لعبة الأمم

برنامج حواري أسبوعي يرصد القضايا والملفات السياسية الساخنة أو الباردة الإقليمية والدولية من منظار جيو - سياسي. يقارب ما تفرضه الجغرافيا بكل عناصرها من متغيرات في تحديد السياسات العامة للدول وبالتالي في رسم الاستراتيجيات السياسية والامنية والعسكرية.

هل العراق ضحية ساسته أم التدخلات الخارجية؟

منذ اجتياحه من قِبَل أميركا وبريطانيا لم يستقرَّ بعد وضع العراق. هل المشكلة من الداخل، أم من التدخلات الخارجية؟ هل من أيادٍ خارجية فعلاً في أحداث البصرة حتى طالب البعض بطرد سفراء أجانب؟ ما كاد العراقيون يدحرون داعش حتى غرِقوا بتعقيدات الحكومة والرئاسة وتفاقمَت المصاعب الاقتصادية.. من السبب؟

 

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". منذ اجتياحه من قِبَل (أميركا) و(بريطانيا) لم يستقرّ وضع (العراق) بعد، فالوعود الأطلسيّة التي أُغدِقت قبل إسقاط وإعدام الرئيس "صدّام حسين" بالديمقراطية والحريّات والعدالة والرفاهية لم تُثمِر إلّا الإرهاب الذي بدأ بآلاف التفجيرات ولم ينتهِ بـ "داعش" ولم تُثمِر إلّا نوعاً من التقسيم المقنّع، ولم تُثمِر إلّا نهب الثروات النفطية العراقية والآثار العراقية وتراجُع الخدمات الحياتية وتدهوُر في الاقتصاد الذي تحسّنَ في الآونة الأخيرة في بلدٍ خصوصاً ثريّ بالنفط والذهب وغيرهما. اليوم، وبعد انتخاب رئيسٍ جديد للبلاد ورئيس للحكومة عيّن، هلّ انتصر محور إقليمي في (العراق) أم انتصرت التوازنات؟ أم أنّ العمليّة السياسية تُعيد إنتاج نفسها منذ العام 2003 وأنّ القائِمين عليها يُعيدون تدوير أنفُسِهم للمرّة الرابعة في اثنتي عشرة سنة كما تقول صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية؟ في هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" سنُحاول أن نعرِف ما هي اللُعبة الإقليمية والدولية في (العراق) والتي كان بعضُ تجلّياتها مؤخراً في الاضطرابات التي عمّت مناطق في (البصرة) ورُفِعَت فيها شعاراتٌ ُمناهِضة لـ (إيران) ولحزب "الدعوة"، فهلّ ثمة أصابع خارجية تستخدم (العراق) ورقةً لتصفية حساباتٍ إقليمية ما دفعَ نائِب عراقية إلى الدعوة لطرد سفيريّ (أميركا) و(بريطانيا)؟ أم أنّ دور (إيران) كبر في (العراق) وبات صاحب قرار في سياسة البلاد وحتّى بين الكُرد أنفسهم؟ ثمّ ماذا عن التدخلات الأُخرى؟ فوزير الخارجية العراقي رفع الصوت مُجدّداً من على منبَر الأُمم المتّحدة للحدِّ من التدخلات التركيّة المفروضة. ما هي حدود التدخلات الخليجية المُجاورة؟ وأخطر من ذلك، ما هي حقيقة التغلغل الإسرائيلي في النسيج العراقي بينما "نتنياهو" يُحذِّر من دورٍ إيراني في (العراق)؟ هلّ ثمّة خطّة أميركية فعليّة للسيطرة على حكومة ونفط (العراق)؟ يُسعدني أن أستضيف في هذه الحلقة شخصيّة سياسية وعلميّة عراقية عالية الكفاءة والتجرُبة والمُستوى، رجلٌ جاء من البحث النووي إلى السياسة مروراً بوزارات النفط والتربية ومناصِب سياسية وأكاديمية وإدارية مرموقة يعرِف تماماً البرلمان العراقي حيثُ كان النائِب الأول لرئيس الجمعية الوطنية، ناهيكَ عن معرِفته الواسعة بالغرب حيثُ درسَ، لا بل يعرِف أيضاً بالسجون حيثُ كان نزيلَ سجن "أبو غريب" المشؤوم. أُرحِّب بالدكتور "حسين شهرستاني" النائِب السابق لرئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة. سيكون ضيفاً وحيداً في هذه الحلقة لكننا سنستمع فيها أيضاً إلى بعض الآراء المُهمّة من وعنّ (العراق) الحبيب. أهلاً وسهلاً بكم جميعاً إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

المحور الأول   

سامي كليب: أهلاً وسهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين، أهلاً بك دكتور "حسين شهرستاني" يُسعدني أن تكون ضيفنا في هذه الحلقة، هذه المرّة الأولى لك في "لعبة الأُمم"، أنا سعيد بحضورك معنا

د. حسين شهرستاني: حيّاك الله أُستاذ "سامي" وأنا أسعد وأشكرك على هذه الاستضافة الكريمة

سامي كليب: أهلاً بك. دكتور "حسين"، الآن كلّ الناس تتحدّث في موضوع (العراق) عن مسألتين حصلتا بالأمس لحُسن الحظّ ونُهنّئ العراقيين بهما، انتخاب رئيس للجمهورية وتعيين رئيس للوزراء. ننتظر في (لبنان) تشكيل حكومة أيضاً. الآن هناك عدّة آراء

د. حسين شهرستاني: إن شاء الله عن قريب

سامي كليب: هناك عدّة آراء حول ما حصل. ثمّة من يقول إنّ الرئاسات الثلاث تُرسِّخ مبدأ أنه في النهاية مالت الكفّة لصالِح (إيران) في (العراق) ضدّ الولايات المتحدة الأميركية. احكي لنا عن الانتخابات والتعيين، هلّ فعلاً ربِحَ المحور المؤيِّد لـ (إيران) في (العراق)، ربِحَ (العراق) وخسِرت (أميركا) أم لا، هناك مُغالاة في هذا التوصيف؟

د. حسين شهرستاني: في الواقع الرابح الأكبر هو (العراق) لأنّه كانت هناك انقسامات سياسية بين كُتَل كبيرة سواءً في المُكوِّن الشيعي أو السنّي أو الكُردي، ولذا الخروج بصيغة توافق ممكن أن تحصل على رضى عدد كبير من هذه الكيانات السياسية في المكوّنات الثلاثة المُختلفة كان مطلوباً وهذا ما حصل. بالتأكيد، للجارة (إيران) ولبقيّة دول المنطقة وكذلك للمُجتمع الدولي والولايات المتحدة اهتمامات في (العراق). أنا لا أُسميها مصالِح لأنّ ذلك يعطي الحق للتدخل في الشأن العراقي كونها صاحبة مصلحة، أنا أُسميها اهتمامات وهذا أمر مفهوم. كانت بصراحة الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة تسعى جاهِدة إلى أن تُرتِّب الوضع العراقي بشكلٍ تراه يُمكن أن ينسجِم مع توجّهاتها الإقليمية وهذا ما لم يحصل. إذا هذا نُسميه فشلاً للمسعى الأميركي ليكن كذلك

سامي كليب: دكتور "حسين" إسمح لي   

د. حسين شهرستاني: ولكن الجمهورية الإسلامية منذ البداية في الحقيقة

سامي كليب: لا بأس، إسمح لي معاليك، آسف لمُقاطعتك. يعني تقول أنّه كانت هناك مُحاولة أميركية، هلّ يُمكن أن تشرح لنا ما هي هذه المُحاولة الأميركية وكيف فشِلت فعلياً؟ هلّ لم تكن تريد كما قرأت اليوم الكثير من المقالات التي تقول لم تكن تريد الرئيس "برهم صالِح" رئيساً للبلاد؟

د. حسين شهرستاني: لا، الموضوع لم يكن بالنسبة للولايات المتحدة موضوع أشخاص سواء رئيس الجمهورية المنتخب "برهم صالِح" أو غيره، إنما كان مسعاها، وهي تُصرِّح بذلك وهذا ليس أمراً خافياً بحيث ألّا نكشفه للجمهور، إنما كانت تُصرِّح أنها سوف لن تسمح لفصائِل "الحشد الشعبي" ولمَن ساهم للحقيقة في (العراق) وحمل السلاح وقاتل "داعِش" وأنقذ (العراق) من "داعش" أن يكون له دور محوري في العملية السياسية العراقية، هذا كان الهدف الأميركي. صنّفت بعض هذه الفصائِل ضمن مجامع إرهابية وكانت ترفض للحقيقة أن تتعاطى معها، أن تتعامل معها بشكلٍ إيجابي. فكون (أميركا) لم تفلح أن تُبعِد هذه الفصائِل، فصائِل "الحشد الشعبي" بمختلف تسمياتها، عن المشهد السياسي العراقي وأن يكون لها دور سواءً في مجلس النواب، تمّ انتخاب عدد كبير من هؤلاء النواب، أو في الحكومة القادمة. هذا يُعتبَر في تقديري فشلاً للمسعى الأميركي

سامي كليب: صحيح. دكتور "حسين، أيضاً أنا أقرأ اليوم في صحيفة "الأخبار" اللبنانية، وهي صحيفة مضطّلعة جداً على الشأن العراقي، تقول حسب مصادر سياسية رفيعة إنّ وزير الخارجية الأميركية "مايك بومبيو" والمبعوث الرئاسي الأميركي في التحالف الدولي "بريت ماكورغ" مارسا ضغوطاً على "برهم صالح" بهدف دفعه إلى الانسحاب، لكنّ الطلب الأميركي لم يرُق ممثلي الاتحاد الوطني الكردستاني الذين ما كان منهم إلّا أن فضّوا اللقاء وتوجّهوا إلى النزال البرلماني. ما رأيك؟

د. حسين شهرستاني: نعم، أنا لا أسمح لنفسي أن أتكلّم عن غيري، يعني عن الأُستاذ "برهم" أو غيره إن كنت مضطلعاً على بعض التفاصيل ولكن عموماً كان هناك مسعى أميركي لترضية الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة " مسعود البرزاني" الذي كان يرفُض رفضاً قاطعاً ترشيح الدكتور "برهم صالِح" وكانوا يرون لململة البيت الكردي وعدم اختيار شخص ممكن أن يكون بالنسبة لـ "مسعود" مرفوض بالمُطلق، يكون مخرجاً أفضل ولعلّهم كانوا يسعون في ذلك الاتجاه. أمّا كونهم طلبوا من الدكتور "برهم صالِح" أن ينسحِب أم لا فأترك الإجابة على هذا السؤال للدكتور "برهم صالح" نفسه

سامي كليب: معالي الدكتور أنا أحبّك لأنك تجيب بشكلٍ صريح، أرجو ألّا تعتمِد الكثير من الدبلوماسية في هذه الحلقة، نريد أن نفهم ما الذي يحصل في (العراق). الآن السيّد "مسعود البرزاني"

د. حسين شهرستاني: أستاذ "سامي" أنا فعلاً صريح عادةً في إجاباتي

سامي كليب: الآن السيّد "مسعود البرزاني" عبَّرَ علناً عن غضب، عن عدم رضى عن انتخاب رئيس من الاتحاد الوطني الكردستاني، من الحزب المنافس له. هلّ يؤثِّر اعتراضه في رأيك؟

د. حسين شهرستاني: نعم، الحزب أصدر بياناً والكتلة النيابية للحزب الديمقراطي الكردستاني أصدرت بياناً. انتخاب الدكتور "برهم صالِح" أمرٌ قد قُضيَ والآن الرجل أصبح رئيساً لجمهورية (العراق). لذا لا أعتقد أنه من الحكمة سواءً من الأُستاذ "مسعود البرزاني" أو من غيره أن يُناقِش في هذا الأمر الآن أو أن يكون له موقف سلبي منه لأنّ هذا بالتأكيد سينعكِس على دور الكُتلة السياسية الرافِضة لهذا الانتخاب في علاقتها مع رئاسة الجمهورية وهذا ليس لا من مصلحة (العراق) ولا من مصلحة تلك الكُتلة. أنا أتوقّع، لمعرِفتي بالأُستاذ "مسعود" بأنّه سيتجاوز هذه المرحلة، ولا بدّ من أن يتعاطى إيجابياً مع ما حدث

سامي كليب: معالي الدكتور "شهرستاني"، طبعاً الشخصيتان اليوم رئيس الجمهورية السيّد "برهم صالِح" ورئيس الحكومة "عادل عبد المهدي"، واضح أنّ هناك نوعاً من الإجماع أو شبه الإجماع الوطني الكبير في (العراق) على الشخصيتين وهناك آمال كثيرة مُعلّقة عليهما. ولكن في نفس الوقت، هذا التنافُس الذي حصل في الآونة الأخيرة ومُحاولة لعِب أوراق إقليمية على الساحة العراقية كاد أنّ يؤدّي بالساحة السياسية العراقية إلى الكثير من المتاهات. واليوم أقرأ أيضاً في أحد المقالات التالي، أريد أن تؤكِّد لنا أو تنفي ذلك، تقول أنّ "برهم صالِح" رئيساً للجمهورية العراقية و"عادل عبد المهدي" رئيساً مكلّفاً تشكيل حكومتها الاتحادية، تطوّران يرسمان معلمين رئيسيين جديدين في التسوية التي انطلقت منذ انتخاب "محمّد الحلبوسي" رئيساً للبرلمان. وعلى رغم ما تُثبته تلك التسوية من توازنات نفوذ على الساحة العراقية، إلّا أنها تنطوي بما لا يقبل التأويل على مكاسِب سياسية متتالية لـ "طهران" وحُلفائِها سواء في صيرورة العمليات الانتخابية الثلاث أو في نتائِجها، وتَكرّر سيناريو انتخابات هيئة رئاسة البرلمان بعد فشل مُحاولات توحيد البيت الكردي وسعي (أميركا) إلى تمرير ألاعيب أعتقد أنها ستصُبّ في مصلحتها. أرادت (واشنطن) إنقاذ ما يُمكن إنقاذه في الساعات الأخيرة عبر دعم مُرشّح "مسعود البرزاني". في المقال الذي نشرته أيضاً صحيفة الأخبار، تتحدّث عن سعي حثيث من قِبَل الجانب الإيراني حتّى لتوحيد البيت الكردي بعد الخلافات الكثيرة التي حصلت، وأنّ السيّد "قاسم سليماني" نفسه لعبَ دوراً في هذا الاتجاه. ما رأيك؟ 

د. حسين شهرستاني: نعم، ما ورد في هذا المقال صحيح بأكثره، وفعلاً كان للجمهورية الإسلامية الإيرانية دور مؤثر وضاغط على الكُتل الكردستانية لأن تتوحّد وتتّفق على مُرشّحٍ واحد، كما كان لهم دور للحقيقة على الكُتل السنيّة لأن تلتقي وتقترب مع بعضها وتُدافِع عن حقوق المُكوِّن وتختار من يرتضيه المُكوِّن، ولعِبت نفس الدور مع المُكوِّن الشيعي وكانت حريصة على أن تتفق الكتل الشيعية في ما بينها بما ينهض بالمشروع الوطني العراقي. بصراحة، "إيران" كانت دائِماً خلال الفترة الماضية، إلى جانب وقوفها مع (العراق) في مُحاربة الإرهاب الداعشي وغيره، كانت حريصة على أن يستقر (العراق) لأنّ في استقرار (العراق) ضمان للأمن الوطني الإيراني نفسه، كون لدينا أكثر من ألف ومئتين كيلومتر من الحدود المُشتركة ومصالِح اقتصادية كبيرة، مصالِح سياسية وغيرها، فاستقرار (العراق) كان دائِماً هدفاً مركزياً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وكان من الطبيعي أن تنصح الفُرقاء العراقيين، سواء الكرد أو السنّة أو الشيعة، بضرورة لملمة الموقف والاتفاق على المُشتركات بما يخدِم المشروع الوطني العراقي. هذا حقيقة ما جرى، لذا ما جاء في المقال هو صحيح. لذلك، عوداً على سؤالك، هلّ كان انتصاراً لهذا المحور؟ لعلّه صحيح، هو انتصار للمحور الذي كان يُريد استقرار (العراق) وازدهار (العراق) واحتفاظ (العراق) بموقف وطني ثابت داعِم لاستقرار المنطقة

سامي كليب: يعني دكتور "حسين"، هلّ نستطيع أن نقول إنه انتصار للمحور الذي تقوده (إيران) بشكلٍ واضح؟

د. حسين شهرستاني: عندما نقول انتصاراً وكأنّها هزيمة مُطلقة للمحور المُقابل. الأمر ليس هكذا بالضبط، نعم هو قطعاً انتصار للمحور الذي أراد لـ (العراق) أن يستقرّ ويهدأ ويكون مؤثراً في مُحيطه الإقليمي

سامي كليب: أوكي

د. حسين شهرستاني: الجماعات، خاصةً الإقليمية، بعض الدول الإقليمية التي كانت تريد أن تجرّ (العراق) إلى محورها وتُخندق (العراق) مُقابل الجمهورية الإسلامية، هذا المحور لم يستطع أن يُحقّق ما كان يصبو إليه. الولايات المتحدة التي كانت تُريد ألّا يكون هناك دور للجماعات التي تُصنّفها هي، لا أصنّفها أنا، بأنها متعاونة مع (إيران) سواءً في فصائِل "الحشد الشعبي" أو في كيانات سياسية، ألّا يكون لها دور مؤثِّر في المشهد العراقي، كذلك هي لم تنجح في هذا المسعى

سامي كليب: دكتور "حسين" الآن نحن إذاً أمام احتمالين، إمّا ستقبل (أميركا) بالأمر الواقع وفي النهاية هذا بلد عزيز وكريم وعنده كرامة عالية، (العراق)، وفي النهاية لا يستطيع أيّ طرف أن يأتي ويُملي عليه ما يُريد كما يحصل اليوم مع دول ثانية وبعض التصريحات كما تسمع الوقحة من الرئيس الأميركي مثلاً حيال (السعودية). في النهاية هناك احتمالان، إمّا احتمال أن تقبل (أميركا) بما حصل حتّى ولو فشِلت في مكانٍ ما، أو ستُحاول إعاقة عمل الرجُلين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. ماذا في رأيك ستفعل؟

د. حسين شهرستاني: الإدارة الأميركية لا خيار أمامها بعد أن انتظر الشعب العراقي واختار رئيساً للجمهورية وكُلِّف رئيساً للوزراء، لا خيار أمامها إلّا التعامل الإيجابي مع هذا الواقع الذي يمثل إرادة عراقية وطنية. أنا آمل للحقيقة من الإدارة الأميركية أن تعي هذه الحقيقة بأن (العراق) والإنسان العراقي بالنسبة له الاستقلال الوطني، الكرامة الوطنية، العِزّة الوطنيّة أغلى وأهمّ من أيّ شيء آخر، بالنسبة للعراقي أو غير العراقي كذلك، أتوقّع الناس هكذا. لذا، التعاطي السلبي ومُمارسة الضغوط الاقتصادية أو السياسية بشكلٍ مُباشر أو غير مُباشر سوف لا يُجدي نفعاً، لا بل سيُزيد الإنسان العراقي إصراراً على المُضيّ في المشروع الوطني. لذا، التعامل الإيجابي والقبول بالأمر الواقع والتعاطي معه أعتقد من المفروض أن يكون الرأي الغالب في (واشنطن)

سامي كليب: دكتور "شهرستاني"، حضرنك طبعاً بخبرتك في البرلمان في نيابة رئاسة الحكومة وفي العديد من الوزارات، في الجانب النووي حضرتك عالِم مُحتَرَم في (العراق)، تعرِف في جميع الأحوال مُعظم المؤسّسات العراقية. الآن، هذه المرّة الأولى التي رأينا فيها هذا الكباش إذا صحّ العبير بين الكُرد أنفسهم. يعني الكرد منذ حاولوا إقامة نوع من الفيدرالية يُحاولون أن يُقيموا انتخابات، أن يُحسّنوا وضع المناطق، أن يُقدّموا نموذجاً في النهاية جيداً ولكن هذه المرّة حصل صِدام كردي كردي كبير، وأنا سألتك في بداية الحلقة وأُريد أن أعود إلى هذه المسألة لو سمحت، لماذا وقعَ هذا الصِدام الآن بين الكُرد بهذه الحِدّة ولم يتّفق الكُرد على رئيس واحد وحصل اتفاق داخل البرلمان؟ والأمر الثاني، هلّ فعلاً السيّد "قاسم سليماني" لعِبَ دوراً في الآونة الأخيرة لتسوية المسألة الكردية بين الكرد أنفسهم؟

د. حسين شهرستاني: كي أكون موضوعياً ومُنصِفاً، لم يكن هناك انشقاق داخل الصفّ السياسي الكردي فقط وإنما كان هناك انشقاق كبير داخل الصفّ السياسي السنّي والصفّ السياسي الشيعي وحتّى الصفّ السياسي المسيحي والتركماني

سامي كليب: صحيح

د. حسين شهرستاني: لذا، تصوير القضية كأنّما المُشكلة فقط داخل المُكوِّن الكردي ليس بالوصف الدقيق ولكن هذا واقع الحال. وأنا بصراحة لا أرى في ذلك ضيراً لأنّ الاصطفافات القومية أو المذهبية أو الدينية أو المناطقية أو القَبَليّة ليست في الحقيقة في طبيعة المُجتمعات المتحضّرة في القرن الواحِد والعشرين. يجب على الأمم أن تتقدّم وتتجاوز هذه الانقسامات إلى الفضاء الوطني

سامي كليب: صحيح

د. حسين شهرستاني: وإلى تبنّي مشاريع. نعم أنا أفهم أن يكون الخلاف سياسياً بين توجُّه يميني أو يساري، الاقتصاد الحرّ أو الاقتصاد الذي الدولة تبنيه في توجيهها إنما ليس على أساس قبلي ولا مناطقي

سامي كليب: سيّد "شهرستاني" أنا آسف، أوكي، أنا آسف لأنني أُريد أن أُعطيك كلّ الوقت لكي تشرح لنا هذه المسألة لأنها ضرورية ولكن المُخرِجة تضغط عليَّ وتقول هناك موجز للأنباء يجب أن نُقدِّمه وسنعود إليك فوراً لو سمحت. دقائِق ونعود ابقوا معنا أعزائي المشاهدين لو سمحتم

المحور الثاني:         

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبرَ قناة "الميادين" نتحدّث فيها عن الشأن العراقي خصوصاً بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتعيين رئيس للوزراء. أعود وأُرحِّب بالدكتور "حسين شهرستاني" النائِب السابق لرئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة وهو ضيفنا الوحيد في هذه الحلقة. دكتور "حسين" أهلاً بك مُجدداً، أنا كنت ذكرت عبارة قبل قليل تتحدّث عما قاله الأميركي لدولة عربية، وأنا كنت أعني، هلّ تسمعنا سيّد "شهرستاني". يبدو هناك مُشكلة بسيطة بوصول الصوت، لنُشاهِد ولو portrait قصيرة، من هو ضيفنا اليوم لمن انضمّ إلينا الآن، ثمّ نُكمِل هذه الحلقة لو سمحتُم

د. حسين شهرستاني - النائِب السابق لرئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة

- حائِز البكالوريوس في الهندسة الكيميائية والماجيستير في الهندسة النووية والدكتوراه في الكيمياء النووية

- عمِلَ باحثاً علمياً في مركز البحوث النووية ثمّ رئيساً لقسم الكيمياء النووية في هيئة الطاقة الذريّة بين عامي 1977 و1979

- انتُخِبَ عضواً في البرلمان العراقي عام 2006

- بين العامين 2006 و2014 استَلَم وزارة النفط في الحكومة العراقية ثمّ منصب نائِب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة

- في العام 2011 كُلِّفَ تولّي مهمّات وزير الكهرباء كما سيَّرَ شؤون وزارة الخارجية بالوكالة عام 2014

- في عام 2016 عُيِّنَ وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي

- حائِزٌ شهادتي دكتوراه فخريّة من جامعة " موناش" الأسترالية وجامعة "سري" Surrey البريطانية بالإضافة إلى جائِزة "روزفلت" للتحرّر من الخوف عام 2012 لدفاعه عن القِيَم الديمقراطية

سامي كليب: إذاً هذا هو ضيفنا وهو الضيف الوحيد في هذه الحلقة، أعود وأُرحِّب بك دكتور "شهرستاني" وعُذراً على انقطاع الصوت، يبدو هناك مُشكلة قصيرة. كنت أسألك طبعاً في القسم الأول من هذه الحلقة عن (أميركا) 

د. حسين شهرستاني: أسمعك

سامي كليب: عن (إيران)، عن الوضع الإقليمي في هذه المنطقة وذكرنا ولو لِماماً ما قاله الرئيس الأميركي حيال المملكة العربيّة السعودية وأنا في الواقع أعتبره كلاماً وقحاً جداً وينبغي الردّ عليه من (السعودية) ومن أهل (السعودية) لأنه يقول: نحن نحمي (السعودية)، يُمكننا القول أنّهم أثرياء وأنا أُحبّ الملِك "سلمان" ولكنني قلت نحن نحميكم. قد لا تبقى هناك أُسبوعين، يقول للملك، من دوننا، يجب أن تدفع تكاليف جيشك. يعني من عندك، من (العراق)، كيف تنظُر إلى هذا الغرور الأميركي سيّد "شهرستاني"؟

د. حسين شهرستاني: للحقيقة، كنت أتمنّى على الإخوة في (السعودية) أن يكون لهم موقِف من هذا الكلام. لا يليق بأيّ شخص أن يتكلّم عن مسؤولين في دولة أُخرى بهذه الطريقة، بأنه لولا أنا لا تستطيع أن تبقى في سدّة الحُكم لمدة أُسبوعين كما قال الرئيس "ترامب" للملِك السعودي. هذه ليست طريقة مقبولة في الحوارات بين الدول ولا ينبغي في الحقيقة أو يكون الموقف السعودي صامِتاً إزاء هكذا إهانة توجَّه إلى ملِك المملكة العربية السعودية

سامي كليب: على كلّ حال نحن في انتظار موقف من المملكة العربية السعودية ردّاً على هذا الكلام ولا بدّ من موقف. ما هو الدور حالياً السعودي في (العراق) سيّد "شهرستاني"؟ كيف تُقيِّم هذا الدور؟ وهلّ لـ (السعودية) فعلاً دور جدّي؟

د. حسين شهرستاني: في الحقيقة، كان هناك دور سعودي وقطري ومن بعض الدول الخليجية الأُخرى كذلك خلال السنوات الماضية العديدة، منذ سقوط نظام "صدّام حسين" في عام 2003 إلى الفترة الحاليّة وكانوا في فترات مُختلِفة يلعبون أدواراً مُختلِفة. حاولوا في الحقيقة إعاقة التجربة الديمقراطية في (العراق)، فتحوا الأبواب أمام الإرهابيين من دولِهم ومن بقية دول العالم وجنّدوهم وأرسلوهم لـ (العراق) فارتكبوا مجازر رهيبة في حقّ الشعب العراقي من مختلف مكوّناته بذرائِع مُختلفة، ابتداء على أساس لمُحاربة القوات الأميركية المُحتلّة ومن ثمّ تحوّلوا إلى مُحاربة الجيش العراقي ومن ثمّ مُحاربة طوائِف من العراقيين الشيعة ابتداءً ومن ثمّ انتهوا في الحقيقة إلى مُحاربة السُنّة في (العراق). وهؤلاء أكثرهم كانوا يتشبّعون بفكر "ابن تيمية" في مدارِس (السعودية) ويأتون لـ (العراق) مغسولي الأدمِغة وصُرِفت أموال كبيرة للحقيقة من هذه الدول على هذه المجاميع وعلى كثيرٍ ممن تصوّروا بأنّهم يستطيعون أن يمنعوا التجربة الديمقراطية والتغيير السياسي الذي حدث في (العراق). ولكن بعد أن فشلت هذه المساعي كلّها في الحقيقة وصَمَد الشعب العراقي وقاتل ببسالة وتغلّب على الإرهاب ورسَّخ التجربة الديمقراطية من خلال جولات انتخابية متعدّدة، أعتقد صارت هناك مُراجعة لكثير من هذه الدول بضرورة التعامل بشكلٍ إيجابي مع (العراق). الآن التوجّه الخليجي عموماً والسعودي بالأخصّ هو لتعامُل إيجابي مع (العراق) في هذا الظرف الجديد ولكن هذا لا يعني بأنّهم لم يسعوا خلال الأشهُر الماضية أن يؤثِّروا على مَن يتأثّر بهم ممن يتواصل معهم بحيث يوجّهون الأمور بتشكيل حكومة ممكن أن تكون قريبة بالتفاهُم معهم ولكن هذا لم يفلح ولم ينجحوا به وإنّما أتت حكومة للحقيقة تريد علاقات متوازنة لـ (العراق) مع جميع الجيران. هذه الحكومة وغيرها سوف لا تتقاطع لا مع (السعودية) ولا مع غيرها، لن تسمح لنفسها أن تتدخّل في شأن أيّة دولة أُخرى ولن تقبل من أية دولة أُخرى أن تتدخّل في الشأن العراقي. ستكون هناك علاقات متوازنة مع من يرغب أن يكون صديقاً لـ (العراق)

سامي كليب: سيّد "شهرستاني، أنا كنت حدّثتك قبل الموجز وسألتك عن الوضع الكردي وكان جوابك جميلاً، أنّه في النهاية ليس فقط الكُرد وإنما كلّ الأطراف انقسموا قبل هذه الانتخابات، وفي النهاية قد يكون في هذا الأمر أيضاً نوع من الشيء الإيجابي لـ (العراق)، أنّ لكلّ طرف رأيه وفي النهاية اجتمعت الأطراف وانتخبت الرئيس وعُيِّن رئيس للحكومة. لكن الجانب الآخر من السؤال، هلّ فعلاً السيّد "قاسم سليماني" لعِبَ دوراً في تسوية المسائِل بين الكُرد أنفسهم في الآونة الأخيرة؟ لأنّ هناك الكثير من الكلام حول هذا الموضوع، فقط لكي نستوضِح هذه المسألة، هلّ فعلاً لعِبَ دوراً في المسألة الكردية لتقريب وجهات النظر الكردية وتسوية المشاكل؟

د. حسين شهرستاني: حسب علمي وأنا ألتقي بالرجل فهو صديق ونتحدث في أمور كثيرة، كان دائِماً حريصاً ليس فقط على ترطيب الأجواء بين القيادات الكرديّة بل كذلك بين القيادات السنيّة والقيادات الشيعيّة، وكان هذا الدور للحقيقة دوراً إيجابياً ومقبولاً ومُرحّباً به من قِبَل كلّ هذه القيادات، يعني كنت أسمع شخصياً مدحاً للدور الذي يلعبه لتقريب وجهات النظر بين القيادات الكردية، كنت أسمع هذا الرأي من الطرفين الكرديين وكنت أسمع هذا الرأي من قيادات سنيّة محترمة وكذلك أعرِف بين القيادات الشيعية في الكيانات المُختلِفة أنها كانت تتواصل مع الحاج "قاسم سليماني" وكان حريصاً أن يوصل لها رسالة في مصلحة (العراق) وليس مصلحة (إيران)، بأن أنتم مصلحتكم يا عراقيين أن تتفاهموا في ما بينكم، ليس فقط بين من يُمثِل المُكوِّنات المُختلِفة وإنما داخل المُكوِّن الواحد ، هذا أمر معروف ولم يعد سراً، يعني إن الكثيرين تحدّثوا به

سامي كليب: أوكي، سيّد "شهرستاني"، أنا آسف لمقاطعتك لأنّ هناك الكثير من الأسئِلة في الواقع، أستغلّ وجودك معنا لكي نطرحها. يعني نستطيع أن نقول إنّ السيّد "قاسم سليماني" لعِبَ دوراً في تقريب وجهات النظر الكُرديّة للتوافق في الأسابيع القليلة الماضية. نستطيع أن نقول ذلك!

د. حسين شهرستاني: نعم، هذا صحيح، نعم

سامي كليب: قلت سيّد "شهرستاني" في تصريحات سابقة لك أنّ (إسرائيل) هي التي أقنعت الكُرد بالاستفتاء سابقاً، هلّ فعلاً لـ (إسرائيل) دور؟ لأنّ هناك الكثير من الكلام العربي في الواقع، ونحن حين نلتقي بالإخوة الكُرد يقولون يا أخي أنتم العرب تغالون ونحن لا نُحبّ (إسرائيل) ونحن لا زلنا مؤيّدين للقضيّة الفلسطينية. هلّ فعلاً لـ (إسرائيل) دور بين الكُرد أو مع طرف كردي مثلاً؟

د. حسين شهرستاني: لا، الإخوان الكُرد يُحبّون الفلسطينيين ويُحبّون العرب، هذه حقيقة، في النتيجة هم جزء من شعوب هذه المنطقة ومُسلمون وبالتأكيد يتعاطفون مع مظلومية الشعب الفلسطيني. فالكلام ليس في الشعب الكردي وإنما الأجهِزة الخاصّة الإسرائيلية حاولت أن تستفيد من الحال التي تواجدت في إقليم (كردستان) وأن يكون لها دور تحريضي لمن يستمِع لها. أنا لا أقول إن القيادات الكردية كانت تستمِع لهذا النُصح أو الرأي الإسرائيلي وإنّما كان للإسرائيليين نفوذ ووجود ومسعى ولكنّهم لم يفلحوا في ذلك في أغلب الأحيان. أمّا في مُفردة الاستفتاء، (إسرائيل) لم يعُد سرّاً، هي كانت تُصرِّح دائِماً وأبداً وتسعى إلى تفتيت شعوب المنطقة. أنظر ماذا فعلت في (سوريا)

سامي كليب: صحيح

د. حسين شهرستاني: أُنظر ماذا كانت تُحاول أن تفعل، ليس فقط في (العراق) بل في كلّ مكان تسعى إليه. (إسرائيل) تريد تمزيق دول المنطقة كي تكون الدويلة الأكبر بين هذه الدويلات المُنقسمة في ما بينها سواء في (سوريا) أو في (العراق) أو في (تركيا) وفي الجزيرة العربيّة حتّى. لذا، كونهم كانوا يُشجعون بعض القيادات الكُرديّة لكي يمضوا في قضية الاستفتاء. هذا أمر واضح ولا يُنكره إلّا من يجهله، إنّما هلّ هذا المسعى الإسرائيلي نجح فقط؟ الجواب لا؛ لا مُحاولة الاستفتاء نجحت ومن قام بالاستفتاء الآن واضح أنه يعي إنها كانت تجربة غير موفّقة

سامي كليب: دكتور "شهرستاني" أنا سألتك عن (إسرائيل) وطبعاً تحيّة كبيرة للإخوة الكُرد وإن شاء الله تصير كلّ المناطق العراقية وليس فقط (كردستان) جميلة وأفضل بكثير مما كانت. أسألك عن (إسرائيل) لأنّ هناك تطوّرات كثيرة تتعلّق بـ (إسرائيل)، وكما تفضّلت (إسرائيل) رُكِلت ركلاً في (لبنان) في الواقع وفي (سوريا) أيضاً فشلت فشلاً ذريعاً وإن شاء الله ستفشل في (العراق) وفي أيّة دولة أُخرى، ولكنها تُهدد (العراق) وتقول بوقاحة على لسان وزير خارجيّتها "أفيغدور ليبرمان" في ردّ على سؤال حول (العراق) يقول "ليبرمان": أقول إننا سنتعامل مع أيّ تهديد إيراني ولا يهمّ مصدره، حرية (إسرائيل) كاملة ونحتفِظ بحريّة التصرُّف. ردّ عليه وزير الخارجية العراقي "إبراهيم الجعفري" أيضاً بشهامة وقال: إنّ (العراق) يمتلِك مُقوِّمات الصمود أمام هذه التحدّيات ودونهم ما حصل لتنظيم "داعش" الإرهابي. نحن لا نُروِّج للحرب ولكن لدينا من القِيَم المعنوية والثقافة والشباب والجنود ما يُمكّنهم من أن يصونوا بلدهم ويجعلوا الأمر يبدو كالمثل القائِل "نجوم السماء أقرب إليهم من أن يطالوا أرض (العراق)". هذه الوقاحة الإسرائيليّة في التعامل بذريعة (إيران) تُقلِق (العراق)؟ أم أنّ (العراق) صارَ فعلاً كما قال السيّد "حسن نصر الله" مراراً جزء أساسي من (العراق)، تحديداً كان يتحدّث عن "الحشد الشعبي" وغيره، صار جزءاً من محور كبير وما عادت (إسرائيل) تستطيع أن تُعربِد في هذه المنطقة؟

د. حسين شهرستاني: ابتداءً، أُريد أن أُؤكِّد أنّ ما قاله الأخ وزير الخارجية العراقي يُمثِّل ليس فقط الموقف الرسمي العراقي وإنّما يُعبِّر عن ضمير الشعب العراقي

سامي كليب: صحيح

د. حسين شهرستاني: أُذكِّر "ليبرمان" وغير "ليبرمان" من القادة الإسرائيليين بألا ينسوا ما قام به الجنود والضبّاط العراقيون في معركة (جنين) في عام 1948. يعني، موقف (العراق) في القضيّة الفلسطينية من اليوم الذي بدأت (إسرائيل) في الحقيقة عدوانها على الشعب الفلسطيني، وكان لـ (العراق) دور على مدى التاريخ. وما يجيش في صدور العراقيين للحقيقة من نقمة للممارسات الإسرائيلية في حقّ الشعب الفلسطيني لعلّه يُضاهي إن لم يكن أكثر مما يجيش في صدور أيّ شعب عربي آخر. لذا ليعرِف حدوده، (العراق) ليس خائِناً كما يظنّ، تجربة "داعش" يجب أن يتعلّمه جيّداً، في أنّ (العراق) سوف لن يركع، سوف لن يستسلِم، سوف يكون عراقاً صامداً بطلاً مُجاهِداً مُدافِعاً ليس فقط عن حقوق الشعب العراقي وإنّما حتّى عن حقوق الشعوب العربية التي يتمّ التجاوز عليها وخاصةً الشعب الفلسطيني المُجاهِد

سامي كليب: ممتاز. كلام يُنعِش القلب يا دكتور "حسين"

د. حسين شهرستاني: وسألتني هل هناك قلق لدى العراقيين؟

سامي كليب: تفضّل

د. حسين شهرستاني: لا لا، هذا الكلام لا تسمعه من "حسين شهرستاني" فقط، تسمعه من أيّ مواطن عراقي بسيط تسأله في الشارع وستسمع هذا الكلام

سامي كليب: صحيح

د. حسين شهرستاني: ولكن سألتني كذلك، هلّ هذا يُقلِق العراقيين؟ أؤكِّد لك أخ "سامي"، العراقيون لا تُقلِقهم مثل هذه الزوبعات في فنجان، و(إسرائيل) أعجز من أن تستطيع أن تُهدّد (العراق)، هي عجَزَت في (سوريا) مع تعقيد الوضع السوري، لا بل عجزت في (لبنان) على صِغره ولكن بسبب بطولة شعبه ومُقاومته. فلا يستطيع للحقيقة أن يحلَم بأنّ ينال من (العراق)

سامي كليب: دكتور "شهرستاني" سألتك أيضاً الجزء الآخر من السؤال، هلّ الآن (العراق) يعتبر نفسه جزءاً من هذا المحور الكبير ضدّ (إسرائيل) عملياً؟ لأنّه تحدّث السيّد "حسن نصر الله" كذا مرّة عن أنّ هذا المحور توسّع وصار يصل إلى (العراق) وإلى (اليمن) وإلى (لبنان) وإلى (سوريا) وإلى (فلسطين). هلّ يعتبر (العراق) نفسه جزءاً من هذا المِحوَر الآن؟

د. حسين شهرستاني: شوف، من اللازم أن نُحدّد ماذا نقصد بهذه المحاور لأنّ هناك أكثر من دعني أقول تصنيف لهذه المحاور. إذا كان المقصود، هلّ (العراق) جزء من محور عربي مقابل محور عربي آخر؟ أو محور عربي مقابل إيراني؟

سامي كليب: لا، أكيد لا، نحن نتحدّث ضدّ (إسرائيل) فقط

د. حسين شهرستاني: أجل، أحسن، أحسن

سامي كليب: لا نتمنّى أيّ محور عربي ضدّ أيّ محور عربي

د. حسين شهرستاني: (العراق) ليس في أيّ محور ضدّ أيّة دولة في المنطقة

سامي كليب: صحيح

د. حسين شهرستاني: أحسن، أمّا (العراق)، نعم في محور الحقّ ضدّ الباطل. ما تقوم به (إسرائيل) انتهاك صارِخ لكلّ القِيَم الإنسانية، لكلّ المواثيق الدولية، لكلّ حقوق الشعوب، و(العراق) مع الحقّ الفلسطيني، لا بلّ مع حقّ الشعب اليمني ومع حقّ أيّ شعب آخر مظلوم مُضطهَد مُعتدى عليه. هذا تاريخ (العراق) وليس الآن، نحن تعلّمنا من الإمام "الحسين" في واقعة (كربلاء) قبل أكثر من ألف سنة بأن هيهات أن نسكُت على الظلم ونقبل بالذلّ لأيٍّ كان، ولذا نحن نعم في المحور المقابل للغطرسة والهيمنة والتمدّد الإسرائيلي والانتهاك لحقوق الشعب الفلسطيني ولحقوق شعوب المنطقة

سامي كليب: ممتاز، يعني أن أسألك لأنّ الآن دكتور "شهرستاني" وزارة الخارجية الإسرائيلية أطلقت على "فيس بوك" قبل فترة صفحات باللغة العربية والآن تقول أنّها ستُطلِق عشر فضائيات عربية، وطبعاً هناك بعض الأشخاص في هذه الدول العربية عندهم من الذلّ ما يدفعهم للتعاطي حتّى في الإعلام مع المسألة الإسرائيلية وكأنها صارت أمراً عادياً يعني. ولكن الغريب أنها تقول أنّها أطلقت صفحة باسم (إسرائيل) باللهجة العراقية حالياً. وفي مقال لـ "ليندا مانوحين عبد العزيز" وهي مُستشارة الإعلام الرقمي بالعربية في الخارجيّة الإسرائيلية، وهي من أصول عراقية، نقرأ التالي، تقول:

- ثمّة رغبة عند العراقيين في الانخراط مع (إسرائيل) قد تبدو مُشجِّعة

- إنّ المتابع للمشهد العراقي يُمكنه أن يُلاحظ صدور العديد من الكُتب عن يهود (العراق) بلغت ذروتها هذا العام في معرِض الكتاب الدولي في (بغداد). على الرغم من رياح التغيير هذه فلا تزال هناك تحدّيات جديّة أمام هذا التقارُب المُتنامي نتيجةً لتدخُّل (إيران) في (العراق) وجهودها الرامية إلى كسبِ تأييد السياسيين العراقيين وتغذية معاداة السامية ومُعاداة الصهيونية

سامي كليب: يعني وكأنّها تقول، تغيّر (العراق) وصار في إمكاننا أن نُخاطب العراقيين بلهجة أُخرى لأنّ هناك جزء كبير من العراقيين لا يحب (إيران) إذا سيحب (إسرائيل)، هكذا نفهم يعني

د. حسين شهرستاني: الحقيقة أنا لا أعرِف هذه الامرأة ولكن ما قالته في الحقيقة بمنتهى الغباء لأنّها لا تعرِف شيئاً عن (العراق). أمّا كون (إسرائيل) تريد أن تفتح فضائيات في اللهجة العراقية وغير العراقية، نحن اعتدنا على الإسرائيليات منذ زمن الرسول ومُحاولة دسّ الأحاديث الإسرائيلية في السيرة. لهذا، هذا ليس أمراً جديداً، عليهم أن يحاولوا دسّ سمومهم في وسائِل الإعلام، هذا أمرٌ متوقّع من عندهم. أمّا أنها تعتقد أنه ممكن من خلال هذا الإعلام وهذه الفضائيات أن تؤثِّر في أيّة نسبة من العراقيين فأنا أُطمئِنك وأؤكّد لها بأنّ هذا الشيء لن يحدُث ولا يُمكن أن يكون. ولكن الكلام عن صدور كُتُب عن اليهود العراقيين، لا علاقة لليهود العراقيين الذين يتحدّثون عنهم في (العراق) بالصهاينة ومن موجود في (إسرائيل) ومن يتبنّى السياسة الإسرائيلية إطلاقاً وإنّما كانت هناك جالية يهودية مُحترمة على مدى التاريخ، يعني منذ زمن العبّاسيين كان لهم وجود في (بغداد) ومُساهمات كبيرة، وفي تأسيس الدولة العراقية كان أوّل وزير مالية "ساسون حسقا" يهودياً لكنّه كان يهودياً عراقياً وطنياً مُلتزماً في الحقيقة بمصلحة (العراق)، لم يكن مُعادياً لـ (العراق) وخادماً لدولة صهيونية خارِجية تنتهِك حقوق المنطقة وحقوق العراقيين. لذا، الحديث عن اليهود العراقيين، والكلام بصراحة ليس عن اليهود العراقيين فقط، حتّى اليهود الإيرانيين. الآن اليهود الإيرانيين مُحترمون وموجودون حتّى في مجلس الشورى الإيراني، لذا لا نخلط

سامي كليب: ولكن كما تسمع دكتور "حسين"، هم يُطالبون بإعادة الجنسية إلى اليهود العراقيين، وقد تكون هذه مسألة مطروحة في الفترة المُقبلة

د. حسين شهرستاني: لا، هذا الأمر غير مطروح، أيّ عراقي إذا استطاع أن يُثبِت أصوله العراقية ويأتي ويعيش في (العراق) ويكون مواطناً عراقياً ويلتزِم بالدستور العراقي، فهو عراقي. أمّا أن يأتي من (إسرائيل) ويُحاول أن يكتسِب جنسيّة ويعود لـ (إسرائيل) أو تكون له استثمارات أو أموال أو مصالِح اقتصادية فهذا أمر غير مقبول ولا يُمكن أن يحدُث

سامي كليب: كنّا ننتظر من جامعة الدول العربية أن تُعلِن عن تأسيس عشرات الفضائيات رداً على (إسرائيل) ولكن لا نريد أن نزعجها في نومها، فلندعها نائِمة، لا تسمع ولا ترى

د. حسين شهرستاني: أُستاذ "سامي"، "الميادين" تكفيهم

سامي كليب: أكيد، أكيد. شكراً لك. أصدرت النائِب عن تحالُف الفتح "انتصار الموسوي" بياناً طالبت فيه طرد السفيرين الأميركي والبريطاني من (العراق) بتُهمة أنّهما حرّكا ما حصل في (البصرة) في الآوِنة الأخيرة خصوصاً رفع شعارات مُناهِضة لـ (إيران)، إحراق مقار لحزب الدعوة ومقار إيرانية. وتقول بين ما تقوله أنّ سفيري (أميركا) و(بريطانيا) في (العراق) وراء إحراق المقار العامّة والخاصّة في (البصرة)، ولم يكتفيا بذلك بل أخذا يتماديان ويتدخلان في شؤون (العراق) الداخلية. هلّ توافقها على هذا القول أولاً؟ وكيف تشرح الذي حصل في (البصرة) خصوصاً أنّ هناك رواية أُخرى تقول أنّه بسبب التضييق الإيراني على (البصرة) في المياه والكهرباء وغيرها حصلَ ما حصل. أُريد منك وِجهة نظر تشرح لنا ما الذي حصل، ما هي الأسباب الفعلية؟

د. حسين شهرستاني: نعم. بالنسبة لما جرى في (البصرة)، أنا مطّلِع على بعض التقارير عن التحقيقات التي أجرتها السُلطات الأمنية المعنيّة في (البصرة) مع المتورّطين في هذه الأحداث. ابتداءً، كان هناك في الحقيقة عدم رضى كبير من أهلِنا وشعبنا في (البصرة) بسبب الوضع الذي كان موجوداً في المدينة سواء في الكهرباء وانقطاعها خلال أيام الصيف الحارّة جداً في مدينة (البصرة)، سواءً في عدم توفُّر مياه صالِحة للشرب بالكميّات المطلوبة نتيجةً لامتداد اللسان المِلحي داخل "شطّ العرب"، وإذا كان عندك وقت في هذا البرنامج ممكن أن نتكلّم عن أسبابه وعن لماذا الآن أصبحت أزمة المياه في (البصرة) وغير (البصرة) أزمة مُلِحّة، وكذلك نسبة البطالة العالية ومتطلّبات أُخرى سواء تفشّي مرض الإسهال

سامي كليب: هذا ممتاز. بالنسبة للشأن المعيشي معك حقّ أن تضع الإصبع عليه دكتور "حسين"، ولكن هلّ حصلت تدخّلات خارِجية؟ هلّ الأميركي، البريطاني، حاولا مثلاً أن يلعبا دوراً هناك؟

د. حسين شهرستاني: بالضبط. لهذا كان خروج الناس خروجاً مفهوماً محقاً وأنا شخصياً متعاطف معه لأنّه كان مبني على مظلومية حقيقية، ولكن كما يحصل عادةً حاول بعض المغرضون هناك أن يركبوا الموجة ويوجّهوها في اتجاهات سياسية لأغراض داخلية وخارجية. هؤلاء تم إلقاء القبض على عدد من عندهم وهذا الأمر ليس سراً الآن. بعضهم كان مرتبطاً بحزب "البعث" المقبور، بعضهم كان مرتبطاً بأجهزة استخبارات إقليمية داخلية من بعض الدول العربية، لذا كان هناك مُحاولة من هذا النفر القليل الضال أن يندس بين الجموع المُطالِبة بحقوقها وأن يحرِفها في اتجاهات مُعيّنة. بالفعل، عندما صار هناك حرق سواءً للمقار الحزبية، ليس فقط مقرّ حزب الدعوة وإنّما كلّ المقار الحزبية الأُخرى وحتّى مقار "الحشد الشعبي" نفسها وكذلك القنصلية الإيرانية. الشيء الوحيد الذي تمّ استثناؤه من الحركة كانت القنصلية الأميركية بصراحة. لذا، كان واضحاً، هناك من حاول استغلال الأجواء المُلبّدة بسبب التظاهرات والنقمة الشعبية وتوجّه لحرق هذه المقار، هؤلاء الآن تمّ القبض عليهم وهناك اعترافات بأنهم كانت هناك أياد داخلية وخارجية

سامي كليب: هلّ أفهم منك سيّد "شهرستاني" أنه كان هناك رجال مُخابرات أميركيين وبريطانيين يلعبون في الوضع الداخلي في (البصرة)؟ هذا ما تريد أن تقوله؟  

د. حسين شهرستاني: التقارير التي أنا شخصياً مطّلِع عليها لا تذكُر رجال مُخابرات غربيين سواء أميركيين أو بريطانيين أو غيرهم وإنّما تتحدّث عمّن كان مرتبطاً بأجهزة مُخابرات عربية

سامي كليب: أوكي. من أيّة دول عربية؟

د. حسين شهرستاني: خليجية

سامي كليب: من بالضبط؟ أكيد ليست سلطنة (عُمان) يعني

د. حسين شهرستاني: لا، ليست سلطنة (عُمان) ولكن لا أسمح لنفسي في الحقيقة أن أتحدّث باسم الأجهزة الأمنية المعنيّة عن تقارير خاصّة، هي عندما ترى الوقت مناسباً أكيد ستُطلِع الشعب العراقي على نتيجة التحريّات

سامي كليب: أخبرني ولن أقول لأحد، أعدك. دولة خليجية كبيرة؟

د. حسين شهرستاني: على أيّة حال، الدول الخليجية التي تتعاطى في هذا الشأن في هذه المنطقة معروفة

سامي كليب: أوكي. ذكرت سيّد "شهرستاني"، قلت حزب "البعث" المقبور. ألا تعتبر، صحّ حضرتك سُجِنت من قبل الرئيس السابق "صدّام حسين"، ألا تعتبر أنّك تُسيء إلى مكوِّن أساسي في هذا البلد لا يزال يعتبر أنّ حزب "البعث" أمراً جيّداً وأنّه ثمّة من يقول الآن: يا أخي أمام كلّ هذه المشاكل التي نراها في (العراق) من تدهور وتفتت وإرهاب وما إلى ذلك (العراق) على أيام الرئيس "صدّام حسين" كان أفضل وكلّ الذين جئتُم بعده، بعد الرئيس "صدّام حسين"، أسأتم إلى البلد وفتحتموه إلى كلّ الدول. على أيام الرئيس "صدّام حسين" لم تكن أيّة دولة تجرؤ على أن تضع قدمها في (العراق) والآن حضرتك تقول حزب "البعث" المقبور، ألا تتصوّر أنّك تٌسيء إلى مُكوِّن أساسي في (العراق) يعني؟ الباحث عن الوِحدة الآن؟

د. حسين شهرستاني: أولاً، مع احترامي لما تفضّلت به، أنا أعتقد أنّ هذا تجنٍّ على هذا المُكوِّن. على العكس، المُكوِن السنّي العربي السنّي في (العراق) نال من ظُلم "البعث" بقدَر ما نال الآخرون. ومن الظلم في الحقيقة أن نضع المُكوِّن السنّي العراقي الكريم والذي يتمتع بحسّ وطني عراقي عال، أن نضعه في خانة "البعث" إطلاقاً. وكانت هناك مواقف للحقيقة من أبطال هذا المُكوِّن سواءً في قضيّة "الجبور"، في قضايا أُخرى كثيرة عندما كان لهم مواقف ضدّ النظام السابق. لذا، الكلام بأنّ نظام "البعث" يُمثِّل سنّة (العراق)، هذا خطأ فاضِح ولا ينبغي أن يقع أحد به. نظام "البعث" للحقيقة كان عصابة تنتمي لمُختلف المُكوِّنات، كان بين البعثيين كُرد وكان بينهم شيعة وكان بينهم سنّة. نعم رأس النظام "صدّام حسين" كان من منطقة (تكريت) التي هي منطقة سنّية عربية، وظلمه كذلك نال كلّ هذه المُكوِّنات، نال السُنّة بقدر ما نال الشيعة ونال الكُرد. لذا، لا يجوز في الحقيقة وضعهم في صفٍّ واحد. أمّا الآن هناك من يذكُر "صدّام" ويقول كان في زمن "صدّام" الوضع أحسن، هذه تُعرَف بفلتات لسان. إنما يتذكّر العراقيون، كانت لا تستطيع العائِلة العراقية أن يهدأ لها بال وتنام مُرتاحة في البيت وكانت تخشى أن يأتي طارِق في الليل يطرق الباب ويأخُذ شباب العائِلة ويختفون. وكانت في الحقيقة مآسي الأمن والإرهاب في (العراق) شيء لا يتصوّر. الآن لا يوجد وقت لأحدِّثك ما وجدته في سجون "صدّام"

سامي كليب: ربما هذا دكتور "شهرستاني" يحتاج لحلقة خاصّة وأنا أتمنّى أن نُقدِّم حلقة خاصّة

د. حسين شهرستاني: إن شاء الله

سامي كليب: وتكون بين من يعتبر أنّ الآن الوضع أحسن ومن يعتبر أنّ الوضع كان أحسن في السابق ويُقدِّم كلّ طرف معلوماته. دعني أسألك وأعود إلى مسألة (البصرة) لو سمحت لي. مقال بعنوان "عطش اللامركزية في جنوب (العراق)" عن Washington Institute للباحث العراقي "صادق علي حسن" يقول التالي في وصفه لما حصل، وهنا أُريد أن أسألك عن موضوع (إيران) لأنّ حضرتك ذكرت كلّ الأطراف إلّا هذا الموضوع. يقول:

- تعتمد المدينة بشكلٍ رئيس على مياه شطّ العرب التي تُعاني منذ سنوات من ارتفاع نسبة الملوحة بعد إغلاق (إيران) نهري "الكارون" و(الكرخة) وتحويلهما إلى داخل أراضيها بشكلٍ كامل

- يتّهم أهالي (البصرة) (إيران) بتلويث شطّ العرب من خلال نفايات المصانِع والمُفاعلات النووية

- جاءت الأحداث بعد قرار البنك المركزي العراقي بتوقّف التعاملات بالدولار مع (طهران) التي بلغ تبادلها التجاري أكثر من 13 ملياراً و210 ملايين دولار العام الماضي

- حال الإحباط لدى أهل (البصرة) كانت نتيجةً للضغوط التي تُمارِسها (إيران) على (البصرة) والتصدُّع الهيكلي الذي حلّ ببُنية الدولة العراقية والذي عجّلَ باندلاع الأزمة العراقية في (البصرة)

يعني أفهم من مقال Washington Institute أنّ المُشكلة كلّها (إيران) في (البصرة)

د. حسين شهرستاني: لا شوف، هذه التقارير والبحوث التي تصدُر من الـ Think Tank في (واشنطن) أو في الولايات المتّحدة عموماً واضحة الأهداف مدفوعة الثمن من الجهات المُشرِفة على هذه المؤسّسات، ولا أستغرِب في الحقيقة هذا الكلام. هم دائِماً يخلطون بين بعض الحقائِق وبعض الأوهام ويحاولون أن يُسوِّقونها بالطريقة التي تخدم المشروع الذي هم يعملون من أجلِه. ما جرى بالنسبة للمياه في (البصرة)، وهذه حقائِق، حقائِق علميّة فنيّة لا يُمكن في الحقيقة القفز فوقها. عدّة أمور، أولاً هناك تغييراً مناخياً وقلّة في هطول الأمطار في المنطقة عموماً

سامي كليب: نعم

د. حسين شهرستاني: التي ترفِد المياه الجارية في الأنهار. ثانياً، كان هناك بناء سدود في (تركيا) معروفة وأكبرها سدّ (أديسو) على نهر (دجلة)

سامي كليب: نعم

د. حسين شهرستاني: وكذلك سدود على نهر (الفرات)، وحتّى كانت سدود في (سوريا)، وهذه تحجِب كميّات من المياه التي كانت تأتي لـ (العراق) سابقاً بشكلٍ كبير. لذا، إيرادات المياه من (تركيا) نهر (دجلة) وكذلك من (سوريا) في نهر (الفرات) صارت أقلّ من المناسيب الماضية لسببين، قلّة الأمطار وبناء السدود. ثالثاً، (إيران) كذلك بنت سدوداً كبيرة على نهر (كارون) الذي هو نهر إيراني ولكنّه يصبّ في شطّ العرب، وهذه السدود حجبت كميّات كبيرة من المياه الإيرانية وحولّتها إلى مزارِع عملاقة داخل (إيران)، وفي النتيجة مياه الصرف من هذه المزارع، المياه المبتذلة من هذه المزارع تتسرّب إلى (العراق) وإلى شطّ العرب من خلال نهر (كارون) وكان لها دور كبير في هذه القضية. هذه الأمور كلّها، قلّة واردات المياه، رداءة نوع المياه الآتية وكذلك عدم بناء محطّات تحلية مياه كافية لـ (البصرة) خلال السنوات الماضية كي يتجاوزا بها الشحّ المتوقّع، هذه كلها كانت عوامِل. فالآن هذا الكاتب الذي أثار القضية كلها وكأنما نهر (كارون)، قطعاً نهر (كارون) كان له دور كبير في نُقص المياه في شطّ العرب خلال الأشهُر الماضية ولكن كذلك سد (أديسو) في نهر (دجلة) وكذلك قلّة الأمطار والتغيير المناخي الذي كان موجوداً

سامي كليب: في الحديث عن نهر (دجلة) سأسألك بعد قليل عن (تركيا) ولكن دعنا لو سمحت دكتور "شهرستاني"، فقط لمن لا يعرِف الكثير عن (البصرة) بشكلٍ سريع هذه المعلومات على الشاشة وأُريد أن تُصحّحها إذا كان فيها أيّ خطأ لو سمحت. (البصرة) عدد السكان: 2.7 مليون نسمة. مساحتها: ثالث أكبر مدينة عراقية، تقريباً 19،070 كيلومتراً مربّعاً. حقول النفط خمسة عشر حقلاً في (البصرة) من أصل 77 في (العراق) منها عشرة حقول مُنتِجة ما زالت تنتظر التطوير. 65 في المئة من إنتاج (البصرة) من نفط (العراق)، تُصدِّر أكثر من 2.5 مليون برميل نفط يومياً. 59 في المئة من إجمالي احتياطي النفط العراقي تمتلِكه (البصرة). الاحتياطي النفطي في (العراق) :115 مليار برميل احتياطي (العراق) من النفط، 65 مليار برميل احتياطي (البصرة) من نفط (العراق) وهي المعلومة المُكرّرة مرّتين. حسناً، إذا كانت (البصرة) تُنتِج تقريباً 2.5 مليون برميل نفط يومياً وعدد السُكان 2.7 مليون يعني تقريباً لكلّ مواطن برميل نفط يومياً ومع ذلك هناك فقر. هذا "عُديّ العجمان" مثلاً المُرشّح السابق عن "ائتلاف الوطنية" في (البصرة) يقول: إنّ الحكومة العراقية لا تكترِث بشأن (البصرة) وتعتبرها البقرة الحلوب، وخيراتها لا تذهب لأهل (البصرة) أو للشعب العراقي، وإنّ الفائِدة تعُمّ الأحزاب السياسية الحاكِمة فقط. حتّى وأن توقفت التظاهرات أو هدأت قليلاً فمن المُتوقّع أن تعود أقوى من السابق وستثور (البصرة) مرّةً أُخرى. ما رأيك بذلك؟ بشكلٍ سريع لو سمحت لأننا سننتقل إلى المسألة التركية 

د. حسين شهرستاني: إن شاء الله. سألتني أن أُصحِّح بعض الأرقام في الحقيقة

سامي كليب: نعم

د. حسين شهرستاني: بعض الأرقام قديمة قليلاً، الآن الاحتياطي النفطي العراقي يتجاوز 150 مليار برميل وليس 115 كما ذكرت

سامي كليب: أوكي

د. حسين شهرستاني: الحقول النفطية في (البصرة) في الحقيقة من أكبر الحقول النفطيّة في العالم. يعني الحقول النفطية عادةً تُصنَّف حقول كبيرة وضخمة وعملاقة وفوق العملاقة. نحن لدينا في (البصرة) الآن خمسة حقول في التصنيف العالمي هي فوق العملاقة، لذا كميات النفط الموجودة في (البصرة) فعلاً كميّات مهولة وأكثر من الأرقام التي ذُكِرَت. نعم، هناك حيف وإهمال أصاب (البصرة) خلال السنوات الماضية وكذلك في زمن النظام السابق لأنه كانت دائِماً (البصرة) هي المُنتِج الأساس للنفط في (العراق) وهي التي تُحقق لـ (العراق) كلّ الإيرادات التي تأتي من النفط المُنتَج في المُحافظة

سامي كليب: أوكي

د. حسين شهرستاني: وسواءً في زمن النظام السابق، في زمن نظام "صدّام" وبعد سقوط النظام لم تبذل الحكومات الجهد المطلوب بما يتكافأ مع إعطاء هذه المُحافظة. فأنا أتعاطف مع مظلومية (البصرة) ولكن في نفس الوقت لا يُمكن تحميل هذه المسؤولية على جهة مُعيّنة وإنما هي الحكومة المحليّة في (البصرة) خلال السنوات الماضية والتي كانت تأخُذ في الحقيقة البترو- دولار عندما كان يُعطى لها، في فترة السنتين الأخيرتين كانت هناك محدودية ولكن قبلها كذلك عجزت أن تُحقق للمدينة ما كان ينبغي أن يُقدَّم لأهلها الكرام

سامي كليب: أوكي. على كلّ حال، إن شاء الله رئيس الحكومة المُقبل أو الحالي ستكون أمامه ورشة كبيرة ويهتمّ أكثر بـ (البصرة) لأنّ (البصرة) تستأهل وأهلها. (تركيا) دكتور "شهرستاني"، (تركيا) يقول فيها أو عنها وزير الخارجية العراقي في الأُمم المتحدة: إنّ (العراق) يرفُض قيام الجيش التُركي بعمليّات عسكرية على أراضيه ويُطالِب باحترام سيادة (العراق) على كافّة أراضيه ، ولكنّه يقول أيضاً إنّ (العراق) حريص على العلاقات مع (أنقرة) ولكن لا يعني هذا قبوله باختراقها للسيادة العراقية. وسمِعنا الرئيس "رجب طيّب أردوغان" مراراً يقول، أنا سأدخُل إلى (العراق) حين أُريد وأُلاحق المُقاتلين الكُرد، وفي بعض المرّات استخدم كلاماً أكثر وقاحةً من هذا في مُخاطبة رئيس الوزراء العراقي قبل عام أو عامين لو تذكُر. أين هو الدور التُركي اليوم في العراق عملياً؟

د. حسين شهرستاني: لا بالتأكيد، (العراق) يرفُض دخول أيّة قوّة أجنبية سواءً تُركية أو غير تُركية إلّا بموافقة الحكومة الاتحادية، الحكومة المركزية في (بغداد). وأيّ دخول من دون موافقة الحكومة العراقية هو تجاوز على السيادة العراقية وعلى الأراضي العراقية وهو أمر مرفوض ومن حقّ (العراق) أن يُدافِع عن نفسه ويطرُد هذه القوّات إلى خارِج الحدود، وهذا هو الموقف من القوات التركية المتواجِدة. إنّها ليست بموافقة الحكومة العراقية ولا بطلب منها وهذا الأمر مرفوض وغير مقبول. أمّا الكلام عن أن يستطيع فلان أو فلان أن يدخُل متى ما يشاء ويفعل ما يشاء، هذا الكلام يُذكّرنا بكلام "ترامب" عندما يقوله للآخرين. لا ينبغي في الحقيقة لرئيس دولة كبيرة التحدُّث بهذه الصيغة بالنسبة لأية دولة أُخرى. نعم، لـ (تركيا) مُشكلة أمنيّة حقيقية في المنطقة الجنوبية الشرقية من (تركيا)، وبعض هؤلاء يجتازون الحدود من دون موافقة الحكومة العراقية إلى داخل الجبال العراقية ويتحصّنون فيها، و(تركيا) من حقها في الحقيقة أن تعترِض على تواجُد هؤلاء على الأراضي العراقية. هذا صحيح، ونحن نتعاون مع (تركيا) لطرد هؤلاء وعدم السماح لهم بالتواجُد. أمّا علاقاتنا الباقية كما ذكرت الاقتصادية والسياسية فهي عموماً جيدة مع (تركيا)

سامي كليب: حسناً، دكتور "شهرستاني" لو سمحت لي، أيضاً هناك بعض الأمور في نهاية هذه الحلقة نريد أن نتوقّف عندها. هناك عدد من عمليات قتل لنساء عراقيات في الآونة الأخيرة والأمر مريب ومرفوض، وكلّ إنسان عنده ذرّة من الإنسانية لا يقبل بما يحصل. يعمني تُقتَل ملكة جمال (العراق)، تُقتَل "سعاد العلي" الناشطة في مجال حقوق المرأة في مدينة (البصرة)، "تارا فارِس" عارِضة أزياء ووصيفة ملكة جمال (العراق) السابقة تُقتَل، "رشا الحسن" و"رافي الياسري" تعملان في مراكِز للتجميل تقتلان أيضاً، يفصل بين تلك الجرائِم فترة زمنية قصيرة لا تتعدّى الأسابيع. هناك اعتداءات على حقوقيّات. يعني كأنّه مُتعمّد هذا النوع من النساء، إجبار النساء على الصمت في المرحلة المُقبلة رغم أنّ هناك نائِبات وعدد من المسؤولات الكبيرات في (العراق) نعتزّ بهنّ

د. حسين شهرستاني: نعم، هذا الأمر مرفوض وغير مقبول ويُعتَبَر جريمة ولا بدّ على السُلطات العراقية من أن تُلقي القبض على المُجرمين وتُقدِّمهم لمحكمة وأن ينالوا جزاءهم القاسي. فهذا الأمر قطعاً مرفوض لكن من يقوم به حسبما هو مُتداول هي عصابات إجرامية خارِجة عن القانون، ولكن هذا لا يعفي الدولة من مسؤولية حماية مواطنيها وإلقاء القبض على هؤلاء المُجرمين في أسرع وقت وتوفير الأمن للمواطنين، هذا واجب أيّة دولة، وما يجري من قتل واغتيال الذي تفضّلت به أمر مرفوض من قِبَل جميع الأطراف العراقية

سامي كليب: حسناً، إسمح لي دكتور "شهرستاني" أن نستمع إلى آراء بعض الإعلاميين العراقيين عن سبب مشاكل (العراق) سواء كانت داخلية أم خارجية بشكلٍ سريع ثمّ سنستمع إلى رأي العراقيين بشكلٍ عام، ما هي أصعب مشاكل العراقيين، ونختُم معك في الحديث ولو بكلمتين عن كتابِكَ الجميل "الهروب إلى الحريّة"

محمّد عوّاد - إعلامي: الأوضاع الخدميةً، الأوضاع السياسية، الأوضاع الاقتصادية، هنالِك بطالة مستشرية داخل المُجتمع العراقي، هناك مشاكِل أمنية وهنالِك مشاكل في قطاع الخدمات، تراجُع في البُنى التحتية وكلّ ذلك سببه المُحاصصة السياسية وأنّ الأحزاب التي أدارت الحُكم منذ التغيير إلى الآن لم تضع استراتيجية حكومية واضحة لإدارة شؤون البلاد بل ركّزت هذه الأحزاب والقوى المتنفِّذة على مصالِحها الخاصّة

طارق الربيعي – إعلامي: إذا بقيت التدخلات الخارجية هي التي تتحكّم في زمام الأمور، هي التي تتحكّم في صنع القرار سيبقى (العراق) داخل دوّامة كبيرة من المُشكلات لا تُحلّ إلّا عن طريق التفاهمات، إلّا عن طريق المُصالحة الوطنية، إلّا عن طريق قطع اليدّ الخارجية التي تتحكّم بمصير البلد ومُقدّراته وطبقاته السياسية

صلاح بامرني – إعلامي: يجب على السياسيين العراقيين اليوم استدراك هذا الوضع الخطير وأن يعودوا إلى صوابهم ويتكاتفوا في ما بينهم لكي يرسوا إلى برّ الأمان وينقذوا هذا (العراق) من هذا المُستنقع إلى مُستنقع أفضل

رجل 1: لا يُمكن أن نقول أنّ مثل هذه الحكومة مثلاً هي حكومة تتحمّل المسؤولية كاملة لأنّ المشاكِل متوارِثة وقديمة جداً

رجل 2: تراكُم التدخّل الخارجي أصبح عامِلاً سلبياً على الوضع العراقي الداخلي، بالإضافة إلى تشرذُم الوضع الداخلي كقوى سياسية تعيش حالة من الصراع بهدف تكريس وجودها

شاب 1: مشاكلنا خارجية أو داخلية، الداخلية مع أحزاب، هذا حزبي وهذا حزبي وأنا السُلطة وأنا السلطة، واحد يلبطونه وآخر يجرحونه ولا يتضرّر إلّا هذا الشعب. الخارجية كلّها طامعة بخيرات (العراق) طبعاً وغيره وغيره

سامي كليب: شكراً لكلّ من قال لنا رأيه في هذه الحلقة. أشكُرَك دكتور "شهرستاني"، أريد أن أُذكِّر لمن يُريد أن يقرأ لك قصة حياتِك الجميلة أو جزء منها والصعبة خصوصاً، وخصوصاً أن جزءاً منها كان في المُعتقلات، عن فترة الاعتقال والكتاب بعنوان "الهروب إلى الحريّة". في الواقع كُنت قد اخترت منه بعض المقاطِع ولكن للأسف انتهى الوقت. أشكرك جزيل الشُكر ضيفنا العزيز الدكتور "حسين شهرستاني"، النائِب السابق لرئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة. شكراً على كلّ الآراء والمعلومات التي قدّمتها لنا في هذه الحلقة وإلى لقاء قريب إن شاء الله في حلقة مُقبلة