الشاعر اللبناني نزار فرنسيس

 

وفا سرايا: ما زالت الكلمات كفعل الرصاصات تقاوم، ربما نيأس في محطات الحياة لكن الكلمة لا تيأس، لأنّ الأمل كلمةٌ ولأنّ المقاومة كلمة أيضاً، فقد تكون أكثر فعلاً وأكثر حضوراً وقوّة، فالتاريخ يشهد على إبداع الشعراء في تحرير الكلمات المسجونة في صدور الشعوب ووجدانها، في التعبير عن روح المجتمعات ونبض الحياة.

شعراء وكتاب كثر من القدس إلى بيروت ودمشق وبغداد وأرض الكنانة، قالوا وتركوا أعمق الكلمات وأرقّها وأصعبها، كتبوا فلسطين والقضية بحبر أرواحهم لتبقى راسخةً في الضمير الجمعيّ وفي ذاكرة الوطن.

ولأن الكلمة بالنسبة إلى ضيفنا هي السلاح لمواجهة المحتلّ ومقاومته، ولأنه يؤمن بمكانة الفنّ الملتزم ودوره في نضالات الشعوب الحرّة، ولأنّ فلسطين لا تغيب، ولأنّ عهد تعني الكثير لأهل الوفاء، نستضيف في حلقة اليوم من حوار الساعة من كتب الشعر الوطني المقاوم، الشاعر اللبناني نزار فرنسيس.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفا سرايا: صباح الخير أستاذ نزار. صباح الخير مشاهدينا الكرام وفطر سعيد أيضاً على كل الوطن العربي.

 

نزار فرنسيس: فطر سعيد، أعاده على الجميع بالخير والبركة والأمن والأمان، هذا أهم أمر بات.

 

وفا سرايا: إن شاء الله يا رب.

أستاذ نزار، نحن اليوم بلقاء معك على شاشة الميادين، خصوصاً بإحياء يوم القدس العالمي، صدرت أغنية للفنان وليد توفيق، وأيضاً من كلماتك هذه الأغنية، عهد الوفا، بداية هذه الفكرة لماذا تحوّلت إلى أغنية، وأيضاً ما الأسباب والدوافع الأساسية؟

 

نزار فرنسيس: لأن عهد أصبحت أيقونة لكل الأحرار، هي رمز أكثر مما هي مجرّد إنسانة فلسطينية مقاوِمة مناضلة اتخذت قراراً أن تواجه ولم تتكل على أحد، لكنّها أصبحت رمزاً، أكثر من ذلك، أصبحت رمزاً لكل الأحرار في العالم، ويجب أن تكون عهد، فكر عهد وقرار عهد يجب أن يكون داخل كل إنسان لديه كرامة في هذا العالم كله وليس فقط في العالم العربي، لأن امتداد الكرامة ليس لها حدود وليس لها لغة ولا وطن. الكرامة هي فعل إنساني يملكه الإنسان ويمارسه، هذا حقه بكرامته ويدافع عنه، فمن يتنازل عن هذا الحق تكون إنسانيته ناقصة.

 

وفا سرايا: هل لا زالت القضية الفلسطينية جامعة للفن العربي وللشعراء العرب؟ ربما عرفنا فلسطين بشعر محمود درويش، نزار قباني، سميح القاسم، كثر بقوا راسخين أكثر ممّن هم وقّعوا معاهدات أو سياسيين.

هل لا زالت هذه القضية حاضرة بالفن العربي أستاذ نزار؟

 

نزار فرنسيس: بالحقيقة، مع الأسف، فلسطين هي عنوان عريض وأساسي وتاريخي، هذا الصراع الذي يجب أن يكون في مقدمة أولويات كل الشعوب العربية، مع الأسف هناك بعض الناس ولا أريد القول دول، بل أريد القول إن هناك مجموعات تتنازل عن هذه القضية، وهذا نوع من التخاذل، لأنني لا أعرف لماذا وصلنا إلى مكان، وقلتها سابقاً، هناك البعض مع الأسف أصبح يعتقد أنّ ما يجري في فلسطين، وعلى مدى عشرات السنين، أصبح خبزاً يومياً يجب أن نعتاد عليه، وهذا أمر طبيعي، أنه يومياً يكون هناك اضطهاد، ويكون هناك قهر للشعوب، وتحدث اعتداءات وتحدث مجازر، حتى كل هذا أصبح في نظر البعض خبزاً يومياً علينا أن نعتاد عليه وهذا أمر طبيعي، من يومياتنا الطبيعية بات. لا، هذا الخبز اليومي المُرّ لن نعتاد عليه ولن نتقبّله، وسنبقى نقاومه إلى أن يصل إلينا خبزنا الحقيقيّ الذي نصنعه بأنفسنا.

 

وفا سرايا: نحن اليوم يوم الجمعة أيضاً، ننتظر مسيرات منذ بدء المسيرات مع إحياء يوم الأرض، هذه مسيرات العودة، وصولاً إلى ذكرى النكبة، مررنا بالكثير من المحطات والمجازر التي ترتكب بغزّة.

هل يحتاج الفنان الآن أو الشاعر، أستاذ نزار، إلى حدث ما لقيامه بهذه المبادرة؟ في الماضي لم تكن، زهرة المدائن، أو القدس العتيقة، لم تكن مع حدث معيّن، كانت بوجدان كل مواطن وكل إنسان؟

 

نزار فرنسيس: طبعاً، هذا الفعل الوطني الحقيقي، هذا الشعور الحقيقي الصادق، لا يحتاج إلى حادث معيّن حتى يعبّر، أكيد يعبّر مع الحوادث التي تجري، لكن وضعت ربما شعاراً أنا أعتمده، فلسطين لا تغيب، يجب أن لا تغيب، الحقوق الأساسية والعناوين العريضة لهذه الشعوب يجب ألا تغيب عنا، من دون أن يكون هناك مشاكل وحروب نستذكر، لا ننتظر حتى تحصل الحرب حتى نستذكر أن لدينا أرضاً ولدينا وكرامة يجب أن نستعيدها ونستردّها. لا، أبداً، هذه يجب أن تكون من يومياتنا، هذه يجب أن تكون من ثقافتنا التي سنسلّمها للجيل المقبل. هناك أجيال تنمو على هذا لأنه إن لم يتسلّمها الجيل المقبل تموت. مهمتنا هي تسليم هذه الأمانة للجيل المقبل، لأننا إن لم نستطع أخذ حقنا سيأتي جيل يستطيع أخذه.

 

وفا سرايا: الفنان هو أكثر إنسانية من أي شخص أو حتى الشاعر أستاذ نزار.

إلى أي مدى وأنت تكتب القصيدة تتأثر بما يدور من حولك؟

بما يتعلق بالقضية الفلسطينية، بطبيعة الحال عهد كما ذكرت شكّلت هذه الأيقونة، ما جرى حتى في مكاتب التحقيقات حينما كان يناديها والدها كان هنالك إصرار، عزيمة، صمود، لدى هذه الشابة الفلسطينية.

اليوم هل الشاعر أو الفنان هو جزء من هذا المحيط الذي يحيط به؟

 

نزار فرنسيس: طبعاً، الفنان هو ابن بيئته، والفنان هو لسان المجتمع الذي ينتمي إليه، لسان الشعب الذي ينتمي إليه، هو لسان القضية التي تؤثّر بالناس، هو يجب أن يكون رأس حربة لأن كل شيء يبدأ بالكلمة. الكلمة تفعل فعلها، على مرّ الأزمان كانت للكلمة مكانتها بكل الأزمات التي مرت بها شعوبنا. ما أودّ قوله، يجب ألا تغيب القضايا الأساسية من ذاكرتنا، هذه الذاكرة، هناك من يسعى لمحو الذاكرة، هذه الذاكرة يجب أن تبقى حيّة.

في التسعينات، عندما كان الاحتلال الإسرائيلي ما زال موجوداً في لبنان، في جنوب لبنان، ألّفت أغنية من دون سبب، لأن وجوده على أرضي خطأ، ولأن بقاءه على أرض لبنان هو خطأ واحتلال وهو عدوان، ألفت أغنية من دون سبب، وخاطبته مباشرة له، وقلت له "لازم تعرف يا محتل نحن مين وأنت مين نحن هيهات من الذل وأنت للذل عناوين، نحن لما جنوبي ينادي لو متنا عشاق شهادة مثل الشجر بأرض بلادي نموت ونحن واقفين".

لم أكن أنتظر ليحصل شيء حتى أستوحي لأكتب للعدو، مجرد وجوده على أرضي هو تعدٍ على كرامتي وحقوقي وملكيّتي بوطني.

 

وفا سرايا: صحيح. سوف أعود إليك أستاذ نزار للحديث بما يتعلق بالقضية الفلسطينية، إذا كان لديها الدور الكبير بفنّ القضية، أم أن الفن خدم أيضاً القضية الفلسطينية، ولكن ليعلم، نحن والمشاهدون عن أجواء هذه الأغنية التي غناها الفنان الملتزم أيضاً وليد توفيق والذي كان معنا بمداخلة هاتفية في إحدى نشراتنا.

سنتابع "عهد الوفا" من كلمات الشاعر نزار فرانسيس والفنان وليد توفيق، فلنتابعه مشاهدينا الكرام.

 

أغنية عهد الوفا: إلى عهد التميمي المناضلة على أرض فلسطين الحبيبة أقدّم لك هديّتي بصوتي ومن كل قلبي

(مشهد لوالد عهد ينادي على عهد المُعتقلة ووالدتها ويدعونها للبقاء قوية)

يا عهد الوفا أنت على خبز الحق كبرتي وبحقك انتصرتي وغلبتي الإحتلال رمز الكرامة صرتي وعلى أرضك ما هنتي يا حلوة كيف عرفتي تكوني أخت الرجال

رمز الكرامة صرتي وعلى أرضك ما هنتي يا حلوة كيف عرفتي تكوني أخت الرجال

كنت أد الحلم وبعده صمودك قرار كيف الشعب يحمي أرضه ويبقى جبار وشعب الجبارين على تراب فلسطين وحلوة الحلوين عم تضحك للنار

عهد عهد عهد.

يا عهد الوفا أنت على خبز الحق كبرتي وبحقك انتصرتي وغلبتي الإحتلال.

رمز الكرامة صرتي وعلى أرضك ما هنتي يا حلوة كيف عرفتي تكوني أخت الرجال.

رمز الكرامة صرتي وعلى أرضك ما هنتي يا حلوة كيف عرفتي تكوني أخت الرجال.

عهد عهد عهد.

 

وفا سرايا: تحية ليست فقط لك أستاذ نزار وأيضاً للفنان وليد توفيق وأيضاً للموزّع لهذه الأغنية الأستاذ إحسان المنذر والذي عهدناه، تاريخ طويل في ما يتعلق بالقضية الملتزمة.

ربما أستاذ نزار في ما يتعلق بفترة الستينات وبداية السبعينات، كانت قصائد محمود درويش وسميح القاسم وحتى غسان كنفاني محرّضة للعمل الفدائي. هل اليوم يمكن للفن أن يكون هو أداة لتوعية هذه الشعوب في ظل هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها القضية الفلسطينية بشكل خاص؟

 

نزار فرنسيس: أكيد الفن يجب ألا يغيب عن هذه القضية لأن الفن هو في صلب القضية من بدايتها، والفن هو مكمّل، الكلمة هي مكمّل للبندقية، ومحفز في كثير من الأحيان للبندقية، وبما أنّ العدو هو لا يتعاطى بالكلمة، يتعاطى بالبندقية والحرب، فعلينا ألا نوفّر وسيلة للمواجهة إلا ونواجهه بها، فالكلمة لها دور وثبت أنه لها دور، لأنّ الكثير من الكلمات التي قيلت والتي سُجّلت وكان لها موقف في هذا الصراع، بقيت مع طول السنين أكثر بكثير من مواقف رجالات كانوا على أساس أنهم رأس حربة في هذا الصراع، بقيت كلمة الشعراء والرجال غيّروا، غيّروا مبادئهم، بقيت الكلمة.

 

وفا سرايا: غيّروا المواقف، إلى أي مدى هذا أكبر دليل على أنّ الفن الملتزم يستمر؟

 

نزار فرنسيس: صحيح، أنا مؤمن بهذه المقولة وأنا أمارسها فعلاً، أنّ الفن الملتزم يبقى وهو يوازي السلاح.

 

وفا سرايا: ولكن تراجع أستاذ نزار بوقتنا الحالي؟

 

نزار فرنسيس: الوضع نسبيّ، نحن نسبياً، هذا الفكر عامة في العالم العربي، قلت لك قبل ذلك للأسف هناك في بعض الأماكن حدث تراجع.

 

وفا سرايا: نحن نتحدّث عن مجمل القضية الفلسطينية بالنسبة للشعوب العربية وليس فقط بالفن.

 

نزار فرنسيس: أكيد، لمجمل الشعوب العربية، هناك في بعض الأماكن حدث تخاذل وتراجع، وباتت تعتبر من يومياتنا العادية.

 

وفا سرايا: للأسف، هي أنظمة مارست هذا الخذلان.

 

نزار فرنسيس: طبعاً، وهذا ينطبق أيضاً على المجال الفني والشعراء والمبدعين، هناك من أصبح يعتقد أيضاً منهم أن قضية فلسطين هي قضية عبثية وقضية ليس لها نهاية، ويجب أن نعتاد عليها. هذا الخطأ بحد ذاته.

 

وفا سرايا: كيف يولد الشعر الوطني المقاوم أستاذ نزار؟ إذا لم يكن هذا الشخص مؤمناً بهذه الفكرة، أو الإيمان بهذه القضية التي تعبّر عن مجتمعه، هل يمكن أن يكتب قصيدة تعبّر عن هذه القضية؟

 

نزار فرنسيس: من يكتب يجب أن يكون مؤمناً، ويجب أن يكون لديه قناعة في ما يكتب أولاً، وعليه أن يكون إلى جانب الحق، ويجب أن يعلم تمييز الحق من الباطل. هناك حروب كثيرة بين باطل وباطل وحروب كثيرة بين الحق والباطل، لكن لا توجد حرب بين حق وحق لأن الحق واحد.

 

وفا سرايا: جميل هذا الكلام. هل الفن يخدم القضية الفلسطينية في وقتنا الحالي والعكس صحيح؟ ربما أيضاً القضية الفلسطينية هي التي تخدم هذا الفن، مع أنه للأسف نحن لا نشاهد كثيراً، خصوصاً أبناء فلسطين، كان هنالك شعراء أكثر في الماضي تحدّثوا أكثر عن القضية، حتى فنانين، شهدنا اليوم مثل محمّد عساف، من مثّل هذه الأغنية الفلسطينية وأعاد التراث الفلسطيني، وهذه بادرة إيجابية لعصرنا، هذا عصر العولمة.

 

نزار فرنسيس: صحيح، حتى بأغانيه العادية التي ليس لديها أي نوعية من الالتزام، أنا أصرّيت ان يكون هناك لمسة فلسطينية بأغانيه، حتى "يا حلالي ويا مالي"، ألّفت له أغنية وقلت له "والراية بأربع ألوان على جبين الشمس اتلالي"، فأخذته قليلاً إلى نفحة وطنية وبلده فلسطين التي تعنينا جميعاً، هذا الأمر على الأقلّ، نحن لا نقول اليوم إننا سنكتب شعراً ونؤلّف أغاني حتى نحفّز على الحروب، نحن نريد توريث هذه الثقافة، علينا أن نحافظ عليها بطريقتنا بالكلمة وبالمغنى وبالشعر وبالفنّ إجمالاً، الفنّ بكل طاقاته إن كان باللوحات وإن كان بالنحت، وبكل مجالاته.

 

وفا سرايا: رحل ناجي العلي وبقي حنظلة.

 

نزار فرنسيس: علينا أن نورث هذه الثقافة، أن نغذّي هذه الثقافة لتبقى، لتبقى لأجيال، لأن الحق لا يموت، فهذه الثقافة يجب أن تبقى، على الأقل نبقي الذاكرة حية، ننعش الذاكرة أن لدينا حقاً مغتصباً يجب أن يعاد.

 

وفا سرايا: هل لا زال هنالك فنانون يطالبون منك، أو يطالبونك بكلمات تعبر عن هذه القضايا؟ هناك فنانون ملتزمون مثل الأستاذ مارسيل خليفة، السيّدة جوليا، ماجدة الرومي مع حفظ الألقاب، حتى السيدة الكبيرة فيروز، هم أكثر من عبّروا عن هذا الإلتزام والقضية الفلسطينية.

 

نزار فرنسيس: طبعاً هناك كثر، وعلينا أن نتابع هذه المسيرة ونبقى في الذاكرة.

 

وفا سرايا: هل ما زلت تشعر هذا النفس لدى الفنانين؟ اليوم الفنان وليد توفيق؟

 

نزار فرنسيس: وليد توفيق الأغنية التي أنتجت لعهد كانت بطلب منه، وكانت الفكرة أنه يريد أن يقدّم شيئاً لعهد. وليد توفيق لديه نفَس عروبي، أنا أحترم كثيراً هذا النفَس لديه، ولقد تعاملت مع أكثر من فنان بهذا الموضوع، أصرّ هو أن يقدّم شيئاً لعهد ويقدّمه لفلسطين لأن عهد هي رمز، وليس فقط عهد الإنسانة، فأحببنا أن تكون هذه الأغنية تعبيراً وموقفاً منا إلى جانب عهد على طريقتنا نحن.

 

وفا سرايا: عهد فتاة وامرأة أيضاً فلسطينية، حتى شهدنا بالكليب رزان النجار الشهيدة المُسعفة وأيضاً ليلى الغندور الطفلة الشهيدة.

إلى أي مدى أيضاً أنت تؤمن بشعرِك بالمرأة أستاذ نزار؟ لفتتك عهد كفتاة فلسطينية أيضاً، كامرأة عربية تمثل، وتقولون في الأغنية أخت الرجال؟

 

نزار فرنسيس: طبعاً.

 

وفا سرايا: أي لا فرق بينها وبين الرجل بالمقاومة؟

 

نزار فرنسيس: عرفت تكون أخت الرجال، صحيح، هذه المرأة الحقيقية العربية، هذه صاحبة الحق وهكذا يجب أن تكون، ويجب أن نكون نحن معها، المرأة التي تتّخذ قراراً، والشعب الذي فيه نساء تستطيع أن تواجه بهذه الطريقة، هذا شعب لا يموت ولا ينهزم.

 

وفا سرايا: عام 98 على ما أعتقد، وصحّح لي التاريخ، هذه ذاكرتنا جميعاً الحلم العربي، كان هنالك أوبريت كبير.

 

نزار فرنسيس: وما زال حلماً.

 

وفا سرايا: للأسف لا زلنا نتحدّث عن هذا الحلم العربي.

 

نزار فرنسيس: وما زال حلماً.

 

وفا سرايا: ولكن رغم ذلك هذه الأغنية والأوبريت طبعت في ذاكرة الناس والكثير من الشعوب العربية، لماذا اليوم لا نرى شيئاً مقابلاً لذلك؟ حتى الوطن الأكبر، نحن نتحدّث على الميادين، فنانون كبار قدّموا هذا الأوبريت. هل يمكن هذه الفكرة أن تكون مطروحة اليوم؟

 

نزار فرنسيس: هذه ثقافة يجب أن تكون موجودة، علينا أن نفعّل هذه الثقافة، أنا يدي ممدودة لكل من يؤمن بهذه القضية أنها ستنتصر، ليس لديه إيمان بأن هذه قضية حق فقط، يجب أن تكون في ذاكرتنا وفي أذهاننا وفي مبدئنا أنها قضية حق وستنتصر، هذا أمر مهم جداً، وعدم اليأس، كان بالماضي الجرح ربما أقرب لذاكرة الناس، اليوم الجرح يبعد، وعلينا أن نعيد التذكير فيه.

 

وفا سرايا: على الرغم من أن المشاهد أقسى؟

 

نزار فرنسيس: هذا الجرح لم يلتئم.

 

وفا سرايا: والجرح بات أكبر أستاذ أكبر.

 

نزار فرنسيس: صحيح.

 

وفا سرايا: ما يعانيه اليوم الفلسطينيون.

 

نزار فرنسيس: صحيح، وكل تخاذل بنسيان والابتعاد عن هذا الجرح هو يعمّق هذا الجرح ويكبّره، فللأسف يلهوننا بمشاكلنا وببعضنا، وكل أحد لديه مصيبة في الدول العربية، فلذلك كله بهدف إبعادنا عن القضية الأساسية، فلسطين، وهذا ما يجب أن تعي الشعوب له، أننا نبتعد عن القضية الفلسطينية لا إرادياً لأنهم يلهوننا بمشاكلنا الداخلية، كلٌ على طريقته وكلٌ بمنطقته. أخذونا نحو الطوائف والحروب العرقية والطائفية، للأسف، كل هذا لإلهائنا عن فلسطين القضية الأساسية التي هي وحدها قادرة على أن تجمع كل هذه المكوّنات العربية على هدف واحد، فهم يريدون تشتيت الهدف.

 

وفا سرايا: ويأتي هذا الفن ليذكّر، هنا أهمية ان نذكر بأهمية هذه القضية.

 

نزار فرنسيس: علينا تذكيرهم أنه يوجد هدف أساسي ليتلّهوا به أكثر من أن تلتهوا  ببعضكم.

 

وفا سرايا: لأن فلسطين لا تغيب عنك، لن تبخل علينا بقصيدة عن فلسطين إذا أمكن؟

 

نزار فرنسيس: هذه قصيدة غنّى لحنها الملّحن رواد رعد وأداها، وهو من أصل فلسطيني. تقول "وقفوا بساحات القدس دعسوا على جبين الخطر حملوا لها ثوب العرس والسيف الذي لم ينكسر على الدم لبسوا شالهم وصارت الشمس خيالهم وبيدهم قطعة حجر لمعة غضب صارت قمر".

 

وفا سرايا: سلّم فمك. نحن مع هذه القصيدة وهذا الأسلوب السهل الممتنع بالنسبة لنا، وهذا أصعب أنواع الشعر ربما أستاذ نزار، سوف نتوقّف مع فاصل ، ونعود لمتابعة هذه الحلقة الخاصة من حوار الساعة مع الشاعر اللبناني نزار فرنسيس. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

وفا سرايا: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا الكرام إلى الجزء الثاني من حوار الساعة، في هذه الحلقة الخاصة مع الشاعر اللبناني نزار فرنسيس.

سنبدأ هذا الجزء أستاذ نزار بقصيدة أيضاً لك تحوّلت إلى أغنية أنشدها المنشد علي العطار "اضرب والريح تصيح". فلنتابع مشاهدينا الكرام هذا المقطع.

 

اضرب والريح تصيح: اتسلم إدك حدك عم تشمخ راية خلفك في بيوت تدعي لك أمامك حد وجاي أضرب أضرب والريح تصيح تسلم يا حامي الدار والذي لا تردّهم ريح اذقهم طعم النار

اضرب والريح تصيح تسلم يا حامي الدار والذي لا تردّهم ريح أذقهم طعم النار.

ما عاش الذي يريد أن يتعدى ولا عاش من يذل أولادك كل ما تحدوك تتحدى ومسيج بالعز بلادك

يا زند لا يعرف يتعب فوق الصعب تبقى الأصعب وكبير وهم صغار.

اضرب والريح تصيح تسلم يا حامي الدار والذي لا تردهم ريح أذقهم طعم النار.

 

وفا سرايا: مهمّ، كنّا نتحدث تحت الهواء بأنها ألحان هيثم زياد أيضاً، ورسخت.

 

نزار فرنسيس: وتوزيع وتسجيل المايسترو إحسان المنذر، شريكنا بالفيديو، هذه كانت عفوية وقبل أن تنفّذ والتصوير جميل.

 

وفا سرايا: وهذا مقطع الفيديو أكثر انتشاراً.

 

نزار فرنسيس: كان عفوياً، وهذه القصيدة نظّمت خصيصاً لمعركة الجرود التي حصلت عندنا في رأس بعلبك وعرسال.

 

وفا سرايا: وأنت ابن هذه المنطقة أستاذ نزار.

 

نزار فرنسيس: صحيح، وأنا ابن رأس بعلبك، وكان لي هذا الموقف لكل حماة الدار، لكل حماة الأرض، لكل المدافعين عن هذه الأرض وقتها، مقاومين وجيش لبناني والناس الذين بقوا في أرضهم، ومجرّد بقائهم كان مقاومة، فكانت لكل المقاتلين عندنا في الجرد، فكانت اضرب والريح تصيح، وأنشدها المنشد علي العطار، الذي أحترم كثيراً صوته وأداءه والتزامه وأخلاقه. هذا إنسان، فنان خلوق، منشد ولديه إحساس مرهف وملتزم، ووطنيته واضحة بطريقة أدائه حتى.

 

وفا سرايا: كنا نتحدّث عن دور المثقّف أو دور الشاعر، الفنان، لأنه أكثر إنسانية وربما تأثّراً بما يدور من حوله أستاذ نزار.

إلى أي مدى، نحن بلبنان عانينا من الإرهاب، صحيح نحن نعاني من المحتل وكنا طيلة السنوات الماضية ولا زلنا، وأيضاً عانينا قبل معركة الجرود من هذه الآفة، آفة الإرهاب.

إلى أي مدى أثرت بك لتطلق هكذا كلمات، لتكتب ويكتب هذا القلم كلمات تعبّر؟ وهل بتنا بحاجة بهذا العصر، العولمة، إلى أسلوب جديد يحاكي هذا الجيل الجديد أستاذ نزار؟

 

نزار فرنسيس: عصر العولمة، مع الأسف، له جوانب إيجابية وجوانب سلبية، حقيقة، لا أعرف إن كان الجميع يوافقونني على هذا الرأي.

 

وفا سرايا: لا، أكيد.

 

نزار فرنسيس: عصر العولمة في أماكن معينة يسعى لإضعاف ذاكرتنا، ذاكرة الناس بوجه الإجمال، بتنا نتّكل على الإنترنت ومحرّك البحث غوغل، ولم يعد بقدرتنا أن نحفظ، وعندما تنتهي الذاكرة ويصبح الحفظ ضعيفاً تقل مساحة الإبداع عند الإنسان، وهذا أمر يجب أن يتنبّه له كثر من الناس. يجب ألا نتّكل على هذه العولمة مئة بالمئة، يجب أن نتّكل عليها فقط بأماكن معينة، لكن في أماكن يجب أن نتّكل على ذاكرتنا الشخصية حتى يبقى لدينا إبداع، والإبداع ليس فقط بالشعر والكلمة بكل فعل وعمل نقوم به، عندما ينخفض الإبداع تموت الذاكرة وينخفض الإبداع مع بعضهم وهذا أمر مؤثر جداً بالناس، ولا يجب أن تكون موجودة. كنّا مثلاً نحفظ أرقام هواتف، الآن لم يعد باستطاعتنا حفظها ونتّكل على الهاتف ولا يحفظ الشخص منا رقم شقيقه.

 

وفا سرايا: حتى البعض يقول أستاذ نزار أن الكلمة استنفدت، بتنا بحاجة إلى معجم جديد للغة العربية. هل توافق هذا الرأي؟

 

نزار فرنسيس: لا، الكلمة لا تنتهي، وهي بحر واسع جداً.

 

وفا سرايا: خصوصاً باللغة العربية.

 

نزار فرنسيس: خصوصاً باللغة العربية لكن ما أقوله، نحن بتنا نتّكل على العولمة وتجف لدينا منابع الإبداع، يجب أن نتّكل على أنفسنا لأن المبدعين بداية لم يكن بين أيديهم هذه الوسائل السهلة التي تسهّل عليهم الحياة، فكانوا يعانون وعند ذلك ينتجون جديداً ويكون لديهم إبداع. المعاناة هي أمّ الإبداع.

 

وفا سرايا: أشرت إلى قضية الإرهاب، وهنا لا بد من التطرّق إليها، لأنّ هنالك الكثير من الشهداء الذين سقطوا من المقاومة أو من الجيش اللبناني نتيجة هذا الإرهاب الذي ضرب لبنان.

هل لا زالت هذه القضية الوطنية جامعة لكل اللبنانيين؟ تلمسون هذا الأمر أستاذ نزار لدى الشعب اللبناني، تحديداً بالمجتمع اللبناني؟

 

نزار فرنسيس: أنا برأيي، نعم، عندما يكون هناك خطر، وذكرتها سابقاً وعلى قناة الميادين تحديداً، قلت عندما تكون الشهادة ويكون هناك دماء تهرق من أجل وطن بكامله يجب أن يكون الوطن بكامله معها. في معركة الإرهاب كانت هناك دماء تُهرَق من أجل كل الوطن، لم يمت أحد من أجل نفسه، من كان يستشهد استشهد عن وطن بكامله بكل طوائفه ومناطقه. كانت المعركة عندنا في رأس بعلبك، صحيح، لكن كانت عن كل لبنان، حقيقة، وهذا أمر، وكان يجب أن يكون لبنان بأسره وراءها وهكذا حدث.

 

وفا سرايا: نلمس ذلك، كان هناك وحدة وطنية جامعة.

 

نزار فرنسيس: ويدرّ هذه الدماء عندما يدفع دماً عن الوطن يجب أن يكون كل الوطن معه.

 

وفا سرايا: ولكن البعض اليوم يقول أستاذ نزار إن المثقف البنيوي، هذا المثقف تغيّر لديه الدور، أصبح هنالك ارتهان لمال، لسلطة، لمواقف سياسية، فلا يعبّر عن حقيقة هذه القضية الجامعة أو الموحّدة لهذا الشعب؟

 

نزار فرنسيس: هذا مرض، المال والارتهان مرض، المال هو مرض دخل بالشعوب، وقال لي أحد السياسيين الكبار، قال لي مع الأسف بتنا بهذا البلد كل شيء له ثمن، لم يعد هناك شيء لمجرّد أنه جميل، وبدلاً من أن نقول عندما نلتقي بسيّدة جميلة كم هي جميلة، صرنا نقول كم ثمنها، للأسف، لهذه الدرجة بات للمال فعله بين الناس.

 

وفا سرايا: كل شيء أصبح له ثمن.

 

نزار فرنسيس: وهذا عن جد مؤسف، لكن يبقى هناك خميرة ومكان للكرامة يتّسع بتعلّق أهلها فيها لهذه الكرامة. كلما دافعنا عن كرامتنا وكنا متمسّكين بها كلما اتّسعت مساحة هذه الكرامة وهي عدوى لغيرنا من الناس الذين يكونون بقربنا.

 

وفا سرايا: إلى أي مدى، نحن نتحدّث عن هذا الدور المثقّف، لا نتحدّث فقط عن شاعر، نتحدّث عن رسام، عن مغنٍ، عن كاتب، بكلّ الأطياف، يتأثّر بهذه البيئة المحيطة به. ولكن هل هذا الدور في ظلّ هذه العولمة تراجع بأيامنا هذه؟

 

نزار فرنسيس: ربما تأثّر بسبب صراعات داخلية تافهة، أنا أعتبرها، أمام الأمور العريضة.

 

وفا سرايا: ولكن ألا يحق أيضاً لمن يلتزم هذا الفن أن يعبّر عن موقفه؟

 

نزار فرنسيس: صحيح، أكيد.

 

وفا سرايا: هو إنسان في النهاية، يتأثّر بما يحدث من حوله.

 

نزار فرنسيس: أكيد، أنا أدعو كل فنان لديه إبداع أن يبين حقيقة شعوره تجاه بلده ووطنه وتجاه القضايا الكبرى التي ينبغي أن يكون ملتزماً بها، وأنا لست مع الفنان الذي لا يكون له لون. الآن في ما يتعلق بالداخل والزواريب السياسة الداخلية اللبنانية، في ما يتعلق بالداخل، أيضاً الفنان لديه دور، يجب أن يكون همزة وصل بين كل الأفرقاء، ويجب أن يرى الجيّد عند الجميع حتى يستطيع إيجاد همزة وصل، هو يكون همزة الوصل بين الناس، ليبقى يحافظ على هذه البيئة والوحدة. لبنان بلد جماله بفسيفسائه، إذا سقطت هذه الفسيفساء، سقط منها أي جزء من هذه الفسيفساء، تذهب اللوحة الجميلة.

 

وفا سرايا: أنت لا توافق أن يغني مثلاً أو شاعر يكتب لشخصية ما، سمعنا كثيراً من الأغاني والقصائد لشخصيات ورموز؟

 

نزار فرنسيس: انا أكتب ليس لشخصية بحد ذاتها بل أكتب أغنية لقضية، لسبب، لهدف، يكون الهدف يعني كثيراً من الناس، شريحة واسعة من الناس، لأنني أنا لديّ من يحب شعري من كل أطياف المجتمع، لا يمكنني أن أكون بمكان واحد ضد غيري، أنا مع كل الناس، أنا معك، إن كنت أحبك لا ينبغي أن أكره غيرك، وهذا حقيقة هدف ومهمة من يكون مبدعاً بين الناس. الفنان يوحّد ويجمع ويكون سبباً للتلاقي أكثر مما يكون سبباً للفرقة والابتعاد.

 

وفا سرايا: نحن نعلم دور وسائل الإعلام اليوم الخطير، إلى أي مدى وسيلة الإعلام أو هذه الوسائل هي التي تلعب الدور بإبراز هذه القضية على حساب القضايا الأخرى؟

مثلاً حتى القضية الفلسطينية أو قضية المحتل الإسرائيلي.

 

نزار فرنسيس: تسوَّق بطريقة خاطئة في بعض المراحل، في بعض الأحيان.

 

وفا سرايا: بالفعل، حتى تغيَّب، لأجل ذلك ننتظر الحدث حتى يقع، يقوم الشاعر أو المغني بكتابة هذه القصيدة أو أن يغنيها.

 

نزار فرنسيس: هذا الخطأ، والذي أحببت أن يكون العنوان خلال هذه الفترة أنّ فلسطين لا تغيب ولا يوجد ما يلهينا عن أمور أساسية حدثت في تاريخنا، هذه أمور أساسية، هذا الصراع ليس له مثيل عبر التاريخ، هذا الصراع الذي مر عليه عشرات السنين، لم يقتنع العدو أننا لن نلين ولا نحن سنقتنع أنّ هذا وجوده شرعي وحق له على أرضنا، لن نقتنع بهذا الأمر، فهذا الصراع وهذا الفكر يجب ألا يموت ولا يغيب.

 

وفا سرايا: يجب أن يكون مُحرّضاً، يلعب دور المُحرّض حتى، ليس فقط ناقلاً لهذه القضية؟

 

نزار فرنسيس: ننقل القضية وذكرتها سابقاً، يجب ألا تغيب، سنبقى وننتصر، ليس فقط لا تغيب، أن تبقى حاضرة وموجودة، لكن أن يكون هناك أيضاً مبدأ أنها لا تغيب، وسننتصر، النهاية لنا، النهاية هي انتصار لنا، لأننا نحن أصحاب الحق، لأن الحق واضح. أنا من المؤمنين بأن هذا هو الحق، وأنا أقف إلى جانب الحق/ وفسّرت هذا بالشعر، قلت فيه، من دون سبب، أكتب على تويتر.

 

وفا سرايا: معروف أنت بدعمك دائماً إن كان للقضية الفلسطينية أو مقاومة المحتل، صحيح.

 

نزار فرنسيس: قلت بعدا ببالي القدس يا محتل ما نسيتها مهما سجنتوها ولو تنساها الدنيا سأبقى واقف مع الناس الذين لم ينسوها.

 

وفا سرايا: مهم جداً، بعد 50 سنة أيضاً، لا أدري إذا سمعت، كان هنالك أيضاً مثل أنشودة صغيرة للسيّدة فيروز إلى متى يا رب تحديداً مع أحداث غزّة بعد خمسين سنة من زهرة المدائن التي تحوّلت ربما إلى نشيد للقضية الفلسطينية لكل الأحرار في العالم وليس فقط للعرب.

 

نزار فرنسيس: صحيح.

 

وفا سرايا: إلى أي ّمدى نحن بحاجة إلى أيضاً أيقونة فنية كالسيّدة فيروز تعبّر عن هذا الانتماء للقدس في ظلّ ما نعانيه ومَن يرتهن القدس ويبيعها ويقول بأنها عاصمة لإسرائيل؟

 

نزار فرنسيس: للأسف هناك ناس تلقّوا الخبر بشكل طبيعي، وكان بالنسبة لهم شأناً عادياً.

 

وفا سرايا: لماذا برأيك؟ لأنه أصبحنا بالتطبيع في مراحل متقدّمة أستاذ نزار في العالم العربي؟

 

نزار فرنسيس: لأن هناك ناساً لديها يأس، تيأس مُبكراً وسريعاً، واليأس هو من قلّة الإيمان، المؤمن بمبدئه الحقيقي لا يعرف اليأس.

 

وفا سرايا: يجب أن يكون صبوراً.

 

نزار فرنسيس: لا يعرف اليأس. الإيمان واليأس لا يلتقيان، أبداً. مَن ييأس هو غير مؤمن، هو قليل الإيمان حقيقة.

 

وفا سرايا: في ما يتعلّق، وفي البداية ذكرت لأن الأمل كلمة ولأن المقاومة كلمة، هذا يدفع ربما إلى إعطاء هذا الأمل لهذه الشعوب، ولكن هل تتأثّر بطبيعة الحال بوقوع هذا الحادث او ذاك، بمجزرة أو تلك، مثلاً كما حدث بمجزرة قانا عامي 96 و2006؟

 

نزار فرنسيس: تكون ردّة فعل، صحيح، هذا انفعال يعبّر عنه أكيد.

 

وفا سرايا: تكون الكلمة أصدق؟

 

نزار فرنسيس: تكون أصدق طبعاً، بالنتيجة الشاعر إنسان، الفنان والمُبدع هو جزء من المجتمع والناس التي تُقهَر وتتأذّى وتبكي وتستشهد، هو جزء من هذه الأمّة، فإذاً يجب أن يتحدّث بلسان حالهم، فهذا الموقف يجب أن يعبّر عنه قبل كل الناس، لأنه بأماكن كثيرة الناس تريد أن تقول شيئاً لا تعرف أن تعبّر عنه بالكلمة، يأتي الشاعر ويعبر عنه فيُقال هذا هو وهذا ما نريده.

 

وفا سرايا: وهذا ما حصل بأوبريت الأرزة، كانت الأرزة بالنسبة لك هي الجامعة لكل اللبنانيين وهذا ما لمسناه من كبار الفنانين اللبنانيين الذين غنّوا هذه الأغنية.

 

نزار فرنسيس: صحيح، هذه الأرزة التي جمعتهم كلهم.

 

وفا سرايا: سنتابع نحن وأنت ومشاهدينا الكرام هذا المقتطف من أوبريت الأرزة.

 

(مقتطف من أوبريت الأرزة)

 

وفا سرايا: بودي ألا ينتهي هذا المُقتطف من أوبريت الأرزة، وأيضاً المخرجة ومَن هم في غرفة التحكم نفس الرأي.

 

نزار فرنسيس: أنا أعتبرها محطة أفتخر بها، تكريم الأرزة اللبنانية ضمن مهرجانات الأرز الدولية عام 2017، وكانت فكرة مهمة جداً، وجمعنا كل الفنانين، اليوم لا يستطيع أحد تكوين ديو غنائي، جمعناهم وأنظري كيف أثّرت الأرزة بالفنانين.

 

وفا سرايا: هذا الذي كنت أتحدّث عنه، أوبريت كان عربياً في ما يتلعق بالحلم العربي اليوم، لبناني مع الأرزة.

 

نزار فرنسيس: يا ليتنا يمكننا فعل نفس الأمر على مستوى العالم العربي، لنوحّد هؤلاء الناس. الأرزة جمعتنا، والأرزة كانت هي الهدف والمكرّمة بهذه المهرجانات، وهذا أمر مهم جداً ويُشكر عليه من قام بالفكرة، لجنة مهرجنات الأرز الدولية، أمر مهم جداً. هذه السنة لدينا تكريم على مستوى الوطن لخمسة مواقع، هذه نعلنها للمرة الأولى، خمسة مواقع أثرية ثقافية مُدرَجة على لائحة التراث الثقافي العالمي من قِبَل الأمم المتحدة.

 

وفا سرايا: نتحدّث لبنانياً؟

 

نزار فرنسيس: خمسة مواقع لبنانية، تخيّلي هناك بلدان مساحتها أكبر من بلدنا بعشرين مرة، لا يوجد فيها خمسة مواقع، لبنان فيه خمسة مواقع ثقافية، وهذا البُعد العالمي للبنان والتاريخي والعالمي والثقافي للبنان، يجب أن يُكرّم، وهذه الفكرة أيضاً كانت من لجنة مهرجانات الأرز، وسنكرّم بصوت السيّدة ماجدة الرومي هذه المناطق، وهي عنجر، وبعلبك، وصور وجبيل ووادي قنوبين، وادي قاديشا.

 

وفا سرايا: جميل جداً. ما هي طموحات نزار فرنسيس في ما يتعلق بهذه الكلمة؟ الكلمة هي مَن أوصلته إلى الناس، هي مَن أوصلته إلى المجد. اليوم ما هو الطموح الذي يحب أن يوصله، لأن هذا الفن الهادِف كما قلت في بداية الحديث، هو يستمر برغم كل الشوائب التي تأتي، حتى المواقف السياسية، قد تذهب، شخصيات سياسية قد تذهب، ولكن تبقى الكلمة؟

 

نزار فرنسيس: يبقى الفن.

 

وفا سرايا: يبقى الفن وتبقى الكلمة التي تعبر عن هذا المجتمع بطبيعة الحال.

 

نزار فرنسيس: الحقيقة كنت صغيراً وطفلاً عام 67 عندما حدثت النكسة، يسمّونها حرب النكسة، نكسة العام 67، وأذكر وفي ذاكرتي وكان عُمري ثماني سنوات، أذكر الأغاني التي أنتجت بين فترة حرب 67 وحرب تشرين التي حصلت عام 73. هذه الفترة كانت أغنى فترة بالأغاني الثورية والمقاومة والمُلتزمة إن شئت، ما زالت بذاكرتي وعُمري كان دون العشر سنوات.

 

وفا سرايا: أنا أيضاً لا بدّ من أن أوجّه تحية، هم كثر منهم شيخ إمام الذي عبّر عن هذه القضية بشكل مميّز.

 

نزار فرنسيس: صحيح، ما زلت أذكرهم، لهذه الدرجة تؤثّر الكلمة وتبقى. كنت دون العشر سنوات أردّد هذه الأغاني وما زالت بذاكرتي حتى الآن. ربما بعض الأغاني مرت 40 سنة و50 سنة لم أسمعها، لكن ما زالت بذاكرتي.

 

وفا سرايا: ما الذي يستفّزك للكتابة؟

 

نزار فرنسيس: يستفّزني كل شيء يعني الناس ويتأثّرون به أتأثّر كالناس، لكن أنا الله سبحانه وتعالى ميّزني عنهم بقدرة على التعبير، بشعورهم، سريعاً بالكلمة عني وعنهم، كما هناك غيري يعبّر عني وعنهم باللوحة وبالصوت وباللحن وبالموسيقى والبندقية، هناك مَن يعبّرون عنا وعنهم بالبندقية.

 

وفا سرايا: سؤال أخير، قلت في البداية تحول عهد التميمي إلى أيقونة. هل من شخصية معينة تعتبرها هي أيقونة وتودّ أن تكتب لها، تستفزّك لتكتب لها؟

 

نزار فرنسيس: أنا كتبت لكثير من المحطّات في هذا النضال، كتبت أغاني كثيرة، ربما كثر لا يعرفونها.

 

وفا سرايا: أذكر أنك قلت مع الزميل زاهي وهبي، كتبت تقريباً 2000 أغنية.

 

نزار فرنسيس: صحيح، الشهيد الطفل محمّد الدرّة منذ سنوات كتبت له، وكنت أول من كتب، وكان لي محطّات من الانتفاضة الأولى، فعلاً أنا أترجم هذه المقولة التي تقول فلسطين لا تغيب، ويجب أن نكون جميعاً هكذا، وأنا أدعو كل من لديه إبداع ليمارس إبداعه في خدمة هذه القضية، لأن هذه القضية ليست فقط قضية الشعب الفلسطيني ومن ينتمي لتلك الأرض. هذه قضيتنا جميعاً. ما يجري في فلسطين يعنينا جميعاً، ومن يعتبر نفسه غير معني في ما يجري في فلسطين هو مُتخاذِل.

 

وفا سرايا: بكلمة، انتهى الوقت، لكن هل من شخصية مقاومة تستحضرها الآن وتفكّر يوماً ما أن تكتب لها؟

 

نزار فرنسيس: أكيد، هناك شخصيات كثيرة، هناك رموز في هذا البلد يُكتَب لها.

 

وفا سرايا: مثلاً غيفارا كتب له فؤاد نجم.

 

نزار فرنسيس: كتبت عن شخصية الإمام المغيّب موسى الصدر، هو يعني لي كثيراً هذا الرجل العظيم، أنا كلبناني يعني لي وكعروبي يعني لي، هذا الذي علّمنا أن لبنان لا يطير إلا بجناحيه.

 

وفا سرايا: شكراً جزيلاً لك على هذه الحلقة المميّزة، أنا بالنسبة لي تجربة جديدة أن أقابل شاعراً مثلك أستاذ نزار، وأيضاً على وجودك بيننا على شاشة الميادين وأنت الشاعر الوطني المقاوِم بالكلمة، وهذا أكبر سلاح ربما يكون إضافة إلى المقاومين الذين يقاومون إن كان بالرصاص أو كما قلت بالسلاح.

 

نزار فرنسيس: شكراً، وأعيد المعايدة لكم ولكل المشاهدين، إن شاء الله أياماً مباركة.

 

وفا سرايا: وعليك وعلى كل الوطن العربي. فطر سعيد مشاهدينا الكرام. شكراً لكم على طيب المتابعة لهذه الحلقة من حوار الساعة.

في أمان الله.