أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

إسلام في خدمة السياسة

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ.

من يتابِعُ بدقّةٍ صيرورة الأوضاع في العالم العربي والإسلامي يكتشف بسهولةٍ مدى استغلال الإسلام من قبل بعض أو كثيرٍ من الأنظمة العربية والإسلامية التي كانت تسلّح نفسها بعلماء البلاط وفقهاء السلطان ومنظّماتٍ إسلاميّة توفّر لها الغطاء الشرعيّ. حتى لو تحالفت مع الشيطان فإنّ مستخدَميها من العلماء والمؤسسات الإسلامية يشرعنون لها ذلك، ويقولون لهذا النظام إنها مقتضيات المصلحة الإسلاميّة العليا، ولا بأس بالتعامل مع الشيطان من أجل تكريس هذه المصلحة.

فقطر التي استضافت الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين اتُهِمت من قبل السعودية ومصر والبحرين والإمارات العربية المتحدة، أنّها نفّذت وصية أسامة بن لادن الذي طالب الرسميّين في قطر بتشكيل مجلس توحيد المسلمين وتطويره ليصبح حكومة على أن يكون في ما بعد نواة دولة القاعدة.

وللإشارة، فإنّ الدول المذكورة صنّفت الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منظمةً إرهابيّة. وقد تعرّض هذا الاتحاد إلى هزّةٍ عندما انشق عنه العالم الموريتاني عبد الله بن بية والذي قال إن ظروفي الخاصة والدور المتواضع الذي أحاول القيام به في سبيل الإصلاح والمصالحة مما يقتضي خطاباً لا يتلاءم مع موقعي في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، واختار خطاً آخر وأسّس حكماء المسلمين الذي ترعاه الإمارات العربية المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك هنالك العديد من المنظمات الإسلامية التي ترعاها السعودية وإيران وغير ذلك من الدول الإسلامية. فلماذا تتبارى الدول النفطية على استقطاب الدعاة والكفاءات الإسلامية ودمجهم في منظومة السياسة وتكريس أجندات هذه الدولة وتلك؟ ولماذا تُصرَف ملايين الدولارات على تمويل مشاريع إسلاميّة في أكثر من دولةٍ إسلاميّة، مدارس، معاهد، أكاديميات، مواقع إلكترونية، نشر كتب وأفلام، وثائقيات، وبات كلّ محورٍ يروّج لمنظماته الإسلامية ومؤسّساته وعلمائه، ودعاته؟

إسلامٌ في خدمة السياسة عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش الشيخ والأستاذ الفاضل بلال شعبان الأمين العام لحركة التوحيد الإسلامي، ومعنا أيضاً الدكتور أسامة جادو النائب السابق في البرلمان المصري وعميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في تركيا، طبعاً في جامعة الزهراء في تركيا.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعا.

شيخ بلال، طبعاً تكاثرت هذه المنظمات والمؤسّسات، وباتت موزّعة على الأقطار الإسلامية، خط طنجة جاكرتا.

ما الذي قدّمته لصحيح الإسلام وقضايا المسلمين الحقيقية؟ وهل جُيّرت فعلاً لخدمة أجنداتٍ سياسيّة؟

 

بلال شعبان: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. تحيّة لك، تحية لقناة الميادين، تحية للدكتور أسامة من تركيا.

مشروع الإسلام هو مشروعٌ لوحدة إنسانية عالمية تنطلق من قول الله عز وجل "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، والإسلام لطالما بحث عما يجمع في ما بين المشاريع، إن على خلفيّةٍ إنسانيّةٍ أو على خلفية إيمانية، فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو أخ لك في الطين.

لذلك تقرأ في القرآن الكريم أنّ مشروع الإسلام يأتي ليؤكّد على الأخوّة الإنسانية أو الأخوّة الإسلامية أو الأخوّة الإيمانية، "إنما المؤمنون إخوة"، "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، في الدائرة الإنسانية لتعارفوا وفي الدائرة الإيمانية واعتصموا. هذا مشروع الإسلام وهذا يجب أن يكون مشروع المنظمات والحركات الإسلامية. مشروع الكفر العالمي، مشروع فرعون "إنّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً"، مشروع التجزئة هو ديدن فرعون، بريطانيا في استعمارها، كان شعار الخارجية البريطانية كلمتين: فرّق تسد. فكل الذي يسير في فلك التجزئة لا يكون في دائرة الدعوة الإسلامية القرآنية ولو صلّى وصام وحجّ وزكّى، فكل الذي يدعو إلى وحدة الأمّة والوحدة الإنسانية هو الذي يعمل بحقيقة القرآن وصريح الدين الذي يقول فيه رب العالمين في مطلع سورة الفاتحة "الحمد لله رب العالمين".

هذه الجمعيات وهذه المنظمات تحوّلت في حال من الحالات إلى عدّة شغل كما يقولون، لماذا؟ لأن ثلاثية السلطة تقوم على فرعون السياسة وعلى قارون المال وعلى بلعم بن باعوراء الديني، لأن الناس بطبيعتهم يفيئون للدين ويخضعون للدين، فكان لا بدّ من استخدام الدين للتطويع، لتحويله في مشاريع سياسية أو في مشاريع اقتصادية أو في مشاريع التجزئة والتقسيم.

وهذا في الدين الإسلامي وحتى في سائر الأديان، بحروب الفرنجة الصليبيين، حروبهم صوب بلادنا لم تكن حروباً بين قوسين دينية، كانت حروباً استعمارية اقتصادية، ملوك أوروبا أرادوا أسواقاً وأرادوا أن تكون هناك ممالك وتوسيع للأمبراطوريات. كيف يستجلب الإنسان الأوروبي البسيط؟ يستجلبه بأن الدين مهدّد وطريق الحجّ صوب بيت لحم والمهد مهدّد والمسلمون يعتدون، فكان لا بدّ من رفع الصليب على الدروع وعلى الثياب وعلى السيوف لينطلقوا في حروب سمّيت حروباً صليبية وهي حروب استعمارية بامتياز. نفس السياسة تعتمد اليوم في داخل الدوائر الإسلامية، عندما تستشعر أية حكومة أو أي نظام أن هناك أي تهديد، فيضع التهديد بين قوسين تهديداً للدين وللإسلام وللصحابة الكرام أو للآل العظام.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

بلال شعبان: فيتدخل المسلمون من هنا وهناك بسبب سطحيّةٍ أو أميّةٍ سياسية، يندفع كل أولئك، وهو يعتقد أنه يدافع عن الدين وعن السلف الصالح أو عن الآل، وهؤلاء بكل أسف ينطبق عليهم قول الله عزّ وجل " قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً".

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت. دكتور أسامة، من الكتب التي عالجت العلاقة بين السلطات والعلماء كتاب الشيخ عبد العزيز البدري رحمة الله عليه "الإسلام بين العلماء والحكام"، وفيه يشير إلى نخبة من العلماء كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، يقولون للطاغية أنت طاغية وللجبّار أنت جبّار، وكان الحاكم يتردّد عليهم وليس هم الذين يلتصقون ببلاطات الأمراء والحُكّام.

عندما تتأمّل واقع المؤسّسات العلمائية والإسلاميّة، في ما مضى ربما التناقض في ما بينها كان محدوداً، لكن في الفتنة الأخيرة التي اندلعت بين الدول الخليجية، كنت ترى أنّ كلّ دولة تسخّر مؤسّساتها للتنديد بالدولة الأخرى. السعودية سخّرت مؤسّساتها للتنديد بقطر وعلماء المسلمين في قطر، وكذلك الأمر بالنسبة لعلماء المسلمين الذين يسكنون في الدوحة ردّوا على السعودية وولائها لأميركا وعلى الإمارات العربية المتحدة.

هل ترى أن هذه الدول النفطية تحديداً جيّرت الإسلام لخدمة أجنداتها؟

 

أسامة جادو: بسم الله الرحمن الرحيم أحمد الله تعالى وأصلّي وأسلّم على سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. تحية للمشاهدين الكرام ولك ولضيفك الكريم الذي أعتزّ به.

هذا الموضوع الذي نتحدّث عنه من الأهمية بمكان أن نقدّم له بمقدّمات ثلاث. المقدّمة الأولى لا بدّ من أن نقف أمامها وهي مكانة ومنزلة الدين في حياة الفرد المسلم والمجتمع المسلم. لا يُخفى علينا جميعاً أنّ الإسلام روح الأمّة وروح المسلم، وأنّ لأحكامه ولأقواله الفاصلة سلطاناً وقدسية في نفوس أتباعه، وهذه مسألة لا تُنكَر، فَطِن لها الكثيرون قديماً وحديثاً. ولذلك وجدنا أنّ كلّ إنسان يريد أن يوسّع دائرة أنصاره وأتباعه يحرص على التأصيل الشرعيّ والفقهيّ لرأيه أو لاتجاهه، ووجدنا أنّ الكثيرين يحرصون على بيان أنّ ما يقدّمونه للمجتمع، حتى ولو كان طعاماً أو سلعةً، أن يكتب ذُبِح على الشريعة الإسلامية، حتى لو كان سمكاً يصاد من البحار، إنما هو يريد أن يعطي البصمة الإسلامية حتى يجد الطريق إلى عقول وإلى قلوب وإلى جيوب المستهلكين والمتلقّين. هذه مقدّمة.

الثانية، أنّ العلماء هم ورثة الأنبياء، وأنّ علماء الإسلام دوناً عن بقيّة علماء الشرائع الأخرى ضربوا المثل والقدوة كما أشرت أنت منذ قليل، في أنّهم خيرُ ورّاث وخير حملة للرسالة وحماة للعقيدة، وهذا دفاعاً عن الشريعة. فمنزلة العلماء قديماً وحديثاً إنما هي تلي منزلة الأنبياء، وأنّ منزلتهم بالنسبة للخلق وبالنسبة للناس، كما النجوم في السماء يُهتدى بها، فإن انطمست هذه النجوم على الأرض ضلّ الناس كما أشار بذلك حديث أنس في مسند الإمام أحمد.

فالعلماء هم الذين حملوا هذه الرسالة، أنا وأنت ما كنّا مسلمين اليوم لولا هذه الجهود ولولا هذه التضحيات التي قام بها أئمّةٌ علماء ودعاة ومجاهدون حملوا الإسلام إلى بلادي وإلى بلادك وإلى بلاد العالمين. فالعلماء هم القوّة لهذا الدين، لذلك حرص الجميع على أن يتعامل مع العلماء ومع الدُعاة حتى يستثمر وجودهم، إن حقاً أو باطلاً لخدمة أهداف طيبة محمودة في الدنيا والآخرة أو لخدمة مطامع شخصية وأجندات شخصية.

المقدمة الثالثة أنه في ساحة الدعوة وبين أصناف الدُعاة، وُجِد من هم عِمَمٌ عظام ووُجِد من هم رِمَم، وُجِد من هم نتشرف بذكرهم اليوم ونتعبّد إلى الله تعالى بمحبتهم وبالسير على طريقهم والاقتداء بآثارهم، ووُجِد من باعوا القضية ومن انحرفوا بالرسالة وضيّعوا الناس من حولهم.

إذاً عندك علماء ربّانيون حُماة وورثة للنبوّة بلّغوا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا زالوا يبلّغون حتى ساعتنا هذه وإلى يوم الدين بإذنه تعالى. ووُجِد دُعاة وعلماء وصفهم الإمام ابن القيّم رحمه الله من قبل، بأنّهم قُطّاع طرق، دُعاة على أبواب جهنم، يقولون بألسنتهم ويخالفون قولهم بأفعالهم، كلما نطقت أقوالهم هلمّ إلى عمل الخير وإلى الجنة، قالت أفعالهم لا تفعلوا، لو كان خيراً في ما يدعون إليه لالتزموا به، فهم في ظاهر الصورة أدلاء، حكماء، علماء، دُعاة، وفي حقيقة الأمر هم قطّاع طُرق.

إذاً حين نتحدّث عن العلماء وعن الكيانات التي تنتظم كثيراً من العلماء، لا نغفل هذه التقسيمة، حتى لا نقع في ظلم أحد من العلماء أو الدعاة أو في ظلم كيانٍ أو مؤسّسةٍ من المؤسسات.

هذه المقدمات الثلاث أراها لازمة قبل أن نتحدّث عن واقع الدعوة وواقع العلماء الذين ينتظمون اليوم في مؤسّسات وفي كيانات علمية.

أنا أدعو إلى تجميع العلماء وإلى تكوين المؤسّسات العلمية الفقهية الفكرية الثقافية الإسلامية. أدعو إلى اتحاد علماء المسلمين في كلّ قطر وفي كلّ بلد، وإلى علماء المسلمين في أقطار أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، حتى يكون هناك توحيد للجهود، وحتى يكون تجميع للطاقات العظيمة التي تذخر بها أمّة النبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وحتى لا نقع في فوضى الفتاوى، وحتى لا نقع في سراب وأوهام الأفكار الضالّة.

إنّ وجود اتحادات لعلماء المسلمين هنا وهناك وتكاملهم والتنسيق بينهم والتعاون في ما بينهم إنما هي نقطة ضوء عظيمة في حياتنا دكتور يحيى، وجود اتحادات لعلماء المسلمين متحرّرة من السلطة ومن الشرطة، بعيداً عن السلطان ونفوذ المال، بعيداً عن سلطان ونفوذ الدول والحكومات، هذه نقطة قوّة للمشروع الإسلاميّ الحضاريّ لأمّة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم.

إنّ وجود هذه الكيانات إنما هو نقطة انطلاق يبنغي البناء عليها. إن وُجِدت بعض الأخطاء في مسيرة كيانٍ من الكيانات، فواجب على ذوي الرحم، وأنا أقصد هنا رحم العِلم، واجب على ذوي الرحم أن ينصحوا وأن يبيّنوا وأن يسدّدوا وأن يقاربوا المسافات بين كياناتٍ دعويّة تستهدف في البداية وفي الأصل تمكيناً لدين الله في الأرض حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور أسامة، عِلم الله أنك ما شططت عن الحق قط، أشرت إلى جادة الطريق وإلى ما ينبغي أن يكون عليه العلماء. وهنا أنتقل إلى الشيخ بلال.

شيخ بلال، الدكتور أسامة أشار نظرياً طبعاً إلى ما يجب أن يكون عليه العلماء من وحدة حال وتلاقٍ انتصاراً لقضايا الأمّة ودكدكة للمشروع الاستكباري الذي يستهدف هذه الأمّة في تفاصيل وجودها.

لكن في الواقع العمليّ، في المصاديق التي جئت على ذكرها في المقدمة، فظاظ ما ذكره الدكتور أسامة. في الواقع اليوم، عندنا اتحادات إسلامية موزعة على كيانات سياسية سلطوية، وهذه السلطات تجيّر هذه الكيانات في إصدار فتاوى تكرّس السياسات. على سبيل المثال، عندما كان هنالك وفاق قطري سعودي، فضيلة الشيخ الدكتور قره داغي حفظه الله الذي يدير الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين اليوم، اعتبر أن الحوثيين روافض ويجوز قتالهم. اختلفت قطر مع السعودية، تغيّرت الفتوى.

أيضاً الدكتور يوسف القرضاوي السعودية شخصياً منحته جائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية وكرّم كعَلَم من أعلام هذه الأمّة، وإذا بالسعودية اليوم تصنف القرضاوي إرهابياً ويسوَّق إسمه في الأنتربول الدولي.

لماذا يُلجَأ إلى الإساءة للإسلام ويجيّر لخدمة السياسات العامة؟

 

بلال شعبان: ما يجري اليوم على امتداد العالم العربي والإسلامي هو صدى لما تريده دول الاستكبار، فهناك حربٌ داخل أرضنا ودخلت الدائرة العلمائيّة والمؤسّسة العلمائيّة ومؤسّسات الفتوى داخل هذا المشروع.

 

يحيى أبو زكريا: هي دخلت أو أدخِلت؟

 

بلال شعبان: دخلت وأُدخِلت، يجب أن تكون هناك أولاً استقلالية للمرجعيات الدينية، استقلالية سياسية واستقلالية مادية واستقلالية معنوية لأن دور رجال الدين هو الرقابة الفعلية الحقيقية لتقويم كل المشروع السياسي على امتداد المنطقة. اليوم، تحوّل بكل أسف المشروع الديني إلى مفردة من مفردات السلطة. مثلاً في بعض الدول تتبع، مثلاً في لبنان تتبع المؤسّسة الدينية لرئاسة مجلس الوزراء، مخصّصاتها من هناك، المسؤولية المعنوية والفعلية تتبع لمجلس الوزراء، فإذا كان هناك أيّ اصطفافٍ في مجلس الوزراء أو رئيس الوزراء، فتتبع المؤسّسة الدينية.

 

يحيى أبو زكريا: وقد رأينا ذلك في الأداء.

 

بلال شعبان: بكل أسف تحوّل ذلك في الأداء السياسي وحتى في الأداء الانتخابي، فأول أمر يجب أن يكون هناك استقلالية. المثل العامي اللبناني يقول من يأكل من خبز السلطان سيضرب بسيفه. لذلك أول أمر، وهذا لا يوجد.

 

يحيى أبو زكريا: وأتوقف هنا إذا سمحت لفاصل، وأعود إليك بُعيده مباشرةً، إذا سمحت.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم بعده مباشرةً.

 

كتاب الإسلام بين العلماء والحكّام لعبد العزيز البدري: يتعرّض الكتاب إلى الجدلية القديمة الجديدة بين الحُكّام والعلماء ومحاولات الحُكّام لتجيير الإسلام لصالح سياساتهم. وقد حفلت الدولة الإسلاميّة في تاريخها الطويل بمآثر جليلةٍ سجّلها العلماء في مواقفهم الخالدة والفذّة مع الحُكّام، تلك المواقف التي اتّسمت بالصدق والجرأة والإخلاص لله ولدينه الحنيف. فلقد أظهر العلماء في تلك العصور عزّة الإسلام وأبانوا فيها حقيقة الشريعة الإسلامية من صلابة موقفها من الحكام المنحرفين والفاسدين والظالمين.

ويقدّم الكتاب دراسةً وافيةً مُستقاة من بطون السِيَر والتاريخ والتراجم، هدفها تدوين مواقفه علماء السلف مع الحُكّام طوال وجود الدولة الإسلامية مذ أقامها سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم الرسول الكريم في المدينة المنوّرة. وقد عني المؤلّف في تسجيل تلك المواقف بجزئياتها وكلياتها فجمعها ونسّقها وعلّق عليها.

الهدف من هذا الكتاب هو إلقاء الضوء على تلك المواقف التي أثبت فيها العلماء أنهم حقاً ورثة الأنبياء.

من جهةٍ أخرى، يُشيد الكتاب بالعلماء الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، ولم يجيّروا علومهم لخدمة الحكّام الذين استمالوا إليهم الكثير من المعتاشين بعلمهم، والذين حذّر منهم رسول الله، حيث قال "إذا رأيت الحاكم على باب العالم فنعم العالم ونعم الحاكم، وإذا رأيت العالم على باب الحاكم فبئس العالم وبئس الحاكم".

كما ورد في أحاديث ابن ماجة أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قال إن أبغض القرّاء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء، وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة، أنه قال، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم "إذا رأيت العالم يخالط السلطان مخالطةً كثيرةً فاعلم أنّه لصّ".

 

 

المحور الثاني

 

الإسلام الليبرالي بين الإخوان المسلمين والوسطيين والعلمانيين لمحمّد إبراهيم مبروك: يتحدّث الكاتب في كتابه عن عملية تزييف شاملة لها أبعادها الممتدة وقضاياها المتداخلة وأطرافها المتعدّدة وأهدافها المصيرية في التأثير على توجّهات الشعوب. فإذا كان ما آلت إليه تصوّرات الصراع التاريخي بين المصالح والأفكار هو الاستقطاب العالميّ بين الإسلام والليبرالية، فإنّ عملية التزييف هذه تتمثل في تقديم ذلك المسخ المشوَّه الذي لا يمتّ للإسلام بشيء، باستثناء ما يدّعيه الأفّاقون من تشابه في الشكل والشعار، وكان ما كنا نحذّر من ظهور بعض ملامحه منذ أكثر من سبع سنوات في الطبعة الأولى من هذا الكتاب.

ها هو يتجسد كاملاً الآن ويسيطر على كل معالم المرحلة، وهكذا يقابلني شباب وشيوخ بل ونساء أيضاً في كل مكان أو عبر الهواتف، وهم يبادلونني بالقول يا أستاذ، ها هي نظريتك عن الإسلام الليبرالي تتحقّق الآن في كل شيء. وهكذا يراد لمفاهيم مثل المواطنة وحقوق الإنسان والحريات الليبرالية أن تسبق الشريعة في التأجيل والدستور، بل يُراد لها أن تكون لها قواعد لما هو فوق الدستور.

والشريعة ذاتها لا يُراد منها غير كلياتها، ولا يقوم على مرجعيّاتٍ سوى بعض قياديّي الأزهر المرضيّ عنهم أميركياً، مثل شيخ الأزهر الحالي ومفتيه المتصوّفَين اللذين تخرجا من بوتقة النظام الفاسد البائد الأميركي الصنع.

فما هو هذا الإسلام الذي يمكن أن يأتي من مثل هذين المرجعين؟ فأميركا تبحث عن إسلامٍ يكرّس أجنداتها ومشاريعها وهي تسمح لحلفائها باستخدام هذه البراغماتية والنفعية واستثمار الإسلام.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع الإسلام الذي كُرّس لخدمة السياسة، وإلا إسلام رب العالمين أرقى وأطهر وينصّ على التوحيد لا على الشرك، حتى الشرك السياسي ممنوع في الإسلام الأصيل.

طبعاً من الكتب التي تحدّثت عن استقطاب وتجيير الإسلام، كتاب الإسلام الليبرالي للدكتور محمّد إبراهيم مبروك، وفيه يفصّل أنّ السياسات للأسف الشديد استخدمت الإسلام في تمرير الكثير من المشاريع.

ومن الكتب المهمة في هذا السياق أيضاً، كتاب سيّد قطب أو مجموعة دراسات الإسلام الأميركاني، وفيه يتحدّث عن دور لأميركا، تصوّروا في الخمسينات، عن استثمار أميركا للإسلام وهو نفس الاستثمار القائم اليوم.

شيخنا الفاضل بلال، كنت تتحدّث عن التلاصق بين المؤسّسات الإسلامية ودوائر القرار العربي، لبنان نموذجاً. ماذا عن بقية الأمصار؟

 

بلال شعبان: عندما وقّع اتفاق كامب دايفيد أو قبيل التوقيع كان من المتوقّع أن تكون هناك هبّة كبرى في مصر ترفض التوقيع مع الكيان الصهيوني الغاصب المحتل لسيناء والمحتل للقدس والمدنّس للمقدّسات، فكان لا بدّ من غطاء ديني فطلب من المرجعية الدينية في مصر في الأزهر أن تأتي إلى مقام الرئاسة وتستحضر معها فتوى الصلح مع اليهود، كما يروي البعض، يقول هل تريد فتوى الجواز أم فتوى التحريم.

 

يحيى أبو زكريا: لا حول ولا قوّة إلا بالله.

 

بلال شعبان: فقال له هل يوجد هذا وذاك، قال وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله، والثانية وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم.

 

يحيى أبو زكريا: إسلام مفصّل.

 

بلال شعبان: يستطيع بكل أسف، كل أولئك الذين اتخذوا مشروع الإسلام والدين مهنة، وظيفة، يستطيع أن يجعله في خدمة مشروع الكفر العالمي. لذلك اليوم مسؤوليتنا جميعاً، وكذلك على مستوى الحركات على امتداد العالم، كما تحدّثت في كثير من دول الخليج، في لحظة من اللحظات تكون الإخوان أو يكون التيار السلفي أو يكون جزء ومكوّن أساسي من مكوّنات الإسلام، بلحظة يصبح مكوّناً إرهابياً، وتبقى إسرائيل بعيدة عن الإرهاب وأميركا التي استخدمت القنابل النووية والكيميائية وأبادت الهنود الحمر، هي واحة الديمقراطية وعنوان الديمقراطية الأساس في الشرق الأوسط والراعي النزيه.

المسؤولية اليوم أن نخرج من هذه الدائرة وأن نُخرِج المؤسسة الدينية من هذا الإطار، وهذا يبتدئ من اختيار رجال الدين، بداية اختيار رجل الدين الذي يريد أن يدرس. هناك أحياناً كثيرة، هذا من باب النقد الذاتي، أحياناً كثيرة في مؤسّساتنا الأسرية، يكون متفوّقاً أحد الأبناء والآخر ضعيف، المتفوّق إن شاء الله سيكون طبيباً وسيكون مهندساً، هذا لا يبدو جيداً، إن شاء الله سيدرس شيخاً.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت للأسف.

 

بلال شعبان: هذه البدايات وفعلا تلاحظ.

 

يحيى أبو زكريا: في البلاد العربية هكذا للأسف.

 

بلال شعبان: هذا ينعكس بشكل مباشر على المشروع، على مشروع الدعوة الإسلامية أو العلماء ورثة الأنبياء الله عزّ وجل يقول، أنت تهدي هذا الإنسان ليكون داعيا إلى الله بإذن الله يقول، قال الله ليقول قال رسول الله والله عزّ وجل يقول "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبّون".

 

يحيى أبو زكريا: في الدراما المصرية والمسلسلات المصرية الشيخ أو المأذون كما يقال هو مصدر هزء وضحك.

 

بلال شعبان: شخصية فكاهية، يُستهزَأ بها، تحب المال وتسعى صوب القرش.

 

يحيى أبو زكريا: والاستهزاء حتى باللغة العربية للأسف الشديد.

 

بلال شعبان: لذلك مسؤوليتنا اليوم أن نحرّر وأن نحسّن اختيار رجال الدين، أن نحسّن اختيار العزّ ابن عبد السلام الذي قوّم دولة المماليك.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، رحمة الله عليه.

 

بلال شعبان: قال لهم لا يحق لكم أن تحكموا لأن الخليفة والحاكم يجب أن يكون حراً وأنتم عبيد، فباعهم ووقف على بيعهم بسوق النخاسة، وكان يسعّر كلّ أمير منهم وكل قائد من قادة الجيش، عندما رفضوا في البداية خرج من مصر، خرجت كل القاهرة خلفه.

اليوم نحن بكل أسف، نتيجة استخدام رجال الدين، خفّت هيبة، العلماء ورثة الأنبياء كما تحدّث الدكتور، ولكن اليوم على خلفية ما جرى ويجري، هناك خفوت لصوته، بهاتة لصورته. مسؤوليتنا أن نستعيد هذه الصورة بإيجاد علماء، نحسن اختيارهم من مطلع الدعوة ويكون لهم استقلالية، وكلّ أهلنا عبر التاريخ أوقفوا أوقافاً للعلماء ولرجال الدين حتى يكونوا بعيداً عن رجال السياسة وعن كل تلك العطايا، حتى تكون كلمته كلمة حرّة. أحد الشعراء يقول، يا رجال الدين يا ملح البلد من يُصلح الملح إذا الملح فسد.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور أسامة، وأنت الخبير القادم من دهاليز السياسة المصرية، نائب سابق في البرلمان، وتعرّضتم إلى استضعاف وما إلى ذلك، وعايشتم أيضاً التكتلات الإسلامية، ربما في قطر، في الإمارات، في السعودية، ربما تكالبت عليكم اتحادات، تيارات. كيف تشخّص واقع الاتحادات الإسلامية اليوم وهذا التناقض العلمائيّ؟

أنت أشرت إلى شيءٍ جميل نظرياً، لكنّ الواقع غير النظرية كما تعلم. كيف تقرأ اليوم هذه التناقضات بين اتحادات قطر، اتحادات الإمارات، منظمات السعودية وما إلى ذلك في عموم العالم العربي والإسلامي؟

 

أسامة جادو: دعني في الحقيقة أذكّر بمسألةٍ هامةٍ كذلك وهي، لماذا لجأت السلطات الحاكمة في كثيرٍ من الدول العربية والدول الإسلاميّة إلى محاولة السيطرة على كيانات العلماء والدُعاة.

أؤكّد هنا أنه لمّا استشعر كثير من الحكام وكثير من الأمراء عجزهم عن استيعاب علماء من العيّنة التي ذكرتها أنت، وأنا كذلك أزيدك من الشعر بيتاً، في مصر هناك استغاثة أو مصطلح تقوله النساء والرجال عندما تقع مصيبة أو مشكلة، يقولون يا خراشي، يا خراشي. أتدري أن الخراشي هذا هو إمام الأزهر الشريف، وكان ذا سطوةٍ قويةٍ يهابه الأمراء والحكام، فكان إذا وقعت مظلمةٌ بإنسانٍ أو بقرية قالوا يا خراشي، استغاثوا بهذا الرجل فيأتي إليهم أو يرفعون إليه المشكلة فيهبّ لحلّ هذه المشكلة، ولا يجرؤ حاكم ولا سلطان ولا أمير أن يردّ كلمة للخراشي، حتى صارت مضرب المثل لدى شعبنا المصري.

كثير من الأئمة ومن العلماء يسيرون على نهج العز وعلى نهج ابن حنبل وعلى نهج هؤلاء الأئمة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور أسامة، اللّهم خرّش علماءنا، اللّهم خرش علماءنا.

 

أسامة جادو: هذه تفعيلة من الخراشي. لمّا استشعر الأمراء والحكام عجزهم عن استيعاب مثل هؤلاء العلماء، لجأوا إلى سياسات، وأنا حصرت سبع من السياسات، سبع سياساتٍ لجأوا إليها لإحكام السيطرة على دائرة الدعوة والعلماء. فبدأوا بسياسة الترهيب والتعذيب والإيذاء، ورفعوا المشانق وأعوادها ووجدنا دماء العلماء والأئمة في طوال القرن الماضي في كثيرٍ من البلدان العربية والإسلامية، عشرات بل مئات من العلماء، أنت منذ قليل ذكرت شهيد الظلال سيّد قطب عليه الرحمة والرضوان، وكثيرون في باكستان، وفي بنغلادش، في العام الماضي كثيرون لقوا الله تعالى شهداء من الأئمة ومن العلماء.

ما أفلحت هذه السياسة مع الكثيرين من العلماء ومن الدُعاة، فلجأوا إلى السياسة الثانية، وهي تجفيف المنابع والحيلولة ما بين جماهير شعوبنا وبين العلماء، فصلّوا بين الدُعاة وبين الشباب، بين العلماء الربّانيين وبين شعوبهم، سدّوا المنافذ والمنابر في وجوههم ولم يفتحوا المنابر ولا القنوات الفضائية ولا أعمدة الصحف ولا غيرها إلا لمن رضوا عنهم وأرضوهم. فسياسة تجفيف المنابع كان الهدف منها تجهيل الأمّة وإخراج أجيال من الشباب كما قال وزير تربيةٍ وتعليم سابق إنني أريد أن أخرّج جيلاً لا يعرف الفارق بين الذكر والأنثى والمسلم وغير المسلم.

السياسة الثالثة، سريعاً أمرّ عليها، الترغيب والإغواء واستمالة ضعاف النفوس من الدُعاة ومن العلماء، نحن بشر، وفينا من هو في قوة وصلابة الفاروق، وفينا من هو أضعف من الصغير في العصور الطاهرة الطيبة. فاستمالوا هؤلاء، فتحوا لهم القنوات الفضائية وفتحوا لهم الأموال وأغدقوا عليهم وجعلوا المناصب. إنك تعجب اليوم أنّ غالب المفتيين وغالب أصحاب النفوذ والمناصب الدعوية والعلميّة في بلداننا، لا أخصّ بلداً منها، تجدهم ممّن يسبّحون بحمد الحاكم ويسجدون له من دون الله، ويزيّنون أعماله حتى وإن كانت قتلاً أو إرهاباً أو تدميراً أو سحقاً. كان الهدف من هذه السياسة أن يقدّم نموذجاً للدُعاة والعلماء بنظام العصا والجزرة، من كان معنا مَلَكَ كل شيء ومن كان ضدنا سيفقد كل شيء.

السياسة الرابعة برزت في العشرين سنة الماضية، وهذه خطيرة جداً يا دكتور يحيى، وهي متعلقة بصناعة رموز دينية، صناعة رموز دينية كما تصنع رموز التمثيل في هوليوود وغيرها، حتى أن التفنّن في ما يلبسه هذا الداعية وهذا العالم، حتى في الكُحل الذي يضعه في عينيه، حتى في الغطرة أو كذا وكذا بمقاييس وبمعايير، فتُفتَح له الأبواب حتى لا يسمع الناس إلا هذا الشخص ولا يتعلّمون إلا منه ولا يتّبعون في الفتاوى إلا مذهبه والرأي الذي سار عليه، فكانت هذه الصناعة وبالاً على الأمّة.

لماذا يلجأون إلى مسألة صناعة دُعاة وعلماء؟ حتى إذا ما احتاجوا إليه في فتوى وجدت واحداً منهم يقول إن ترامب وغيره إنما هم صناع السلام في العالم ويد ترامب ما زالت ملوّثة، هو ومَن سبقه وغيره بدماء المسلمين هنا وهناك.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

أسامة جادو: هناك سياسة خامسة مستقبليّة، هم لم يكتفوا بتلويث الحاضر والواقع، إنما يتّجهون إلى المستقبل من خلال سياسة إعداد جيل جديد، يُصنَع على أعينهم، في مراكزهم وفي جامعاتٍ تُنشَأ خصيصاً لهم، وفي مراكز خصيصاً لهؤلاء، يُحسَن اختيارهم من البداية وفق معايير محدّدة، حتى يضمنوا أنّ المخرج إنما هو يسير على نهج حكامه. فالناس على دين حكّامهم والناس على دين إعلامهم والناس على دين مشايخهم.

هناك سياسة أخطر ممّا ذكرته سابقاً، وهي سياسة الإلهاء والتضليل والتجهيل، سياسةٌ اعتُمِدت من أجل إلهاء الأمّة الإسلامية، وخاصةً المتديّنين. شعوبنا الإسلامية تميل إلى التديّن، تحب التديّن، تحب المتديّن، والتدين طاقة وقوّة، التديّن هذا، وجمهرة المتديّنين، هؤلاء أصحاب طاقات جبارة وقوّة، فعمد أعداء الإسلام وأتباعهم وأذيالهم من حكام العرب والمسلمين، عمدوا إلى هذه السياسة الشيطانية وأظن أن إبليس ينظر إليهم متعلّماً فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين.

يتعلم منهم اليوم، كيف يفرّغون هذه الطاقات، كيف يبدّدون هذه الجهود، كيف يصرفون هِمم الأمّة من جادة الطريق وصوابها إلى توافه الأمور وإلى الخلافات والنزاعات، حتى تظلّ الأمّة مفرَّقةً، وحتى تظلّ الأمّة مجّهلة ومضلّلة، هذا أثمر ما تراه اليوم، من التراشق ومن التقاطع ومن التدابر، حتى بين القريبين، حتى بين ذوي الرحم، حتى بين من نشأوا في حجر واحد.

آخر سياسة ذكرتها هي سياسة الغزو الفقهيّ، تحدّثت أنت قبل ذلك في مناسباتٍ كثيرة دكتور يحيى عن الغزو الفكري والثقافي ونحن تحدّثنا فيه. اليوم أتكلم عن سياسة الغزو الفقهي، والمراد منه كيف نصبغ هذه الجماهير وهذه الشعوب بلونٍ فقهيّ وبنمط للإسلام وللتديّن. إنّ المراد اليوم أن يكون هناك إسلامٌ وديع، إسلام كيوت، إسلام أوروبي، إسلام أميركي، له حدود، له مواصفات، مركونٌ في زاوية من زوايا الحياة، ليس له علاقة بالحياة ولا بالسياسة ولا بهذا حلال وهذا حرام.

خمس دقائق لربك في اليوم تصلّي، تصوم، تعمل، لكن أن تنشغل بحياة الأمّة وبمستقبلها وحاضرها، بقضايا الأمّة، بالقدس التي تصرخ أنت وأنا وكل الأمّة تصرخ اليوم، وصار في بلداننا، في كل بلد، قدس ينزف، هذه إنما هي من المحرّمات على الناس.

أخيراً سيّد يحيى، هذه السياسة أثمرت أو يريدون أن تثمر أن يأتي جيل مُجهَّل مُضلَّل، وأنا أتخيّر طريقة من الطرق التي عمدوا إليها طوال العشرين سنة الماضية، شغلوا الناس بقضية النجاة في الآخرة، والنجاة في الآخرة إنما تقوم بقيام المسلم والمسلمة بالواجبات الملقاة على عاتقه. في دروس أصول الفقه نقول إنّ هناك واجباً عينياً وواجباً كفائياً، فالواجب العيني الذي أنا أقوم به ولا يقوم به غيري عني، وهذه ركّزوا عليها وتحدّثوا فيها، العمرة، الأذكار، العبادات، الطاعات، وجميلٌ هذا، لكنّ فروض الكفاية، وهي المتعلقة بواجبات وحياة وكينونة الأمّة، وهي المتعلّقة بالضروريات الأساسية للفرد وللأسرة وللمجتمع وللدولة وللبشرية، أغفلوا هذه الواجبات، وما جعلوا الناس يتحدّثون ويتكلّمون عنه.

حتى حين يتحدّثون عن فرض الكفاية، يضربون له مثلاً بصلاة الجنازة، كأنّ في فروض الكفاية وهي كثيرة جداً، ليس إلا صلاة الجنائز، الطب والهندسة والقضاء وحتى إصلاح الطُرق وريادة الحياة، هذه كلها من فروض الكفاية التي وُجّه الخطاب فيها إلى مشروع مجموع الأمّة والتكليف على الأمّة كلها.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور أسامة، سنعود إلى هذا الموضوع يقيناً، وتحديداً أضع ستة سطور تحت كلمة الغزو الفقهي، لأن الفقه الذي كرّس في العالم العربي والإسلامي هو فقه انبطاح، فقه انكسار، فقه استسلام، فقه صفقة القرن وبيع فلسطين.

شيخ بلال، متى نخرج من دائرة العلماء المنبطحين المنكسرين المسبّحين بحمد الطغاة والجبابرة إلى علماء يحيون الأمّة ويوصلونها كما قال الأستاذ مالك بن نبي إلى ذروة الفعالية الحضارية؟

 

بلال شعبان: أولاً الشعب مسؤوليته إذا لم تقل أمّتي للظالم يا ظالم فقد تودّع منها، والعلماء ينقسمون إلى قسمين، هناك علماء هداية وهناك علماء غواية. علماء الهداية هم أولئك العلماء الذين يدفعون الناس ويدلّون الناس كيف يلتقون على الله عزّ وجل مع جميع البشر ومع الإنسانية ومع جميع المسلمين. عالم الغواية هو الذي يدلّك كيف تختلف مع أخيك. اليوم ما يجري في بلادنا عبر خريف الدم العربي هو غزوٌ استعماريٌ جديد، هو أبداً حرب عالمية ثالثة أو هي سايكس بيكو جديدة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

بلال شعبان: في داخل المنطقة، والهدف اقتصادي لسلب الثروات وسلب النفط والغاز وهناك تمديد للغاز والسيل الشمالي والسيل الجنوبي الذي يمر عبر بغداد أو عبر أفغانستان أو عبر دمشق أو عبر سوريا.

رجال الدين والأمية السياسية لا تدفع كلّ هؤلاء ليروا حقيقة ما يجري، فيضع الناس من حيث أراد أو لم يرد في دائرة الصراع، العرقي مثلاً في العراق، عربي وكردي، أو المذهبي، سنّي وشيعي في سوريا والعراق وفي كل مكان، ويتموضع كلّ أولئك للحديث بدفاعٍ باعتقادهم عن المذهب وللذب عن الدين وللدفاع عن السلف الصالح وعن الآل وعن الصحب الكرام، يتحوّل الصراع إلى صراع أبعد كل شرائحنا الشبابية عن التديّن.

 

يحيى أبو زكريا: للأسف الشديد.

 

بلال شعبان: لأن هناك حال طغيان علمانية داخل أمّتنا بسبب هؤلاء لأن الناس أو رجال الدين انقسموا إلى قسمين، قسم يريد أن يذبحك باسم أميركا وقسم يريد أن يذبحك باسم الله.

 

يحيى أبو زكريا: لا حول ولا قوّة إلا بالله.

 

بلال شعبان: لا يوجد حياة مطلقاً، ويجب على كل هؤلاء أن يتحدّثوا لا عن جنّة الأرض التي جعل الله تبارك وتعالى فيها كل الخيرات وكل الثروات، وإنما يريد أن يحدّثك عن جنّة الآخرة التي يريد أن يذهب إليها سريعاً ليتعشّى مع رسول الله محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

مسؤوليتنا جميعاً أن نقف حقيقة أمام كل هذه الأمور وأمام كلّ ما يجري. لذلك يجب عزل كل أولئك العلماء الذين يقتاتون على خبز السلطان وعلى إعلام السلطان وعلى منابر السلطان.

ونحن عند بوابات وعيٍ جديدة، أعتقد يجب على الجميع أن ينتبه، لأن غايات الدين الأساسية هي تأمين الأمن الداخلي وتأمين الأمن الغذائي. الله عزّ وجل امتنّ على قريش فقال لهم في سورة قريش "فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف". معظم هؤلاء يتحدّثون عن العبادات الشعائرية، ولا يتحدّث عن العبادات التعاملية، العبادات الشعائرية التي يحدد لك فيها كيفية وضع اليدين في الصلاة، هنا فوق الصرة أم تحت الصرة أم مسدلاً، ولا يتحدّث عن فقه وضع اليد مع الأميركي ومع الإسرائيلي الذي وضع يده على نفطنا.

كثيرٌ من هؤلاء يخافون على أخلاق المسلمين وشباب المسلمين ويتحدّث عن وضع يد الإنسان بيد المرأة الأجنبية، ولا يتحدّث عن وضع اليد بيد الأجنبي الذي دنّس بغداد وكابول ودمشق والقاهرة وفلسطين وكل شيء. لذلك اليوم مسؤوليتنا أن نركّز على تطبيق.

 

يحيى أبو زكريا: مصافحة المرأة الأجنبية بدعة إلا إيفانكا، إلا إيفانكا، لا إشكال في ذلك.

 

بلال شعبان: نعم، رحمة الله عليه الشيخ سعيد شعبان، الشيخ الوالد رحمه الله، سئل عن وضع اليد بيد الأجنبية، أي التي لا تحل له من أجل عامة الناس، المرأة الأجنبية التي يحل لك أن تتزوّجها وليست من المحارم، قال وضع اليد بيد المرأة الأجنبية كما ورد في الحديث أن يضرب الإنسان مخيط في رأسه، أن يضرب أحدكم مخيط في رأسه خير له من أن يضع يده بيد أمرأة أجنبية. واستطرد قائلاً، ولكن وضع اليد بيد الأجنبي يجب أن يكون عقابه قطع الرأس، لأن الأول أعظم نتاجه ولد سفّاح، ولكن أولاد السفّاح اليوم ضيّعوا كل ثرواتنا وقدسنا وأرضنا بوضعهم لليد بيد الأجنبي.

هذا الفقه الحديث هو الذي يجب أن نتحرّك به. اليوم أنا أريد أن أتحدث، في عز المذبحة الكبرى التي جزّأت وقسّمت بلادنا، أنا أريد أن أتحدّث عن نواقض الوضوء، ولكن هناك نواقض للإسلام، هناك نواقض للحياة في حياتنا، لم تعد الحياة حياة في بلادنا. ترك أهلنا وأبناؤنا كل هذه الأرض واتجهوا صوب الغرب بسبب سكوت هؤلاء وبسبب كل تلك الفتاوى.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ بلال شعبان ابن الشيخ سعيد شعبان رحمة الله عليه شكراً جزيلاً لك، وخطه وأرثه أمانة في يدك والشباب جميعاً.

الدكتور أسامة جدو فرّج الله عنكم وجزاكم الله خير الجزاء ونسأل الله تعالى أن يعمّ الأمن والأمان والازدهار في العالم العربي والإسلامي، وأن يتوقّف الظلم والطغيان والتجبّر، وأن نلغي على الأقلّ السجون والمعتقلات.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه. بوركتم شيخنا العزيز.