حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

فؤاد ابراهيم - باحث وناشط سياسي سعودي

 

 

محمد علوش: لا تزال قضية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي تتفاعل دولياً. الرأي العام الذي شكلته الصحافة الغربية حول المسألة يتّسع يوماً بعد آخر.

وعلى الرغم من التسليم بالبُعد الإنساني، إلا أنّ الأبعاد السياسية هي الأكثر حضوراً في القضية.

الروايتان المتناقضتان بين تركيا والسعودية ودخول الولايات المتحدة على خط البحث حملا الأمور إلى مستوياتٍ جديدة من الخطورة والتبعات.

الوقت ينفد من أمام السعودية المطالَبة بإثبات براءتها من تهمةٍ تلاحقها ساعة بعد أخرى، والمناورة تضيق أمام تركيا لإظهار ما لديها من وثائق حول القضية وملابساتها.

فإلى أين قد تمضي العلاقة بين تركيا والسعودية اللتين تتنافسان على زعامة العالم الإسلامي؟ وهل يستدعي التوتّر بينهما الخلاف القائم أصلاً حول دعم أنقرة لكلٍ من قطر ولجماعة الإخوان المسلمين؟

ما هو مستقبل الأمير محمّد بن سلمان بعد هذه الحادثة؟ وكيف سيؤثّر ذلك على المشاريع التي يقودها الرجل بعد تراجع الدعم الدولي له؟

ما هي تبعات هذا الأمر على دور المعارضة السعودية بشكلٍ عام؟ وكيف تُقرَأ القضية في الشارعين السعودي والخليجي؟

للنقاش معنا الباحث والناشط السياسي السعودي الدكتور فؤاد إبراهيم.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيًاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفنا الدكتور فؤاد إبراهيم. أهلاً وسهلاً بك.

 

فؤاد إبراهيم: أهلاً وسهلاً.

 

محمد علوش: لو بدأنا من آخر المعطيات دكتور حول ملابسات قضية اختفاء الصحافي جمال خاشقجي. السعودية الآن تقرّر تشكيل فريق سعودي إلى جانب الأتراك للتحقيق في ملابسات هذه القضية بعد فترة من الصمت الرسمي بشكلٍ عام.

كيف تقيّم بدايةً الأداء السعودي في هذه القضية التي الاتهام وُجّه منذ اللحظات الأولى إلى السعودية بالإخفاء القسري للصحافي جمال؟

 

فؤاد إبراهيم: بسم الله الرحمن الرحيم. لا شكّ أنّ الجانب السعودي كان مصدوماً من ردود الفعل ومن كمية المعلومات التي وفّرها الجانب التركي حول تصفية جمال خاشقجي. في البداية كانت المُكابرة هي سيّدة الموقف.

 

محمد علوش: أنت مقتنع بعملية التصفية، أنه حصلت تصفية؟

 

فؤاد إبراهيم: طبعاً، طبعاً، من الساعة الأولى التي دخل إلى القنصلية انتهى الموضوع. السعودية كانت تُكابر في البداية، كانت تنفي وكانت مصرّة على أنه دخل إلى القنصلية وخرج منها، ولذلك وجدنا محمّد بن سلمان في المقابلة مع وكالة بلومبرغ أنه بإمكان الأتراك أن يدخلوا إلى القنصلية، وأنّ خاشقجي خرج من القنصلية، وبدأت المُزايدات، وخالد بن سلمان سفيرهم في واشنطن أيضاً أصرّ على هذه المُكابرة بصيغة أخرى.

ولكن بعد أن قرّر الأتراك أن يرموا للإعلام وللصحافة بعض المعلومات المتوافرة لديهم، وأعتقد أنّ الأتراك يمتلكون كلّ المعلومات، بما فيها المعلومات المصوَّرة وتسجيلات سمعية وبصرية حول العملية بالكامل، ولذلك السعوديون تراجعوا. التزموا الصمت منذ لحظة أن كشف الأتراك عن بعض هذه المعلومات، وبالعكس هم في الواقع منذ البداية قدّموا توصيفات نهائية أنّ الرجل قُتِل وقُطعت أوصاله وشُحِن ووُزّعت أوصاله إلى أكثر من مكان.

ولذلك السعودية لم تردّ على هذه الاتهامات، لأنها اكتشفت بأنها كما لو أنها وقعت في الفخ الذي حاولت.

 

محمد علوش: لكن السعودية قدّمت، طبعاً ليس بشكل رسمي وإنما على لسان صحافيين، على لسان شخصيات تقود مؤسّسات معروفة تتبع للدولة، على أن هناك نوعاً من الفبركة الإعلامية تقودها جهات محدّدة منها قطر، منها جماعات الإخوان المسلمين التي تعيش في الغرب، ومنها أيضاً الحزب الحاكم في تركيا الذي هو على ارتباط إلى حد ما بالإسلام السياسي نكايةً بالسعودية ودورها، ومحاولة لتشويه صورة محمّد بن سلمان.

 

فؤاد إبراهيم: في الواقع، أعتقد أنّ محمّد بن سلمان وفريقه لم يتوقّعوا هذه العاصفة الدولية من ردود الفعل على تصفية جمال خاشقجي، وربما هذا يعكس إلى أيّ حد أيضاً الرجل لديه اتصالات وعلاقات مع الكثير من المؤسّسات الإعلامية والصحف، ولذلك كانت النتيجة هي أن ينعتوا هذه العاصفة بأنها بمثابة مؤامرة دولية على المملكة وعلى سمعتها.

هذا في الواقع المنطق الذي كشف أنّ التحضيرات والإعدادات الأولية كانت قاصرة، بحيث أنّ محمّد بن سلمان لم يُدرك أنّ هذا النوع من ردود الفعل، تماماً كما لم يُدرك ردود الفعل حينما احتجز رئيس حكومة دولة ذات سيادة مثل لبنان، واكتشف هذا الموقف الموحَّد في لبنان والموقف الفرنسي الصلب وموقف دولي أيضاً ضدّ هذه العملية غير المنطقية وغير المسؤولة.

فلذلك نجد أنه والله اتهام قطر، واتهام تركيا، وبالأمس أيضاً، مثل هذا الشرطي الغبي في أبو ظبي يعتقد بأنّ إيران هي وراء عملية اختطاف جمال خاشقجي وتصفيته. أعتقد بأن هذه لم تعد من الروايات أو من الحوادث التي يمكن تغطيتها أو تبريرها، لأنّ الرجل دخل إلى القنصلية واختفى، هذا السؤال الذي طُرِح على كل العالم، أين جمال خاشقجي؟

 

محمد علوش: جيّد، دخل إلى القنصلية ولم يخرج وفق الرواية التركية، لكن وفق الرواية السعودية هو خرج لكن الكاميرات معطّلة.

ما الذي يحملك أنت كسعودي على الشكّ بالرواية السعودية وعلى الجزم بأنّ الرجل قد قُتِل؟ لماذا لا يمكن وتكون فرضية أن الرجل خاضع للتحقيق، إذا كان بالفعل هو ما زال داخل القنصلية أو أعيد إلى جهة محدّدة؟

 

فؤاد إبراهيم: هناك مواقف اليوم صدرت في كل أنحاء الدنيا، هناك اعتقاد جازم لدى الكثير من دول العالم والصّحف الأجنبية، الأميركية، البريطانية، كل الدنيا تعتقد بأن جمال خاشقجي دخل إلى القنصلية وقُتِل وصُفّي في داخل القنصلية. السعودية إن كان لديها دليل على أنه خرج، الكاميرات معطّلة؟ حسناً، ليخرجوه على الأقل أمام العالم، يخرجون للإعلام، أن الرجل كان مريضاً داخل السفارة، كان مصاباً، أغمي عليه، بوعكة صحية، ارتفع السكّر لديه، أخرجوه للعالم.

الثابت اليوم هو أن جمال دخل إلى القنصلية، اتهام الحمَدين، اتهام تركيا، اتهام إيران، اتهام الشيطان، هذا لن يجيب عن السؤال. الجواب المنتظر هو أين جمال بعد دخوله إلى القنصلية وكفى.

 

محمد علوش: دكتور فؤاد، حضرتك سياسي سعودي معارِض وتعيش في المنفى منذ زمن.

 

فؤاد إبراهيم: نعم.

 

محمد علوش: هناك أيضاً سعوديون معارضون ويعيشون في المنفى وبعضهم في دول عربية، ولم يحصل لهم ما حصل مع جمال خاشقجي. لماذا مباشرة يتّجه الاتهام أن السعودية تريد تصفية معارضين لها، خاصة أن هذا الشخص تحديداً هو لا يقول عن نفسه أنه معارِض في الأساس؟

 

فؤاد إبراهيم: صحيح، أنا في الواقع، هذا السؤال نضعه برسم أحد مستشاري محمّد بن سلمان، وهو مستشار معروف، سعود القحطاني، هو كتب تغريدة في تويتر يتحدّث عن فتح ملف الاغتيالات مُجدّداً، وهذا أعتقد بالإمكان العودة إلى حسابه في تويتر، طبعاً هو حذف هذه التغريدة.

 

محمد علوش: هو حذف وقال إنها شُوّهت وقرِئت بطريقة خاطئة.

 

فؤاد إبراهيم: أيضاً وأيضاً أحد ضيوفكم الذي كان يحضر دائماً إلى هنا في بيروت أو عبر سكايب، أيضاً هدّد بطريقة غير مباشرة بأنه نحن لدينا موقف تجاه مثلاً قناة فلانية تبثّ من بيروت أو وجود معارضين في الخارج، ويتحدّثون اليوم عن لغة تهديد للمعارضين.

 

محمد علوش: هل وصلك شيء من التهديد أنت كشخص؟ أنت لست فقط معارِضاً، أنت تمارس العمل السياسي ومعارِض للسياسات السعودية، دائماً ما تخرج في قنوات التلفزة وتتحدّث عما تراه أنه انحرافات في هذا السلوك السياسي للدولة السعودية.

هل تعرّضت لتهديد يوماً ما؟

 

فؤاد إبراهيم: أنا لم أتعرّض على الأقل بصورة مباشرة، ولكن هذا لا يعني إننا لن نتعرّض. وجود مثل هذا النظام وبهذه السياسية التي يعتمدها، كلّ النقّاد صاروا في موضع الاستهداف، وأعتقد أنّ زملاءنا الموجودين أيضاً وصلتهم تهديدات، وبعضهم كشف عن تسجيلات صوتية.

 

محمد علوش: مثل مَن؟

 

فؤاد إبراهيم: غانم الدوسري واحد منهم، سعد الفقيه.

 

محمد علوش: هو يقول تعرّض للضرب على يد شخصية مقرّبة من وليّ العهد.

 

فؤاد إبراهيم: وصلته تسجيلات صوتية، وهي معروضة على حسابه من أمراء، وأنا سمعت غير المنشور منها على تويتر، هو أيضاً لديه تسجيلات خاصة من أمراء سعوديين يهدّدونه. سعد الفقيه هُدّد، فلان هُدّد، آخرون هُدّدوا. هذا ماذا يعني؟ هذا يعني أن السعودية دخلت فصلاً جديداً بعد هذه الاعتقالات العشوائية والجماعية العابرة لكل المكوّنات التي تطال اليوم الكثير من الناشطين في المملكة، وهم بالآلاف. اليوم السعودية تحوّلت إلى دولة بوليسية بامتياز، عشرات الآلاف هم موجودون في السجون وكل تهمتهم هي ممارسة حقهم في التعبير عن آرائهم، لم يحملوا سلاحاً ولم يهدّدوا وجود ومصير الدولة، كل الذي يملكونه إما كيبورد.

 

محمد علوش: ما الفائدة من قتل إذا كان السيناريو الذي حضرتك مؤمن به ومعتقد به، أنه قد قُتِل أو تمت تصفيته داخل القنصلية، ما الفائدة المرجوّة سعودياً من مثل هذا الفعل وكانت تستطيع أن توجّه أكثر من رسالة له كما وجهت رسائل لآخرين مثل غانم الدوسري على سبيل المثال، وهو لا يقلّ معارضة عنه؟

 

فؤاد إبراهيم: صحيح. أولاً نحن لا نحسب جمال خاشقجي على المعارضة، جمال خاشقجي هو.

 

محمد علوش: على مَن تحسبوه؟

 

فؤاد إبراهيم: هو ضمن النظام وهو أيضاً ينفي عن نفسه أنه معارضة، هو يعتقد بأنه.

 

محمد علوش: صحيح، أنه معارض، هو يعتبر نفسه ناصِحاً أميناً.

 

فؤاد إبراهيم: بالضبط ويريد أن يقول بأنني صاحب رأي مستقل، هذا غاية ما يريده، ما حصل له ربما كما تحدّث حتى بعض الناشطين الحقوقيين الغربيين، أنه الغرض من ذلك هو تخويف المعارضين، مع أنه في عهد سلمان بالتحديد اليوم المعارضون تكاثروا في الخارج، هناك أعداد كبيرة جداً من الذين هربوا وفرّوا من السعودية ومن كل المكوّنات، حتى أمراء باتوا اليوم خارج المملكة، من أحمد بن عبد العزيز وأمراء آخرين أيضاً، وهناك أمراء آخرون يحاولون الفرار من السعودية، فضلاً عن رجال أعمال ومسؤولين سابقين وناشطين من كل المكوّنات.

 

محمد علوش: أنتم كمعارضة تتواصلون مع هؤلاء الأمراء؟

 

فؤاد إبراهيم: نعم، هناك تواصل، وأبدوا استعدادهم للتعاون.

 

محمد علوش: ما الصورة التي تُقدَّم لكم من خلالهم؟ طبعاً هم أتوا من بيئة من داخل المطبخ الذي يُصنَع فيه القرار السعودي.

 

فؤاد إبراهيم: ما يتحدّث به الأمراء أنّ هناك انقساماً داخلياً عميقاً.

 

محمد علوش: تقصد داخل العائلة المالِكة؟

 

فؤاد إبراهيم: داخل العائلة حيال السياسات التي يتبناها سلمان والتي فوّض الكثير منها لإبنه محمّد بن سلمان، هناك غضب وسخط داخلي، ولكن ربما لا تسمح لهم الظروف بالتعبير عنها، ولكن هم أبدوا وأوصلوا رسائل بأنهم غير راضين عن أداء سلمان، وعن أداء محمّد بن سلمان، وأنّ هذه السياسة سوف تؤدّي إلى كارثة، تحدّثوا بهذا النعت، أنهم سيقودون البلد إلى كارثة، ولذلك هؤلاء وغيرهم أيضاً.

 

محمد علوش: هل يسعون لتشكيل شكل سياسي ما، بمثابة ضغط حقيقي على توجّهات الأمير محمّد بن سلمان، إذا كان هؤلاء بالفعل يعتقدون أن البلد يسير نحو الهاوية؟

 

فؤاد إبراهيم: طبعاً باستثناء البعض منهم.

 

محمد علوش: نحن نتحدّث عن أمراء، وأنتم جلستم إليهم، نحن لا نتحدّث عن تحليل.

 

فؤاد إبراهيم: لا، لا.

 

محمد علوش: عن لقاءات شخصية حصلت بينكم.

 

فؤاد إبراهيم: صحيح باستثناء بعضهم الذين تحدّثوا عن استعداد لتشكيل جبهة إنقاذية للبلد، هناك أمراء آخرون يعتقدون بأن هذه مشكلة عائلية، يجب أن تُحَلّ في الإطار العائلي، وإذا كان هناك من إطار لحل هذه المشكلة يجب أن تُحَل في إطار موازٍ من العائلة، من أمراء هم يشكّلون إطاراً لهم ويحلّون هذه المشكلة مع الآخرين، وأعتقد أن هذه قضية ترتبط بهم. ولكن نحن نعتقد بأنّ هناك مشكلة كبيرة جداً، لا يمكن أن تُحَلّ إلا بإعادة تأسيس وتشكيل هذا البلد.

 

محمد علوش: سؤال، سنأتي على ذكر رؤيتكم كمعارضة لما هو عليه الوضع في السعودية وكيف يمكن أن تخرج بصورة أفضل وفق هذه الرؤية التي تطرحونها، لكن السؤال، حضرتك سبق أن قلت إنّ جمال لا يعتبر نفسه معارضاً، وهو ناصِح أمين، في حين أنّ غيره من المعارضين تعرّضوا لحالات مُضايقات.

لماذا يتم اغتيال شخصية هو لا يقول إنه معارض، ولا تُغتال شخصيات هي معارضة؟ ما المنطق في هذا البُعد؟

 

فؤاد إبراهيم: ربما أنّ الرجل طبعاً كان يوماً ما جزءاً من هذا النظام وربما كان لديه اطّلاع على كثير من أسرار هذه الدولة.

 

محمد علوش: أنت التقيت به؟

 

فؤاد إبراهيم: لا.

 

محمد علوش: في حياتك لم تلتقِ به؟

 

فؤاد إبراهيم: زملائي التقوا به، أنا لم تحصل فرصة للقائه. الرجل كان يوماً ما مستشاراً لرئيس الاستخبارات العامة تركي الفيصل، وأيضاً كان يوماً ما مستشاراً للوليد بن طلال، وكان بصدد تأسيس قناة العرب التي أقفلت في البحرين بسبب لقاء مع أحد قادة المعارضة البحرينية. والرجل كان دائماً جزءاً من هذا النظام. بالتالي ربما ما كتبه في الصحافة أيضاً، في واشنطن بوست على الأقلّ، هو أقلّ ممّا يعلمه من أسرار ومن معلومات.

وبالتالي كانت هناك خشية ربما لدى النظام، خصوصاً وأنه محسوب ضمن التصنيف السياسي والأيديولوجي على جماعة الإخوان المسلمين وعلى تركيا، كان ربما النظام يشعر بأن الكثير من هذه الأسرار ربما انتقلت إلى جهات لا يرغبون في أن تصل هذه إليهم. هذا واحد من التفسيرات ربما.

 

محمد علوش: تقييمك أنت لشخصه؟

 

فؤاد إبراهيم: أنا أعتقد أن النظام أراد أن يُسكِت به الكثير من الأصوات المعارضة، خصوصاً وأنّ كتابات جمال خاشقجي مقبولة، سواء في الرأي العام الأميركي أو الغربي عموماً، وحتى في داخل السعودية، الذين كتبوا عن جمال خاشقجي سواء بالمباشر أو بالمداورة واعتراضهم على مقتله بطريقة ناعمة، وأعتقد أنّ هؤلاء يعلمون كيف يكتبون في ظلّ هذا الوضع الأمني الحاد، يدركون تماماً تأثير جمال خاشقجي في الإعلام، وأعتقد أنّ ردود الفعل من صحافيين وكُتّاب أميركيين وأوروبيين عموماً ينبئ عن أنّ الرجل كان له مكان ما وسط هذا الإعلام.

 

محمد علوش: على أية حال، طبعاً تتضارب السيناريوهات حول بالفعل مقتل الصحافي جمال خاشقجي. صحيفة رأي اليوم الإلكترونية على لسان رئيس تحريرها عبد الباري عطوان تنقل عن مصدر مقرّب من جمال خاشقجي أنه كان بصدد تأسيس منظمة لحقوق الإنسان في العالم العربي، وأنّ سعيه إلى ذلك كان سبباً في اختفائه. نشاهد معاً.

 

رأي اليوم: ترامب يكذب مرتين في حديثه المتلفز عن جريمة اختفاء خاشقجي، عبد الباري عطوان

كذَب الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرّتين في حديثه إلى قناتِه المُفَضَّلة "فوكس نيوز"، الأُولى عندما قال إنّ مُحَقِّقين أميركيين يَعملون مع أنقرة والرياض للتَّحقيق في جريمة اختفاء خاشقجي، لأنّ السلطات التركية سارَعت إلى نفي هَذهِ المَزاعِم. أمّا الثانية، أنّ تَعاطُفه مع الضحيّة كان "بارِداً" خاليًا مِن أيِّة "حَماسة"، مِثلَما كان مُرتَبِكاً في حديثه، لخوفه من توقّف الاستثمارات السعودية وما تؤمّنه من وظائف للأميركيين.

صَديقٌ مُقرَّبٌ جِداً من الزميل خاشقجي، ويَعرِف أسراره بِما فيها تلك الشخصيّة جِداً، أكّد لنا أنّ السَّبب الرئيسيّ الذي جَعل المُخابرات السعوديّة تُقَرِّر تصفيته جَسَدياً، هو رغبته في تأسيس مُنظَّمة لحُقوق الإنسان باسم "الفجر" يكون أميناً عاماً لها، وتَضُم عِدّة شخصيّات عربيّة وسعوديّة مُعارِضة ويكون مقرّها في إسطنبول، تحت رِعايةٍ رسميّةٍ تركيّةٍ عُليَا.

السُّلُطات السعوديّة تُراهِن على عُنصُر الوقت اعتقاداً مِنها أنّه كُلّما طالت المُدّة والتَّحقيقات، تراجعت درجة الاهتمام العالميّ والعربيّ والإعلاميّ بهَذهِ الجَريمة، ويبدو أنّ تشجّع على هذا الخيار بناءً على الصمت الغربي عموماً إزاء الحرب في اليمن.

باخْتِصارٍ شديد: الصَّفَقات تتقدّم على حُقوق الإنسان لدَى مُعظَم الحُكومات الغَربيّة، إن لم يَكُن لديها كلها، وإن كانت هُناك استثناءات فهِي نادِرةٌ جِدًّا، ومن يقول غير ذلك لا يَعرِف الحُكومات الغربيّة، والأميركيّة مِنها على وَجهِ الخُصوص، وراجِعوا الفَقَرة التي ورَدت في حديثِ ترامب التي تُؤكِّد هَذهِ الحَقيقة إذا كُنتُم مُشَكِّكين... والأيّام بَيْنَنَا.

 

محمد علوش: أعود إليك دكتور فؤاد. طبعاً ما يلفت النظر في هذه المقالة هو الاعتماد على مصدر مقرّب من خاشقجي يقول إنّه كان بصدد تأسيس منظمة لحقوق الإنسان تدعى الفجر مقرّها في إسطنبول، وهي تبحث قضايا، طبعاً فيها شخصيات عربية وسعودية معنية بموضوع حقوق الإنسان في السعودية ودول عربية.

هل عندكم اطّلاع على شيء من هذا النشاط الذي كان بصدده؟

 

فؤاد إبراهيم: أنا في الواقع سمعت عن هذا قبل أيام.

 

محمد علوش: من قِبَل مَن؟

 

فؤاد إبراهيم: من ناشطين حقوقيين.

 

محمد علوش: سعوديين؟

 

فؤاد إبراهيم: سعوديين، طبعاً معارضين.

 

محمد علوش: كانوا يهيّئون لمثل هكذا فعل؟

 

فؤاد إبراهيم: أنه بالفعل كان يستعد لمثل هذا المشروع، لا أمتلك مُعطيات أخرى مضادّة، ولكن ربما يكون هو بالفعل بصدد عمل ما.

 

محمد علوش: أنتم كمعارضة، طبعاً نتمنّى أن يكون الرجل بصحة وسلامة، في البُعد الإنساني، وفي البُعد الإعلامي كزميل أيضاً نتمنّى له السلامة، لكن أنت كسياسي معارض، هل كنت تتوقّع، أو عندما طُرِحت هذه القضية أنه بصدد تأسيس منظمة لحقوق الإنسان، وبالنسبة لكم هو كان مستشاراً لضابط استخبارات كبير وأمير معروف، كنتم على ثقة بأنّ ما يقوم به هو ليس اختراقاً لكم كمعارضة بقدر ما هو بالفعل يعبّر عن قناعات؟

 

فؤاد إبراهيم: في الواقع، كما أسلفت، جمال لم يكن محسوباً على المعارضة، ولم يكن ينوي الاندماج في جسد المعارضة، ولا المعارضة كانت لديها أيضاً خطة للتواصل معه، ربما كان العمل الموازي هو كان يمكن أفضل.

 

محمد علوش: ما الأسباب بالنسبة لديكم؟

 

فؤاد إبراهيم: الأسباب أنه أولاً لديه عزوف عن العمل المعارض أو حتى أن يُحسَب على المعارضة، بالتالي يجب أن تُحترَم خياراته.

الأمر الآخر أنه بالفعل تجربته السابقة لا تشجّع على أن ينخرط المعارضون كثيراً في تجربة مشتركة معه، وبالنتيجة هناك تجارب سيّئة للأسف في السابق مع أناس كانوا محسوبين على النظام، وتحوّلوا إلى قنوات استخبارية تعمل لصالح النظام.

 

محمد علوش: داخل جسم المعارضة؟

 

فؤاد إبراهيم: طبعاً، هذا حدث كثيراً، ربما الآن جمال وضعه مختلف، لكن نحن نحترم خياراته، الرجل عبّر بطريقة ما عن آرائه من خلال واشنطن بوست أو من خلال مشاركته في ندوات ومنتديات، وبالتالي وجود نشاط من هذا القبيل، نشاط حقوقي لا شكّ سوف يضيف لرصيد المعارضة ولرصيد الرأي العام.

 

محمد علوش: هل قد يكون السبب الأساسي في موضوع اغتياله، إذا كان سيناريو الاغتيال صحيحاً، ما زلنا نطرحه كفرضية، لا نستطيع أن نسلّم به، لكن هل مجرّد أن تؤسّس منظمة لحقوق الإنسان في بلد عربي ما، قد يحمل السلطة في هذا البلد على تصفية شخص بهذه الطريقة السينمائية؟

 

فؤاد إبراهيم: للأسف، النظام اليوم لم يمارس السياسة وفق قواعدها، اليوم حين لا يفرّق بين من يمارس حقه في التعبير عن رأيه، ومن يحمل السلاح ويهدّد الأمن، أمن المجتمع وأمن حتى الدولة، هذا يعني أنه لدينا مشكلة في مقاربة القضايا، وعدم التمييز بين ما هو حقوق وبين ما هي مخاطر وتهديدات. اليوم أكثر الموجودين خلف القضبان في السعودية هم من مارسوا حقهم في التعبير، بل اليوم حتى.

 

محمد علوش: لديكم معطيات حول عدد هؤلاء؟

 

فؤاد إبراهيم: محمّد بن سلمان اعترف بـ 2500، بينما في الواقع العدد اضربه بعشر مرات.

 

محمد علوش: هذا كلّه حصل في عهده؟

 

فؤاد إبراهيم: طبعاً أكثرهم في عهده، حملة سبتمبر العام الماضي التي طالت المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم أيضاً، هم أكثر من 1500، فما بالك بالأعداد السابقة الذين لم يخرج منهم أحد. اليوم محمّد القحطاني وهو من مؤسّسي جمعية حسم، هو قدّم رقماً، ربما كان مبالغاً، تحدّث عن 25000 معتقل. في البحرين كم عدد المعتقلين السياسيين؟ 4000 في جزيرة لا يتجاوز عدد سكانها مليوناً، على أكثر التقديرات، فما بالك بالسعودية التي فيها على الأقل 20 مليون مواطن، فضلاً عن الوافدين والذي يبلغ عددهم عشرة ملايين بالحد الأدنى أيضاً، فمن الطبيعي أن يكون هناك على الأقل 15000 معتقل سياسي.

 

محمد علوش: قبل أن نذهب إلى فاصل، هل عملية التصفية وفق ما ترى هي فقط رسالة للمعارضة، أم مرتبطة بعلاقات خاصة بخاشقجي، نتيجة اعتبارات تاريخية لموقعه، أم أنها رسالة للبلد الذي حدثت فيه القضية؟

 

فؤاد إبراهيم: أنا في الواقع أضع هذه الحادثة في سياق تحوّل جرى في السعودية، وفي المنطقة عموماً. السعودية خصوصاً بعد رحيل الملك عبد الله الذي هو ربما كان آخر ملك لديه هذه الكاريزما في داخل العائلة، كان هناك وضع داخلي هشّ إلى حد كبير، ووضع خارجي أيضاً هشّ بالنسبة للسعودية على مستوى علاقاتها الإقليمية والدولية خصوصاً بعد تداعيات الربيع العربي.

لذلك هم اعتمدوا ما أطلقوا عليه عاصفة الحزم، هو في الواقع لاستعادة دور بدأوا يفقدونه على مستوى الداخل والخارج، ولذلك لجأوا إلى هذا العنف في أقصى درجاته، محاولة شدّ العصب الداخلي، وبالتالي لملمة الوضع وذيوله، واعتماد منطق القوّة مع الجميع، مع كلّ المكوّنات، ولهذا أول مرة ترى أنت مثلاً أنّ هناك أزمة على مستوى العائلة المالِكة، على مستوى التحالف بين العائلة المالِكة والمؤسّسة الدينية، على مستوى القوى الاجتماعية عموماً.

وبالتالي محاولة استخدام القوّة ضدّ الجميع وأيضاً اللجوء إلى الحرب مع اليمن كجزء أيضاً من استعادة الدور المحوري، السعودية، دعوة مثلاً محمّد بن سلمان لترامب بأن يأتي إلى الرياض في مايو 2017 لم تكن مجرّد دعوة لإعادة ترميم علاقة مع الحليف الاستراتيجي، وإنما أيضاً محاولة إعادة إنتاج الدولة المحورية التي فقدت دورها منذ نهاية الحرب الباردة.

السعودية لا ننسى أنها كانت دولة وظيفية هي إلى جانب إسرائيل، بالنسبة للولايات المتحدة، وبالتالي الولايات المتحدة الأميركية حينما تبنّت استراتيجية جديدة تقوم على أساس الانتقال إلى منطقة أوراسيا، ونقل ثقلها الاستراتيجي إلى تلك المنطقة، باعتبار أنّ هناك تحديات سيفرضها الصيني وسيفرضها الهندي وستفرضها دول أخرى، خفّفت من ثقلها هنا في هذه المنطقة، فأرادت أن تقدّم ما يغري التاجر الأميركي ترامب لأن يبقى في هذه المنطقة.

 

محمد علوش: وبالتالي، نحن أمام معضلة حقيقية الآن تعيشها السعودية، بحسب ما تقول حتى الصحافة الغربية. يُقال إن الأمير محمّد بن سلمان يلجأ إلى أمراء معارضين لسياساته داخل المملكة للخروج من هذا النفق.

بعد الفاصل مشاهدينا، نحاول بالفعل أن نستطلع مدى صدقية هذا التوجّه. أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة. نتناول الأزمة السعوديّة مع المجتمع الدوليّ، في ما يتعلق باختفاء الصحافي جمال خاشقجي.

محمّد بن سلمان يدقّ أبواب الوليد بن طلال وتركي الفيصل لمساعدته. هذا ما عنوَنت به صحيفة القدس العربي تقريرها حول تداعيات اختفاء خاشقجي. نشاهد معاً.

 

القدس العربي: محمّد بن سلمان يدقّ أبواب الوليد بن طلال وتركي الفيصل لمساعدته

تمرّ العائلة الملكية السعودية بأسوأ مرحلةٍ لها منذ اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز سنة 1975 نتيجة الضجّة الدولية حول تورّط القيادة السعودية في اغتيال الصحافي جمال خاشقجي الثلاثاء الماضي.

ووفق معلوماتٍ حصلت عليها الصحيفة، فقد شكّلت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثمّ بريطانيا زلزالاً حقيقياً وسط عائلة آل سعود، حيث بدأ الكثير من أفرادها يشعرون بالخطر على المؤسّسة جرّاء التصرّفات الخطرة لوليّ العهد محمّد بن سلمان.

وقد بدأ هذا يشجّع بعض الأمراء على مطالبة الملك سلمان بن عبد العزيز باستعادة العمل بآليات العائلة الملكية التي جمّدها محمّد بن سلمان بعد تولّيه ولاية العهد واعتقاله الأمراء، ويلتزم الملك الصمت متابعاً التطوّرات بذهول.

ويبقى المثير هو بدء محمّد بن سلمان بدقّ أبواب أمراء كبار مثل تركي الفيصل مدير المخابرات السابق، والسفير السعودي السابق في واشنطن، ليساعده على مخاطبة الولايات المتحدة لتخفيف ضغط ترامب على الرياض. كما يدقّ محمّد بن سلمان باب الوليد بن طلال، مطالباً إياه بمخاطبة التجمّعات المالية الكبيرة في الولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته بدأ محمّد بن سلمان يتعهّد لبعض الأمراء بوقف حملة الاعتقالات وبناء وحدة العائلة من جديد. ويقول المصدر نفسه للصحيفة إنّ العائلة الآن مُشتَّتةٌ بسبب سياسة محمّد بن سلمان، وستخرج أكثر انقساماً بسبب هذه الأزمة، ولا يمكن استبعاد أنها قد تُبعِد وليّ العهد عن الملك.

 

محمد علوش: عودة إليك دكتور فؤاد. إلى أيّ حد بناء على المصادر التي تقولها الصحيفة، أليس من المبالغة الحديث أن قضية الصحافي جمال قد تؤثّر على بقاء الأمير محمّد بن سلمان ولّياً للعهد أو إمكانية التحوّل إلى ملك في ما بعد؟

 

فؤاد إبراهيم: طبعاً، لا شكّ أنّ ردود الفعل على مقتل أو تصفية جمال خاشقجي كانت صادمة لمحمّد بن سلمان نفسه وللعائلة المالِكة. اليوم ما نلحظه من ردود فعل، سواء على المستوى الإعلامي، على المستوى السياسي، على المستوى الاقتصادي، اليوم شركات كبيرة تعزف عن الاستثمار في السعودية، بعضها انسحب حتى من مجلس إدارة نيوم.

 

محمد علوش: وزير الطاقة الأميركي السابق عبر شركته، نعم.

 

فؤاد إبراهيم: اليوم أيضاً حتى المنتديات التي تديرها السعودية، الاستثمارات، اليوم هناك كثيرون انسحبوا من إعلاميين ومن اقتصاديين وغيرهم. بالتالي هذا الوضع بالتأكيد لا يريده محمّد بن سلمان، هذا الذي كان يراهن على أن تكون رؤية 2030 هي بطاقة العبور إلى العرش، أعتقد أنّ هذه الرؤية اليوم في موت سريري، إن لم تكن ماتت، لأنه اليوم.

 

محمد علوش: إلى أيّ حد قد يتلقّى دعماً من والده رغم هذه الخطأ إذا كان بالفعل هو مسؤول عنه؟

 

فؤاد إبراهيم: حتى لو توفَّر الدعم من والده، اليوم أنت بحاجة إلى ما يشبه المعجزة كي تنقذ هذا النظام، إذا نحن قرأنا ورصدنا كثيراً من التحوّلات.

 

محمد علوش: الموقف الأميركي تراه جاداً بالفعل في محاسبة السعودية؟

 

فؤاد إبراهيم: أبداً، أبداً.

 

محمد علوش: ممّ تخاف إذاً؟

 

فؤاد إبراهيم: ترامب هو تاجر انتهازي، ويحاول أن يبتزّ، ومعروف حتى موقفه من البداية، كان مُتلعثماً، كان مُتردّداً، لا يريد أن يتحدّث حتى في الموضوع، حينما سئل عن القضية، قال أنا لا أريد أن أتحدّث بالموضوع، أنه أمر سيّىء، لا أعلم شيئاً.

 

محمد علوش: حتى قال أكثر من ذلك، قال إنه لدينا صفقات أسلحة ونحن بلد بحاجة.

 

فؤاد إبراهيم: صحيح، وقال هذا ليس مواطناً أميركياً، والجريمة وقعت على الأراضي التركية، ولست مستعداً أن أخسر 110 مليارات دولار، لأنهم سوف يلجأون إلى الصين وروسيا يشترون السلاح.

هذا هو منطق التاجر غير الأخلاقي، هذا هو ترامب على حقيقته، ولذلك هذه الابتزازات من خلال خمسة خطابات انتخابية لم يتوقف فيها عن مطالبة بن سلمان بالذات.

 

محمد علوش: هناك معلومات أتت بها صحيفة الواشنطن بوست غريبة إلى حد ما، تقول إن المسؤولين الأميركيين الأمنيين، تقصد الـ CIA، اعترضت محادثات سعودية قبل ثمانية أيام من اغتيال خاشقجي تطرح سيناريوهات إمكانية القبض عليه، وبالتالي وفق القانون الأميركي يفترض كرجل مقيم على الأراضي الأميركية وإن لم يحمل الجنسية الأميركية أن يتم تحذيره أو تأمين حماية له، إلا أن كلا الأمرين لم يحصل مع خاشقجي.

هل يمكن أن يكون هناك سيناريو أميركي لتوريط سعودي لمزيد من الضغط على الموقف السعودي في بعض القضايا أو لتغيير آلية الحكم القائمة حالياً هناك؟

 

فؤاد إبراهيم: في الواقع الموقف الأميركي منذ البداية يثير الشك، في أن كانت لدينا مآخذ على أن هناك صمتاً أميركياً إزاء هذه الجريمة، ثم حينما شعروا، وربما حتى الإدارة الأميركية تفاجأت من ردود الفعل، ومن إصرار الصحف الأميركية، خصوصاً واشنطن بوست، وهو موقف في الواقع يستحق التقدير.

 

محمد علوش: لأنه كاتب أصبح لديها.

 

فؤاد إبراهيم: صحيح، وليس فقط مجرّد كاتب.

 

محمد علوش: الصحافة الغربية تعرف صحافة لها حضورها، ليست مجرّد أداة.

 

فؤاد إبراهيم: بالضبط، موقف واشنطن بوست والهيئة التحريرية في واشنطن بوست هو موقف يستحق الثناء بصراحة، لأن هذا التزام أخلاقي تجاه أحد كُتّابها، وأعتقد أن هذا ما أثار ربما فزع الإدارة الأميركية، هذه الموجة التي توسّعت من النقد حتى لإدارة ترامب، وهناك مطالبات سواء من الصحف، من الكونغرس، أحدهم طالب أصلاً بقطع العلاقات مع السعودية، وآخرون طالبوا بوقف صفقات التسلّح للسعودية، فبالتالي كان هناك ردّ سلبي على الموقف الصامت لدى إدارة ترامب. أعتقد بأنّ هناك ما هو أكثر من مجرّد الملاحظة النقدية على الصمت، قد يرقى ذلك إلى مستوى التواطؤ، لأنه إذا كان بالفعل هذا التقرير صحيحاً من واشنطن بوست حول اعتراض المخابرات الأميركية لمكالمات سعودية أو لمكالمات بين جمال خاشقجي أو آخرين، فأعتقد بأنّه كان يفترض بالفعل أن يكون موقف رسمي من الإدارة الأميركية.

أولاً هذا تجسّس داخل الولايات المتحدة الأميركية، وتعريض أمن أحد المقيمين، بالتالي هذه مسؤولية الدولة أيضاً، تماماً كما هي مسؤولية تركيا اليوم بحيث أنّ جمال خاشقجي دخل دخولاً شرعياً إلى الأراضي التركية، وبالتالي هناك مسؤولية لهذه الدولة.

 

محمد علوش: هو أيضاً شبه مقيم في إسطنبول، في تركيا، ولديه علاقات مع بعض الإعلاميين وبعض الشخصيات السياسية.

 

فؤاد إبراهيم: بالقانون هو تحت حماية الدولة التركية.

 

محمد علوش: كيف تقيّم أداء الدولة التركية أو الحكومة التركية في التعاطي مع هذا الملف؟ البعض يراه قوياً جداً قياساً على قضايا مشابهة، والبعض يرى أنه ما زال في إطار التردّد، والبعض يراه لا، متواطئ.

 

فؤاد إبراهيم: في الواقع في البداية كان موقفاً لافتاً للنظر، هو صمت أردوغان وصمت الصحافة التركية حتى، لكن أعتقد بأن ردّ الفعل السعودي كان استفزازياً لقدر أنه بات من الضروري على التركي أن يُخرِج بعض المعلومات لديه، لأنه كان هناك استخفاف أساساً في التعاطي منذ البداية، أنه ليس موجوداً وخرج وانتهى الموضوع، ويريدون أن يغلقوا هذا الملف على وجه السرعة.

التركي بات مطالَباً سواء من الداخل، من الخارج، من كل الدنيا، والصحافة الأجنبية خصوصاً هي التي ضغطت بصورة أكبر على تركيا، لأن تفسّر ماذا جرى داخل القنصلية السعودية، ولذلك هي أخرجت بعض معلوماتها وأقول بعض لأن التركي يمتلك كل المعلومات لديه.

 

محمد علوش: في صحيفة أجنبية، أنا أحاول البحث عن إسم تلك الصحيفة، لكن على أية حال تتحدّث، أعتقد حتى الواشنطن بوست، تقول إن الاستخبارات التركية زرعت أجهزة تنصّت في الأساس في القنصلية، لكن هذه المعلومات تأخذها من مصادر تركية لم تحدّدها هي طبعاً، تقول وبالتالي لديها وثائق مادية ملموسة على كلّ ملابسات الحادثة.

إلى أيّ حد هذا يشير إلى نوع من الحال غير المستقرّة في العلاقة التركية السعودية تقديرك؟

 

فؤاد إبراهيم: طبعاً وجود أجهزة تنصّت داخل القنصلية.

 

محمد علوش: طبعاً إذا صحّت المعلومات.

 

فؤاد إبراهيم: إذا صحّت، فهذا ربما سوف يُحرِج التركي أن ينقله أو يعكسه في الإعلام، وأعتقد ربما كثير من الدول تمارس هذا الدور الاستخباراتي، وهذه لعبة استخباراتية يعلمها المنخرطون في هذا العالم، وبالتالي التركي لن يفشي هذا السرّ للعالم، والسعودي أيضاً ربما لن يطرح هذا الموضوع لأنه سوف يكشف عن سرّ مقتل خاشقجي داخل القنصلية، لأنّ وجود أجهزة تنصّت يعني أنكم صوّرتم بالكامل ما جرى، لأن التركي عندما يقول نحن نعلم في أية غرفة تم قتل الخاشقجي وفي أي غرفة تم تقطيع أوصاله.

 

محمد علوش: تتحدّث عن سيناريو كامل كشاهِد إثبات.

 

فؤاد إبراهيم: بالضبط ولا يتردّدون، والسعودي يلتزم الصمت، والتركي أفشى كل التفاصيل، ونقل حتى، جزء من هذه الأوصال نُقلت إلى بيت القنصل الذي يبعد 300 متر عن القنصلية.

 

محمد علوش: البعض يقرأ هذه المعلومات في إطار التوتّر في العلاقات التركية السعودية.

في صحيفة البناء يتناول ناصر قنديل العلاقات التركية السعودية في أكثر من محطة في ضوء تنافس البلدين بحسب ما يقول على الزعامة الإسلامية. نشاهد معاً.

 

البناء اللبنانية: أردوغان يربح حرب الزعامة على إبن سلمان، ناصر قنديل

لم يغب التنافس السعوديّ التركيّ على مكانة الزعامة الإسلاميّة طيلة السنوات الثماني العجاف للربيع العربي الذي تقاسمت قيادته الدولتان وتناوبتا عليها.

ففي الربع الأول، تقدّمت تركيا على السعودية عندما كانت العثمانية الجديدة مشروعاً تراهن عليه واشنطن للإمساك بآسيا، بمثل رهانها على الاتحاد الأوروبي لوراثة دول أوروبا في الاتحاد السوفياتي السابق.

وفي الربع الثاني، تقدّمت السعودية بسقوط مشروع الأخوَنة في مصر وتونس. وفي الربع الثالث خسرت السعودية وتركيا معاً رهان الشراكة في التفاهم النووي مع إيران، كما خسرتا رهاناتهما المتعاكسة والمتشابكة في الحرب على سوريا.

في نهاية الربع الأخير، تخسر السعودية وتربح تركيا كرسيّ الزعامة، حيث تحجز إيران دور الندّ والشريك الموازي، وتحجز إسرائيل دوراً إقليمياً تدعمه واشنطن بكل ثقلها، وتتراجع مصر عن دور الريادة. ففيما يبدو وليّ العهد السعودي عالقاً في حرب اليمن، يبدو الرئيس التركي وقد امتلك بوليصة التأمين الروسية للخروج من الحرب السورية.

تأتي قضية اختفاء جمال خاشقجي واحتمال مقتله لتضع السعودية وتركيا وجهاً لوجه، وتظهر تركيا كدولة تتصرّف بذكاء تعزّز مضبطة الاتهام الدولية للسعودية من جهة، وتمتنع عن إثارة أزمة علاقاتٍ ثنائيّةٍ مع السعودية، بينما تبدو السعودية غارقةً في الارتباك، وقد ارتبكت الغلطة القاتلة، وتتوهّم أنّ الحملة الإعلامية قد تُخرِجها من المأزق، فيما كرة الثلج تكبر وتكبر.

 

محمد علوش: طبعاً دكتور فؤاد العلاقات التركية السعودية الآن بعد هذه الفضيحة أو ملابسات قضية لا نعرف كيف سيتم إخراج السيناريو الأخير لها، إلى أيّ حد قد تلحق الضرر بالعلاقات السعودية التركية؟ وكيف يمكن أن تنعكس على الموضوع القطري؟ هناك وجود لقوات عسكرية تركية هناك، وهناك اتهامات سعودية لتركيا بأنها تدعم الإخوان المسلمين في دول تُعتبَر ليست فقط حليفة بل جزءاً من محور وتحالف إقليمي لها كالحال المصرية على سبيل المثال.

 

فؤاد إبراهيم: طبعاً العلاقات السعودية التركية لم تكن في يوم ما على ما يرام، في أيّة لحظة. كانت دائماً مشوبة بالحذر، مشوبة بالتوتّر.

 

محمد علوش: حتى عام 2010 عندما طرحت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين؟

 

فؤاد إبراهيم: صحيح، دائماً، دائماً كانت هناك.

 

محمد علوش: لِمَ هذا الخوف السعودي من التركي؟ البعض يقول في القراءة الاستراتيجية، أكثر دولة ينبغي أن تكون على حذَر من تركيا هي إيران، في حين أنّ البلدين في أعلى مستويات التنسيق.

لماذا السعودية تشعر بهذا الخطر؟

 

فؤاد إبراهيم: السعودية تماماً كخوفها من جماعة الإخوان المسلمين الذين يشكّلون بديلاً أيديولوجياً للوهّابية في المجال السنّي، هي أيضاً تخشى من تركيا الدولة السنّية العظمى التي كانت هي صاحبة مشروع تاريخي عبر الخلافة العثمانية، هي أيضاً تشكّل تهديداً وجودياً، لا ننسى أن السعودية أيضاً نشأت في ظلّ الدولة العثمانية والخروج عليها حتى.

 

محمد علوش: تمرّد عليها، خروج وتمرّد عليها، لا شكّ، وأرسلوا حملات لاستعادة السيطرة.

 

فؤاد إبراهيم: بالضبط فبالتالي السعودية دائماً كانت تخاف وتخشى من الطموح التركي ومن استعادة الدور التاريخي لتركيا.

 

محمد علوش: ليس الأمر مرتبطاً بفكر وهّابي في السعودية وهو على نقيض الفكر الصوفي الحَنفي القائم أو نسخة الإسلام السياسي القائمة في تركيا، هي نسخة صوفية حنفيّة إلى حدٍ ما؟

 

فؤاد إبراهيم: صحيح، هذا أحد الأسباب ولا ننسى أن أردوغان نفسه ينتمي إلى الإخوان المسلمين كأيديولوجيا وفكر وكحركة ذات بُعد أممي أيضاً، تماماً كما هي الوهّابية تحاول أن تتبنّى مشروعاً أممياً.

السعودية تخشى من تركيا لأن تركيا أيضاً، لا ننسى بعد الربيع العربي، بدأت تُطرَح فكرة أن النموذج الأمثل لمنطقة الشرق الأوسط هي هذه الأيديولوجية التي يتبنّاها الإخوان المسلمون.

 

محمد علوش: لكن هذا كان طرحاً أميركياً، هو تصدير تركيا كنموذج مقبول في العالم، لماذا كانت النقمة على تركيا ولم تكن النقمة على الولايات المتحدة الأميركية؟ المنطق السياسي يفترض كان بالسعودية أن تكون أكثر حذراً في التعامل مع الولايات المتحدة التي تصدر تركيا آنذاك على أنها نموذج أفضل للعالم العربي؟

 

فؤاد إبراهيم: صحيح، ولكن لا ننسى أيضاً أن الولايات المتحدة الأميركية هي الحليف الاستراتيجي بالنسبة للسعودية على مدى أكثر من نصف قرن، هي التي وفّرت الحماية لهذا النظام وما زالت توفّر الحماية لهذا النظام، ولذلك هي سعت على مدى سنوات طويلة لإقناع الإدارة الأميركية بأننا ما زلنا على موقفنا كدولة وظيفية وكدولة راعية للمصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط.

 

محمد علوش: بقي لديّ دقيقتان، أريد أن أكثّف الأسئلة بشكل كبير جداً، بصراحة لنستفيد من بعض المُعطيات.

مستقبل العلاقات السعودية التركية، انعكاسها على قطر، كيف تراه بعد هذه القضية؟

 

فؤاد إبراهيم: من الواضح أن التركي لا يريد التصعيد مع السعودية، هو يريد احتواء هذه الأزمة، يريد أن يستفيد منها قدر الإمكان.

 

محمد علوش: قطر كيف تستفيد؟

 

فؤاد إبراهيم: أعتقد بأن القطري أيضاً يستفيد من هذه الأزمة، لا شك أنه يعزّز موقفه تجاه السعودية التي هي ارتكبت كثيراً من الحماقات، بالتالي أصبح الموقف القطري على المستوى الدولي.

 

محمد علوش: هل الأمر يخدم الإصلاحيين والإخوان المسلمين في الداخل السعودي بعد هذه الأزمة؟

 

فؤاد إبراهيم: أعتقد أن هذه الأزمة هي تخدم جميع المُتضرّرين من النظام السعودي.

 

محمد علوش: بمَن فيهم الإخوان المسلمين؟

 

فؤاد إبراهيم: بمن فيهم الإخوان المسلمين، بمن فيهم كل المكوّنات المتضرّرة من هذا النظام. هذه الأزمة زادت العالم قناعة بأن هذا النظام يجب أن يتغيّر.

 

محمد علوش: القبضة الأمنية هل يمكن أن تخفّ قليلاً في السعودية بعد هذا الأمر؟

 

فؤاد إبراهيم: وقد تزداد لأن خوف النظام على نفسه اليوم هو يدفعه للهروب إلى الأمام ولا يجد بديلاً، ولذلك هو لجأ إلى هذا الخيار لأنه استنفذ كل أغراضه، لم يكن مضطراً الملك عبد الله لمثل هذا الخيار، لم يكن مضطراً الملك فهد حتى لمثل هذا الخيار ولا الملك خالد ولا الملك فيصل بعد استلامه السلطة عام 1964 إلا ناصر السعيد.

 

محمد علوش: هل يمكن أن تقف العائلة المالِكة الآن صفاً واحداً خلف الأمير محمّد بن سلمان رغم كل الملاحظات المقدّمة عليه خوفاً على مستقبل السعودية ومستقبل آل سعود في الحُكم؟

 

فؤاد إبراهيم: لا شك أن داخل العائلة المالكة هناك إجماع على ضرورة إبقاء وحدة العائلة والحفاظ على سلطتهم التي يعتقدون أن لديهم حقاً فيها، ولكن في الوقت نفسه، لا يعتقدون بأنّ هذا الشخص هو الكفيل بتأمين وحدة العائلة المالِكة وبتأمين المستقبل للدولة السعودية.

 

محمد علوش: مستقبل مشروع نيوم الذي يراهن على أنه قد يكون بطاقة عبور إلى الملكية، هل تعتقد في ظلّ التراجع أو تخفيف النظرة الغربية تجاهه على أنه رجل إصلاحي، قد يضرّ ضرراً كبيراً أو يجهض هذا المشروع بالمُطلق؟

 

فؤاد إبراهيم: في الواقع نيوم وغير نيوم هي باتت مشاريع أوهام يسوّقها محمّد بن سلمان ولا يمتلك حتى الرصيد الكافي لإطلاقها، هو انسحب من سوفت بانك، وهو سحب أرامكو التي كان يفترض أن تكون جزءاً من.

 

محمد علوش: مطروحة أسهمها في السوق الدولية. سؤال أخير، أنتم كمعارضة سياسية هل لديكم استفادة من هذه القضية، تبنون عليها ضغطاً تجاه الدولة السعودية؟

 

فؤاد إبراهيم: لا شك أن هذه الحادثة، ولا نريد أن نستغل مثل هذا الدم، شخص بريء، ولكن هذه الحادثة يجب أن توصل رسالة لكل العالم بأنّ هذا النظام يرتكب من الحماقات ما يكفي لضرورة إعادة مراجعة العلاقات معه، وإعادة حتى تغيير المنطقة بطريقة تحفظ مصالح الجميع.

 

محمد علوش: كل الشكر والتقدير لك الباحث والناشط السياسي السعودي الدكتور فؤاد إبراهيم، أهلاً وسهلاً بك مرة أخرى.

كما نشكركم مشاهدينا لحُسن المتابعة، وإلى اللقاء.