حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

القس متري الراهب - مؤسس ورئيس كلية دار الكلمة الجامعية للفنون والثقافة في بيت لحم

 

محمد علوش: كمسيحيّ لا أفقد الأمل بهذا الشرق العربيّ، فنحن المسيحيين متجذّرون في هذه الأرض كشجر الزيتون. هنا جذورنا، هنا سنبقى.

هكذا أراد ضيفنا لهذه الحلقة اختصار واقع المسيحيّين اليوم في المشرق العربيّ، لا سيما في فلسطين حيث وُلد المسيح عليه السلام، ومن ترابها ومائها جبل جسده. هي فلسطين التي قال الشاعر محمود درويش في معاناة المسيح فيها قديماً وحديثاً وضعوا على فمه السلاسل ربطوا يديه بصخرة الموتى وقالوا أنت قاتل، أخذوا طعامه والملابس والبيارق ورموه في زنزانة الموتى وقالوا أنت سارق، طردوه من كل المرافئ ثم قالوا أنت لاجئ، يا دامي العينين والكفّين إنّ الليل زائل لا غرفة التوقيف باقيةٌ ولا زرد السلاسل.

في حلقة اليوم نسأل عمّا إذا كان الاحتلال لفلسطين قد نجح في ترحيل المسيحيّين منها.

نسأل عن ثقافة المقاومة في اللاهوت المسيحي، عن المسيحيين العرب ومحوريتهم في القضايا العربية والفلسطينية بشكل خاص، عن مصير المقدّسات المسيحية تحت الاحتلال.

ضيفنا القس الدكتور متري الراهب مؤسّس ورئيس كلية دار الكلمة الجامعية للفنون والثقافة في بيت لحم.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حياكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ومباشرةً إلى بيت لحم مع الدكتور متري الراهب. صباح الخير دكتور.

 

القس متري الراهب: صباح الأنوار.

 

محمد علوش: أهلاً وسهلاً بك في هذه الصباحات. اليوم، طبعاً إسرائيل تقرّ قانوناً جديداً وهو ما يعرف بقانون القومية الذي يؤكد على يهودية الدولة الإسرائيلية، وفيه مجافاة كبيرة لأهل فلسطين المحتلة وللغة العربية، للتاريخ، وللجغرافيا الفلسطينية.

أنتم كمسيحيين كيف تقرأون هذه الخطوة الإسرائيلية؟

 

القس متري الراهب: طبعاً هذه خطوة عنصرية بالدرجة الأولى، هي محاولة أخرى لتهويد فلسطين وللتمييز العنصريّ ضدّ أبناء هذه الأرض الأصليّين العرب من مسيحيين ومن مسلمين، وهي تأتي أيضاً في سلسلة من القوانين العنصرية التي بالآونة الأخيرة أكثر الاحتلال من تبنّيها، في محاولة لخطف فلسطين وتهويدها في ظلّ ضعف عربي مخيف.

 

محمد علوش: السؤال الذي يطرح نفسه لجهة طبعاً الوجود المسيحي في مقاومة هذا الاحتلال، حضرتك في أحد الحوارات تقول، المسيحيون هنا، أي في فلسطين، هم حجر عثرة في وجه المخططات الإسرائيلية الرامية إلى تحويل الصراع من صراع وطني حول الشعب أو شعب وأرض إلى صراع ذي طابع ديني.

ما الدور الذي قد يلعبه وقد لعبه ولا يزال المسيحيون في هذا الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي؟

 

القس متري الراهب: فعلاً وجودنا كما أعتقد هو حجر عثرة في وجه المخططات الإسرائيلية، لأنها فعلاً تحاول أن تفبرك هذا الصراع، الاحتلال على أنه صراع بين اليهودية وبين الإسلام، بين اليهود وبين المسلمين، وتحاول تبرير هذا الفكر، خاصة في الغرب ولكن بشكل متزايد أيضاً في بعض الدول، في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، فهذا أمر خطير جداً، لذلك كنا وما زلنا نقول إن هذا الصراع هو صراع على الأرض، على مواردها، صراع على التاريخ، صراع على الهوية وصراع على الرواية، وبالتالي وجودنا كمسيحيين يبطل هذا الادّعاء أنّ هذا صراع يهودي إسلامي، وإنما هو صراع في الواقع وطني أولاً وأخيراً.

 

محمد علوش: طبعاً في إحدى الكتابات لحضرتك، أحد الكتب، وأنت تتحدّث عن الوجود المسيحيي في فلسطين تاريخياً وحديثاً، تقول إن نسبة المسيحيين في فلسطين وصلت الآن إلى ما دون 2 فاصل 6 إلى 1 فاصل 7 بالمئة من سكان فلسطين التاريخية. دائماً ما كان يحكى على أن تهجير المسيحيين الفلسطينيين من فلسطين هو يأتي لأسباب غير مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي بقدر ما هي مرتبطة بالحيثية المسيحية داخل الأراضي المحتلة.

تقديرك، ما مدى صدقية هذه الأطروحة؟

 

القس متري الراهب: في الواقع في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قمنا بعمل دراسة كبيرة عن موضوع هجرة المسيحيين من فلسطين بالذات. في هذه الدراسة، أولاً تاريخياً، رأينا أن هناك أربع موجات في المئة سنة الأخيرة هاجر فيها المسيحيون الفلسطينيون.

الموجة الأولى كانت حوالى سنة 1900، حيث هاجرت مجموعة كبيرة من المسيحيين الفلسطينيين من منطقة بيت لحم بالذات وبيت جالا إلى أميركا اللاتينية، اليوم هناك حوالى نصف مليون مسيحي من أصل فلسطيني في أميركا اللاتينية، الجزء الأكبر منهم يعيش في تشيلي، هذه الفترة أيضاً في لبنان هاجر الكثيرون إلى البرازيل والأرجنتين وغيرها. كانت هذه جزءاً من حركة هجرة عالمية، لم تكن هجرة فلسطينية بالذات.

موجة التهجير وليس الهجرة الثانية كانت حوالى سنة 1948 أي عند إقامة دولة إسرائيل، كما تعلم تم تهجير أكثر من 750000 فلسطيني، في ذلك العام انخفضت نسبة المسيحيين الفلسطينيين في غضون ثلاثة أشهر من 8 بالمئة إلى 2 فاصل 8 بالمئة، أي أنّ النكبة الفلسطينية كانت أكبر صفعة وُجّهت للمسيحيين الفلسطينيين. المسيحيون الفلسطينيون عانوا من النكبة وهجروا إلى أقاصي الأرض في تلك السنة. هذه كانت أخطر موجة هجرة ربما.

الموجة الثالثة كانت في الزمن الأردني. في ذلك الوقت هاجر الكثير من المسيحيين الفلسطينيين من منطقة رام الله، القدس، بيت لحم، إما إلى الدول العربية لأنه كانت هناك طفرة النفط وبالتالي دول الخليج ولكن أيضاً الجزائر وليبيا بحاجة إلى أيدٍ عاملة متعلّمة، بحاجة إلى معلمين وبحاجة إلى مفكّرين، فكثير من المسيحيين الفلسطينيين في تلك الفترة، أي في الستينات، هاجروا إلى الدول العربية للعمل، بسبب العمل.

ولكن الموجة الرابعة ارتبطت بالاحتلال، ومشكلة هذه الموجة الرابعة أنّها جرح دامٍ طوال الوقت، لم تتوقف من العام 67 إلى اليوم. هناك سلسلة من الهجرات الفلسطينية المسيحية خاصة إلى دول الغرب، إما أميركا أو كندا أو أوروبا، وذلك بسبب معيقات الاحتلال، هذا هو السبب الذي ظهر أيضاً معنا في الدراسة.

 

محمد علوش: طبعاً هناك دراسة تم إعدادها في دار الكلمة، حضرتك رئيس هذه الدار، عام 2017 تحت عنوان المسيحيون الفلسطينيون بين الهجرة والتهجير والصمود. تظهر الدراسة أن 28 بالمئة من المسيحيين و24 بالمئة من المسلمين الذين شملهم الاستطلاع يفكّرون بالهجرة حالما تتاح لهم الفرصة نظراً لتردّي الأوضاع في الشرق الأوسط.

تقديرك، كيف يمكن أن يخدم هذا الثبوت أو ثبات الشعب الفلسطيني على أرضه؟

 

القس متري الراهب: كل إنسان نفقده هو خسارة كبيرة لفلسطين سواء كان مسيحياً أو مسلماً، ولكن الخطورة في الموضوع، أنه إذا سألنا سؤالاً من يهاجر، الذي يهاجر عادةً هو إما صاحب رأس المال، أو هو الإنسان المتعلّم، وبالتالي الذي يجد فرصاً كبيرة له في الغرب أو في بعض دول الخليج، وبالتالي فلسطين تفقد أهم عنصر إنساني في هذا النسيج الاجتماعي والوطني، وبالتالي فلسطين مع كل إنسان يهاجر تنزف أكثر فأكثر.

 

محمد علوش: مع الحديث عن قانون القومية الذي تم بتّه اليوم في إسرائيل، الحديث عن صفقة القرن، هناك مبادرات عربية طرحت.

صحيفة الحياة اللندنية يرى فيها عبد الوهاب بدرخان أن صفقة القرن الحقيقية التي قد تنهي الاحتلال وتقيم السلام الفعلي هي المبادرة العربية للسلام وليس شيئاً آخر. نشاهد معاً.

 

الحياة اللندنية: صفقة القرن الحقيقية هي المبادرة العربية للسلام، عبد الوهاب بدرخان.

بعد تأجيل متكرّر وتعديلات متواصلة لم يعد هناك موعد بل لم يعد متوقّعاً الإعلان عن صفقة القرن، فكيفما كانت صيغتها فستكون مجرّد مخطط يُحاك في الظلام فأصحابها يعرفون أنها غير مشروعة وغير قانونية وغير متوازنة. لذلك فإنهم بدأوا تطبيقها ولن يعلنوها. لن يطرحوها للنقاش لأنهم مدركون أن العالم وليس الفلسطينيين وحدهم لن يقبلوها ما دامت ترمي إلى تكريس عملية احتيال على القانون الدولي، لكنهم باشروا عملياً فرض الصفقة ويضعون المجتمع الدولي أمام الأمر الواقع. فأميركا المحتكرة حل النزاع قرّرت أن تتصرّف على الطريقة الترامبية الهوجاء مستنداً وفق ما يقال إلى موافقة إسرائيلية وبعض عربية.

واقع الأمر أن صفقة ترامب نتانياهو ليست على حساب الفلسطينيين فحسب بل إنها صفقة صفعة ضد العرب بما يعنون لأنفسهم وللعالم حاضراً ومستقبلاً. فالفلسطينيون يعاقبون الآن لسبب بديهي وحيد لأنهم لا يزالون موجودين ويطالبون بحريتهم ويريدون تحقيق حلمهم ولأنهم لم يفهموا منذ مؤتمر مدريد وبعد اتفاق أوسلو أن أي سلام يأملون به سيبقى محكوماً بالإرادة الأميركية الإسرائيلية وبالتفاهمات المفصلة غير المعلنة بين الحليفين لمؤدّى المفاوضات وحدود السلام وصيغ الاتفاقات مع الفلسطينيين.

كانت فلسطين العنوان الوحيد الذي يجمع العرب وكانت هناك اعتراضات شديدة على المبادرة العربية للسلام عندما أقرّت في قمّة بيروت، ومع الوقت تبيّن أنها مبادرة شجاعة وواقعية تهجس بالمستقبل وتريد تأسيس استقرار إقليمي قائم على صلح براغماتي منصف لطرفي الصراع.

 

محمد علوش: نعود إليك سيادة الدكتور متري الراهب لنسأل موقف المسيحيين لجهة صفقة القرن أو المبادرة العربية للسلام، حضرتك أكيد مطّلع سواء على ما يتم تسريبه من صفقة القرن أو المبادرة العربية التي اعتمدت في قمة بيروت من قِبَل جامعة الدول العربية عام 2002.

تقديركم، إلى أي حد ممكن أن تسهم هذه المبادرات في إنهاء هذا الصراع؟

 

القس متري الراهب: في الواقع المبادرة العربية في حينها كانت خطوة، ربما محاولة أخيرة لإيجاد حل مقبول وليس عادلاً، إنما مقبول للقضية الفلسطينية، بحيث يكون هناك استقرار معين في هذه المنطقة. ولكن أنا لا أؤمن أن هناك صفقة قرن كما نسمع طوال الوقت. هذه الصفقة هي صفعة لكل العرب، وهي صفعة للفلسطينيين بنوع خاص.

أنا أعتقد أنّ ما يسمّى بصفقة القرن هي محاولة لذرّ الرمال في العيون وهي محاولة تبرير هذه السياسات الإسرائيلية بالعنصرية. بطريقة أخرى نحن ننقل السفارة ولكن نعدكم صفقة قرن، نسمح لإسرائيل بتمرير هذه القرارات العنصرية، ولكن نعدكم بشيء ما. ولكن أنا لا أعتقد أن هناك أي شيء. هناك محاولة أخيرة خطيرة لتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي. هذا أمر خطير جداً كما أظن.

 

محمد علوش: عام 2017، في بيان للبطاركة ورؤساء جميع الكنائس بالقدس المحتلة، توجّهوا برسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب جاء في الرسالة، "إننا نتابع وبقلق التقارير الخاصة حول احتمال تغيير الولايات المتحدة في كيفية فهمها وتعاملها مع مسألة القدس".

تقديركم، إلى أي حد هذا الصوت قد يكون مسموعاً أميركياً؟ وهل من آليات ما تعتمدونها لتغيير وجهة النظر الأميركية لجهة طبيعة هذا الصراع؟

 

القس متري الراهب: في الواقع، للأسف الإدارة الأميركية الحالية لا تصغي ولا يهمّها أن تصغي إلى أصوات رؤساء الكنائس في القدس. في الواقع، الرسالة التي ذكرتها تم إرسالها قبل حوالى أسبوع من الإعلان عن نقل السفارة، وبالتالي ضرب الرئيس ترامب هذه الرسالة بعرض الحائط.

أنا أعتقد أن نقل السفارة الأميركية إلى القدس جاء بدوافع داخلية أميركية. الرئيس ترامب يواجه مشاكل كثيرة، ويريد أن يصوّر نفسه أنه الرئيس الوحيد الذي يوفي بما يعد، وبالتالي هو كان قد وعد بنقل السفارة كما وعد غيره من الرؤساء، ولكن هو يحاول أن يُظهِر للأميركان أنه جاد وصادق. هذا أولاً.

ثانياً، نقل السفارة هذا جاء أيضاً في محاولة لكسب اليمين الصهيوني المسيحي في الولايات المتحدة، والذي دعم ترامب بشكل كبير في الانتخابات، وبالتالي عند افتتاح السفارة كان هناك قسيسون من الكنائس المسيحية، صلّوا في ذلك الحفل. هؤلاء يمثلّون هذه القاعدة الانتخابية للرئيس ترامب.

ثالثاً، أعتقد أن نقل السفارة، ربما هذه أهمّ نقطة، هو كان خطة وضعها ثلاثة أشخاص من اليهود الأميركان المساندين للاستيطان في الضفة الغربية. أنا أتحدّث هنا عن السفير الأميركي في إسرائيل فريدمان، أنا أتحدّث هنا عن المبعوث الأميركي للشرق الأوسط غرينبلات، وأتحدث عن كوشنر، وهو زوج ابنة الرئيس ترامب. هؤلاء الثلاثة من اليهود الأميركيين المساندين للاحتلال والمساندين للاستيطان. أنا أعتقد أنهم هم الذين طبخوا الطبخة، وما كان على الرئيس الأميركي إلا أن يلتهمها.

أخيراً هناك عنصر رابع، أعتقد أيضاً لعب دوراً مهماً في نقل السفارة، هو اللوبي الذي يساند العسكرة وبيع الأسلحة، لأنه كما تعلم، بسبب الصراعات الشرق أوسطية، هذه الصراعات الشرق أوسطية وتأجيج الصراع السنّي الشيعي والذي لم يكن موجوداً من قبل، أعتقد أن هذا الصراع هدفه بيع أكثر للأسلحة. تصوّر أنه في عام 2017، أنفق الشرق الأوسط مئة مليار دولار في شراء الأسلحة، طبعاً بالدرجة الأولى من أميركا وبالدرجة الثانية.

 

محمد علوش: ذكرت حضرتك دعم اليمين المسيحي الصهيوني كما سمّيته للرئيس ترامب في هذه الخطوة، في ما يُعرَف بين قوسين صفقة القرن، ولذلك يتمّ الحديث هنا عن تحالف مسيحي صهيونيّ، مسيحي يهوديّ، طبعاً نقصد هنا بالتوجّهات الغربية لا سيما على الصعيد الرسمي.

صحيفة القدس العربي في دراسة تنقلها طبعاً عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تتوقع الدراسة الإسرائيلية ظهور تصدّع مستقبلي في التحالف الإسرائيلي الأميركي لجهة دعم اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأميركية. نشاهد معاً.

 

القدس العربي اللندنية: باحثة إسرائيلية تحذّر: التحالف الإسرائيلي الأميركي معرّض للتصدّع، وديع عودة

تحذّر باحثة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب من تراجع دعم الولايات المتحدة لإسرائيل نتيجة تحوّلات عميقة داخل المجتمع الأميركي. وخلافاً لما هو شائع في إسرائيل، تحذّر الباحثة الدكتورة سارة فوير من تعويل إسرائيل على الجماعات المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة خاصة المتشدّدين، وتوضح أن قوّة هذه الجماعات في تراجع وتوصي بالاهتمام في تطوير العلاقات مع أوساط أميركية أخرى.

وتقول فوير إن المتشدّدين يشكّلون اليوم 17 في المئة من السكان في الولايات المتحدة، ورغم التشديد على أن العلاقات بين إسرائيل وبينهم ليست جديدة وتنبع من معتقدات دينية قائمة بالعهد القديم مفادها أن الله منح فلسطين للشعب اليهودي، ومن  الشعور بالذنب، ذنب ينمّ عن تعامل مسيحي سيّىء مع اليهود تاريخياً، منوّهة أنه بالنسبة للكثير من المتشدّدين والمسيحيين الصهاينة في الولايات المتحدة، فإن عودة فلسطين لسيطرة اليهود بصفتها أرض الآباء الموعودة تشكل خطوة في الطريق لبدء فترة تنتهي بعودة اليهود للمسيحية.

وحول تأثير المتشدّدين على البيت الأبيض وعلى السياسات الأميركية الخارجية قالت إن الحقيقة مختلفة عما يعتقد كثيرون، وعلّلت ذلك بالقول، هناك اعتقاد شعبي بأن مصدر ومركز قوة الجمهوريين موجود في وسط المتشدّدين، وهذا خطأ.

في انتخابات 2016 بلغت نسبة المصوّتين المتشدّدين البيض لدونالد ترامب 26 في المئة من مجمل المُتشدّدين، ولكن هذا ليس جديداً، ففي انتخابات 2004 صوّت 78 في المئة من هؤلاء لجورج بوش. هذا يعني أن دعمهم للحزب الجمهوري الأقرب لإسرائيل في تراجع واضح.

 

محمد علوش: طبعاً سيادة الدكتور متري الراهب ليس غريباً بالفعل هو دعم اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأميركية لتوجّهات إسرائيل، لكن القلق الذي يطرح نفسه، إلى أي حد قد تؤثّر هذه الأطروحة أو يروَّج لها وتسوَّق لدى المسيحيين في المشرق العربي؟

 

القس متري الراهب: أنا أعتقد أنّ فعلاً المسيحيين الصهاينة في تراجع، ولكن ليس بذلك التراجع الكبير الذي سمعنا عنه بالتقرير، على الأقلّ حسب المعلومات المتوافرة لديّ. هذا أولاً.

ثانياً، هؤلاء المسيحيون الصهاينة هم آخر حليف لإسرائيل، لأنّ العالم كله سئم الاحتلال. لا يوجد إنسان لديه ذرّة ضمير، تهمّه حقوق الإنسان، يستطيع اليوم أن يدافع عن إسرائيل، وهذه القوانين العنصرية التي يسنّها البرلمان الإسرائيلي هذه الأيام أيضاً تبعد الكثير من أصدقاء إسرائيل عن إسرائيل.

وحتى اليهود، الكثير من اليهود سئموا إسرائيل بحلّتها الحالية. أحد الأصدقاء اليهود الأميركان قال لي، في العام 67 هلّلنا لانتصار إسرائيل وقلنا هذا هو داوود الصبي الصغير يغلب الدول العربية مجتمعة، وبالتالي كنا فخورين بهذا الإنجاز. مع الانتفاضة الأولى أصبحنا نشعر أن هناك خللاً ما في هذه الدولة. اليوم أصبحنا نستحي أن نقول إنّ هناك رابطاً بيننا كيهود وبين دولة إسرائيل.

إذاً حتى مع اليهود الأميركان مثلاً أو اليهود الأوروبيين، هناك تراجع في دعم إسرائيل. في الولايات المتحدة قبل عشرين عاماً، كان هناك فقط إيباك، لوبي واحد، ولكن قبل 12 سنة ربما، ظهرت جاستريد، هؤلاء يهود أميركان مع حل الدولتين، وفي السنين الأخيرة ظهر Jewish Voice for Peace وهم يهود يدعون إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها. هناك مجموعة يهودية جديدة إسمها "if not now”، إذا لم يكن الآن الوقت لإنهاء الاحتلال، متى يكون؟ وبالتالي هناك تراجع في الدعم لإسرائيل أعتقد على كل المستويات، ولكن المشكلة هي ليست في دعم إسرائيل بل هي في الضعف العربي، لأنه مع ما يسمّى بالربيع العربي، للأسف تم بعد تدمير العراق، تم تدمير سوريا، وتمّت خلخلة الوضع في مصر، وأصبح همّ الخليج العربي هو إيران، وبالتالي هذا الضعف العربي هو الذي يجعل إسرائيل وأميركا حالياً تستقوي على الفلسطينيين وليس الدعم الدولي الموجود هناك، لأنه كما تعلم أيضاً هناك الكثير من الكنائس التي نسميها الكنائس الوثارية، المشيخية، الأنجليكانية وغيرها في أمريكا، مثلاً في الفترة الأخيرة وافقت الكنيسة الأسقفية هناك على سحب الاستثمارات من مجموعات أو من مؤسسات تدعم الاحتلال. وبالتالي هناك صحوة مسيحية غربية.

 

محمد علوش: سيادة الدكتور، طبعاً سنتحدّث بالتفصيل عن هذه الخطوات، لا سيما الخطوات التي تعتمدونها في الغرب لتعزيز صورة المقاومة، لتعزيز صورة المقاطعة لإسرائيل في المحافل الغربية، لكن بعد فاصل قصير.

مشاهدينا أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نرحّب بكم من جديد مشاهدينا في هذه الحلقة التي نخصّصها للحديث عن لاهوت المقاومة في الفكر المسيحيّ، أيضاً عن المقاطعة المسيحية لإجراءات الاحتلال الإسرائيلي، عن سلوكيات جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين، لا سيما مع نشر صحيفة الأخبار اللبنانية اليوم تقريراً يُبرِز همجية الاحتلال وعنصريّته وسرقاته الممتلكات الخاصة للفلسطينيين. نشاهد معاً.

 

الأخبار اللبنانية: الجنود الإسرائيليون في الاقتحامات: لصوص قبل أن يكونوا عسكراً، مي رضا

لا يتورّع جنود العدو الإسرائيلي عن قلب كل منزل يدهمونه في مدن الضفة المحتلة والقدس رأساً على عقب ليس لتنفيذ المهمات الموكلة إليهم فحسب مثل تسليم تبليغ أو اعتقال أحدهم بل يتعمّدون سرقة ما يجدونه من أموال تحت دعوى أنها أموال إرهابية.

يشبه الأمر ما يحدث في قضايا الملف الأمني السرّي التي تشمل الاعتقال الإداري للفلسطينيين ومنعهم من الحصول على تراخيص زيارات أو عمل أو سفر، وكل ذلك بلا مبرّر أو مرجع قضائي يمكن العودة إليه لمعرفة مصير الأموال. ويكون الرد في حالات كثيرة أن ما حدث كان تحت غطاء الأوامر العسكرية حتى من دون التأكّد أن الأموال المسروقة صودِرت رسمياً لمصلحة صندوق إسرائيلي معروف أو أخذها الجنود عنوة ولم يبلغوا عنها.

يقول باحثون في شؤون الأسرى إن مصادرة الأموال لا تقتصر على المبالغ المالية بل تطاول الممتلكات المادية، لكن هذه المصادرات تعطى في شأنها ورقة من الجيش، لكنها لا تمثل ضماناً لإرجاعها بل إقراراً بحدوث المصادرة.

مع ذلك، نالت المصادرة شرعية أكثر بعدما ناقش الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) تشريعات تهدف إلى السماح بمصادرة أموال الفلسطينيين المنقولة وغير المنقولة بما يشمل الملكيات الشخصية.

ويقول العدو إن حملات المصادرة تجري بناء على معلومات أمنية، وأن الأموال المصادرة تُنقَل إلى الإدارة المدنية التابعة له ليستثمرها في مشاريع مدنية تدعم السكان الفلسطينيين.

 

محمد علوش: طبعاً إضافة لذلك، الاحتلال لا يفرّق بين المسيحيين والمسلمين كما تقول حضرتك في إحدى المقالات.

المطران عطا الله حنا يقول المسيحيون تُسرَق منهم أوقافهم بطرق غير شرعية وغير قانونية ويُستهدَفون في حضورهم التاريخي العريق في هذه الأرض المقدّسة.

السؤال، أيّ دعمٍ تتلقّونه من إخوانكم في الكنيسة الغربية لمواجهة هذه الأخطار الإسرائيلية تجاه الأوقاف المسيحية، تجاه التاريخ المسيحي أيضاً؟

 

القس متري الراهب: طبعاً هناك بعض الدعم من الكنائس الغربية في هذا المجال، طبعاً الكثير من الكنائس الغربية تدعم الكنائس في القدس، خاصةً في المواضيع المتعلقة بالمدارس، بالمستشفيات، بالخدمات الإنسانية بالدرجة الأولى. لم يرتقِ هذا الدعم حسب ما أعتقد، إلى دعم سياسي ممنهج. هذا ما نفتقده، وبالتالي حتى نوقف إسرائيل مثلاً في مصادرة الأوقاف المسيحية، لا بدّ أن يكون هناك دعم سياسي ممنهج في الغرب لتحريك هذه الدول، حتى توقف إسرائيل محاولاتها لسرقة الأوقاف المسيحية، في فلسطين، وخاصة في القدس بالذات.

 

محمد علوش: دكتور، أريد أن أفصّل أكثر لجهة اللاهوت المسيحي في موضوع المقاومة، وإن كان أخذنا بعداً فكرياً إلى حد ما لكن يهمنا أن نعرف وجهة نظركم، خاصة أن حضرتك كتبت كتاب "الإيمان في مواجهة بطش الاحتلال". هذا الكتاب قال عنه الأمير حسن بن طلال أنه تحليل عميق للصراع الفلسطيني الإسرائيلي المستمر من خلال توضيح الروابط التاريخية والدينية والتي تصب في بوتقة الأمل كسلاح للإيمان.

تقول حضرتك عن الكتاب، هو دراسة جيو سياسية لسياق الكتاب المقدّس بعيون فلسطينية، وكأنك تعيد تفسير الكتاب المقدّس من حيثية أنك فلسطيني وأنّ المسيح وُلِد في فلسطين. أية دلالة تربط بين الأمرين؟

 

القس متري الراهب: أنا أعتقد أن هذا الكتاب كان كتاباً مهماً جداً، في وضع قاعدة للاهوت مسيحي فلسطيني متجذّر في هذه الأرض. للأسف، الكثير من اللاهوت الذي كان متداولاً حتى في فلسطين، كان مستورَداً، لأننا نحن في الشرق نستورد كل شيء، من الثلاّجات إلى السيارات، وبالتالي حتى اللاهوت كان مستورَداً. هذا الكتاب كان محاولة لوضع فكر بعيون فلسطينية.

طبعاً، أولاً وأخيراً، الكتاب المقدَّس هو نتاج هذه الأرض، هو نتاج هذه المنطقة. الكتاب المقدَّس لم يُكتَب في الولايات المتحدة، ولا في أوروبا، ولا في روما، بل في الواقع، كلّ القصص في الكتاب المقدّس كُتِبت في فلسطين. المسيح كان إبن هذه البلاد، وُلِد في فلسطين، وصُلِب في القدس. كل شارع في القدس القديمة له دلالة مسيحية، وبالتالي الكتاب المقدّس هو له بالنسبة لنا كفلسطينيين، له وجهان، هناك الوجه الإلهي، الوحي، ولكن هناك أيضاً الوجه الأرضي.

الوجه الأرضي أن هذا الكتاب هو جزء من تاريخنا كشعب فلسطيني، لأنّ هذا الكتاب أيضاً يدوّن بشكل أو بآخر تاريخ 3000 سنة من الوجود في هذه الأرض، وبالتالي لا بدّ من أن نقرأ الكتاب المقدَّس بهذه العيون الفلسطينية الأصلية. وبالتالي من يقرأ الكتاب المقدّس، سيجد أن الكتاب المقدّس في الواقع هو له دخل كثير بالجيو سياسة. نحن كمسيحيين لا نؤمن أن الكتاب المقدّس سقط من السماء هكذا من دون سياق تاريخي. الكتاب المقدّس سياق تاريخي. هذا السياق التاريخي، هذه البوصلة تشير إلى فلسطين. وبالتالي من ينظر في تاريخ فلسطين سيجد أنه للأسف، فلسطين كانت محتلة في أكثر الأوقات، لا يوجد إمبراطورية ظهرت في هذه المنطقة إلا واحتلّت فلسطين. وبالتالي الاحتلال، أي احتلال، وحالياً الاحتلال الإسرائيلي، من ينظر للاحتلال يظن أو قد يظن أن هذا الاحتلال يتصرّف وكأنه الآمر الناهي، وكأنه الله على الأرض. وبالتالي الإنسان المؤمن يتساءل، وأسمعها كثيراً من الناس البسطاء في فلسطين، أينك يا الله، لماذا تسمح بهذا الظلم، لماذا تسمح بالاحتلال أن يبقى وأن يستشري في الأرض وأن يتكبّر. هذا هو السؤال على ما أعتقد الذي هو أصل اللاهوت، أينك يا الله، والكتاب المقدّس في الواقع يعطي جواباً، أنّ الله مع المتألّم، الله مع المظلوم، ولا يمكن أن يكون الله مع الظالم. هذا هو محور وجوهر.

 

محمد علوش: دكتور، أنا قرأت شيئاً لك في هذا الكتاب بصراحة "الإيمان في مواجهة بطش الاحتلال"، هو دراسة شيقة، لا سيما أنه إعادة فهم الكتاب المقدّس في سياق غير معهود صراحةً لدى الفكر المسيحي الذي يقول بالسلام حتى مع الشر أو مع المخالف لك.

طبعاً المقارنة التي تعقدها حضرتك ما بين أنه ولد المسيح في أرض احتُلّت وأيضاً قاوم هذا الاحتلال حتى صُلِب عليه وما بين ما يعيشه الفلسطينيون اليوم من تطابق تام بين ولادة المسيح والولادة التي يعيشها الشعب الفلسطيني اليوم.

السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا تأخّرت هذه القراءة في الفكر المسيحي الشرقي حتى اليوم؟

 

القس متري الراهب: لعدّة أسباب. أولاً، حتى أجل قريب، لم تكن في فلسطين أيّة كليات أو جامعات تحاول أن تطوّر لاهوتاً محلياً. هذا أولاً.

ثانياً، للأسف بعض الكنائس الشرقية اكتفت باللاهوت الذي طُوّر في القرون الأولى من المسيحية وبالتالي لم يعد هناك إمكانية لتجديد لاهوتي كما للأسف أيضاً حدث في الإسلام السنّي، اختفى الاجتهاد إلى حد كبير. وبالتالي، صرنا نستورد هذا اللاهوت من الغرب ونظن أن اللاهوتيين الكبار هم اللاهوتيون الغربيون، وأهملنا نحن هنا، أهملنا أن نأخذ روايتنا الفلسطينية على محمل الجدّ، وأن نتعمّق في هذه الرواية، أن نتعمّق في تاريخنا ونقرأه ليس بعيون غربية، وإنما بعيون شرقية.

وبالتالي في الواقع، الغريب أنه عندما كتبت هذا الكتاب، كان التوقّع أن يُرفَض من الغرب، ولكن في الواقع الكثير من المعاهد والكليات والجامعات الأوروبية والأميركية أخذت هذا الكتاب على محمل الجدّ. بعض الدول العربية، أنا حاولت أن أترجم هذا الكتاب إلى العربية، اتصلت مع عدّة دور نشر في لبنان بالذات ولكن ربما خافوا، وبالتالي الغرب يتقبّل الكتاب ولكن الشرق لديه خوف من هكذا قراءة، ربما لأنه في الشرق اعتدنا مسيحياً أن نفصل الدين عن السياسة فصلاً تاماً، وكأن التعبّد هو فقط الذهاب إلى الكنيسة والصلاة هناك يوم الأحد هو الصوم ولكن أنا أعتقد أن الإيمان المسيحي لا بدّ من أن يبقى في حال تفاعل كلي مع ما يحدث اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً في هذا العالم، لأن الإيمان له دخل بالحياة أولاً وأخيراً.

 

محمد علوش: على أية حال، على ذكر إعادة بناء أو فهم اللاهوت من جديد، عام 67، حضرتك تقول بالكتاب، ظهرت أول وثيقة لاهوتية عربية تحت عنوان نظرة لاهوتية على الصراع العربي الإسرائيلي، لكن الغريب الذي لفت نظري، تتحدّث عن خصائص اللاهوت المسيحي في السياق الفلسطيني تحديداً، من بين عامة المسيحيين، فتقول أنه هو لاهوت يطلب الحوار، طبعاً هذه الحركة تشكلت على رد فعل غربي يجابي إسرائيل، لاهوت هو لاهوت سردي قصصي يرتبط بالأفراد، ويبحث في قضايا عديدة بعيداً عن القضايا الجوهرية.

كيف يمكن لنا أن نفهم هذه الحيثية للاهوت المسيحي الفلسطيني في سياق الخصوصية التي يحتاجها الشعب الفلسطيني كشعب محتلّ، تحت احتلال ما زال قائماً حتى اللحظة؟

 

القس متري الراهب: نعم، الاقتباس الذي تفضلت به حضرتك هو كان هذا اللاهوت في فلسطين قبل الانتفاضة الأولى. أنا أعتقد أن الانتفاضة الأولى كانت حركة تصحيح لهذا اللاهوت الفردوي، لأن المراقب سيكتشف أنه بالانتفاضة الأولى، في نفس الشهر الذي اندلعت فيه الانتفاضة الأولى، كانون الأول 87، في نفس الشهر صدر أول بيان لرؤساء الكنائس في القدس عن موضوع الاحتلال، ليس مصادفة.

كل الكتب التي كتبها اللاهوتيون الفلسطينيون المعاصرون كُتِبت بعد العام 87، وبالتالي أعتقد أن الانتفاضة الأولى كانت هي الصحوة الفلسطينية المسيحية في محاولة لتطوير لاهوت جديد بناء على السياق الفلسطيني، وهذا اللاهوت له أبعاد سياسية واضحة في كل هذه الكتابات.

 

محمد علوش: جميل. دكتور، اليوم نشهد في قطاع غزّة أشكالاً عديدة من المقاومات، آخرها الطائرات الورقية التي تربك الاحتلال ويتّخذ بحقها إجراءات هي أكثر من حرب يشنّها على قطاع غزّة.

بوثيقة وقفة حق، تحت عنوان وقفة حق، تتحدّث حضرتك عن المقاومة المُبدعة أو المقاومة الشعبية. السؤال الذي يطرح نفسه لجهتكم كآباء للكنيسة الشرقية وأيضاً للكنائس المسيحية، هل هناك أيّ حرج من أشكال أخرى من المقاومة تستطيع أن ترد الصاع صاعين للاحتلال الذي لا يفرّق بين الشجر وبين الحجر وبين الشعب، بين الطفل والكبير، بين العجوز والمرأة، إلى آخره؟

 

القس متري الراهب: نعم، في الواقع هناك أشكال عديدة للمقاومة. طبعاً طالما هناك احتلال ستبقى المقاومة موجودة. هذا ليس رأيي الشخصي. هذا ما يبيّنه التاريخ الفلسطيني. إذا أخذنا التاريخ الفلسطيني عبر الـ 3000 سنة الأخيرة، سنجد أن هذا الشعب بقي يقاوم بشتى الوسائل المتاحة له، وبالتالي طالما هناك احتلال هناك مقاومة. السؤال، هل نقاوم أم لا؟ لا، ليس هذا هو السؤال، بل السؤال هو، كيف نقاوم؟ وما هي أشكال المقاومة الممكنة، المتاحة والمحبّذة؟ هذه الأسئلة لا بد من أن نسألها طوال الوقت.

طبعاً، القانون الدولي أعطى الشعوب التي تعاني من احتلال حق المقاومة بعدّة أشكال. هذا عُرف دولي، استخدمته الكثير من الدول في العالم بعد الحرب العالمية الثانية وقبل الحرب العالمية الثانية. وبالتالي في وثيقة وقفة حق، لم نتحدّث عن المقاومة اللا عنفية، لأن كلمة لا عنف هي تنفي الشيء العنيف، ولكن تحدّثنا عن المقاومة المُبدعة.

المقاومة المُبدعة هي محاولة لقراءة الواقع السياسي بكلّ أبعاده، ومن ثمّ التوصّل إلى ما هو أفضل أنواع المقاومة في هذا الوقت، في هذا السياق.

 

محمد علوش: دكتور، أنا لا أريد أن أسبّب لك حرجاً، لكن أريد أن أسأل بالفعل في الفكر المسيحي، إذا كان القانون الدولي يبيح للمظلوم أو من هو تحت الاحتلال أن يستعمل كل الوسائل التي يمكن أن يرفع بها الاحتلال عنه، هل في الفكر المسيحي ما يمنع بالفعل كل هذه الأشكال المقاومة التي نشهدها في قطاع غزّة على سبيل المثال؟

 

القس متري الراهب: لا طبعاً، لا يمكن في نظري، لا يمكن أن يكون اللاهوت المسيحي ضد القانون الدولي. نحن في كل كتاباتنا نحارب، ونقول إنه لا يمكن استخدام مثلاً أي فكر ديني لانتهاك حقوق الإنسان، لأنه لا يمكن استغلال الله ضد الإنسان. هذا جوهر الفكر المسيحيّ، هذا هو في الواقع الفكر وراء فكرة التجسّد، أنّ الله صار إنساناً، أي لا يمكن بعد اليوم أن ننتهك حقوق أي إنسان باسم الله، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك تبرير ديني مثلاً للاحتلال، ولكن أيضاً هذا يعني أنه لا يمكن للاهوت أن يكون ضد القانون الدولي. بالتالي هو لا يمكن أن يمنع أنواعاً معيّنة من المقاومة.

 

محمد علوش: وبالتالي لا يمنع من الدفاع عن النفس في مواجهة الاحتلال؟

 

القس متري الراهب: لا، طبعاً لا، وفي التاريخ الكنَسي، هناك لاهوت للدفاع عن النفس في زمن الحرب، إلى آخره. هناك كتابات كثيرة كُتِبت من آباء الكنيسة ولكن أيضاً من لاهوتيين معاصرين أيضاً في هذا المجال. ولكن لا يمكن حسب رأيي، في أي قرار نأخذه، دائماً لا بدّ من أن يكون هناك مجال للحكمة وللعقل، لا يمكن فقط أن نذهب وراء مقاومة، دعني أسمّيها عاطفية، إذا الحكمة البشرية والعقل البشري قال، ربما ليست هذه أفضل أنواع المقاومة في هذا الوقت.

 

محمد علوش: دكتور، سؤال أخير، المسيح عليه السلام يقول في إنجيل يوحنا لتلاميذه، "سيأتي يوم كلّ من يقتلكم يقول إنه يقدّم خدمة إلى الله". الآن، السردية الإسرائيلية تقدّم ذلك لأبنائها. ما الذي يمكن أن نقول لهؤلاء؟

 

القس متري الراهب: طبعاً للأسف هذا وضع كثير من المسيحيين، ليس فقط تحت الاحتلال، ولكن أيضاً في داعش وغيرها، البعض أيضاً فكّر أنّ قتل المسيحيين هو عمل ديني رائع من الدرجة الأولى. طبعاً هذه هي الخزعبلات الدينية التي للأسف شرقنا يعاني منها وإسرائيل أيضاً تستغلها.

أنا أعتقد وأؤمن أن المسيحيين اليوم وأيضاً المسلمين في هذا الشرق مدعوون أن يطوّروا ما أسمّيه ثقافة الحياة. أنا دائماً أقول، لا أريد أن أموت من أجل فلسطين مع أنني مستعد لذلك ولكن أريد أن أعيش من أجل فلسطين، لأنه في الحياة من أجل فلسطين فائدة أكبر في منطقة الشرق الأوسط.

 

محمد علوش: شكراً جزيلاً لكم القس الدكتور متري الراهب مؤسّس ورئيس كلية دار الكلمة الجامعية للفنون والثقافة في بيت لحم.

كما نشكركم مشاهدينا على حُسن المتابعة، وإلى اللقاء.