حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

عبد الباري عطوان - رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم الإلكترونية

 

محمد علوش: عشية لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفجّر قنبلةً في وجه حلفائه قبل خصومه التقليديين: روسيا والصين والاتحاد الأوروبي أعداؤنا.

لا زلّة لسان هنا ولا سوء تقدير. رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بالأمس تقول، ترامب نصحها بمقاضاة الاتحاد الأوروبي. هل الخلاف مع أوروبا يرتقي إلى رغبةٍ ترامبيّة في تفتيت الاتحاد الأوروبي؟

إذاً هو شرخٌ كبيرٌ في معسكر حلف الناتو، وتزايد النفوذ الروسي أمام الأميركي في الشرق الأوسط يفتح أبواب الاحتمالات على مصاريعها. تركيا أضحت أقرب إلى روسيا منها إلى نظرائها الأطلسيين. إيران على موقعها كما هي، ومسيرات العودة الفلسطينية تضع العراقيل أمام مسار صفقة القرن.

إسرائيل غير قادرة على تسويق مشروعها بإخراج الإيرانيين من الميدان السوري، والمراهنة على إسقاط النظام السوري إقليمياً تتلاشى أكثر فأكثر. غزّة الصابرة تعيد ترميم علاقاتها مع حلفائها في محور المقاومة.

أمام هذا المشهد الزئبقي، ما هو مستقبل صفقة القرن؟ كيف ستنعكس التطوّرات في الميدان السوري على صراع الأحلاف الدوليين؟

للنقاش معنا رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم الإلكترونية عبد الباري عطوان.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ومعنا طبعاً الأستاذ عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم الإلكترونية.

تحيّة صباحية لك، وكل التحيّة لك أستاذ عبد الباري. اليوم طبعاً هناك لقاء ما بين الرئيسين الأميركي والروسي. ملفات كثيرة مطروحة، تكهّنات أكثر من الملفات، حتى أنّ صحيفة الجمهورية اللبنانية تنقل عن دبلوماسي أميركي، يقول معلّقاً على القمة، يقول الجميع ينتظر انعقادها نظراً لأهميتها، ولكنني أعتقد ألا أحد يعرف فعلياً المفاتيح السرّية للقمة، حتى الذين يشاركون في إعدادها. ما قولكم؟

 

عبد الباري عطوان: أنا بتقديري القمة مهمة بلا شكّ. زعيما أكبر قوّتين في العالم يلتقيان في هلسنكي في ظلّ عالم متوتّر، هذا أمر لا يمكن التقليل منه ولا من شأنه. لكن السؤال هو، من القوي ومن الضعيف؟ أنا في تقديري، الرئيس ترامب يذهب إلى هذه القمة وهو في قمة الضعف، بمعنى أنه خسر معظم حلفائه الأوروبيين، كان استفزازياً، زاد من الكراهية للولايات المتحدة الأميركية، فشل فشلاً ذريعاً في الشرق الأوسط، قال إنه خسر أكثر من سبعين مليار دولار والنتيجة صفر، أيضاً يصف روسيا بأنها دولة عدوّة، يصف الصين بأنّها دولة عدوّة، يصف الاتحاد الأوروبي بأنه دولة عدوّة، فمن الصديق إذاً؟ السعودية مثلاً؟ الإمارات؟ إسرائيل أيضاً، لا ننسى ذلك. هل الولايات المتحدة الأميركية التي أنفقت 70 مليار دولار في سوريا فقط، وأكثر من سبعة ملايين دولار في الشرق الأوسط، هل انتهت بهذه الصورة الكارثية؟

نقطة أخرى. ترامب يذهب إلى هذه القمة وهو خاسِر أيضاً في ملفات أخرى، خاسِر في أوكرانيا، خاسِر في شبه جزيرة القرم، خاسِر أيضاً في جنوب شرقي آسيا، فما هي أوراق القوة التي يتمتع بها ترامب في هذا اللقاء؟ هذا هو السؤال.

 

محمد علوش: طبعاً أسئلة كثيرة، لكن أبرز الملفات المطروحة أستاذ عبد الباري عطوان، وهي ملفات تعتبَر أكثر من شائكة، الملف الإيراني، سواء في ما يتعلق بالملف النووي أو بإخراج النفوذ الإيراني من سوريا، من ناحية، وموضوع صفقة القرن التي طبعاً كان قبل أيام الرئيس محمود عباس في روسيا والتقى بالرئيس بوتين.

تقديركم، إلى أي حد ربما قد يكون هذان الملفان الأكثر طرحاً وإمكانية للوصول إلى نقاط مشتركة بين الرئيسين؟

 

عبد الباري عطوان: يا سيّدي، دعني أركّز على نقطة أساسية. لأول مرة لا يكون مستقبل سوريا، مستقبل الرئيس بشّار الأسد واستمراره في السلطة مطروحاً على هذه القمة. الآن الرئيس ترامب يسلّم بأنّ الوضع في سوريا في طريقه إلى الانفراج الكامل، إذا لم يكن قد انفرج كلياً بعد نجاحات الجيش العربي السوري في الجبهة الجنوبية الغربية واستعادته للغوطة ومعظم الأراضي السورية.

الأمر الثاني أنّ الرئيس ترامب لا يعرف ماذا سيفعل، ماذا سيفعل في إيران. لاحظنا في الفترة الأخيرة بأنّ الجانب الإسرائيلي لم يعد يطالب بخروج إيران من سوريا، وإنما باحتواء إيران في سوريا، وهنا فرق كبير جداً بين المُصطلحين. الرئيس ترامب فعلاً لا يعرف ماذا يريد، لا يستطيع إخراج إيران من سوريا. إيران لم تذهب إلى سوريا كدولة غازية، لم تذهب إلى سوريا متسلّلة. إيران ذهبت إلى سوريا من الباب ومن أجل الوقوف إلى جانب حليف يواجه مؤامرة، ومؤامرة أميركية على وجه التحديد، فلا تستطيع لا روسيا ولا أميركا إخراج إيران من سوريا. هذا أمر مسلَّم به. وترامب عندما يطالب بهذا الأمر، أعتقد أنه يتّسم بالسذاجة، لا يعرف المنطقة ولا يعرف إيران ولا يعرف سوريا. هذه نقطة.

النقطة الثانية، ترامب الآن يحمل المطالب الإسرائيلية، ترامب هو ممثل إسرائيل في هذه القمة وليس ممثل الولايات المتحدة الأميركية. هو يريد أن يكون سفيراً لإسرائيل، أن ينقل مطالب إسرائيل، هلع إسرائيل، هلعها، خوفها، رعبها من نمو القوّة الإيرانية من عودة محور المقاومة إلى صورة أقوى مما كان عليه في السابق. هذا هو الهدف الرئيسي من هذه القمة. أيضاً ترامب يريد أن يفرض عقوبات على إيران، قال بأنها ستكون أقوى حتى من العقوبات على كوريا الشمالية. كيف سيفرض هذه العقوبات يا أستاذنا من دون أن يكون الاتحاد الأوروبي معه مثلاً؟ أو كيف يستطيع أن يفرض هذه العقوبات في الوقت الذي لا يؤيّده أحد من انسحابه من الملف النووي الإيراني؟

 

محمد علوش: على ذكر الاتحاد الأوروبي، حصل نوع من التصحيح يبدو من البيت الأبيض بخصوص تصريحات الرئيس ترامب، بأنه قال خصومنا في روسيا والصين والاتحاد الأوروبي وليس أعداءنا. على أية حال، وكأنّ المعنى لا يختلف كثيراً لجهة الغرابة في العلاقة بين أميركا والاتحاد الأوروبي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

طبعاً كانت هناك تصريحات للرئيس الأميركي قبل أيام، بأنّ اقتصاد إيران هو على طريق الانهيار، ودعا حلفاءه إلى مزيد من التضييق وحصار إيران، وهناك توقّعات بمنع تصدير النفط الإيراني عبر الخليج إلى العالم.

تقديركم، هل يستطيع الرئيس الأميركي إقناع روسيا بشيء من هذه الملفات أو بالفصل بينها؟ وإذا كان هو غير قادر على ذلك، هل تعتقد أنّهم بالفعل سيذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك، أي بمعنى حصار كامل لإيران تمهيداً بالفعل لفرض شروط الولايات المتحدة عليها؟

 

عبد الباري عطوان: يا سيّدي أولاً، إيران تحت الحصار الأميركي منذ 30 عاماً، ولم تنهر إيران. طبعاً هناك صعوبات اقتصادية، وهذه الصعوبات الاقتصادية موجودة في العراق، موجودة في المملكة العربية السعودية، موجودة في دول عديدة بسبب ارتفاع أسعار النفط ولأسعار كثيرة. هذه نقطة. النقطة الأخرى، ترامب يريد أن يمنع أيّة صادرات إيرانية إلى العالم الخارجي. لا أعرف كيف سيمنع هذه الصادرات. إيران تصدّر 2.8 مليون برميل يومياً، أي تقريباً ثلاثة ملايين برميل يومياً. هذه الصادرات الإيرانية، وطلب من المملكة العربية السعودية، من الملك سلمان، أن يزيد الطاقة القصوى الإنتاجية السعودية إلى حوالى 12 مليون برميل، لكن المملكة العربية السعودية لا تمتلك مثل هذه القدرات، وستضطر إلى مواجهة صعوبات في هذا الأمر. لا يمكن أن يستطيع أن يلغي أو يوقف الصادرات النفطية الإيرانية لتجفيف موارد الدخل للحكومة الإيرانية، لسبب بسيط، لأن أكبر دولة مستوردة من النفط الإيراني هي الصين، بعدها تأتي الهند، بعدها تأتي تركيا. هذه الدول لا تأتمر بأمر الولايات المتحدة الأميركية، وتركيا قالت إنها ستستمر في استيراد النفط الإيراني، والصين نفس الشيء، 600 ألف برميل يومياً، قالت إنها ستستمرّ أيضاً في هذا المورد الأساسي للنفط. هذه نقطة.

النقطة الأخرى، إيران أيضاً لديها خيارات. أوروبا نفسها قالت إنها ستستمر في استيراد النفط الإيراني. أميركا هل تريد أن تفرض على العالم مقاطعة إيران كلياً؟ هل تستطيع أن تفرض على دبي التي تصدّر أكثر من ثمانية، أو حجم التبادل التجاري بين دبي وبين إيران أكثر من ثمانية مليار دولار سنوياً، هل تستطيع أن تفرض على الهند الدولة العظمى الناشئة ألا تتعاطى تجارياً مع إيران؟ هذه هي المسألة. ترامب في تقديري يتمتع بسذاجة كبيرة.

نقطة أخرى أستاذ. كيف سيكون الرد الإيراني؟ معقول أن تقابل إيران هذه العقوبات بالورود والرياحين؟ إيران أيضاً قوّة اقليمية عظمى، هدّدت على لسان السيّد روحاني.

 

محمد علوش: بدأت التصريحات الإيرانية وكأنها تهدّد أيضاً بمنع تصدير أي نفط من الخليج، ليس فقط من إيران في حال لو فُرضت العقوبات. بتقديرك، هل هذا جدّي؟

 

عبد الباري عطوان: نعم يا سيّدي. أنظر، قطع النفط من قطع الأعناق. إذا قرّرت أن تجوّع 70 مليون إيران، هل سيسكت الإيرانيون مثلاً؟ هذا أمر غريب جداً. إيران تصدّر ثلاثة ملايين برميل يومياً. المملكة العربية السعودية والعراق وقطر والإمارات والكويت وغيرها تصدّر من 18 إلى 19 مليون برميل عبر مضيق هرمز، أي النفط الإيراني يجفّ، والنفط السعودي والنفط الكويتي والنفط الخليجي سيتدفق من مضيق هرمز؟ بأيّ منطق؟ هذه مسألة مهمة جداً. حتى لو لم يغلقوا مضيق هرمز، حتى لو لم تغلق إيران هذا المضيق، لكن إذا قطعوا النفط عنها، ستجد نفسها مضطرة لإغلاق هذا المضيق. لا يحتاج الأمر إلى تكنولوجيا، يكفي إغراق سفينة ناقلة ضخمة. لكن هناك نقطة أخرى أستاذ، أيضاً إيران لو لغّمت الخليج، وافتعلت ذلك أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وهذه الألغام البحرية وصلت إلى البحر الأحمر وإلى قناة السويس وعطّلت الملاحة فيها، يعني يكفي إطلاق بعض الألغام، هذه تعطّل الملاحة النفطية والملاحة الدولية كلياً. هناك خيارات. إذا أنت قرّرت أن تخنقني ماذا أفعل أنا؟ أسكت؟ لا، ستتحرّك إيران، وعندها خيارات كثيرة.

 

محمد علوش: الشيء بالشيء يُذكَر. تقرير أميركي يتحدّث عن حلف إقليمي تقيمه الإمارات والسعودية في البحر الأحمر من خلال إعادة ترتيب العلاقة ما بين أثيوبيا وأريتريا، لا سيما في ما يتعلق بالموانئ، البعض اعتبره وكأنه رسالة مباشرة إلى الأتراك والإيرانيين في هذا الموقع البحري الاستراتيجي المهم لنقل سواء كان النفط أو حتى ما كانت تُتّهَم به إيران من نقل الأسلحة إلى المقاومة، سواء كان في لبنان أو في فلسطين المحتلة.

 

عبد الباري عطوان: يا سيدي، هناك السودان أيضاً، هناك مصر أيضاً، المسألة ليست بهذه السهولة. ماذا ستفعل أريتريا وأثيوبيا؟ أولاً، أثيوبيا لا تطلّ على البحر الأحمر على الإطلاق.

 

محمد علوش: تحتاج إلى أريتريا.

 

عبد الباري عطوان: نعم، أريتريا فقط تطل على البحر الأحمر، ولكن هل أريتريا لوحدها تستطيع مثلاً أن تتحكّم في مضيق باب المندب وتتحكّم بالملاحة في البحر الأحمر؟ هذا هو السؤال. أنا في تقديري لا، أنا في تقديري تركيا موجودة في السودان، وموجودة في الجزر السودانية، وتستثمر بشكل غير عادي في السودان، وهذه المسألة مهمة جداً. فليشكلوا تحالفات. الحوار هو الطريقة الأسلم. يجب أن يحلّوا مشكلة اليمن، يجب أن يستسلموا لأنّ هناك إرادة شعبية في اليمن لا تريد مثل هذا العدوان وستتصدّى له وستهزمه. هذا هو الطريق الأسلم، لا أن يشكّلوا تحالفاً. سبق أن شكّلوا التحالف العربي، ومنذ أربع سنوات يضرب في اليمن. ماذا أنجز التحالف العربي؟ هل استسلم اليمنيون؟ لا، لم يستسلموا، فأعتقد أنّ هذا الأسلوب، أسلوب المناكفة وأسلوب التحالفات لن يفيد. ما يفيد هذه المنطقة هو التركيز على عدو واحد.

 

محمد علوش: الغريب في الموضوع هو الدعوة لمواجهة مع إيران، في الوقت الذي تقيم فيه الولايات المتحدة الأميركية مع روسيا الآن حواراً رغم كل الملفات الملتهبة بين الطرفين، وهي قمة الملفات الشائكة بحسب ما تسميها صحيفة الخليج الإماراتية، متحدّثة عن لقاء الرئيسين الأميركي والروسي اليوم، مبرزةً أهمية هذه القمّة، ومتسائلة عمّا إذا كانت ستنجح في تذليل بعض الخلافات القائمة. نشاهد معاً.

 

الخليج الإماراتية: قمّة الملفات الشائكة،

تنعقد قمّة ترامب - بوتين وسط مخاوف حلفاء أميركا من حسم الكثير من القضايا على حسابهم، ناهيك عن المخاوف الداخلية الأميركية من تقديم تنازلات من جانب ترامب لنظيره الروسي في الكثير من الملفات، ولا سيما أن ترامب أعلن صراحة من بروكسيل أن الحديث مع بوتين قد يكون أسهل من الحديث مع الحلفاء الأوروبيين.

وهناك أيضاً شائعات كثيرة عن صفقات سيتم إبرامها، سواء على صعيد إعادة النظر في العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا على خلفية "التدخّل" الروسي في الانتخابات الأميركية، أو في قضايا الشرق الأوسط، وفي سوريا

 تحديداً، حيث وردت إشارات مسبقة في هذا المجال، وآخرها تخلّي واشنطن عن دعم المعارضة في الجنوب السوري، وما يُقال عن تخلّي ترامب عن الكرد أيضاً، وتسليم الملف السوري برمّته إلى روسيا، بما في ذلك بقاء النظام، مقابل ضمانات روسية بإخراج إيران نهائياً من سوريا.

ملفات أخرى كثيرة ستكون حاضرة في هلسنكي، منها القضية الفلسطينية والنووي الإيراني وأوكرانيا.. وغيرها، فهل تنجح هذه القمة في حسم الملفات الشائكة أو بعضها، أم أنها ستلحق بسابقاتها من القمم وتبقي على بؤر الصراع الدولية قابلة للانفجار في أي وقت؟

 

محمد علوش: عودة إليك أستاذ عبد الباري، وتعقيباً أو تكملة لما ورد في صحيفة الخليج، صحيفة الشرق الأوسط يكتب فيها دنيس روس، وهو معروف من هو ودوره كان في الشرق الأوسط، يقول لن يتغيّر سلوك بوتين في سوريا إلا إذا وجد أن تكلفة وجود روسيا هناك سوف تزداد، أو أن هناك شيئاً ما ذا قيمة يمكنه أن يحصل عليه. في الوقت الحالي، بحسب ما يقول، لا يقدّم الموقف الأميركي أي احتمال منهما.

هل تعتقد أنّ هذه القمة قد ترتدّ سلباً على العلاقات الأميركية الروسية؟

 

عبد الباري عطوان: لا أعتقد أنها سترتدّ سلباً لأنّ العلاقات سيّئة جداً، وعلينا أن نتذكّر، قبل شهرين طردت الولايات المتحدة الأميركية 50 دبلوماسياً روسياً على خلفيّة الجاسوس الروسي الذي تعرّض للتسمّم في بريطانيا. يا سيّدي، الآن هذه قوى عظمى. كل قوة لديها أوراق. سمعنا قبل انعقاد هذه القمة بأنّ هناك عملية مُقايضة، بمعنى أن يقول ترامب للرئيس الروسي بوتين، نحن على استعداد أن نرفع العقوبات ونتوقّف عن معارضتكم في القرم، وفي أوكرانيا، مقابل أن تحتووا الوجود الإيراني في سوريا، وألا يشكّل هذا الوجود خطراً على إسرائيل. سمعنا عن هذه المُقايضة. لكن أنا في تقديري، هذه المُقايضة لن تنجح على الإطلاق.

أما قول دنيس روس أنه يجب أن تدفع روسيا ثمناً غالياً في سوريا حتى تنسحب أو حتى تقبل ببعض الشروط الأميركية، هذا كلام فارغ. هو دنيس روس يعرف جيّداً بأنّ روسيا موجودة في سوريا منذ أربع سنوات أو خمس سنوات. ثانياً، الولايات المتحدة الأميركية مثلما قال ترامب نفسه استثمرت سبعين مليار دولار في سوريا، وجنّدت كلّ الأرض، وسلّحت معارضة، وجاءت بكل المتطرّفين، ورغم ذلك لم تنجح في تحقيق أي من أهدافها والآن ترفع الراية البيضاء مستسلمة، سواء في جنوب سوريا، أو في الشمال مع الكرد، أو في أماكن أخرى. هذه الحقيقة. ماذا يستطيع دنيس روس وماذا يستطيع أن يفعل ترامب للروس في سوريا؟ هذه المسألة، روسيا هي التي بدأت بقصف فصائل المعارضة المسلحة في درعا، وكان هناك تفاهم روسي أميركي لخفض التوتر في هذه المنطقة. ماذا يستطيعون أن يفعلوا؟ هناك إيران وهناك سوريا وهناك حزب الله وهناك روسيا. ماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل كي تلوي ذراع روسيا وتكلفها كثيراً في سوريا؟ هذه المسألة.

النقطة الأخرى، ربما ترامب ذهب إلى روسيا لأنه يعرف جيّداً، ذهب إلى بوتين لأنه يعرف جيّداً بأنّ مشنقة التحقيقات تقترب من عنقه، بوتين يملك ملفات ضخمة على ترامب، بوتين يعتبر ترامب شخصاً تاجراً وأحمق وزير نساء ويريد أن يأخذ منه أكبر قدر من المكاسب. أنا لا أستبعد أن يمارس الرئيس بوتين ضغطاً شرساً على ترامب.

 

محمد علوش: لو أردنا أن نفكّر بطريقة مختلفة، لا سيما نحن أمام إشكالية كبيرة، تعمل الدول على حلها بطرق مختلفة، بمعنى في حال لم تستطع الولايات المتحدة التأثير على تغيير الموقف الروسي في سوريا، هل يمكن أن تفرّق، أن تعمل على خارطة جديدة، على استراتيجية جديدة وهي التفريق بين روسيا وإيران بمعنى ضرب إسفين في العلاقة الروسية الإيرانية من خلال اللعب على وتر المصالح المتضاربة بين الطرفين، أو أن تذهب مباشرةً إلى حوار بالفعل مع إيران ما قد يشكّل صدمة أمام الداعم العربي لحصار إيران أميركياً؟

 

عبد الباري عطوان: يا سيّدي هذه وجهة نظر حقيقةً قوية وتستحق الاحترام والمناقشة أيضاً. طبعاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب ركع أمام كوريا الشمالية، ذهب إلى زعيم كوريا الشمالية والتقى به في سنغافورة، بعد التهديدات، وزرّي النووي أكبر من زرك النووي، وسأزيل كوريا الشمالية عن الخريطة، ماذا حصل الآن؟ لا شيء على الإطلاق. أميركا يمكن أن تغيّر موقفها. الولايات المتحدة الأميركية ألم تبلغ المعارضة المسلحة السورية رسمياً بأنها لن توفّر لها أيّة حماية في مواجهة تقدّم الجيش العربي السوري؟ ألم تتخلّ عن كثير من الحلفاء؟ ألم تتخلّ عنهم في فيتنام؟ ألم تتخلّ عنهم في أماكن أخرى من العالم؟ هذا هو السؤال. طبعاً ممكن، لكن المسألة الرئيسة في تقديري، هناك يا أستاذنا، روسيا تنطلق من استراتيجية معدّة بشكل محكم. روسيا أقامت تحالفاً استراتيجياً ثلاثياً مع تركيا ومع إيران إلى جانبها، وهذا التحالف هو الذي يرسم خرائط المنطقة بطريقة أو بأخرى، بمعنى هم اجتمعوا في سوتشي، اجتمعوا في أنقرة، والآن الاجتماع المقبل آخر هذا الشهر سيكون في طهران، الاجتماع الثلاثي سيقرّر ماذا سيفعلون في مسألة السلام في سوريا، كيف سيتصدّون للنفوذ الأميركي، كيف سيتصدّون للمؤامرات الأميركية. شاهدنا تركيا تخرج تقريباً من حلف الناتو، شاهدناها تشتري صواريخ أس 400 من روسيا، شاهدناها أيضاً تلوّح بأنّها ستشتري طائرات سوخوي المتقدّمة جداً، شاهدناها أيضاً تقترب أكثر من إيران وتعلن رسمياً بأنّها لن توقف صفقاتها التجارية مع إيران، الآن 15 ملياراً، ربما ترتفع إلى 35 مليار دولار، حجم التبادل التجاري بين إيران وتركيا في الشهور القادمة.

 

محمد علوش: لكن في المقابل، بحسب ما نقلت صحيفة الأخبار عن فصائل المعارضة السورية في الجنوب، من أنّ الروس أبلغوهم بأنهم لا ينبغي عليهم التوجّه إلى إدلب، لأنّ المرحلة القادمة ستكون هناك حملة عسكرية على إدلب. في المقابل، نسمع أيضاً تصريحاً للرئيس التركي، وهو يتحدّث إلى الرئيس الروسي، من أن أيّة عملية عسكرية للجيش السوري في إدلب قد تنهي كل اتفاقات أستانة، ما يطرح تساؤلاً كبيراً حول بالفعل جدية هذا الحلف الثلاثي الذي تتحدّث حضرتك عنه وهو تركيا، روسيا، إيران.

 

عبد الباري عطوان: يا سيّدي، هذا الحلف الثلاثي هو الذي أدى إلى خروج المسلّحين من الغوطة الشرقية وركوبهم الحافلات الحمراء باتجاه إدلب، هذا التحالف الثلاثي هو الذي أيضاً نجح في إخراج المسلحين من حلب الشرقية. هناك تفاهمات نحن لا نعرفها. إدلب تشكل معضلة، معضلة لتركيا على وجه التحديد. جرى تجميع المسلّحين المتطرفين، الإرهابيين في إدلب الآن. المعركة قادمة. السؤال هو، أين سيذهب هؤلاء وعائلاتهم؟ من المفترض أن تأخذهم تركيا. تركيا هي التي ساهمت في تقويتهم، في تسليحهم، في مرورهم. أين سيذهب هؤلاء؟ الآن إذا انفجرت معركة إدلب وهي وشيكة في ما يبدو، وبدعم وضوء أخضر روسي، يعني هؤلاء عليهم إما أن يستسلموا للسلطات السورية الرسمية، وإما أن يواجهوا الموت، لا خيار آخر، أو أن يذهبوا إلى تركيا، وتحتضنهم تركيا. هل تستطيع تركيا احتضان هؤلاء؟ تركيا لديها 3.5 مليون لاجئ سوري تريد أن تتخلّص منهم، تركيا التي قالت إنها تدعم سوريا والمعارضة السورية والثورة السورية، تركيا الآن تطلق النار بهدف القتل على أيّ سوري يخترق الحدود أو يلجأ إليها. هذا يعني بأنها ستمارس الأمر نفسه، أي مسلح أو أي إرهابي أو أي متطرّف أو أي جندي من الجيش الحر أو غيره يلجأ إلى تركيا سيواجه الموت، ممنوع أن يغادروا إدلب. بسبب هذه المعضلة الأساسية التي تواجهها تركيا في إدلب، تهدّد الآن، وتقول للروس إذا حصلت معركة إدلب وجاءني هؤلاء المسلحون، فأنا سأوقف قبولي لاتفاقات وقف التصعيد. هذا تهديد، لكن الواقع، إدلب ستعود إلى السيادة السورية مثلما عادت إليها حلب، مثلما عادت إليها حمص، مثلما عادت إليها درعا، مثلما عادت إليها دير الزور، مثلما عادت إليها تدمر، هذه مسألة محسومة، وفي بداية هذه الأزمة عندما كنّا نقول بأنّهم يجمّعون المتطرفين في إدلب للقضاء عليهم دفعة واحدة، كان البعض يسخر منا، الآن هذه هي الحقيقة تتجسّد. السحر ينقلب على الساحر الآن، وتركيا هي المأزومة وليس سوريا، وليس روسيا، المأزوم الآن تركيا، لأنّ أمامها الآن أكثر من مليون أو 2 مليون إنسان في إدلب، في جسر الشغور، في ريف حلب، هؤلاء سيلجأون إليها باعتبارها الحليف والأمّ الحنون. هل تقبل بهم؟ هذا هو السؤال.

 

محمد علوش: هو سؤال مطروح، لا شكّ في ذلك، خاصة على الأتراك، هو الرهان على مدى صمود هذا التفاهم الثلاثي التركي الإيراني الروسي، وصولاً إلى استراتيجية في مواجهة استراتيجية أخرى، لا سيما أنّ الدول الثلاث تلتقي كما هو واضح حول موضوع رفض صفقة القرن، وضرورة أن تكون الحقوق الفلسطينية كاملة كما تنصّ عليها مقرّرات الأمم المتحدة.

بعد الفاصل، نناقش ملفّ صفقة القرن، ما إذا كان مطروحاً على قمة اللقاء الأميركي الروسي.

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: حوار الساعة يجدّد بكم الترحيب مشاهدينا، ونجدّد معكم الترحيب بالأستاذ عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم الإلكترونية، نتناول فيه ملفات مطروحة على لقاء قمة ترامب بوتين.

حمادة فراعنة وهو كاتب أردني في صحيفة الدستور الأردنية، يقول إنّ مراهنات الذين وعدوا الإدارة الأميركية بجرجرة القيادة الفلسطينية وجلبها إلى مربع التعامل مع صفقة القرن قد فشلت، ويؤكّد أنّ أيّة محاولة جديدة ستبوء بالفشل إذا كان الأمر يستهدف إنهاء القضية الفلسطينية. نشاهد معاً.

 

الدستور الأردنية: هل يفلح ترامب؟

فشل الذين وعدوا الادارة الأميركية بجرجرة القيادة الفلسطينية وجلبها الى مربع التعامل مع صفقة ترامب الأميركية – الإسرائيلية لإنهاء القضية الفلسطينية.

العنوان المقيت والأمر المحزن أنهم يسعون لتطبيع العلاقات مع العدو الاسرائيلي، بدون أن يدفع ثمن الجرائم التي ارتكبها بحق الفلسطينيين والأردنيين، وبحق المصريين واللبنانيين والسوريين، ومن دون أن يتراجع عن نهجه العنصري الفاشي القمعي على الطريقة النازية التي تعلم منها واستفاد من خبراتها في قمع الشعب الفلسطيني ونهب حقوقه وسرقتها.

لقد سقط بوش الأب بعد أن عقد مؤتمر مدريد في شهر تشرين الأول 1991، وقبل أن يظهر فشله في إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وفشلت جهود إدارات كلينتون في كامب ديفيد، وبوش الإبن في أنابوليس، وأوباما خلال ولايته.

فهل يفلح ترامب في تحقيق ما فشل فيه أقرانه من قبله؟ وهل يمنح المشروع الاستعماري التوسّعي الإسرائيلي ما عجزت قوّته المتفوّقة من تحقيقه؟

 

محمد علوش: عودة إليك أستاذ عبد الباري. ألا يُعتبَر من التفاؤل المبالَغ به الحديث أنّ صفقة القرن على الأقلّ قد فشلت؟ ربما الحديث صحيح لجهة أن جرجرة السلطة الفلسطينية إلى مربع الحوار حول هذه القضية لم تنجح حتى اللحظة.

 

عبد الباري عطوان: يا سيّدي، دعنا ننظر إلى ما يسمّى بصفقة القرن من منظور الواقع على الأرض. أنا في تقديري جزء كبير من هذه الصفقة جرى تطبيقه على الأرض، بمعنى أنّ ضمّ القدس الشرقية أو تأكيد ضمّها، اعتراف أميركا وبعض الدول بها عاصمة أبدية، ليس للدولة الإسرائيلية وإنما لليهود في العالم، في تقديري نقل السفارة الأميركية إليها، هذا يُعتبَر جزءاً أساسياً من تطبيقات صفقة القرن. يجب أن نعترف بذلك. ما بقي من هذه الصفقة يُعتبَر تفاصيل. ما معنى أية صفقة وما معنى أي وجود للعرب والمسلمين في ظل أن تكون القدس عاصمة للدولة الإسرائيلية وعاصمة لليهود في العالم؟ طبعاً هناك حديث عن سلام اقتصادي، سلام إنساني، حل مشكلة قطاع غزّة إنسانياً، إقامة محطة تحلية في رفح المصرية، إقامة مثلاً محطة كهرباء ضخمة لتزويد القطاع بالكهرباء، حوالى 750 كيلومترا مربعاً من الأراضي تكون امتداداً لتوسيع قطاع غزّة، الآن هناك حديث لضمّ أجزاء من الضفة الغربية وعودة بعض الأجزاء الأخرى ليس إلى السيادة الفلسطينية أو إلى السلطة الفلسطينية وإنما إلى الأردن.

هذا كله صحيح، لكن الهدف الأساسي هو الوعي. ماذا جرى في المنطقة بما يؤدّي للتصدّي إلى هذه الصفقة؟ أولاً، أنا أختلف مع الرئيس محمود عباس، لكن حتى هذه اللحظة لم ينجرّ إلى هذه الصفقة ولم يقبل الحوار حولها، وهذا موقف يُحسَب له. الأمر الثاني والأساسي، هناك محور مقاومة، الآن هناك إيران، هناك سوريا، هناك العراق أو جزء أساسي من العراق، هناك حزب الله، هناك حركة حماس، أي الأمر ليس بالسهولة. والله يا سيّدي أنّ القلق في إسرائيل أكبر بكثير من أيّ قلق آخر في المنطقة العربية، طبعاً إسرائيل وحلفاؤها العرب، أي في منطقة الخليج وليس إسرائيل لوحدها.

 

محمد علوش: قلق ممّن؟

 

عبد الباري عطوان: قلق من محور المقاومة. الآن هناك 150 ألف صاروخ لدى حزب الله. يا سيّدي أعطيك مثلاً. تتخيّل، الآن حزب الله عنده طائرات مسيّرة، حماس عندها طائرات مسيّرة، سوريا عندها طائرات مسيّرة وطائرات غير مسيّرة. تخيّل، تطلق سوريا طائرة مسيّرة قيمتها 300 دولار فقط، تتصدّى لها إسرائيل بأكثر من صاروخ باتريوت، قيمة الصاروخ 7 ملايين دولار. نفس الشيء، إن أطلقت حماس طائرة مسيّرة، تتصدّى لها إسرائيل بعدّة صواريخ باتريوت، كل صاروخ قيمته 7 ملايين دولار. يا سيّدي، الآن في الوساطة المصرية، أهم بند من بنود الوساطة المصرية للتهدئة في قطاع غزّة أن توقف حماس الطائرات الورقية. تخيّل. هذا الهلع لدى إسرائيل، تخاف إسرائيل من طائرات ورقية. إسرائيل تخاف من بالونات حارقة. إسرائيل تقول يجب أن تتوقّف مسيرات العودة على الحدود.

تتخيّل، بنيامين نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل يقولون لك صلباً ويقولون لك قوياً ويقولون لك متطرفاً ويقولون لك زعيماً، ثلاث مرات ذهب إلى موسكو منذ بداية العام، ثلاث مرات، وقبلها ثماني مرات مجموع زياراته إلى موسكو. لماذا يذهب إلى موسكو؟ لأنه خائف، لأنه قلق. يا أخي، يقصف في حلب عند مخيم النيرب، يقصف يا سيّدي تيفور، ماذا بعد؟ كم مرة ستقصف؟ هذا دليل واحد مرعوب وليس شخصاً قوياً. ماذا أنتج القصف في سوريا؟ ماذا أنتج القصف لقوافل صواريخ حزب الله؟ هل أوقفوا هذه الصواريخ؟ هل ضعف حزب الله؟ بالعكس، الآن ونحن نعيش ذكرى الانتصار الكبير في جنوب لبنان، انتصار المقاومة، انتصار حزب الله، انتصار السيّد حسن نصرالله، ونحن نعيش الذكرى، ذكرى حرب تموز 2006، وفي هذا الشهر على وجه التحديد، حزب الله الآن باعتراف الإسرائيليين أكثر قوّة مما كان عليه، ربما عشر مرات أكثر قوّة، يعني إذا كان عنده خمسة آلاف صاروخ، الآن لديه 150 ألف صاروخ الآن من مختلف الأبعاد، سوريا عندها صواريخ، إيران عندها صواريخ، حزب الله عنده طبعاً، حركة حماس عندها صواريخ، الجهاد الإسلامي عندها صواريخ. أيّ وضع تعيشه إسرائيل حالياً؟ الأساس هو محور المقاومة. والله لو إيران تفاوضت مع إسرائيل، والله لو إيران حيّدت إسرائيل، والله العظيم لما وجدناهم أبداً تحدّثوا عن إيران ولا عن وجودها في سوريا ولا عن حزب الله ولا عن أي شيء. هذه هي المشكلة.

 

محمد علوش: إذا كان الهاجس لدى إسرائيل هو محور المقاومة، وعلى ذكر العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006، هو كرّس معادلة جديدة كرّستها المقاومة وهي القصف مقابل القصف. هذه المعادلة انتقلت طبعاً إلى فلسطين المحتلة، إلى قطاع غزّة خلال الحروب الماضية.

صحيفة الأخبار اللبنانية اليوم تتناول عملية القصف الإسرائيلي الذي حصل لقطاع غزّة بالأمس، وكيف كان ردّ الفصائل الفلسطينية بقصف الأراضي المحتلة، حيث حافظت المقاومة من وجهة نظر الصحيفة على معادلة القصف بالقصف. نشاهد معاً.

 

الأخبار اللبنانية: رسائل التصدّي من غلاف غزّة إلى صفقة القرن، علي حيدر

كشف العدوان الإسرائيلي، الأوسع منذ "الجرف الصامد" قبل أربع سنوات، عن أن مفاعيل النضال الشعبي تتفاعل في الساحة الإسرائيلية، وفرضت نفسها على جدول أعمال المستويين السياسي والأمني إضافة إلى الرأي العام الإسرائيلي.

في المقابل، كشف الرد الفلسطيني المكثّف والسريع، أكثر من 180 صاروخاً وقذيفة، عن تصميم المقاومة على مواصلة حماية شعبها، وعزمها على الردّ على القصف بالقصف، ومنع العدو من أن يفرض معادلته مع القطاع. وبلحاظ الضوابط التي التزم بها الطرفان خلال تبادل النيران، يمكن التقدير أن ما حدث شكل ارتقاءً كميّاً في القصف من دون تجاوز خطوط حمراء محدّدة للطرف الآخر.

والجديد أن العدو راهن على أن يرفع منسوب القلق لدى المقاومة من أن يكون هناك قرار بالذهاب حتى المواجهة الواسعة والمُتدحرجة والمتواصلة، لكنه اكتشف أن قيادة المقاومة تدرك تماماً القيود التي تطوِّق القرار الإسرائيلي.

المؤكد أن هذه الجولة من القتال الصاروخي ستحضر مع نتائجها ورسائلها لدى صنّاع القرار الأميركي والسعودي أيضاً، وتؤكّد لهم مجدّداً عزم الشعب الفلسطيني وقدرته ليس فقط على تحويل "غلاف غزّة" إلى ساحة ضغط على إسرائيل، بل أيضاً على "صفقة القرن".

 

محمد علوش: عودة إلى الأستاذ عبد الباري، وتكملة لما ورد في صحيفة الأخبار، عضو الكنيست ووزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني في مقابلة مع القناة الثالثة عشر، تقول، لا يوجد لدى الكابينت استراتيجية حيال غزّة، وهو منشغل بالخيوط والبالونات، لا باستراتيجية، ولذلك إما أن نتدهور إلى جولة قتال أخرى، أو تجميد للوضع الحالي.

بتقديرك، هل هذه استراتيجية إسرائيلية، بمعنى استراتيجية الغموض لقلق المقاومة، أم أنه بالفعل عاجز الاحتلال عن فعل أيّ شيء وأنّ المعادلة التي تطرحها المقاومة هي حقيقية وليست مجرّد ادّعاءات أو تهويل أن القصف يقابله قصف؟

 

عبد الباري عطوان: أنا أتفق مع ما تفضّلت به أستاذ بأنّ إسرائيل حقيقة لا تعرف ماذا تفعل في قطاع غزّة. خاضت ثلاث حروب في القطاع وفشلت فشلاً ذريعاً في أن تفرض إرادتها على حركة حماس وعلى فصائل المقاومة. فشلت فشلاً ذريعاً في أن تنهي ثقافة المقاومة. فشلت فشلاً ذريعاً بأن تنزع سلاح المقاومة، وتبعدها عن محور المقاومة في لبنان وفي إيران على وجه التحديد. الإسرائيليون في حال ارتباك وفي حال هلع، نعم، النار مقابل النار، إسرائيل اعتدت على قطاع غزّة، أطلقوا أكثر من مئة قذيفة وصاروخ رداً على هذا العدوان. ونقطة أخرى، أنّ المقاومة في قطاع غزّة رفضت رفضاً كلياً كل الشروط الإسرائيلية. حتى وساطة القاهرة، طبعاً هم يكفلون التهدئة، لكن هذه التهدئة مؤقتة وتكتيك ويعود بعد ذلك للمقاومة.

فقط نقطة، أودّ لفت نظرك أستاذنا ونظر المشاهدين، من ذهب على رأس وفد حماس إلى مصر للتباحث حول التهدئة وحول مواضيع أخرى كان السيّد صالح العاروري، وكان هو رئيس الوفد. ماذا يعني ذلك؟ هذا الرجل هو منسّق العلاقات بين حركة حماس وإيران، ومحور المقاومة، ومع حزب الله، وهذا الرجل هو من قادة الجناح العسكري الرئيسيين في حركة حماس، أي لم يبعثوا شخصاً مرناً أو سياسياً، لا، أرسلوا القائد العسكري في حركة حماس، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. هذه رسالة مهمة جداً تريد حركة حماس إيصالها، سواء لحلفاء أميركا في الخليج أو لإسرائيل أو للولايات المتحدة الأميركية، تقول بأننا نتمسّك بعلاقاتنا مع محور المقاومة، ونتمسّك باستراتيجيتنا التي تقوم على المقاومة. فأنا في تقديري، الآن هناك معادلة جديدة في قطاع غزّة، هذه المعادلة أنّ هذا القطاع لن يركع على الإطلاق، رغم الحصار، رغم التجويع، رغم قطع الكهرباء، رغم قطع الماء، رغم التلوّث، رغم القصف كله، لكنه ما زال صامداً وما زال ثابتاً على مواقفه. هذه هي الحقيقة، النار مقابل النار.

 

محمد علوش: جميل. لو اتفقنا جدلاً مع حضرتك أستاذ عبد الباري بأنّ المقاومة راكمت الخبرات، تطوّرت لديها الترسانة العسكرية، فرضت معادلات جديدة، لكن من المؤكّد، أو على الأقلّ ممّا يثيره البعض من نقاشات، أنّ البيئة الحاضنة لهذه المقاومة سواء كان في فلسطين، أو لبنان، أو في بقيّة العالم العربي، تآكلت، وأنّ الإعلام لم يكن مساعداً لدعم هذه المقاومة بقدر ما أنّه حمّلها كلّ المشاكل التي تحيط بالعالم العربي. هل كان الإعلام هنا دقيقاً، صريحاً، شفافاً مع المقاومة، أم أنه ينفّذ أجندة ما؟

 

عبد الباري عطوان: يا سيّدي، هذا إعلام مزيّف، هذا إعلام مُضلّل، هذا إعلام يريد كسر ثقافة المقاومة، وللأسف هو الإعلام الطاغي حالياً. هذا هو الإعلام الذي صوّر سقوط الرئيس بشّار الأسد مسألة أيام في سوريا. هذا الإعلام هو الذي صوّر بأنّ الشعب السوري كلّه يريد الإطاحة بالنظام، ولا يريد القتال. سبع سنوات وهو يكذب ثمّ يكذب ثمّ يكذب. الآن الصورة مختلفة كلياً. نعم، هم يقولون بأنّ الشعب في قطاع غزّة الآن ينقلب على حماس، يكره حماس، يريد إطاحة حماس، يعاني كثيراً تحت حُكم حماس. الشعب في قطاع غزّة، 2 مليون فلسطيني، أولاً، 80 في المئة من هؤلاء هم من اللاجئين من القرى التي أزالتها إسرائيل عن الخريطة، والمدن أيضاً، فهؤلاء لا يتظاهرون على الحدود من أجل أن يذهب خمسة آلاف عامل في قطاع غزّة للعمل في مطاعم تل أبيب، لا، هؤلاء يتظاهرون من أجل العودة إلى قراهم وإلى مدنهم، هؤلاء شاهدنا مئات الآلاف منهم يتدفّقون إلى الحدود تلبية للنداء، ويتظاهرون ويتطوّرون. والله عباقرة، عندما يطلقون طائرة ورقية ترعب إسرائيل، عندما يصنعون بالوناً متفجّراً يرعب إسرائيل، ناس جائعون، ناس ميّتون من الجوع، والله ميّتون من الجوع، وأنا أعرف كثيرين وأنا على اتصال معي. لكن يا أخي، رغم ذلك، يسيرون وهم مرفوعو الرأس، يسيرون ولديهم كرامة، طبعاً يختلفون مع بعض ممارسات حماس، لا شكّ في ذلك، لكن هم قضيّتهم، تركيزهم هو على القضية الأساسية، على الثوابت الفلسطينية، فدع هذا الإعلام يقول ما يشاء قوله، دعه يزوّر كما يريد. ها هو يزوّر في اليمن ويزوّر في غزّة ويزوّر في لبنان ويقول، لكن أيضاً هناك إعلام مضاد وهناك ناس شرفاء، يقولون لا، الصورة ليست كذلك، وأهلنا في قطاع غزّة صامدون، صامدون. 2 مليون فلسطيني، والله بعُمرك سمعت فلسطينياً يقول نحن لسنا عرباً، بعُمرك سمعت فلسطينياً يقول نحن لسنا مسلمين، بعُمرك سمعت فلسطينياً يخرج ويقول والله حزب الله أو المقاومة ليس حزبنا ولا يمثلنا؟ بالعكس. يا أخي، كلهم الآن مع ثقافة المقاومة، أو النسبة الأعظم منهم مع ثقافة المقاومة.

 

محمد علوش: دعني أستفيد من حضرتك معنا بما تبقّى لدينا من وقت، لأنّ هناك الكثير من الملفات بصراحة تحتاج إلى نقاش. بما أنّنا تطرّقنا إلى الإعلام، والنخب الثقافية هي جزء من هذا الإعلام، الذي يمارس دوراً ما في تشكيل الوعي العربي أو العقل العربي الجمعي بشكل عام.

الكاتب عبد العزيز السماري في صحيفة الجزيرة السعودية يقول، نحن في أمسّ الحاجة للتخلّص من عدة اتجاهات في العالم العربي للنهضة، طبعاً منها التخلّص من كل الإسلام السياسي، وأيضاً التخلّص من آثار الناصرية والبعثية الثورية في المنهج السياسي والاقتصادي. كلّ هذه الأطروحات فشلت في العالم العربي.

تقديرك، إلى أي حد بالفعل نحن بحاجة أن نكون شفافين إزاء هذه الطروحات وأن نعترف إذا ما كنا مخطئين في تبنّي بعض الأيديولوجيات التي لا تتناسب في عالمنا العربي؟

 

عبد الباري عطوان: يا سيّدي، هذه الأيديولوجيات لم تفشل، حقيقةً، هذه الأيديولوجيات حوربت حرباً شرسة، وكانت سنوات عجاف. الآن تتغيّر الصورة، الآن يرجع المدّ القومي العربي، المدّ الإسلامي العربي الحقيقي، يعود بقوّة الآن، بينما هم الذين يتراجعون، هذا الإعلام المُضلّل هو الذي هُزِم. من يصدّق هذا الإعلام في ليبيا وما الذي كان يقوله في ليبيا مثلاً، عندما مهّد للمؤامرة وبرّر غزو الناتو وشرّع غزو الناتو؟ من الذي الآن يثق بهذا الإعلام أو يستمع إليه، وهو الذي طيلة سبع سنوات من التضليل والكذب في سوريا والآن الصورة واضحة كلياً؟ من الذي يستمع إلى هذا الإعلام عندما يتحدّث عن التطبيع والشعوب العربية أو معظمها حقيقةً تقف ضدّ التطبيع؟ يا سيّدي، إذهب إلى شمال أفريقيا وانظر ماذا يشاهد هؤلاء، ماذا يشاهد أشقاؤنا في شمال أفريقيا، في المغرب العربي، يشاهدون القنوات الشريفة، يقفون مع محور المقاومة بكل قوّة، وأنا والله أتابع الإعلام العربي منذ 40 عاماً، والله أنّ هناك صحوة غير عادية وصحوة رائعة جداً، وقوية جداً، وعودة للثوابت الأساسية، والآن كلهم.

 

محمد علوش: سؤال أخير. متفائل حضرتك بالشارع العربي الذي على ما يبدو بدا منشغلاً بقضايا محلية ولا تثيره القضايا ذات البُعد القومي والهويات بشكل عام؟

 

عبد الباري عطوان: لا يا سيّدي، والله الرأي العام العربي يعود أقوى ممّا كان. الآن أزيلت الغشاوة عن عينيه. قصة الربيع العربي التي استغلّها الأميركان واستغلّها الأوروبيون لتدمير المنطقة وتفتيتها، هذه فشلت الآن. يا سيّدي، أنا شُتِمت كثيراً في الموضوع الليبي. الآن يقول لي الليبيون ليتنا سمعنا كلامك. والله نفس الأمر في سوريا، كم شُتِمنا في سوريا لأننا كنا نقول أنّ هذه مؤامرة، ويجب أن نتصدّى لها، والهدف هو سوريا وليس النظام، أيضاً نفس الأمر. الآن لا، الآن هناك صحوة، الآن الناس أدركت الحقيقة. يا سيّدي، أنظر الهجوم الآن على فصائل المعارضة، والخلافات التي تجري في إدلب، كلّ هذا يعطيك إيحاء بأن هناك صحوة، يا سيّدي المُصالحات التي حصلت في درعا، الناس الذين عادوا إلى حضن الوطن، الآن الذين يرجعون من أوروبا إلى سوريا، يحتفلون فيها، يعيدون إعمارها، يا أخي هذه هي الصحوة الحقيقية.

 

محمد علوش: للأسف تعزّ عليّ مقاطعتك أستاذ عبد الباري عطوان، لكن أدركنا الوقت وهو سيف كما تعلم.

كلّ الشكر والتقدير لك على حضورك معنا، وعلى أمل اللقاء بك مرّة أخرى، شكراً جزيلاً لك.

كما نشكركم مشاهدينا على حُسن المتابعة. إلى اللقاء.