أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

التراث والإرث الثقافي في الشرق

من يحمي التراث الذي يُسرق ويدمر وينتهك كل يوم؟ ماذا يحصل للإرث الثقافي واللامادي في منطقتنا؟ كيف نحافظ عليه ونصونه وما هو دور اليونسكو، وما هي مسؤوليات المؤسسات والدول الوطنية؟

 

غسان الشامي: مساء الخير، إنه همّ مُقيم ومُزمن ومؤلِم كيف تحمي تراثك المادي واللامادي في زمن اللصوصية العالمية واستشراء الجهل وتحطيم الهويات وعولمة الرعب. يعاني التراث الإنساني من سرطان السرقة والتخريب، نعم هذه هي الصورة، السرقة، التدمير الممنهج في العراق وسوريا، التغاضي الرسمي في لبنان وآخره عن السور الروماني لبيروت. أعزائي هناك تقرير للأنتربول يشير إلى أن قيمة التجارة غير المشروعة للممتلكات الثقافية تبلغ ستة مليارات دولار فقط لا غير، من يحمي إرثنا وثقافتنا وحضارتنا وكيف؟ ومن يردع المهووسين والطامعين عمّن يلصّ بلادنا وكيف نذهب بعيداً في التعبير عن إرثنا الحضاري. هذا سيكون موضوع حوارنا مع الدكتورة زهيدة درويش الأمينة العامة السابقة للجنة الوطنية اللبنانية للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو، عسانا نلقي الضوء على هذا البيدر الذي يتسرّب من بين أيدينا وعلى الكنوز التي يتاجر بها اللصوص على قارعة العالم، نعرّفكم على الدكتورة درويش قبل أن نبدأ. 

تقرير:  

وُلدت الدكتورة زهيدة درويش في مدينة الميناء عام 1954 ونالت إجازة في اللغة الفرنسية وآدابها من الجامعة اللبنانية عام 1975، وإجازة في اللغة العربية والماجستير في اللغة الفرنسية عام 1977، وشهادة دكتوراه من الحلقة الثالثة في الأدب المقارن عام 1979 عن أثر الشعر الفرنسي في الشعر العربي المعاصر، ودكتوراه دولة في الأدب الفرنسي من جامعة ليون الثالثة عام 1985 عن "القلق في الشعر الفرنسي" في القرن التاسع عشر.

عملت أستاذة في الجامعة اللبنانية منذ عام 1979 وأستاذة محاضرة في جامعة البلمند بين عامي 1988 ­– 1999، وأستاذة محاضرة في جامعة الكسليك بين عامي 2000 – 2003 وشغلت منصب الأمينة العامة للجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو بين 2011 – 2018.

من مؤلفاتها بالفرنسية "الشعر والكشف في أعمال ناديا تويني" و "دراسات في الشعر اللبناني الفرنكوفوني"، و"الفرنكوفونية في مساراتها المختلفة" و"الأدب الفرنكوفوني في الشرق الأوسط"، وبالعربية "التاريخ والتجربة في الكتاب 1 لأدونيس"، ولها العديد من الكتب المدرسية والمترجمة والأبحاث المتخصّصة والدراسات.

شاركت في مؤتمرات محلية وعربية ودولية وفي نشاطات علمية وثقافية وترأست هيئات تحكيم محلية وعربية ودولية للإبداع، وهي عضو في اتحاد الكتّاب اللبنانيين واتحاد المُترجمين العرب وحائزة على وسام السعفة الفرنسي من رتبة فارس. متزوّجة من الدكتور جان جبّور ولهما إبنة تدعى جنا.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بكِ دكتورة زهيدة درويش وشكراً لتلبيتك دعوتنا، نحن كنا نريد أن نلتقي بكِ منذ زمن لكن هذا الذي حصل، سأبدأ مباشرة ومن دون مواربة، التراث الذي عملتِ طويلاً عليه سيّدتي ثقافة، هل هذه الثقافة موجودة فعلاً في بلادنا؟

زهيدة درويش: التراث ثقافة بلا شك، هل هذه الثقافة موجودة في بلادنا الجواب صعب، يمكن الإجابة بنعم ولا، التراث موجود كممارسة حيّة بلا وعينا، التراث غير موجود عندما نحاول أن نلفت الانتباه أو أن نوجّه نظرنا حول ما لا يمتّ إلينا بصلة. منطقتنا العربية غنية جداً، نحن ورَثة حضارات تعاقبت على هذه المنطقة وهذا التراث موجود بمختلف أنواعه، هناك التراث المادي الذي يتمثل بالمعالم التاريخية والمواقع الأثرية والأبنية والرسومات والمنحوتات، وهناك التراث اللامادي الذي يشكّل جزءاً لا يتجزّأ من الحياة في رأيي. التراث اللامادي نحن نعيشه من غير أن نعي ذلك، نحن نمارسه من غير أن ندرك إننا نمارسه لأنه جزء لا يتجزّأ من الذاكرة الجماعية ومن الهوية. عندما تغني الأمّ لطفلها كي ينام وتهدهده فهي بلاوعيها تقلّد جدّتها وأمّها وإبنها أو إبنتها التي تستمع إلى هذه الهدهدة بدورها ستورثها إلى أبنائها. هناك التراث الحيّ الذي لا يزال يُعاش وهناك بالطبع جزء من التراث ربما اندثر وهذا شيء طبيعي، هناك الثابت والمتحرّك.

غسان الشامي: نحن نعلم أن عوامل الزمن قد تتالت على إرثنا الحضاري المعماري، وهناك الكثير لا يزال مخبوءاً تحت الأرض ولكن لفتني شق من سؤالك هو ال "لا" وكما تعلمين فنحن الصحافيون نبحث أحياناً عن الأمور السلبية كي نضيء عليها، لماذا الكثير من شعبنا لا يعي هذا التراث الثقافي؟

زهيدة درويش: لعدّة أسباب، أولاً وعي التراث يقتضي سياسة ممنهجة، الوعي بأهمية التراث خاصة المادي لا يأتي بصورة عفوية، هناك تربية، هناك سياسة دولة أولاً، هناك مؤسّسات يجب أن تُعنى بالتراث، هناك دور البلديات والجمعيات الأهلية، هناك دور الإعلام. التراث كما أسلفت وأشرت جزء لا يتجزّأ من الهوية، نحن عندما نعي أهمية تراثنا فنحن نتمسّك بانتمائنا في وقت نعيش فيه ظرفاً الهوية كلها مهدّدة، وهناك عمليات ممنهجة لمحو الذاكرة الجماعية. ما تعيشه المنطقة العربية بشكل عام يعطينا البرهان الكافي على أن هناك سياسة تدمير لذاكرتنا.  

غسان الشامي: سآتي إلى هذا في ما بعد حتى نحدّد من يهجم على ذاكرتنا ولكن كيف تتعامل وأنتِ كنتِ في موقع معيّن يطلّ على هذا الإرث، كيف تتعامل المؤسّسات الرسمية مع التراث وكيف تحافظ عليه؟ أنا رأيت بقايا كنيسة من القرن الرابع قرب بيروت وضعها مزرٍ وكذلك الأمر في الجنوب وقسم في جبيل غير مقبول حتى في متحف بيروت في الخارج بالحديقة، كيف تتعامل المؤسّسات الرسمية مع هذا الإرث؟ 

زهيدة درويش: لا شك أن وزارة الثقافة هي المسؤولة المباشرة عن الحفاظ على التراث وحمايته، وكلنا ندرك أن إمكانيات هذه الوزارة محدودة من جهة سواء الإمكانيات البشرية أو الإمكانيات المادية ولكن هناك بعض الجهود التي بُذلت، من هذه الجهود مثلاً استرداد بعض القطع الأثرية من أميركا، مؤخّراً استُرِدت ثلاث قطع. بالطبع هناك انتهاكات كذلك، هناك نواح إيجابية ونواح سلبية، لن أتكلم كثيراً عن الأبنية الأثرية مثلاً التي تُهدَّد اليوم في بيروت بسبب ناطحات السحاب وبسبب طغيان منطق الربح المادي ، إنما هناك قانون أحيل إلى مجلس النواب يتعلق بحماية المواقع والأبنية التاريخية في بيروت، هذا القانون أحيل في تشرين الأول 2017 ولكن متى سيُقرّ هذا القانون، هل سيُطبّق هذا القانون، نحن نعيش في لبنان وليس في دنيا الملائكة وكلنا يعلم أن هناك "تروستات مالية" لديها من القوة.

غسان الشامي: وللأسف الكثير من أصحاب الأموال عندما تذهبين إلى بيوتهم ترين الكثير من الإرث الثقافي مرمياً هنا أو هناك وهو للعَرض.

زهيدة درويش: ولكن للإنصاف هناك قانون أقرّ خلال ولاية الوزير روني عريجي يشجّع المواطنين الذين لديهم قطع أثرية الإعلان عنها فقط وذلك لتسجيل وجود هذه القطع لديهم لأنها تشكل جزءاً من التراث والإرث الثقافي، أعتقد أن هذا الأمر إيجابي.

غسان الشامي: هناك اتفاقية عام 1970 على ما أعتقد حول منع استيراد وتصدير الممتلكات الثقافية في لبنان بطريقة غير مشروعة ، واكتشفنا مؤخراً خلال الحرب الموجودة في المنطقة المشرقية أن هناك اتجاراً غير مشروع بالممتلكات الأثرية، هل يطبّق لبنان هذه الاتفاقية حالياً؟

زهيدة درويش: نعم بالطبع، ليس لديّ المعلومات الكافية في هذا المجال ولكن لا شك أن هناك انتهاكات وتهريبات، لكن السلطات اليوم تعي أهمية تطبيق هذا القانون ويتم التعاون بين وزارة الثقافة والأنتربول.

غسان الشامي: بالمناسبة أخبرني قبل أيام مدير عام الآثار والمتاحف في سوريا أن هناك معرضاً حالياً للآثار التي كانت بيد المسلحين وأن قسماً من هذه الآثار أعاده لبنان إلى سوريا.

زهيدة درويش: هذا بالتعاون مع اليونسكو ويجب الإشارة إلى ذلك ودور المكتب الإقليمي لليونسكو في هذا المجال كان مهماً جداً.  

غسان الشامي: في تقرير للأنتربول الدولي يقول إن قيمة التجارة غير المشروعة هي ستة مليارات دولار، ما حصّة المشرق من هذا النهب؟

زهيدة درويش: لا أستطيع أن أجيبك.

غسان الشامي: لماذا؟  

زهيدة درويش: لأنني لا أمتلك المعلومات.

غسان الشامي: أينما ذهبنا في العالم نذهب إلى متاحف يرفعون رؤوسهم لأن الموجود آتٍ من الشرق.

زهيدة درويش: صحيح لأن الشرق هو مهد هذه الحضارات، أولى الحضارات في العالم وُجدت في المشرق في أرض كنعان.  

غسان الشامي: وقد تم لَصّ كل الإرث السومري البابلي الآشوري وتدميره مؤخراً في نينوى، أنا أقول بأن هذا الرقم خرافي وأنتِ تعلمين أن داعش تاجرت بالآثار وكان جزءاً من مردودها، إذا كان أغلب هذا يُسرق من بلادنا فإن رقم ستة مليارات سنوياً تقيم لبنان من جديد يا سيّدتي.

زهيدة درويش: نعم شيء مُخيف.

غسان الشامي: هل توصلتم خلال وجودك إلى سنّ قوانين رادِعة للاتّجار بالممتلكات الثقافية وما المطلوب من الدول لتنفيذ ذلك؟  

زهيدة درويش: المطلوب مزيد من الصرامة، مزيد من المراقبة، الإمساك بيد من حديد لتطبيق القانون. نحن لدينا قانون يمنع الاتّجار ونحن وقّعنا هذه الاتفاقية ولدينا قانون في لبنان يمنع الاتّجار بالآثار إنما القانون شيء والممارسة شيء آخر، هناك دائماً الطرق الملتوية.

غسان الشامي: من يغضّ النظر عن ذلك؟ 

زهيدة درويش: المنتفعون كثر

غسان الشامي: في ما يحدث في العراق وسوريا كيف تقيّمون انتهاكات التراث والعمارة قبل أن نتكلّم عن التراث اللامادي.

زهيدة درويش: كما أسلفت لمحو ذاكرتنا، للقول أن هذه المنطقة ليس لها تاريخ، التاريخ يبدأ مع إسرائيل.

غسان الشامي: حتى هذه الدرجة.   

زهيدة درويش: طبعاً، هذا هو الحلم الإسرائيلي أن التاريخ يبدأ مع شعب إسرائيل، شعب الله المختار كما يزعمون وأن هذه المنطقة لم يكن فيها وليس لديها شيء قبلهم وهذه بدعة.

غسان الشامي: أنا أسألك هنا هل لذلك سُرقت رقيمات إبلا من متحف إدلب؟

زهيدة درويش: طبعاً.  

غسان الشامي: هل لذلك سُرق كل ما له علاقة بالخط الإبراهيمي من متحف بغداد؟ ما دمنا نعرف ذلك ماذا نفعل لمنعه؟

زهيدة درويش: للأسف الشديد يبدو أننا استسلمنا شعوباً وأنظمة.  

غسان الشامي: أنا كنت أزور مناطق أثرية كثيرة كشخص أروي لأولادي عنها، الآن مُحيت إذا قلت لإبني يقول لي أنت كاذب أين هي، هذا المحو من يقوده عالمياً خارج إسرائيل لأن البعض يسرق ويأخذ إلى الغرب.

زهيدة درويش: المتعاملون مع المشروع، ما يحدث في الوطن العربي اليوم هو بأيدٍ عربية، نحن بأيدينا ندمّر بلداننا. لم يكن للمشروع الإسرائيلي أن ينجح لو لم يكن هناك متواطئون أو منتفعون من هذا المشروع.

غسان الشامي: أعذريني لأنني أحاول أن أبني وحضرتك صورة ولكن بسرعة هل من تعاون عالمي، هل يوجد أفق لتعاون عالمي لضبط انتهاك التراث في بلادنا أنتم عبر اليونسكو؟

زهيدة درويش: نعم، اليونسكو تقوم بما عليها سواء عن طريق الاتفاقيات التي وقّعتها الدول أو عن طريق تدخّلاتها من وقتٍ إلى آخر. لقد تدخّلت اليونسكو في تدمر وتدخّلت في العراق وتدخّلت في القاهرة عندما تم تفجير سيارة مفخّخة وتأذّى  المتحف الإسلامي في القاهرة الذي يضمّ مخطوطات نفيسة ونادرة، تدخّلت اليونسكو لترميم هذا المتحف وساهمت في التمويل، بالطبع لم تكن المبالغ خيالية وإنما قرابة المئة ألف يورو، المساهمة الطليانية كانت أهم ولكن جميعنا نعرف أن اليونسكو تعاني اليوم من مسألة التمويل بعد انسحاب الولايات المتحدة، هذا معروف ولكن نحن نعرف أن اليونسكو كمنظمة دولية قدراتها محدودة لأن هناك من يتحكّم في اليونسكو.

غسان الشامي: مَن هو هذا؟

زهيدة درويش: يكفي أن نقول إن الولايات المتحدة الأميركية انسحبت من اليونسكو لمجرّد أن فلسطين دخلت اليونسكو لكي نعرف من المُتحكّم.

غسان الشامي: أعتقد أنه لفت نظرك مؤخراً ما يحدث في ما يسمّى المدن الميتة في شمال سوريا، انتهاك باقرحا، انتهاك أفاميا في وسط سوريا، وانتهاك الكثير من المدن المسجّلة على لائحة التراث الإنساني ولكن حتى اليونسكو كان وضعه محيّداً لماذا؟

زهيدة درويش: لا يمكن تحييد عمل اليونسكو عن السياسة، يصعب تحييد عمل اليونسكو وهي منظمة تربية وعِلم وثقافة. عندما وُجدت اليونسكو وُجدت في ظرف كانت البشرية تبحث عن السلام، اليوم نعيش في ظرف مُعاكس تماماً، الحروب اليوم تنشأ في كل مكان وهناك مَن يرعى هذه الحروب واليونسكو تجد نفسها اليوم في حال من التشتّت. لم تعد اليونسكو في جو يساعدها على أن تصل إلى الهدف الأساسي الذي وُجدت من أجله وهو بناء السلام في عقول البشر.

غسان الشامي: ما هو الأفق الذي ينتظر هذا الإرث الذي نحن دائماً نحاول أن نتغنّى به ويبدو إننا لا نلمسه أحياناً؟ 

زهيدة درويش: لست أدري ماذا ينتظره ولكن الظرف الذي نعيش فيه هو ظرف سوداوي ، وإنما نحن متمسّكون دائماً بالأمل لأنه لا يزال في هذه المنطقة جذوة من الكرامة والرفض، لا تزال هناك هذه الجذوة وهي التي تدعو إلى الأمل رغم كل ما يحيط بنا.   

غسان الشامي: سنذهب إلى فاصل إذا سمحتِ لنا، أعزّائي فاصل ثم نعود للحوار مع الدكتورة زهيدة درويش، انتظرونا إذا أحببتم.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم، تقرير عن اليونسكو والآثار في المنطقة ثم نعود إلى الحوار مع الدكتورة زهيدة درويش.

تقرير:

التراث هو حجر الأساس الذي ترتفع عليه حضارة الأمم، ومنذ بداية الاستقلالات العربية حصل تعاون على إحيائه عام 1947 وبقي خجولاً حتى إنشاء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "ألكسو" عام 1970 والتي تحاول عبر برامج ومشاريع ومؤتمرات حماية التراث الثقافي والطبيعي الذي شجّعت عليه منظمة اليونسكو من خلال عقد اتفاقية دولية عام 1972، وذلك لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، وقد انبثقت عنها لجنة حكومية دولية وصندوق حماية.

اليونسكو وكالة متخصّصة تتبع الأمم المتحدة تأسّست عام 1945 مقرّها باريس وهدفها المساهمة في إحلال السلام والأمن عن طريق رفع مستوى التعاون بين دول العالم في مجالات التربية والتعليم والثقافة، وتتبع لها 195 دولة ولها خمسون مكتباً ومعاهد تدريس في العالم، وإحدى مهامها الإعلان عن قائمة مواقع التراث الثقافي العالمي أي المواقع التاريخية والطبيعية وحمايتها لكنها لا تستطيع توفير الحماية لأسبابٍ كثيرة.

بعد الحرب في العراق وسوريا منذ عام 2003 وبعد عام 2011 والتدمير الممنهج للتراث الحضاري والإنساني والروحي وسرقة المتاحف وتنامي التجارة بالآثار وتهريبها، وقفت اليونسكو موقف العاجز عن حماية هذا الإرث الإنساني الكبير في البلدين اللذين يُعدّان مهداً أساسياً للحضارة البشرية.

لا يوجد متحف كبير في العالم لا يحتوي على جزء من إرث هذه المنطقة ولذلك فإن حماية التراث الإنساني الباقي تحتاج إلى جهود محلية وعالمية لا تبدو متوافرة حتى الآن.

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، دكتورة درويش في العام 1984 في ذروة الحرب سُجّلت جبيل، بعلبك، صور، عنجر على لائحة التراث العالمي، ما الذي تطوّر منذ ذلك الوقت؟ هل ما يزال الحفاظ على هذا الإرث وعلى هذه المواقع وكيف يتم تسويقها للناس كي تأتي وتراها؟ 

زهيدة درويش: مما لا شك فيه أن تسجيل هذه المواقع على لائحة التراث العالمي ساعد كثيراً على تنشيط الحركة الاقتصادية فيها، جبيل اليوم أصبحت ملتقى ومركزاً سياحياً مهماً جداً، صور كذلك، بعلبك، عنجر. بالطبع مدينة بعلبك مرت بظروف صعبة أمنياً ولكن ها هي تستعيد نشاطها رويداً رويداً، هناك أيضاً وادي قاديشا الذي سُجّل على لائحة التراث العالمي وهناك فترة اعتبر فيها اليونسكو أن هذا الوادي مهدّد نظراً لحصول اعتدءات وانتهاكات وإنما تم تلافي هذا الشيء، وتوصّلت وزارة الثقافة مع المسؤولين في المنطقة ومع البلديات إلى شق طريق ضمن المواصفات التي تريدها اليونسكو ولم يعد هناك أيّ خطر على وادي قاديشا.  

غسان الشامي: هي سُجّلت عام 1998 على ما أذكر.  

زهيدة درويش: نعم.   

غسان الشامي: ولكن كيف يمكن انتهاك هذا الوادي بالصورة التي حصلت؟ أين كانت الدولة عند ذلك؟ أين كانت الكنيسة عند ذلك؟ وهل تم نهائياً سحب الذرائع؟

زهيدة درويش: نعم تم سحب الذرائع، كان الخلاف على الطريق التي يجب أن تُشقّ إلى الوادي لأن وجهة نظر الكنيسة كانت أن هناك سكاناً لهم أراض في هذه المنطقة ويمكنهم الاستفادة منها فتم التوافق على أن تكون هذه الطريق ضمن مواصفات لا تسيء إلى الموقع بحيث لا يتحوّل الموقع إلى موقع سياحي أو منتزّه أو ملهى أو مطعم، ولكن هنالك جهود كبيرة بُذلت في هذا المجال وكانت هنالك نقاشات وجلسات عمل وورش حتى توصّل الجميع إلى هذا الحل الذي يراعي السكان كما يراعي حرمة الموقع.  

غسان الشامي: إسمحي له أن أعود إلى اليونسكو، ضمنياً نحن كشعوب نتيجة التجربة لا نثق بالغرب لكننا نعود ونلجأ لليونسكو مثلاً في حماية التراث، هل اليونسكو فعلاً هو أيد أمينة أو كتف يمكن الاتّكاء عليه في حماية التراث في بلادنا؟

زهيدة درويش: نعم، قبل عامين أطلق اليونسكو حملة "متّحدون من أجل التراث" في كل المنطقة العربية ونُظّمت أنشطة توعوية وطُلب منا نحن كلجنة وطنية لليونسكو أن ننضمّ إلى هذه الحملة وأن نقوم بورش توعوية في المدارس حيث كان لدينا شبكة مكوّنة من 75 مدرسة في القطاعين الرسمي والخاص ، ونُظمت حينها أنشطة توعوية لطلاب المدارس وأذكر منها على سبيل المثال الأنشطة التي أقيمت في منطقة زغرتا الزاوية في ما يتعلق بوادي قاديشا من مسابقات وورش تدريب ولقاءات. تعرف أستاذ غسان أن التربية هي الأساس أي أن تزرع في نفس الطفل وعي أهمية المكان الذي هو فيه هذا يكسبه الانتماء ويدعوه إلى المحافظة على المكان. نعم أعتقد أن اليونسكو هي الجهة المخوّلة لحماية التراث ولنفترض أنه لا توجد منظمة يونسكو إلى مَن تلجأ؟  

غسان الشامي: سأجيبك بطريقة آلمتني كثيراً، كنت في أحد متاحف العالم وإلى جانبي أحد أبناء هذه المنطقة ننظر إلى أثر مسروق من بلادنا أيام الاستعمار، بعد الذي حصل قال لي الحمد لله الذي سرق هؤلاء لأنه لو بقي عندنا لكان تحطّم، هذا آلمني ولكن يجب علينا أن نجد طريقة لحماية ذاكرة أولادنا، ذاكرتنا نحن انتُهكت كما قلتِ، كيف؟

زهيدة درويش: من خلال التربية، من خلال المدرسة. أستاذ غسان أنت وأنا من جيل تعلّمنا في المدارس الأناشيد التراثية والوطنية وكنا نقوم بزيارات المواقع الأثرية وكنا نفخر ونعتز حين نكون في المكان ويحدّثنا الأستاذ عن تاريخه، وأعتقد أنهم بدأوا في وزارة التربية. المطلوب إعادة إحياء هكذا أنشطة خاصة أن الأطفال في لبنان وهذا الجيل الصاعد لا زال متأثراً بترسّبات الحرب، نحن لم نعد شعباً واحداً بل أصبحنا في لبنان للأسف الشديد شعوباً كل منطقة تعيش ضمن بوتقتها الخاصة، فمن المطلوب جداً أن نعيد هذه الصلة بين اللبنانيين عبر إعادة اكتشافهم لتراثهم، لتاريخ لبنان. كل مدينة بل كل قرية في لبنان لديها تاريخ، مدير عام الآثار سركيس خوري نظّم خرائط لكل لبنان وفنّد كل المعالم في كل قرية، ما من قرية في لبنان لا تحتوي معلماً أثرياً ما أو موقعاً أثرياً ما، المطلوب هو أن نعيد النظر في تاريخ هذا البلد وأن نفخر بهذا التاريخ لأنه مزيج من تواريخ، لبنان بلد التنوّع، توارثنا حضارات. تاريخ فينيقيا عندما سُيّس أو اسُتغل في السياسة أصبح يرهب الناس، فينيقيا جزء لا يتجزّأ من تاريخنا ويجب أن نكون فخورين به كما بابل وكنعان وآشور والمصريون والفراعنة، تاريخ منطقة تعاقبت عليها الحضارات لتشكل هذا النموذج الفريد، كل حضارة أعطتنا شيئاً من عندها وتركت شيئاً مثلاً سُجّلت على لائحة التراث العالمي نقوش نهر الكلب، ذاكرة العالم.

غسان الشامي: ذاكرة العالم الحربية.

زهيدة درويش: نعم ذاكرة العالم الحربية وإنما هذا جزء أيضاً من تاريخنا، الجيش الذي احتلنا بالقوّة وإنما لاحقاً تفاعل مع شعبنا وشعبنا تفاعل معه وأنتجوا شيئاً.

غسان الشامي: سأذهب إلى التراث اللامادي قليلاً مثلاً زحلة في 2013 اعتبُرت مدينة مُبدعة في فن الطبخ، جميعنا نحب الأكل ولكن هذه المدينة سيّدتي من يتابعها، مدينة قريبة إلى الليطاني الذي هو أكثر مكان فيه تلوّث في الكون كيف؟ أنا لا أريد أن أصعّب الأسئلة ولكن أريد أن أقول الحقائق للناس سيّدتي.   

زهيدة درويش: المجتمع الأهلي في لبنان ناشط جداً، كل ما يتعلق بمسؤولية الدولية هنا تستطيع القول يا ليت ولو، زحلة سُجّلت على لائحة المدن المُبدعة لأن المجتمع الأهلي مُبدع ولأنه وُجد في المكتب الإقليمي لليونسكو من يشجّع البلدية والجمعيات الأهلية أن تعدّ الملفات وبالفعل زحلة مشهود لها. التلوّث في الليطاني أمر من مهمات الدولة، أين الرقابة؟ هناك المصانع التي ترمي بالملوّثات. سمعنا أنهم أقرّوا قانوناً وأقاموا جولة وتوعّدوا بالمحاسبة ولم يحصل شيء في الواقع نظراً لالتقاء المصالح

غسان الشامي: أيضاً حماية التراث الطبيعي، كلنا من جيل يسمع أغنية "لبنان يا أخضر حلو" والعصافير التي تُقتل العابرة والمستوطنة، كيف نحميه وهنا لا علاقة للدولة.

زهيدة درويش: هذه ثقافة، اليوم نرجع إلى علاقة الإنسان ببيئته، ينقصنا أن نعيد للإنسان الارتباط بالبيئة، ينقصنا أن نعيد للإنسان الإحساس بأهمية الطبيعة، أن نزرع لديه الوعي بأن ما يُسيء للطبيعة يُسيء له شخصياً. لاحظ أن الجيل الجديد لديه ردّات فعل، الحملة التي أقيمت منذ 15 يوماً تقريباً من قِبَل شبان لبنانيين لتنظيف الشاطئ بشكل عفوي هي مؤشّر جيّد. لا شك أن هناك مشكلات كبيرة جداً ولكن دعنا نرى الجانب الملآن من الكأس، هناك مبادرات وهناك جمعيات أهلية وبيئية تصرخ وتأخذ المبادرات.

غسان الشامي: دكتورة درويش هل تُستخدم التكنولوجيا المعاصرة في الحفاظ على التراث في بلادنا مثلاً؟ 

زهيدة درويش: نعم ولا، اليوم في جامعة الكسليك يقومون بجهد جبّار للحفاظ على الموروث الموسيقي إلكترونياً، وهذه نقطة ضوء جيّدة في البلد وأيضاً ترميم المخطوطات.

غسان الشامي: هذا الجانب الملآن من الكأس، ماذا عن الجانب الفارغ؟

زهيدة درويش: الجانب الفارغ كبير لا شك، هناك مخطوطات في الأرشيف تهترئ وبحاجة للاهتمام وهناك مخطوطات موجودة لدى أشخاص وهي بحاجة إلى جردة وهي جزء من تاريخنا، إذا لم نعرف تاريخنا فكيف سنتصالح مع الحاضر، كيف سنبني المستقبل، أعتقد أن مشكلة لبنان أننا شعب نعيش اللحظة.

غسان الشامي: هناك من لا يثق بالدولة كي يسلّمها مخطوطات، أنا على سبيل المثال لديّ 80 مخطوطة بمن أثق لأقول أن لديّ هذه المخطوطات الثمانين التي جمعتها بتعبي من أنحاء العالم؟

زهيدة درويش: ربما لأن الدولة ليس لديها سياسة في هذا الموضوع. 

غسان الشامي: سيّدتي منذ أيام، ثلاثة أشخاص في هذا الوطن الصغير أقاموا متحفاً جميلاً وبهياً على شاطئ المتوسّط في شمال لبنان وما جمعوه كان كبيراً وأنا أحيّيهم السادة جمال عدرا والأستاذ فداء شديد والصديق بدر الحاج على هذا العمل ، هل هذا ما يجب يعوّل عليه كبادرة لامعة؟

زهيدة درويش: يجب أن يعوّل عليه لكنه لا يكفي، كما أسلفت أستاذ غسان هم مشكورون، هذه مبادرة ممتازة وإنما هذا ليس من مسؤولية المجتمع الأهلي والمبادرات الفردية، هذه مسؤولية جهات رسمية.

غسان الشامي: الشباب الذي يقوم بهذا الأمر يقول بأن الدولة فاشلة ثقافياً.

زهيدة درويش: الدولة فاشلة ليس فقط ثقافياً، الدولة فاشلة في لبنان يجب أن نعترف بذلك. 

غسان الشامي: هل يتم تدوين التراث اللامادي؟   

زهيدة درويش: هل تعني لوائح جرد للتراث اللامادي؟

غسان الشامي: نعم لوائح جرد بهذا الموضوع، هل هناك من يدوّن هذه الذاكرة الجمعية؟ هل يوجد هذا الشيء؟

زهيدة درويش: لقد أقيم في إطار مشروع "ميدليهير" منذ 4 سنوات لائحة جرد تتعلق بالموروث الشعبي وعلى أثرها استطعنا أن نسجّل الزجل على لائحة التراث اللامادي العالمي. حالياً تقام لوائح جرد للحِرَف في لبنان وللحِرَفيين وأماكن تواجدهم إلى ما هنالك. مساهمة وزارة الثقافة في هذا المجال مساهمة ضعيفة جداً لأنه ينقصها التمويل ، حتى عندما نريد أن نعدّ ملفاً لموقع من المواقع لتقديمه لليونسكو فهذا الملف يحتاج للتمويل بطبيعة الحال ، لأن هناك خبرات وتقارير ودراسات يجب تمويلها وذلك ليس متاحاً. وُضع على لائحة المؤشّرات الأولية طرابلس، الميناء، جزيرة النخل، حوالى عشرة أو أحد عشر موقعاً وُضعوا كلائحة مؤشّرات وطبعاً لم يتم استكمال هذه الملفات لانعدام التمويل.

غسان الشامي: ذكرتِ الحِرَف التقليدية، كلنا نعرف بيروت كمركز للمدينة أن هناك سوق الصاغة وسوق النورية وسوق الطويلة، كان هناك حِرَف، في المدن اللبنانية الأخرى أيضاً كان هناك حِرَف ولو كانت بسيطة، أعتقد فقط في طرابلس لا تزال توجد بعض الحِرَف، هل تقوم الدولة بحماية هذه الحِرَف وهل تساهم اليونسكو في حمايتها؟

زهيدة درويش: اليونسكو تساهم وفق اتفاقية 2003 وإنما على الأرض لا تساهم، كي تساهم الدولة يجب أن يكون هناك قانون لدعم الحِرَف. نحن نعيش في عصر تجارة على سبيل المثال حِرْفة الفخّار يجب أن يكون هناك تدريب للحِرَفيين كي يطوّروا إنتاجهم، يجب على الدولة أن تؤمّن لهم الأسواق، يجب أن تتيح لهم إمكانية التنافس، كل هذا غير موجود وحتى على صعيد الاستهلاك فثقافة الناس اليوم تستسهل شراء البلاستيك مثلاً بدلاً من الفخار أو الزجاج المنفوخ. هناك حِرَف تندثر للأسف، وأنا اتّخذت مثالاً على الفخار والزجاج اللذين لم يندثرا، حِرَفة النول مثلاً التي كانت مشهورة في لبنان، حِرَفة السجاد، السجاد اللبناني في مرحلة من المراحل كان يسمّى السجاد السليمي وكان يشكل جزءاً من الاقتصاد، هذه الحِرَف اليوم تتراجع وبعضها اندثر نظراً لعدم وجود سياسة اقتصادية لدعمها وتشجيعها.   

غسان الشامي: كما أسلفتِ هناك صلة رحم بين التراث والهوية، كيف تقرأين هويتنا اعتماداً على ما قلته من تفكيك وتدمير للتراث؟

زهيدة درويش: أنا من الناس الذين يؤمنون أن الهوية اللبنانية هي هوية مركّبة، اليوم سؤال الهوية يُطرح لدى الشباب، العولمة جاءت بكل ما تحمله وجاء التنميط سواء عن طريق الموسيقى، الملبس، المأكل، الأسواق. الفرد يشعر أنه إبن لحظته وهنا يجب العودة إلى تأصيل الانتماء، هناك توجّه في اليونسكو حول المواطنة العالمية. كنت دائماً أردّد أن ليس هناك من إمكانية لوجود مواطن عالمي إن لم يكن  أولاً مواطناً في لبنان، إن لم يكن أولاً متجذّراً في تاريخه، في هويته، في لغته. أنا لا يمكنني أبداً أن أنفتح على العالم وأنا أطير في الهواء وليس لديّ جذور. كلما تأصّلنا في الانتماء لجذورنا كلما استطعنا أن ننفتح على العالم تماماً كالشجرة، الشجرة التي لديها جذور عميقة في الأرض أغصانها ترتفع في السماء وتداعب الهواء أما إذا كانت مشلّعة فهي لا تستطيع أن تنمو. كلما رسّخنا الهوية بمعرفة التاريخ أولاً ومعرفة التاريخ تقتضي معرفة التراث بشقّيه المادي واللامادي والطبيعي كلما ازداد التصاقنا بالأرض. جيل اليوم لا يعرف أن يمسك التراب، لا يعرف كيف يحاكي الشجرة، يجب أن نعوّدهم من جديد كيف يحاكوا الشجرة ويسمعوا صوت العصفور ويحفظوا أغاني "لبنان يا أخضر حلو" ويعيدوه أخضر.  

غسان الشامي: أنا أشكركِ سيّدتي، هل سنترك للأجيال القادمة متكأ للمعرفة وما يفخرون به؟ هل من صلات ثقافية روحية؟ هذا هو التحدّي كما تحدّثنا قبل أن نتحوّل إلى شعوب فاقدة للذاكرة وتتسوّل ماضياً يضيع ومستقبلاً غائماً في شوارع الكون. نشكر الدكتورة زهيدة درويش على إضاءاتها وحضورها في أجراس المشرق، وأشكر زملائي في البرنامج وقناة الميادين الذين يتنكّبون معي قرع هذه الأجراس وأشكر طيب متابعتكم، سلام عليكم وسلام لكم، شكراً سيّدتي.

زهيدة درويش: شكراً لك.