أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

المرأة المسلمة بين الإسلام والتغريب

لم يظلم كائن في الجغرافيا العربية والإسلامية مثلما ظلمت المرأة المسلمة التي إنتصر لها الله بسلسلة من الأحكام الشرعية والتكاليف الربانية والتي ظلت حبيسة التنظير والإستنباط, فيما الواقع كان سوداويا تجاهها... صحيح أن الرسول نجح في إعادة الإعتبار للمرأة , لكن بعد إلتحاقه بالرفيق الأعلى تغيرت الأحوال وأشتاق البعض لإيام الجاهلية فقرر أن يسترسل في وأد المرأة روحا ودورا و فكرا.. فالفقه صار ذكرا, والإفتاء ذكرا, والموقع السياسي ذكرا, والزعامة ذكرية والقضاء ذكرا, وحلت الذكورة في كل جانب, والأغرب من كل ذلك أن معظم الذين كتبوا عن المرأة المسلمة وأحوالها وإنشغالاتها ذكور ذكور, وكثيرا ما تعقد مؤتمرات إسلامية للبحث في شؤون المرأة المسلمة يشارك فيها ذكور وذكور فقط, فهل يا ترى فقدت المرأة المسلمة لسانها وعقلها وفكرها, أم أن فكر الوأد و الدفن تحت الرمال ما زال عادة عربية و إسلامية.

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبيّاكُمُ وجعل الجنّة مثواكُمُ.

صدقاً وعدلاً، لم يُظلَم كائنٌ في الجغرافية العربية والإسلامية مثلما ظُلِمت المرأة المسلمة التي انتصر لها الله بسلسلةٍ من الأحكام الشرعيّة والتكاليف الربانية، والتي ظلّت حبيسة التنظير والاستنباط، فيما الواقع كان سوداوياً تجاهها.

صحيحٌ أنّ الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم نجح في إعادة الاعتبار للمرأة، لكن بعد التحاقه بالرفيق الأعلى، تغيّرت الأحوال، واشتاق البعض لأيام الجاهليّة، فقرّر أن يسترسل في وأد المرأة روحاً، ودوراً، وفكراً.

فالفقه صار ذكراً، والإفتاء ذكراً، والموقع السياسي ذكراً، والزعامة ذكريّة، والقضاء ذكراً، وحلّت الذكورة في كلّ جانب.

والأغرب من كل ذلك أن معظم الذين كتبوا عن المرأة المسلمة وأحوالها وانشغالاتها ذكورٌ ذكورٌ ذكور. وكثيراً ما تعقد مؤتمرات إسلامية للبحث في شؤون المرأة المسلمة يشارك فيها ذكورٌ وذكورٌ فقط.

فهل يا ترى فقدت المرأة المسلمة لسانها وعقلها وفكرها أم أن فكر الوأد والدفن تحت الرمال ما زال عادة عربية وإسلامية، وأن العرب يحنون إلى أصالتهم وجذورهم فاستمروا بدفن المرأة ودورها ومكانتها؟

هذه المرأة التي أبدعوا في نظم أشعار الحب العذري وغير العذري عنها، لكن لا أحد يرفع الصوت، مذكّراً بحقّها في لعب الأدوار، بل وأكبر الأدوار.

قال لها ألا تلاحظين أن الكون ذكرٌ، قالت له بلى، لاحظت أن الكينونة أنثى. قال لها ألم تدركي أن النور ذكرٌ، قالت له بلى لكني أدركت أن الشمس أنثى. قال لها أوليس الكرم ذكرٌ قالت له نعم لكن الكرامة أنثى. قال لها ألا يعجبك أن الشعر ذكرٌ، قالت له وأعجبني أكثر أن المشاعر أنثى. قال لها هل تعلمين أن العِلم ذكرٌ، قالت له إنني أعرف أن المعرفة أنثى.

ولا يسعني في هذه العجالة أن أستعرض أسماء رائدات في الفقه والتفسير والقضاء واللغة والنضال الوطني، رائداتٌ هنّ مشاعل نورٍ للمرأة العربية التي يُراد لها أن تنخرط بالكامل في منظومة قِيَم المرأة الغربيّة.

المرأة المسلمة بين الإسلام والتغريب عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة الأستاذة الفاضلة الدكتورة آمنة نصير أستاذة العقيدة والفلسفة والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإنسانية بفرع جامعة الأزهر في الإسكندرية، ومن تونس الحبيبة الدكتورة الفاضلة منجية السوايحي أستاذة التعليم العالي بالجامعة الزيتونية، وهي باحثة وكاتبة.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

كتاب "زعامة المرأة في الإسلام المبكر بين الخطاب العالم والخطاب الشعبي" للكاتبة ناجية الوريمي بوعجالة:

تنبّه الكاتبة من أن النصوص التاريخية التي استند إليها الخطاب التاريخي العالم خالية من مصطلحات الزعامة والرئاسة والقيادة عند الحديث عن تجارب زعامة نسائية، وتدلّل على هذا الإقصاء الاصطلاحي بعدّة نماذج نصيّة.

فالطبري يحجم عن استعمال أية صفة تدل على قيادة سجاح، لكنه يصف أتباعها من شيوخ القبائل بالرؤساء، بل تجده في بعض المواضع يتقوّل على سجاح ليثبت تنصّلها من الزعامة، أو يتدخل في منطق الأحداث ليجعل تحرّكها العسكري وصمة عارٍ على قومها.

ولا يختلف الأمر مع عائشة أمّ المؤمنين بما أنّ المؤرّخين غيّبوا عن تمرّدها سجلات القيادة، واكتفوا بتسميتها بأمّ المؤمنين أو عائشة أو المرأة.

وبتفحّص تجارب زعامة نسائية أخرى، تفطّنت الباحثة أيضاً إلى خلوّ نصوص التاريخ الرسمي من مصطلحات الزعامة كما هو الشأن مع أروى الصليحية ملكة اليمن، إذ يستعمل المؤرّخ إسمها الشخصي أروى الحرة ولا يصفها بالملكة في أي مناسبة، في حين يوصف الأمراء التابعون لها بالملوك.

 

يحيى أبو زكريا: دكتورة آمنة نصير، واقعاً كم يدعوني إلى البكاء واقع المرأة العربية والمسلمة، عندما أتأمّل حجم النظريات وحجم الأحكام التي وردت في حق المرأة وشأنها، والأشعار التي قالت فيها، بينما هي لم تُعطَ حيّزاً في هذا الوجود العربي والإسلامي.

مَن ظلم المرأة في نظرك؟ هل هي الثقافة الذكورية التي ما زالت مسيطرة على شخصانية الإنسان المسلم؟ وهل الثقافة الغربيّة كانت أكثر إنصافاً للمرأة المسلمة من دينٍ شُوّه بالكامل؟

 

آمنة نصير: بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً أنا أحيّي سيادتك يا دكتور يحيى على هذا التقديم الذي لخّصتَ فيه كثيراً من محن المرأة.

الحقيقة المرأة مخلوق ظُلِم منذ أن وُلِدت على الأرض.

 

يحيى أبو زكريا: لا حول ولا قوّة إلا بالله.

 

آمنة نصير: هناك ثقافات وموروثات، موروثات ثقافية، موروثات ذكورية، موروثات لتفسيرات ليست في الإسلام فقط، حتى في الديانات السابقة، فهي ظُلِمت في اليهودية أيما ظلم وظُلِمت في الجاهلية وظُلِمت لدى كثير من الديانات السابقة على الإسلام.

فهي المرأة للأسف نصيبها قليلة الحظ في هذا الوجود، ولذلك يجب عليها ألا تُحبَط وأن لا تتراجع وألا تخشى هذا الكمّ الهائل، وهناك من أبناء الرجال وأخوة الرجال العظام الذين يدركون هذه الظلمات، وأحسب أنّ هذا التقديم هو وضوح وبيان لمواطن ظلم المرأة.

أريد أن أقول أول جملة، إن الحق، ألم يقل لنا جميعنا في قرآننا المحكم "إني جاعل في الأرض خليفة". الخليفة مَن هو؟ الإنسان. الإنسان مَن هو؟ الرجل، المرأة، الآية الإلهية، القرآن العظيم، ولكن تغلّب في الإسلام كثير من الظلمات التي لا دخل للإسلام بها ولا للنصّ القرآني. الحق أعطى للمرأة الاستخلاف في الأرض شأنها شأن الرجل، والاستخلاف أنها تكون أستاذة وطبيبة ومبدعة ومثقّفة وقائدة، ولها كلّ حقوق الاستخلاف في الأرض شأنها شأن الرجل.

 

يحيى أبو زكريا: دكتورة منجية، سمعتِ هذا الكلام من الدكتورة آمنة نصير.

لماذا ظلّ وضع المرأة على ما هو عليه اليوم؟ تكفيرٌ لها بالمّطلق، عدم استيعاب لذكائها، لقدراتها الخارقة، عدم منحها الحق الطبيعي حتى في إدارة شؤون الدولة، إدارة شؤون القضاء، المشاركة في صناعة القرار السياسي والقرار الاقتصادي، لماذا بنظرك؟

 

منجية السوايحي: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام علىّ سيدنا محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين.

أولاً، الشكر المؤزر على هذه المقدّمة الرائعة التي وضعت إصبعك على الداء بالفعل. المرأة في الأشعار، المرأة في المدح، المرأة، ولكن في الأساسيات المرأة معزولة، لماذا؟

هناك، أشارت الدكتورة آمنة نصير إلى بعض الإشكاليات، هناك ثقافة قبل الإسلام وثقافة بعد الإسلام، جاء الإسلام في الوسط ليعطيها حقوقها، أهليّة اقتصادية، أهلية اجتماعية، حرية اختيار الزوج، المشاركة في المعارك، المشاركة في المعارك، المشاركة في الغزوات، المشاركة في الحياة الاقتصادية.

لكن بعد تلك الفترة رجعت الثقافة الإسلامية، ولا أقول الإسلام، الثقافة الإسلامية، تحت ضغط الفقه الرجالي الذي فسّر الآيات القرآنية لصالح الرجل كي تبقى المرأة في البيت وأعطاها أدلّة فقهية، اعتبرها أدلّة فقهية شرعية كانت حاجزاً بين المرأة وقرآنها، فأصبحت المرأة تعتبر تلك الاجتهادات وذلك الفقه الرجالي ضد النساء هو شرع ولا يمكنها أن تقاومه.

ثمّ لا ننسى أن هناك في الفقه الإسلامي، هناك أبواب تجعل من المرأة، تحرمها من التعليم، وتطلب من الزوج أن يذهب هو ليتعلّم في المسجد أمور الصلاة ويحيلها إلى المرأة، في حين أنّ العِلم في الإسلام، في القرآن بالضبط وفي السنّة النبوية، هو حقٌ للمرأة وللرجل وليس له حدود.

هناك اجتهادات تمنع على المرأة الفضاء العام، لا تعمل، لا تخرج، ونجد في بعض الكتب الموجودة اليوم، والمأساة كونها عادت لتطفو على الساحة اليوم أنّ المرأة عليها ألا تخرج، عليها أن تستشير، فتاوى تحريم سفر المرأة، العودة إلى فتاوى السبي، إلى غير ذلك، أي هذه المرأة هي تعتبر دون، وهناك من الفقهاء من جعلها امرأةً للفراش، للأبناء، للأسرة فقط، وليس من حقها في الفضاء العام هذا، مشاركة الرجل.

والأكثر من ذلك يا سيّدي دكتور يحيى، والذي يؤلمني كثيراً، أن في مدوّنة جستنيان المدوّنة الرومانية القديمة، فيها بنود المرأة ناقصة عقل ودين، هذه البنود منقولة حرفياً عند الكثير من فقهائنا، وهناك من الشباب الذي ليس له عمق في المجال الفقهي وفي مجال فقه النساء، يتبنّى هذه الآراء اليوم يا أستاذ.

لذلك أنا من هذا المنبر وأشكركم على الدعوة، أدعو المرأة أن تقرأ الفقه، أدعو المرأة أن تغربل الفقه، أدعو المرأة أن تستقي الفقه النسائي من القرآن ومن سُنّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لأنّ القرآن، إذا قمنا بمقارنة بين وضعية المرأة في السابق عند كل الشعوب وفي الجزيرة العربية بصفة خاصة، وقمنا بوضعية المرأة اليوم في الغرب وغير ذلك، نجد أنّ الوسط، أنّ الإعتدال، أن المساواة، أن الحق للمرأة في رفع الصوت، أن الحق للمرأة في المشاركة موجود في القرآن الكريم وفي السيرة النبوية.

ألم تقل هند بنت عتبة للرسول عليه الصلام والسلام، يا رسول الله، وهو يتحدّث في خطبة الوداع وكل كلمة يقولها تعلق عليها، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل لها أسكتي، ولم يقل لها صوتك عورة، ولم يقل لها لا تشاركي. الرسول عليه الصلاة والسلام ألم يترك من إحدى الصحابيات أن تعلّم حفصة القراءة والكتابة وأن تعلّمها رقية النملة، ووفق ذلك التعليم الذي حظيت به السيّدة حفصة، كان المصحف دستور المسلمين عندها هي.

لم يترك مجالاً الرسول عليه الصلاة والسلام وشركهنّ في البيعة وفي المجال السياسي وشركهنّ في الهجرة إلى الحبشة، أي كان هناك فضاء متّسع للمرأة وللرجل. في المسجد كانت المرأة بجانب الرجل تصلّي، تصلي بجانب الرجل وكانت تحضر مجالس الرسول عليه الصلاة والسلام، ومثّلت المرأة النساء لدى الرسول عليه الصلاة والسلام وقبلها واستمع إليها في ما يتعلق بحقوق النساء.

إذاً أنا من هذا المنبر أقول وأؤكّد وأعيد، يا أيتها النساء أنتن عاقلات، أنتن باحثات، عليكنّ بالدفاع عن أنفسكن وفق ما جاء في القرآن الكريم، وما جاء في الغرب من حقوق الإنسان يتماشى مع عقيدتنا، يتماشى مع ديننا، فلا بأس، الإنسان المسلم إنسان منفتح وإنسان ينتقي وإنسان له عقل، عليه أن يُعمِل عقله وفق ما جاء في دينه.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً دكتورة منجية، عندما نتأمّل السياقات القرآنية، وهذا ما ذكرته الدكتورة الفاضلة بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن في كتابها "قضايا الإنسان في القرآن"، تشير إلى أنّ التكليف الشرعي هو للإنسان، والإنسان مُطلَق الذكر ومُطلَق الأنثى.

دعيني أعود إلى القاهرة قليلاً، إلى الأستاذة الفاضلة الدكتورة آمنة حفظها الله. دكتورة آمنة.

 

منجية السوايحي: دعني أرحب بالدكتورة آمنة نصير، مرحباً بك دكتورة آمنة نصير.

 

آمنة نصير: أهلاً بك.

 

منجية السوايحي: أنت فخر للمرأة وأنت فخر للإسلام.

 

آمنة نصير: أهلاً بك وأهلاً بتونس الحبيبة. أشكرك.

 

منجية السوايحي: حبيبتي، شكراً، ولمصر ولنسائها ورجالها العظام.

 

يحيى أبو زكريا: ونحن في هذا الموقع نفتخر بكن أيما افتخار وأعزكن الله تعالى.

دكتورة آمنة، عندما تتأملين على سبيل المثال الحركات الإسلامية التي تدّعي أنّها تريد أن تمكّن لدين الله، وتقيم دولة الإسلام، المرأة في هذه الحركات مستضعفة، حقّها مهضومٌ بالكامل، لا يُسمَح لها حتى أن تقود حركة إسلامية، هذا على صعيد الخطاب الإسلامي الحركي. على صعيد الخطاب الإسلامي العام، أيضاً المرأة لا وجود لها للأسف الشديد.

في هذه الأثناء تسلّل إلى الجغرافية الفكرية العربية فكر تحرّري ربما بدأ مع قاسم أمين في كتابه تحرير المرأة، مع طلعت حرب أيضاً في كتابه عن المرأة، وبدأت تتوالى الأصوات التي تطالب برفع القيود عن المرأة المسلمة.

كيف ترين واقع المرأة بين النظرية الإسلامية التطبيقية، لا أقصد الإسلام، لا، أداء المسلمين، مسلكية المسلمين، والنظرية الغربية دكتورة آمنة نصير؟

 

آمنة نصير: سيّدي الفاضل، أنا سأعود للعهد النبوي. العهد النبوي أشرف العهود في إنصاف المرأة بأنّها تأخذ حقها السياسيّ في المبايعة، حقها الحربيّ، حتى شاركت في الحروب وتفوّقت على الرجل، كنسيبة بنت كعب أمّ عمارة رضي الله عنه في معركة أحد، المرأة التي شاركت في علاج الجرحى في قلب المعارك، وفي قلب الحروب.

إذاً العهد النبوي كان نموذجاً رائعاً لدور المرأة في صنع الحياة والمشاركة في الحياة في حلوها ومرّها. إنما للأسف الجماعات المعاصرة التي ادّعت أنها تحمل راية الإسلام، غضّت الطرف تماماً على دور المرأة في العهد النبوي، الذي هو نموذج من أروع النماذج لحقوق المرأة المستخلَفة في الأرض. لا نجد هذا لديهم، بل بالعكس، كلما توارت المرأة وأبعدوها عن الاستخلاف في الأرض بقسوة وبفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ولا توجد في الإسلام، كلما كانوا يحملون شعار السلفية، والسلفية بعيدة عنهم تماماً.

لو صدقوا بمفهوم المصطلح الحقيقي، لاستدعوا العهد النبوي الذي هو قدوة لنا جميعاً وطبّقوها على ما يقولونه الآن. لكن لا هم التزموا بالعهد النبوي، ولا التزموا بعدل التشريع الإلهي لحقوق المرأة، ولا التزموا بمستجدات العصر وتوصياته صلّى الله عليه وسلّم، بأنه يبعث الله على رأس كلّ مئة سنة من يجدّد دين هذه الأمّة. لا هم يريدون تجديداً ولا يريدون التزاماً بعصره وعهده صلّى الله عليه وسلّم، ولا يريدون الالتزام بالنصوص الصحيحة في عدالة حقوق المرأة. ولذلك وصلنا ما وصلنا إليه من تراجع المرأة.

وللأسف هناك كثير من النساء، من صدّقن بما طُرِح عليهن نتيجة الجهل بعدل الشريعة الإسلامية، نتيجة عدم الثقافة، نتيجة الأميّة. نحن لدينا، أنا أتحدّث عن مصر، نحن لدينا 40 في المئة في قطاع المرأة، أميّة لا تقرأ ولا تكتب، الأبجدية غائبة لديها، فكيف ستعرف حقوقها وتعرف عدالة السماء لها وتعرف عظَمة العصر النبوي في ما قاموا به من إبداعٍ ومن عطاء ومن مشاركة في كل كبيرة وصغيرة؟

الأمر الآخر وهذا ما يحزنني كثيراً، ألا وهو أنّ هذا التطرّف ضد المرأة وإنكار حقوقها التي جاءت بها عدالة الإسلام وعدالة السماء، أنهنّ أخذن ما جاء من هؤلاء المتطرّفين على أنه جيء به من أرض النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فدخل إليهنّ مدخل القبول من دون إعمال عقلٍ أو إعمال تاريخٍ أو قراءة للنص الديني الصحيح.

 

يحيى أبو زكريا: دكتورة آمنة، وكم يؤسفنا أنّ المسلمين ظلموا ربّهم، وظلموا رسولهم، وظلموا إسلامهم السمح.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثمّ أعود إليكم مباشرة فابقوا معنا.

 

كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين:

 تحرير المرأة هو كتاب لقاسم أمين في الإصلاح الاجتماعي، أثار ضجة كبيرة وقت ظهوره، ليس فقط بين أوساط المثقفين ولكن أيضاً بين عامة الناس، نظراً إلى تناول الكتاب موضوع المرأة بصورة غير مألوفة لما درجت عليه الأدبيات الاجتماعية المصرية السائدة في ذلك الوقت، حيث حاول قاسم أمين في هذا الكتاب أن يلفت النظر إلى الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تعيشها المرأة المصرية آنذاك، إذ كانت تعاني قهراً اجتماعياً نابعاً من العادات والتقاليد الموروثة، والمرتبطة في أحيانٍ كثيرة بالفهم الخاطئ للموروث الديني والقواعد الأخلاقية السليمة.

وقد تطرّق قاسم أمين إلى هذه الأوضاع التي فرضت قيوداً على حركة المرأة داخل مجتمعها ووطنها، ومنعتها من تأدية دورها النهضوي في بناء الأمّة من أجل فهمها وتشخيصها، ومن ثمّ معالجتها وإصلاحها.

وكان قاسم أمين يقول "إلزام النساء بالحجاب هو أقسى وأفظع أشكال الاستعباد، والكلّ متّفقون على أنّ حجاب النساء هو سبب انحطاط الشرق، وعادةٌ لا يليق استعمالها في عصرنا، وأول عملٍ يُعَدّ خطوة في سبيل حرية المرأة هو تمزيق الحجاب".

وللإشارة، فإن قاسم أمين كان له رأي مخالف لما انتهى إليه من أفكار، فقد قال يوماً "إنني لا أرى الفائدة التي يمكن أن تجنيها النساء بممارسة حرف الرجال. يحرّك شعوري مشهد الزوجة التي تعتني ببيتها، في حين أنني لا أشعر بأيّ عاطفة حين أرى أمرأة على خطى الرجال، ممسكة كتاباً في يدها، بل لعلّي أشعر بشيءٍ غير بعيد عن النفور".

 

 

المحور الثاني

 

كتاب "قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة" للشيخ محمّد الغزالي:

في هذا الكتاب المهمّ، ينفي الشيخ الغزالي عن الإسلام تهمة إهانة المرأة والتقليل من شأنها، مؤكداً أنه لا يوجد في كتاب الله ولا سُنّة رسوله ما يبعث على هذه التهمة، وأنّ المشكلة ليست في الإسلام، ولكنّها في المتحدّثين باسم الإسلام، فالمسلمون ضحايا وأسرى العادات البالية التي صبغوها بالأسلَمة وجعلوا منها أحكاماً شرعية عادت بالذعر على المرأة المسلمة.

ويضرب الغزالي مثالاً على ذلك من السنّة، فالرسول الأكرام يوصي بأن تذهب النساء إلى المساجد تفلات، أي غير متعطّرات ولا متبرّجات، ولكننا نجد القسطلاني في شرحه للبخاري يرى أن تذهب النساء إلى المساجد بملابس المطبخ وبها روائح الأطعمة وغيره يرى ألا تذهب أبداً.

ويستنكر الشيخ موقف المتشدّدين الذين يتركون الاهتمام بشرائع الإسلام وشعائره التي تهدّمت والاتفاق على ضرورة بنائها، ويتشاجرون ويتنازعون في الأمور الخلافية مثل النقاب، والتصوير، ما يؤدّي إلى الفرقة والفتن والتخوّف من الدين الإسلامي.

ويناشد الشيخ هؤلاء أن يتّقوا الله في أنفسهم وأمّتهم وأن يجتمعوا ولا يتفرّقوا وأن يمهّدوا الطريق أمام الإسلام بدل أن يضعوا أمامه العقبات.

ويعرض الشيخ الغزالي ما ورد على لسان السفير الألماني عن الإسلام في ملتقى الفكر الإسلامي، حيث قال للحاضرين "يجب أن تصحّحوا أوضاع المرأة عندكم، فإن صورة المرأة الإسلامية تنفر الأوربيين من الدخول في الإسلام". ويعقب الغزالي على ذلك بأن الرجل بعد أن شرح الله صدره للإسلام، يقول للمسلمين "أحسنوا عرض دينكم، ولا تصدّوا الآخرين عنه بسوء الفهم وسوء العمل".

ويؤكد الشيخ الغزالي أنّ بعض المسلمين يعرضون دينهم مزوراً ذميم الوجه ثم يذمّون الناس لأنهم رفضوه، وهؤلاء يجب جلدهم أو سجنهم لأنهم يصدّون عن سبيل الله، فالإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في جملة الحقوق والواجبات، وإذا كانت هناك فروق معدودة فهي احتراماً للفطرة الإنسانية، كما أكد أن التقاليد التي وضعها الناس ولم يضعها الله هي التي سفّهت الوضع الثقافي والاجتماعي للمرأة وأرجعتها في المعاملة إلى ظلمات الجاهلية الأولى.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع المرأة المسلمة بين الإسلام الحضاري طبعاً والتغريب.

الدكتورة الفاضلة منجية، طبعاً أشارت الدكتورة آمنة إلى العصر النبوي، هذا العصر الذي كان يقف على رأسه عملاقٌ، وأيّ عملاق، قال عنه برنارد شو "لو كان محمّد موجوداً لحل كل مشكلات العالم ريثما ينتهي من شرب فنجان قهوة".

دكتورة منجية، اليوم عندما تريدين أن تتحدّثي عن المرأة في الدائرة الإسلامية، حتى الفقه الذي يتعاطى مع هذه المرأة هو فقهٌ عادل. مثلاً كم يستغرب المسلمون عندما يقرأون مثلاً أنّ الأحكام الشرعية للمرأة كثيرة، من جملتها أنّ المرأة لها أن تأخذ الأجرة على الرضاعة، أن راتب المرأة لها وليس لزوجها وأولادها، حق الملكية، حق التملّك، حق صناعة القرار.

لماذا غابت هذه الثقافة التي تعطي للمرأة دورها الحقيقي وبأمر من السماء وليس من أحد؟

 

منجية السوايحي: شكراً. أقول لماذا غابت هذه الأشياء؟ غابت لأننا بعدنا عن القرآن الكريم، وبعدنا عن السنّة النبوية، ولم نهضم العصر الجديد، وغيّبنا المقاصد الشرعيّة التي تهدف في كل زمن إلى تطوير الزمن، المقاصد، عندما نقرأها عند ابن عاشور، عندما نقرأها عند ابن باديس، عندما نقرأها عند علال الفاسي، الإسلام والقرآن قائم على المقاصد، ومن قواعد المقاصد أن الأحكام الشرعية هدفها الأساسي نفع الإنسان، ومصطلح الإنسان نعرف أنه يشمل المرأة والرجل، كما أن مصطلح الناس في القرآن الكريم يشمل المرأة والرجل، وأكثر تدقيقاً نعود إلى القرآن الكريم، أشرت في إشارة ما إلى أن الحركات الإسلامية والإسلام بصفة عامة، ليست الحركات الإسلامية فقط، هم  =لا يبوّئون المرأة مناصب القرار ومواقع القرار، أقصد الرتبة العليا في رئاسة الحركة أو رئاسة الدولة أو شيء من هذا النوع، يمكن أن تكون في مجلس النواب، يمكن أن تكون مديرة عامة، يمكن أن تكون حتى وزيرة، لكن أن تكون في رئاسة الدولة أو تكون رئيسة حكومة، رئيسة وزراء، هذا لا، لماذا؟ نعود ونقول، ويعتذرون أو يتعلّلون بأن المرأة ليست هذه مهامها والإسلام منعها من ذلك وذهبوا إلى أقصى من ذلك، أصبحنا اليوم نسمع بأنّ هناك من يمنع المرأة من الخروج إلى الانتخابات، في حين لو نعود إلى الهرم الديني القرآن الكريم، القرآن الكريم في مشاريعها الأساسية، المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك مجموعة من الشروط فبايعهن.

مشاركة المرأة في البيعة، أريد أن أركّز على المجال السياسي لأن المرأة في العالم العربي والإسلامي ممنوعة في الغالب من العمل السياسي، في البيعة شركهنّ الرسول عليه الصلاة والسلام. السيّدة عائشة كان لها باع في السياسة، أمّ سلمة كان لها باع في المجال العسكري، وأريد أن أقف عند امرأة هي عظيمة جداً هذه المرأة، هي سودة بنت الأشتر الهمدانية، هذه وجدت في عهد معاوية ابن أبي سفيان، هذه المرأة كانت قبيلتها بلغتنا اليوم بعصرنا اليوم قبيلة معارضة للوالي، معارضة للحاكم. السيّد الوالي أمعن في إذلال قبيلتها، منعهم من العمل، من السكن، من العلاج، فمن أرسلوا إلى معاوية ابن أبي سفيان؟ أرسلوا له امرأة، وإن كنت مرسلاً فأرسل حكيماً ولا توصه، ولو لم تكن هذه المرأة حكيمة وخبيرة في المجال السياسي لما أرسلها قومها وفيهم الرجال العتاة، وذهبت إلى معاوية وبلغت شكوى أهلها، ووصلت إلى أن معاوية عزل هذا الوالي الظالم.

أنظر مكانة المرأة كيف كانت، أنظر كيف بوّأها الإسلام أن تأخذ السياسة، لأن الإسلام دين قرآن، لأن القرآن فيه الجانب النظري وفيه الجانب التطبيقي، بالنسبة للعمل وظّفها، أعطاها نصيباً، أعطاها المهر، أعطاها الماديات التي يمكن أن تشارك بها في المجال الاقتصادي. إذا كان الإسلام يعطيها هذا والرسول عليه الصلاة والسلام يوافق على ذلك وتعلمون أن هناك امرأة توفى زوجها وكانت تحت سلطة العدة، فقالت للرسول يا رسول الله إن زوجي قد توفى ولي حقلٌ إذا لم أواصل العمل فيه لا أجد ما آكل، فقال لها اذهبي صباحاً اعملي في حقلك ثم عودي في المساء إلى بيتك. انظر هنا كيف كانت المساحة متّسعة جداً للمرأة، فإذا كان هذا قبل 14 قرناً، المفروض اليوم أن نقفز قفزة كبيرة تصبح للمرأة المكانة التي للرجل في العالم العربي الإسلامي ونقفز ونتطوّر ولا نشحذ قضية حقوق الإنسان، ولا تلتجئ بعض نسائنا إلى تبني الثقافة الغربية تماماً، لأنه بحد ذاتها الثقافة الغربية قد شيّأت المرأة، شيّأت المرأة، في حين نحن الإسلام أعطاها مكانة المرأة، الإنسان، مكانة الأمّ، مكانة العاملة، مكانة، الجدّة مكانتها في الأسرة، لو عدنا إلى جميع الأبواب حتى في أخصّ حياة المرأة في أخصّ خصوصياتها داخل الأسرة، من حقها أن تختار الزوج ومن حقها أن ترفضه ومن حقها أن تتزوّج ومن حقها أن تطلب الطلاق من زوجها.

 

يحيى أبو زكريا: دكتورة منجية، ذكرت ثلّة من النسوة الرائدات الرائعات، أذكّرك ببضعة المصطفى فاطمة الزهراء التي كان يقول عنها الرسول أمّ أبيها، إن فاطمة من أذاها أذاني.

دكتورة آمنة، لا شكّ أنك ربّيتِ جيلاً من الأخوات والرجال أيضاً، وكذلك الدكتورة منجية، لكن اليوم كيف تقنعين المرأة المسلمة أن تعتزّ بدينها؟ إذا تحدّثت عن الإسلام يقولون لك تأمّلي واقع المرأة المسلمة في أفغانستان، في السودان، في المغرب العربي، هنا وهناك، بينما في السويد نصف الحكومة السويدية من النساء، بينما في النرويج المرأة تحكم، في فنلندا رئيسة الحكومة امرأة.

اليوم المصداق الإسلامي غائب، فكيف أقيم الحجّة على صحّة ما أذهب إليه من نظريات تجاه المرأة؟

 

آمنة نصير: سيّدي الفاضل، أقمت الحجّة في أحد كتبي تحت عنوان "المرأة المسلمة بين عدل التشريع وسوء التطبيق".

 

يحيى أبو زكريا: جميل، جميل.

 

آمنة نصير: وهذا الكتاب أخذ منّي حوالى ثلاث سنوات، جمعت فيه كلّ ما أذى المرأة وأضرّها وأبعدها عن عدل التشريع الإسلامي، وحصرتها في عدد سميتها العلل والأمراض التي حجبت المرأة أنها تستمتع بعدل الشريعة الإسلامية.

كان على رأس هذه الأمور تأبيد بعض آراء الفقهاء بشكل ضدّ المرأة، وبعيداً عن الهدف الحقيقي لهذا النص للمسلمين. وسأعطي مثالاً، عندما يقول صلّى الله عليه وسلّم، لو أمرت، وتنبّه للو، هذه على سبيل الامتناع، لو أمرت لإنسان أن يسجد لإنسان لأمرت المرأة أن تسجد للرجل، ولو على سبيل الامتناع، وكان لهذا الحديث خلفه مشاكل، أن المرأة المكية هاجرت إلى يثرب اتفقنا كما عبّر الخليفة العظيم عمر ابن الخطاب، أنّ نساءنا اتفقن، يقلدن نساء الأنصار، اعتبروا أن دخول الحضارة المكّية والثقافة المكّية على الثقافة لأهل المدينة، كأن النساء تنازلنَ عن كثير من التقاليد الموروثة لديهن من طاعة الزوج ومن الثقافة المعروفة لدى نساء مكّة، فغضب عمر ابن الخطاب واشتكى للرسول صلّى الله عليه وسلّم، أنا أقول لحضرتك علاجه لهذه القضية، فقال يا رسول الله لقد اتفقت نساؤنا على أن يقلدن نساء الأنصار فاسمح لنا بأن نردهنّ عن هذه العادات الجديدة التي طرأت عليهن. فهنا الرسول عرف، كأنني أنا زوّجت بنتي لرجل، وجاء في عدّة مرات يشكوها ويقول، فأنا مسكت بنتي وقلت لها إذا لم تكوني على وفاق وطاعة مع زوجك لأحطّم دماغك، أنا لن أكسر دماغ بنتي أبداً، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام في صبيحة يوم عيد وهو يسير إلى المسجد ومعه الصحابة والأحباء، نظر إلى النساء نظرة فيها عُمق المربّي وعُمق المسؤول عن تشكيل هذه الثقافة وإرضاء هؤلاء الصحابة الذين ضاقوا بالمرأة المكّية، أنها اتفقت لتقلّد المرأة في المدينة، وقال لهنّ، ما أخلبكنّ للب الرجل الحاسم، أنكنّ ناقصات عقل ودين.

هذا النص بكل أسف استُخدِم بعيداً عن المناسبة التي قيلت وهو في صبيحة يوم عيد، ولا يُعقَل أنه صلّى الله عليه وسلّم صاحب الخلق العظيم، أنه يهين المرأة في يوم العيد، بل هو كان وساطة المربيّ في دعابة لطيفة للنساء، بعدما نظر وقال، ما أخلبكنّ، هذا التعجّب وليس تقرير قاعدة، وللأسف استُخدِم هذا، أنكن ناقصات عقل ودين، انبرت إليه أمّ سليم وقالت يا رسول الله كيف نحن ناقصات عقل ودين، قال أليست منكن، تنبّه للحال البيولوجية، أليست منكنّ من لا تصوم الشهر كاملاً، أليست منكن من ترى من زوجها كل شيء وعندما يغضب تقول ما رأيت منك شيئاً.

هذا الحديث أنا تقصّدت أن أذكره الآن أمام حضرتك وأمام المشاهد وأمام الأخت العزيزة في تونس، حتى أضع للرجل عقلاً مستنيراً ما بين أخذ حديث فيه تقرير قاعدة وما بين حديث يؤخذ للأسف من قِبَل الفئات المتطرّفة، يأخذونه مأخذاً ويفصّلون عليه ما يُخرِج تماماً مقصده صلّى الله عليه وسلّم، مقصد التعجّب ومُراضاة الرجل، أي تنبّهوا أن يغضب الرجال منكم، سبحان الله حيث يضع القوة مظلة الضعف والضعف مظلة القوة. لو نظرنا للنصّ، لو نظرنا للمناسبة، لو نظرنا لمن قيلت لهن، لانتهت المشكلة على أنها مُداعبة لطيفة من مربٍ عظيم يريد أن يهدّئ غضب عُمر ابن الخطاب رضي الله عنه ومن شاركه في هذا الغضب، وهذه مشكلة المجتمعات كلها، عندما ندخل في ثقافة غير ثقافتنا وأحسب أنها جزء أصيل في هذا الحوار، أننا نحن ضقنا بآراء فقهائنا وضقنا بالتطرّف وضقنا باستخدام مثل هذا النص وإخراجه من سياقه، إلى أننا أصبحنا نريد أن نذهب إلى الطرف الآخر، ألا وهو طرف التغريب والغرب.

الحقيقة أنا قصدت هذا حتى أبيّن شريحة واحدة ممّا شرحته في كتابي، وأنا سقت حوالى ستّ علل على ما أذكر، أدّت لتراجع المرأة نتيجة مثل هذا الفهم الخاطئ على غير مراده صلّى الله عليه وسلّم، وعلى غير مراد ما جاء في بعض النصوص القرآنية، وهي تستحق وقفة في حلقة مستقلة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتورة آمنة، ولو أعمل المسلمون عقلهم، وعقلهم مُعطّل أو مُعدَم، أول ما أعدم في العالم العربي والإسلامي هو العقل المسلم للأسف الشديد، لأدركوا أنه في مجال الاستنباط لا بد من أن نعود إلى سياق الرواية ومكان الرواية وتاريخ الرواية وزمن الرواية، بنوا على دعابة لغوية وعند البلغاء هناك مدح يراد به ذم وهناك ذم يراد به مدح وهكذا دواليك، بنوا على نصف جملة مذهباً ومنهجاً ومسلكاً.

ولله ذرّ العِلم الحديث الذي أكّد اليوم أن دماغ المرأة أكثر فعالية بخمس مرات من دماغ الرجل، ولو كانت المرأة في الحضيض، لو كانت المرأة في الحضيض لما جعل الله الجنة تحت قدمها. ولكن للأسف، للأسف دكتورة آمنة ودكتورة منجية، ربّ أمٍ تُرمى في دار العجزة، تُرمى في دار العجزة.

دكتورة منجية، طبعاً من الكتب التي تناولت المرأة وزعامتها في التاريخ العربي والإسلامي، كتاب ناجية بوعجالة "زعامة المرأة في الإسلام المبكر بين الخطاب العام والخطاب الشعبي".

الآن واقع المرأة كما تلحظينه بناء على إحصاءات التنمية البشرية، الأمم المتحدة، المؤسسات الاجتماعية في العالم العربي، حالات الطلاق في العالم العربي وصلت إلى 60، 70 في المئة، ظلم بواح يحيط بالمرأة.

اليوم كيف نرفع كمسلمين، كحكومات، كأنظمة، كمجتمعات مدنية الظلم عن المرأة المُستضعَفة؟

 

منجية السوايحي: أشكرك أولاً على قضية العقل المسلم، أعدِم، هذا العقل نائم، ثمّ لفت انتباهي ما ذكرته حول المرأة الغربية ومدى نجاحها في سياسة البلاد، وأضيف ميركل والنجاح الذي سجّلته أخيراً، 286 ملياراً أو فوق ذلك في ما يخصّ الفائض المالي، هذه امرأة ناقصة عقل ودين يا رسول الله، ما هذا؟

كذلك نحن لدينا مقولات أصبحت أمثلة تُضرَب كل يوم عند العامي، عند المتوسّط، ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة، كما قالت الدكتورة آمنة النساء ناقصات عقل ودين، هذه الأمور نحن بحاجة اليوم كيف نستطيع أن نرفع الظلم عن المرأة وكيف نستطيع أن نغيّر المجتمعات، لأننا نحن العيب الذي يُسنَد إلينا، وقلت أنت سيّدي الفاضل في سؤالك، كيف تجابهون من يقول لكم المرأة ظُلِمت وظلمها الإسلام وأنتم ماذا ستفعلون الآن، ثم أكثر من هذا، هناك من يتهمنا، يقول أنتم تعيشون في الكهوف، تحدّثوننا عن نساء قبل 14 قرنا، وحدّثونا اليوم ماذا نفعل وكيف نستطيع أن نخرج من هذه الحفر التي سقطنا فيها، الحفر المعرفية.

كيف ذلك؟ أقول أولاً، قضية العام والخاص، هناك قضايا خاصة معينة بزمن وأنت أشرت إلى ذلك، وهناك قضايا عامة. هذه القضايا الخاصة لا يمكن أن تعمَّم. لنأخذ مثلاً قضية ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة، هذا يعضّون عليه بالنواجس المجموعات المتطرّفة التي تريد إقصاء المرأة من الناحية السياسية أو من مواطن صنع القرار حتى في بيتها. هذا الحديث لرسول الله هو قيل بعد 25 سنة من وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ويقولون إن راوي هذا الحديث أبا بكرة هذا جُلِد من أجل شهادة زور، وفي أقصى الحالات عند من يرى أن هذا الحديث حديث صحيح ورد في البخاري، قيل في الرواية  الثانية إن الرسول عليه الصلاة والسلام سأل من تولّى الحُكم في كسرى، قالوا له ابنة كسرى، قال ما أفلح قوم ولّوا أمرهم، هذه المرأة لأنها امرأة كانت معروفة بالاستهتار، معروفة بعدم النظام، معروفة بعدم الخبرة، فالرسول عليه الصلاة والسلام لو كان بيننا اليوم ولاحظ ما فعلته ميركل مع شعبها ليقول هذه امرأة عظيمة وليست ناقصة عقل ودين.

وبالتالي لا بد من ربط الأسباب بمسبّباتها، لا بد من ربط بأسباب النزول، لا بد من الرجوع لأسباب النزول، ولا بد من الرجوع إلى المجال التاريخي الذي يستأهل أن نحلل فيه الأشياء. ثم أكثر من ذلك علينا اليوم، نحن اليوم مصيبتنا يا أستاذ، مصيبتنا يا إعلامي قدير، أن أصبح الكل يصدر نفسه للإفتاء، في حين الإمام الشاطبي يقول لك لا يبلغ درجة الإجتهاد إلا من اتصف بوصفين، فهم مقاصد الشريعة على كمالها ثم التمكّن من الاستنباط بناء على فهمه فيها، والمقاصد تعرف مقاصد حاجية ومقاصد تحصينية ومقاصد ضرورية، من لا يمتلك آليات في الإفتاء وآليات الاجتهاد، فليرحنا من اجتهاداته الفاسدة التي أصبحت، وأخيراً رأيت أحد الأشخاص ولا أقول شيخاً، يقول يمنع على المرأة أن تقرأ علوم الرياضيات وعلوم الفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية. ما هذا؟

 

يحيى أبو زكريا: دكتورة منجية والله إنا لله وإنا إليه راجعون. أيها المسلمون مقولة ناقصة عقل ودين ألغوها، ألغوها، امسحوها من الموروث الإسلامي.

 

منجية السوايحي: ارموها في البحر.

 

يحيى أبو زكريا: كيف تكون ناقصة دين وعقل وقد أنجبت لنا عيسى وموسى ومحمّد والسبط وذا الكفل ويوشع وإلياس وذا النون ويونس وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب وإسحاق؟

 

منجية السوايحي: والرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنتِ، أحسنتِ.

 

منجية السوايحي: هل يمكن للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول النساء ناقصات عقل ودين ويقول خذوا نصف دينكم عن هذه المرأة الحميراء، عن عائشة رضي الله عنها؟

هل يمكن للمسلمين والصحابة الكبار العِظام أن يطرقوا باب السيّدة عائشة رضي الله عنها ويتعلّموا منها الفقه والطب، وكان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقول ما أشكل علينا أمر إلا وعدنا إلى السيّدة عائشة فوجدنا عندها حلاً؟

هل يمكن لكبار الصحابة أن يعودوا إلى امرأة ناقصة عقل ودين.

 

يحيى أبو زكريا: دكتورة منجية، الوقت داهمني، والله لو الأمر بيدي لفتحت لكن المجال إلى يوم يبعثون، لتعلمن الذكور وتبينّ مقاصد الشريعة الإسلامية على مذهب محمّد طاهر بن عاشور رحمة الله عليه.

دكتورة منجية السوايحي من تونس الحبيبة شكراً جزيلاً لك. الدكتورة الفاضلة المربية الأستاذة الكبيرة آمنة نصير من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

 

آمنة نصير: شكراً لك.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

وأوصيكم بالنساء خيراً، ولا تنسوا أن وصية الرسول يوم حجّة الوداع، أوصيكم بالنساء خيراً.