا وهناك، خصوصاً في ظلّ هذا التخاذل الرسمي العربي. من دون شكّ، هذا الاقتراح إذا قبلت به الولايات المتحدة الأميركية، ومن دون شك كانت ترفضه إسرائيل على الدوام، لأنه يشلّ قدرتها على الحركة في مواجهة الشعب الفلسطيني سواء في غزّة أو في الضفة أو في كلّ مكان، لكن حين تضطر الولايات المتحدة إلى القبول بهذا الأمر، معنى ذلك أن هناك حقائق جديدة على الأرض، وأنها تخشى من استمرار الصراع، لأنّ استمرار الصراع سيجعل من كلّ القيادات الفلسطينية أن تحسم، وخصوصاً المتردّدة منها، أن تحسم خياراتها في أمورٍ كثيرة، خصوصاً في مجابهة العدو أو في التأكيد على أولوية الصراع مع العدو الصهيوني، ورفض أية أولوياتٍ أخرى يحاولون افتعالها.

 

وفا سرايا: إسمح لي أستاذ معن، أستاذ أنور، أنقل ما قاله بالتحديد الممثل الإسرائيلي داني دانون بالأمم المتحدة، يقول إن مجلس الأمن حذّر من خطورة التصويت على هكذا قرار بنشر قوات للحماية الدولية بقطاع غزّة، لأنه يعزّز نظام حماس الذي يهدّد أمن الإسرائيليين.

بالمقابل، نسمع أن هنالك أيضاً موقفاً لحركة حماس، تقول يمكن أن يعود ذلك إلى تعزيز الوجود الدولي بمقابل هذه السيطرة الإسرائيلية.

 

أنور رجا: بصراحة، بين توصيف الواقع وبين مسألة الحديث عن المبادئ وقيم الثورة وأهداف الثورة، باتت هناك مسافة بعيدة. نحن اليوم أمام واقع قاسٍ، عندما نريد الحديث عن تجربة القوات الدولية بين مثلاً جنوب لبنان وبين فلسطين، هناك فارق كبير، هذا لم يؤثّر مثلاً على قدرات حزب الله من حيث مسألة التطوّر والتطوير الدائم والإعداد للمعركة. ما الذي يمكن أن يؤثر على وضع.

 

وفا سرايا: ممكن أن ننقل بمشهد مماثل مع وجود قوات دولية؟

 

أنور رجا: لا، صعب، صعب لأنه أولاً هنا توجد جغرافية سياسية داعمة، هناك عمق إسمه سوريا، هناك جغرافية سياسية تضع المصدات والحواجز وتحفر الأنفاق وتقيم جداراً فولاذياً، أقصد مصر طبعاً، فهذا الوضع يختلف تماماً، ثمّ بيئة المقاومة هنا تختلف، صعب أن نقيم مقارنة.

 

وفا سرايا: متجانسة أكثر، ولكن قُرئ البيان المشترك بين حركتي حماس والجهاد على هذا التناغم والتجانس، البيان العسكري، صحيح؟

 

أنور رجا: البيان العسكري، لكن بموضوع القوات الدولية، إذا أردنا أن نكون دقيقين تماماً، نقول هذا نتيجة الوضع الصعب الذي يمرّ به الشعب الفلسطيني، ولا ظهير، لا عمق، الشعب الفلسطيني يتعرّض لحصار بكل أنواعه والغاية بالنهاية سلخه عن قضيته. تجد المقاومة نفسها بهذا الأمر تتعاطى مع الموضوع بموقف ملتبس، لاحظي، لا يوجد موقف صريح.

إذا أردت الحديث بوضوح، الإقرار بهذا الأمر إقرار بالأمر الواقع. ما هي المشكلة التي قد تؤثّر سلباً على الكيان الصهيوني؟ غزّة بالنسبة لهم أمنية أن تغرق بالبحر، من الذي قاله رابين إلى الواقع، غزّة يتم إغراقها ومحاولة كتم أنفاسها وإخراجها من الإرادة والمقاومة، فهذا لا يضير الكيان الصهيوني، لأنّ وضع قوات دولية ستكون متناغمة على أرض الواقع مع الهدف الصهيوني، وعزل غزّة أكثر وأكثر، هذه المطالبة طالبت بها السلطة مبكراً، أن تكون هناك قوات دولية في الضفة الغربية، رسم الحدود النهائية للجغرافية الفلسطينية، لكن الكيان الصهيوني كان يرفض، لأنه بالنسبة له بالضفة الغربية الحدود لم تنتهِ بعد، الجدار الفاصل جاء لاحقاً، ثمّ زيادة عدد المستوطنات.

 

وفا سرايا: وزيادة، حتى ما يحكى بصفقة القرن عن زيادة 15 بالمئة من أراضي الضفة إلى دولة الاحتلال.

 

أنور رجا: اسمحي لي أن أقول لك بغزّة أن وجود قوات دولية، يعني مزيداً من تطويق غزّة، بغضّ النظر أنه قد يلاقي هوى عند البعض، نتيجة قسوة الواقع، أما بالبُعد النضالي، لا، هو جدار أكثر من جدار فولاذي.

 

وفا سرايا: هذا يدفعني للحديث عن صفقة القرن، هل تحوّلت هذه الصفقة إلى صفعة من خلال المشهد بغزّة، إن كان جاهزية المقاومة أو مسيرات العودة المستمرة أستاذ معن، وأطراف صفقة القرن والأنظمة العربية تجاوزتهم الرسالة التي قيلت بأن القادم، لا يمكن العبث بفلسطين وبقطاع غزّة؟

 

معن بشور: صفقة القرن هي صفعة منذ اللحظة الأولى التي تحدّثوا عنها، صفعة بشكل خاص للذين راهنوا على إمكانية أن تلعب واشنطن دوراً لصالح الحق الفلسطيني أو العمل العربيّ. لذلك، حين جاء ترامب، جاء ترامب بكل إجراءاته صفعة لكل هؤلاء. لكنني أعتقد أمام التطورات التي شهدناها في فلسطين، بدءاً من مسيرة العودة، وصولاً إلى المعركة الأخيرة في غزّة، أعتقد أن هذه الصفقة تترنّح اليوم. لا يعني ذلك أنها سقطت، ولا يعني ذلك أنه لو سقطت هذه الصيغة منها.

 

وفا سرايا: صحيح، هناك ما يقال تجميل لصفقة القرن بشروط أخرى، حتى أن الرئيس محمود عباس من بعد هذه التسريبات قد شعر بحال الصدمة كان لديه نتيجة ما يكتب والتسريبات حول هذه الصفقة.

 

معن بشور: أنا أريد أن أقول إن هذه الصفقة حتى لو سقطت، هذا لن يمنع من تكرار صفقات ممثالة بصيغ أخرى، بلغة أخرى، جوهرها تصفية القضية الفلسطينية وتأمين الهيمنة الصهيونية على هذه المنطقة، ومجابهة أو تصفية كل القوى المعترضة على الهيمنة الصهيونية، سواء كانت فلسطينية أو عربية أو اقليمية أو حتى دولية. لذلك، أنا أعتقد أن معركتنا مع صفقة القرن عمرها قرن. الذي يعتقد أن صفقة القرن جاءت مع ترامب هو مخطئ، كلّ المشاريع التي مرت على القضية الفلسطينية منذ بداية الحديث عن هذه القضية في أوائل القرن الماضي حتى هذه السنة.

 

وفا سرايا: من وعد بلفور إلى وصول وعد ترامب.

 

معن بشور: كلها صفقات قرن بشكل أو بآخر، وكثيراً ما كانت تندرج في إطار المتحمّسين لها والمتنفّذين لها، أنظمة عربية وقيادات عربية مع الأسف الشديد تعتبر أنّ حماية عروشها أهم من حماية أوطانها، وبالتالي هي ترتبط بهذا المشروع المعادي للأمّة من أجل أن تبقى حيث هي لكنها لا تدرك.

 

وفا سرايا: ألا يتطلب ذلك إعادة حسابات لهذه الدول العربية؟ وهل يمكن التعويل، ما حكي بمجلس التعاون الخليجي، التعويل على الموقف الكويتي، مثلاً ما جرى بمجلس الأمن، أو أن تقف بوجه من يؤيد صفقة القرن وهو بشكل علني وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان؟

 

أنور رجا: هذا بصيص ضوء، نافذة ضوء، طاقة صغيرة جداً في هذا المشهد العام المليء بالثقوب السوداء، وطبعاً نحيّي هكذا مسائل، ونعمل على تشجيعها، ولا ندير الظهر لأيّ صوت، ولكن بالمقابل، بصراحة، الآن الحديث المتتالي عن صفقة القرن، نعم، مثلما قال الأستاذ معن، كلّ عقد من الزمن يمر شيء على حساب هذه القضية، وجرى بالنهر كما يقال الكثير من الأوساخ والكثير من الصفقات. اليوم هناك ركام، هناك جبل من الملفات التي حققت ذاتها على حساب القضية الفلسطينية، لكن السؤال الجوهري، نحن اليوم مرعوبون ونرتجف ونخشى من الخطوة اللاحقة لترامب، ما الذي يمكن أن يكون أعظم من هذا الأمر، على طريقة اللّهم جيرنا من الأعظم، أعظم من هذا؟ لا، وصلنا للأعظم، ونتحمل بهذا الأمر مسؤولية خطيرة، عندما دائماً ننطلق ونلهث لردات الفعل خلف الخطوة التي يقوم بها العدو، وننسى ما قبل، ننسى حيفا ويافا، نعود للجذر، ننسى من أراضي الـ 48، ثم يصبح شعبنا في فلسطين داخل أراضي الـ 48 المحتلة، عرب إسرائيل وأن عرب فلسطين أو إلى آخره، تسميات مختلفة، ثم تُجزَّأ الضفة الغربية، ثم تُسلَخ غزّة، ثم ندخل بمشاريع وتحالفات مع هذا المحيط الإقليمي. نحن، أقصد بشكل أساسي الرسميات، ثم صمت بعض القوى أو الفصائل الفلسطينية، نحن نؤخذ بالنقاط، وكلما تجاوزنا نقطة نصبح عند النقطة التالية، أو الجولة 12 بالملاكمة، صامدين أو سننتهي، فالمشكلة هنا، كنا نتحدث عن كامب دايفيد، ثم عن وادي عربة، فأوسلو، والآن ما بعد أوسلو، وهكذا، هذا الانتقال من مربع مغلق إلى مربع مغلق آخر، وننسى ما قبل، تصبح مشكلتنا، مشكلة السفارة، تصبح مشكلتنا القدس الشرقية أو الغربية، وتصبح مشكلتنا القطيعة ما بين غزّة والضفة الغربية، أو التمدّد والمشروع نحو الذهاب إلى سيناء، الدولة الفلسطينية القادمة أو الكيان، حرام نتحدّث عن دولة، الكيان الفلسطيني القادم في غزّة وجزء من سيناء. المشكلة أين؟

 

وفا سرايا: اليوم يطرح حتى حق العودة، وهذا يدفعني إلى السؤال أيضاً للاستفادة من وجودك أستاذ أنور عما يجري بمخيم اليرموك، ما سُمّي بعاصمة الشتات الفلسطيني، أكثر من 60 بالمئة، لا يمكن فصل ما يجري في سوريا.

 

أنور رجا: هذه صفقة القرن.

 

وفا سرايا: هذا المخطط من ضمن هذه صفقة القرن. اليوم هل هنالك تخوّف بالفعل من عودة أبناء اليرموك إلى هذا المخيم في ظلّ أيضاً ما يُحكى عن ممكن مؤتمرات دولية لمنح وإعادة المخيم؟

 

أنور رجا: أولاً للأسف، هذا في سياق مسلسل صفقة القرن، نحن لدينا مسلسل مفتوح على مسألة الانهيارات والتنازلات رغم الإشراقات الهامة التي تجعلنا نستمرّ بالحياة والمقاومة، لأنّ هذا بحث آخر، ولكن في هذا الواقع مسلسل مستمرّ، أحد أسمائه وأشكاله أو حلقاته الرمضانية، مسلسل صفقة القرن. من هذا الأمر موضوع حق العودة، أسقط اوسلو حق العودة، وصار البحث عن عودة إلى أراضي الضفة الغربية وبالعشرات، كان يُبحَث هذا في كواليس المفاوضات. قبل أن نتحدث عن ترامب، قبل الحديث عن النظام الرسمي العربي، يجب أن نكون في قمة الشجاعة والوضوح بالحديث عن الوضع الداخلي الفلسطيني، ليس من باب جلد الذات، لا، من باب تصويب المسألة، لأن شعبنا بصراحة وصل لدرجة من الإحباط والانفكاك عن هذا الواقع الفصائلي.

 

وفا سرايا: سآخذ تعليقاً فقط من أجل الداخل الفلسطيني وأعود إليك وإلى نقطة أساسية، اليرموك، هل الداخل الفلسطيني اليوم بحاجة بالفعل ماسة في ظلّ هذا الوضع الخطير للقضية الفلسطينية إلى هذه الوحدة؟ وهل هنالك إمكانية في ظلّ ما يجري؟

 

معن بشور: لا مستقبل للمشروع الوطني الفلسطيني في غياب وحدة القوى الفلسطينية، وأعتقد، ولنتحدّث عن صفقة القرن، أحد مظاهر صفقة القرن هو تعزيز الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، لأنه من خلال هذا الانقسام وتعزيزه يمكن تمرير أشياء كثيرة.

 

وفا سرايا: تمرير هذه الصفقة من خلال الانقسام.

 

معن بشور: لذلك أنا من الذين دعوا وما زالوا يدعون وسعوا وما زالوا يسعون، نحن في المؤتمر القومي العربي وفي غيره من الهيئات التي نعمل فيها، نسعى من أجل إنهاء حال الانقسام التي يدفع الشعب الفلسطيني ثمناً كبيراً لها، والتي يدفع المشروع الوطني الفلسطيني ثمناً كبيراً لوجودها.

لذلك أنا أعتقد ألا بديل عن الوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة المقاومة وعلى قاعدة مواجهة هذا العدو الذي لا يفهم إلا بلغةٍ واحدة هي لغة المقاومة.

 

وفا سرايا: سأعود إلى مخيم اليرموك أستاذ أنور. لماذا رُسِمت هذه الصورة بعد تحرير اليرموك؟ ومن يتحدثون، كانوا يطالبون بتحرير هذا المخيم، تهجير أبنائه من قبل مجموعات مسلحة، على رأسها داعش، قام بتدمير ممنهج لهذا المخيم؟

 

أنور رجا: المشكلة أنني أعلم أن الوقت لم يعد يتسع لهذا الموضوع.

 

وفا سرايا: صحيح، باختصار، لماذا هذه الصورة؟

 

أنور رجا: موضوع حساس ومهم ويقال فيه أشياء كثيرة، هذا البرنامج يسير على الأرض، ولم تعد هناك أسرار في ما يتعلق بصفقة القرن مثلاً. من ضمن هذه الوقائع وضع الفلسطينيين في مخيمات لبنان، الوضع المذل والبائس الذي يجعل من الفلسطيني أنه وباء يجب حصره في مخيمات لبنان، هذه مخيمات العزل العنصري، وضع الفلسطينيين بشكل عام، اللاجئون الفلسطينيون وكيف تم التعامل معهم، وكيف تم استهداف هذه المخيمات، المخيمات التي كانت في حالة مرتاحة، وكانت تتنفس هواء المقاومة وفكر وثقافة المقاومة في سوريا، فتمّ هذا الاستهداف من اليوم الأول، ودُمّر مخيم درعا، ثم مخيم حندارات وكل المخيمات التي كان من الممكن إسقاطها، تبقى رمزية مخيم اليرموك.

باختصار، نجح الإرهاب والبرنامج في ضرب صميم وروح بيئة المقاومة وقواعدها الاستراتيجية الرمزية والتاريخية. مخيّم اليرموك كان يمثل هذا البُعد الثقافي والاجتماعي، الذاكرة الخصيبة المفتوحة على روح المقاومة. هذا الأمر الآن دُمّر، أكثر من 200000 فلسطيني على أيدي هذه العصابات هُجّرت إلى الخارج، لأنها شعرت أنّ الوضع تحتها يختلّ، فقدت الكثير من عوامل الاستقرار التي كانت تتحقق في المخيم. أنا لا أودّ الحديث كثيراً عن واقع المخيم، الناس جميعها تعرفه سابقاً، ولكن الآن المخيم خرج من دائرة الفعل والحياة. المخيم مدمَّر. الرد الطبيعي والعلمي والمنطقي المقاوم الذي يتحدث عن الأمن الحيوي لأيّ قُطر عربيّ، أن تكون القضية الفلسطينية هي العمق، أن يبقى يُقال إنّ قاعدة محور المقاومة الجانب الفلسطيني المقاوم، والشعب الفلسطيني. اليوم غُيّب من الإعلام، عندما يقال محور المقاومة يقول لك سوريا، حزب الله، إيران، أين فلسطين؟ أين فلسطين في هذا المحور؟ لماذا يتمّ تغييب فلسطين من هذا المصطلح على أرض الواقع وهذا الشعب موجود، لا بأس، هو شعب يقاوم.

 

وفا سرايا: أليسوا هم من غيّبوا أنفسهم؟

 

أنور رجا: إذا كان العنوان المعتمد رسمياً كان حماس، فالمشكلة إذاً في فهم جوهر المقاومة. إذا كان العنوان المعتمد محمود عباس، هناك مشكلة في التعاطي مع قوى المقاومة الحية التي جورها شعبنا في الداخل، وهناك فصائل أخرى، فصائل ربما اليوم من حيث الكم صغيرة، لكن من حيث الفعل لم تمكَّن، لم تمكَّن عربياً وإقليمياً، وكان مطلوباً لها بعمقها اليساري والقومي أن تكون ضمن هذا الحجم وهذه مشكلة. فالرد على هذا الأمر يستوجب إعمار المخيم، لا يتحول المخيم إلى ضاحية.

 

وفا سرايا: سؤال أخير، لماذا الإعمار كان وكأنه مفصول عن الدولة السورية، وكأنه إعمار من قبل مطالبات دولية، البعض يتحدث؟

 

أنور رجا: أولاً الإعمار بالمناسبة في المخيم بالذات مسؤولية الدولة السورية والقوى الفلسطينية، أولاً لأننا نحن والدولة يدنا بالنار، وهذه الدولة دفعت ضريبة موقفها إلى جانب القضية الفلسطينية.

الآن حتى لا يرتدّ هذا الأمر ويتمّ استثماره وتوظيفه بالاتجاه المعاكس، هناك 180000 فلسطيني هُجّروا من هذا المخيم، نحن يهمنا الإنسان. المخيم دُمّر، يحتاج لإعادة إعمار جذرية. لذلك يجب أن نتوجه لاستعادة هذه البيئة الفلسطينية حتى لا يصبح اللعب على العواطف وبنفس الوقت.

 

وفا سرايا: هي محاور نقاش بحاجة، ليس إلى حلقة معك أستاذ أنور وأستاذ معن، بل إلى حلقات.

 

أنور رجا: فقط جملة واحدة لا بد منها، لأن هناك من الآن بدأ يعبث بالرأي العام الفلسطيني، ليس فقط في سوريا، حيثما وُجِد، أن يقال إنّ هذا التدمير كان ممنهجاً، ويتم القفز عن الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الأمر ودور هذه القوى الإقليمية والداعشية والخليجية.

 

وفا سرايا: شكراً جزيلاً لك أستاذ أنور رجا مسؤول الإعلام المركزي بالجبهة الشعبية القيادة العامة. وأيضاً الشكر موصول لك أستاذ معن بشور الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي. والشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكارم على طيب المتابعة. في أمان الله.