أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

لبنان بين الحربين العالميتين

لبنان بين الحربين العالميتين: الدستور والميثاق الوطني ودور الانتداب الفرنسي... السياسة والثقافة والاقتصاد والمؤسسات الدينية... وأثر تلك الفترة على تاريخ لبنان.

 

غسان الشامي: مساء الخير، ما إن وضعت الحرب العالمية أوزارها حتى كان مشرق جديد ومن نوع آخر يظهر إلى خارطة العالم بعد أربعمئة سنة من ثبات جغرافي تحت قلبق الاحتلال العثماني. مشرق يتناهبه الغرب ويقسّمه كقطع الجبن حيث تنكّب سايكس وبيكو وبلفور هذه المهمة، البعض كان يريد مقسّماً على أساس عرقي ومذهبي وآخرون سعوا إلى تقسيمه سياسياً وبحسب ثرواته. في المحصلة ظهر لبنان الكبير بعيد انتهاء الحرب الأولى بقليل وبات تحت انتداب فرنسا وبقي كذلك حتى خواتيم الحرب العالمية الثانية، أي أنه ما بين الحربين تشكّل لبنان الحديث بسياساته وعلاقاته وبناه الطائفية وتركيبته الثقافية وعلاقات مكوّناته في ما بينها ما ترك الأمور تتراكم حتى انفجار الحرب الأهلية. في فترة ما بين الحربين سنحاور الدكتور منذر جابر علّنا نوفَّق في الإضاءة على هذه الفترة المفصلية من تاريخ لبنان، قبل الحوار نعرّفكم بالدكتور جابر.

تقرير:

وُلِد الدكتور منذر جابر في بنت جبيل عام 1948 وحاز شهادة الكفاءة في التاريخ من كلية التربية والإجازة في التاريخ من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية عام 1972، وشهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة باريس الرابعة السوربون.

عمل أستاذاً في التعليم الثانوي بين عامي 1973 و 1978 وأستاذاً مساعداً في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية منذ عام 1978، وأستاذاً في الجامعة منذ عام 2010 وعضواً في مجلسها بين عامي 2002-2004، وعضواً في الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين وأمين الصندوق فيها عام 2005، كما عمل كباحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية بين عامي 1994- 1999، وهو عضو في لجنة كتابة التاريخ العسكري للجيش اللبناني منذ العام 2004.

له خمسة أبحاث منشورة وهي: "الشريط اللبناني المحتل"، "مسالك الاحتلال"، "مسارات المواجهة"، "مصائر الأهالي"، و"سجّل أنا رشيد طليع"، و"مذكرات أحمد رضا"، و"بلا منازع أو النساء اللبنانيات والنزاعات المسلحة"، و"أسفل البطاقات"، وكذلك كتاب بعنوان "ما هي قواعد ألعاب الإدارة اللبنانية.. قراءات لبطاقات العمل والمستندات الشخصية لشفيق حلبي"، و"الانتداب الفرنسي والإنكليزي من منظور مقارن"، وهذا المؤلَّف الأخير هو باللغة الفرنسية.

شارك في العديد من المؤتمرات في بيروت والرباط والكويت وباريس وقدّم أبحاثاً تناولت المواضع الآتية: الهجرة والهوية، الذاكرة والحرب، الذاكرة المحكية، ولبنان خلال فترة الانتداب.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور منذر جابر ضيفاً عزيزاً سيّدي.

منذر جابر: شكراً.  

غسان الشامي: لنبدأ بوضع لبنان بين 1914 و1920، أي في خضمّ هذه الحرب ولحظة إعلان دولة لبنان الكبير كيف كان الوضع في لبنان؟

منذر جابر: شكراً أستاذنا، مع انطلاقة الحرب دخل لبنان فجأة عصراً جديداً، دخلت المناطق اللبنانية عصراً جديداً، عام 1915 ألغيت متصرّفية جبل لبنان وأصبحت المناطق التي شكلت لبنان لاحقاً سواسية في الاعتبار السياسي العثماني. جمال باشا مارس الحكم المباشر فبالتالي أصبحت متصرفية جبل لبنان كولاية بيروت، كولاية دمشق في الاعتبار السياسي العثماني. هذا الاعتبار السياسي كان يقابله اعتبار سياسي آخر، تقسيمات بلاد الشام والعراق مناطق نفوذ بموجب اتفاقية سايكس بيكو، الحرب ألغت اتفاقية سايكس بيكو، يجب أن نتحدّث الآن مع انتهاء الحرب عن سان ريمو الذي عدّل في سايكس بيكو.

غسان الشامي: 1920؟

منذر جابر: نعم، لأن الاعتبارات بين نهاية الحرب ال 18 وال 20 كانت كلها مقدّمات وأحداث تاريخية لتقدّم وجبة لبنان الكبير. طبعاً دخول الملك فيصل إلى دمشق ودخول القوات العربية إلى الساحل اللبناني في تشرين الأول عام 1918 بعث حالة من الفوران القومي وطموحات الاستقلال ومشاعر وطنية وقومية جديدة لكنها كانت غير مبنية على قاعدة صلبة من الواقع السياسي، وكانت مرحلة فوران سياسي وفي الوقت نفسه مرحلة ضياع سياسي، ضياع سياسي ليس في المناطق اللبنانية بل حتى في الحكومة العربية بدمشق.

غسان الشامي: إذاً نحن هنا أيام الحكومة العربية في دمشق عام 1918، في هذا الوقت من كان يُدير لبنان سياسياً؟ ما الفكر الذي بدأ يعتمل في الداخل اللبناني؟ 

منذر جابر: مع دخول القوات العربية إلى بعبدا وإلى بيروت وإلى طرابلس وصيدا تشكلت حكومات محلية، في بيروت شكري الأيوبي، في جبل لبنان حبيب فيّاض ثم عادل أرسلان في بعبدا، في صور الحاج اسماعيل الخليل، في صيدا رياض الصلح. هذه الحكومات المحلية لم تلق قبولاً من الجنرال اللنبي فألغاها بعد أسبوعين أو ثلاثة من تشكّلها وأصبحت المنطقة منطقة بلاد العدو المحتلة، وأصبحت بالنهاية تحت حكم مباشر فرنسي بريطاني بانتظار العام 1919 مع وصول القوات الفرنسية وحلولها محل القوات البريطانية في سوريا، أصبحت في تلك اللحظة منطقة احتلال فرنسي، هناك اعتراف بريطاني بالكامل بأحقية فرنسا وطبعاً حصلت مساومات.

غسان الشامي: يعني هنا بدأ تطبيق سايكس بيكو.

منذر جابر: نعم تطبيق مناطق النفوذ سايكس بيكو مع ترسيمات جديدة وتعديلات وفق منطق الكيانات التي ستنشأ بموجب سان ريمو. لم تكن مرحلة ضياع في المناطق اللبنانية بل كانت حتى كانت مرحلة ضياع وقلاقل في الشام نفسها، ويجب أن يعترف تاريخياً أن حركة فيصل واجهت خلافات عصبية بين سكان الشوام السوريين الأصليين وبين الجيوش بين مزدوجين البدوية كما وُصفت بالقيادات الشامية، وهناك قرابة 300 شخصية سورية تحتج على وجود فيصل. هذا أول انقسام عصبي، الانقسام العصبي الثاني للأسف لأننا نتحدث عن المنطق اللبناني طال اللبنانيين أنفسهم، تشكلت حكومة فيصل من نُظّار 1918 و1919 و1920، من نُظّار ثم مديرين ثم وزراء. في آخر تشكيلة حكومية عام 1920 التي كان فيها ثلاثة وزراء من أصل ستة من جبل لبنان سعيد شقير، رشيد طليع واسكندر عمون، في آخر تعديل وزاري طُردوا من الوزارة، تخلصوا منهم وكانت هناك تظاهرات في الشام ضد وجودهم في الشام، هذا الانقسام العصبي لا تتحمل مسؤوليته أطراف محلية لبنانية بل تتحمل هذه المسؤولية الخلافات العصبية على مستوى بلاد الشام كلها.

غسان الشامي: وتجاذبات هذه المجموعات وعلاقاتها مع الدول الغربية.

منذر جابر: تماماً وارتباطاتها مع دول الحلفاء الذين انتصروا، ليس فقط الحق على الاستعمار في التجزئة، بذور التجزئة العصبية، بذور التجزئة الطائفية موجودة والاستعمار لعب عليها. 

غسان الشامي: كما الآن.

منذر جابر: كما الآن تماماً، هنا ندخل في لبنان الكبير الذي تأسس بموجب القرار 318، 319، 321،320 في 31 آب وأُعلن في 1 أيلول لم يكن حالة خاصة حتى بعض المناطق في بلاد الشام كانت تتطلّع إلى الاستقلال ولا تتطلّع إلى حكم مركزي. 

غسان الشامي: دعني أسألك لو سمحت نحن الآن في واقع لبناني أمام انتداب فرنسي أمسك بمفاصل السياسية في البلد، ما هي نتائجه المباشرة دكتور جابر؟ بماذا طبع هاذا الانتداب الواقع اللبناني اعتباراً من 1920؟ 

منذر جابر: الكلمة التي تُقال أنه بين عامي 1918-1920 هي مرحلة تأسيسية عند بعض طوائف ومرحلة مؤسَّسة عند طوائف أخرى.

غسان الشامي: كيف؟

منذر جابر: فكرة لبنان الكبير هي فكرة كانت بالإيديولوجية المارونية منذ عام 1860 وحتى حدود لبنان الكبير تتطابق مع الخارطة التي رُسمت للبنان عام 1860. الطائفة المارونية بنظرتها للمستقبل السياسي هي أكثر طوائف لبنان وضوحاً في رؤيتها، الطوائف الأخرى شيعة ودروز وسنّة كانوا في حال ضياع بالفعل، بدأوا يفكّرون تارة في لبنان وتارة خارج لبنان حتى الدوائر الفرنسية كانت على خلاف في نظرتها إلى لبنان، بعضهم مع لبنان الصغير وبعضهم مع لبنان الكبير حتى بعض الأطراف المسيحيين الموجودين في فرنسا كانوا مع وحدة سوريا شرط أن تكون ضمن الانتداب الفرنسي، حتى القيادات الفرنسية نفسها ودو جوفنيل تحدّث عن سوريا عام 1926 في اللحظة التي كان يجري فيها تحضير دستور للبنان وقد أثارت لغطاً كبيراً. 

غسان الشامي: هذا الأمر هو ما يلفت النظر. عام 1926 وُلِد الدستور اللبناني وأُعلنت الجمهورية، مَن وافق على هذا الدستور ومَن رفضه ولماذا؟ 

منذر جابر: الدستور اللبناني هو الخطوة التأسيسية الثانية للبنان الكبير ولم يكن عملية حقوقية بل عملية سياسية بالكامل، صحيح أنه يستجيب لمطلب صك الانتداب بإقرار الدستور خلال ثلاث سنوات من بداية تطبيق الانتداب الذي بدأ تطبيقه في 29 أيلول عام 1923 فإذاً يجب أن يكون الدستور قد أقيم بعد ثلاث سنوات ولكن هناك مسائل أخرى حتّمت إقامة الدستور والتعجيل به، الثورة السورية الكبرى عام 1925-1926 عجّلت بإقامة الدستور اللبناني. الدستور اللبناني في جانب من جوانبه كان عملية رشوة لبعض الطوائف، المادة التاسعة والعاشرة تتحدث عن حرية الاعتقاد وحرية التشكيل السياسي وتتحدث عن حرية الطوائف بإنشاء مؤسساتها التربوية في المادة العاشرة. تصوّر أنك تتحدث عن طوائف لم تكن معتبرة مللاً مثل الشيعة في الدولة العثمانية الذين لم يكن لهم أي حق سياسي في التعبير عن الرأي والمذهب فتأتي وتعطيهم هذا العرض الكبير جداً وهذا أمر نسعى له لاستقباله، ومن ثم جاء الاعتراف بالمذهب الشيعي كرشوة ثانية نتيجة الموقف الشيعي من ثورة 1926، موقف مجانب وقد وصل الأمر ببعض المواقع إلى حمل السلاح ضد القوات الدرزية التي دخلت منطقة مرجعيون وكوكبا واحتلت مرجعيون وقامت بأعمال دموية، حتى القيادة الشيعية في الخيام رفضت أن تتولّى أي عمل أمني في المنطقة. بهذا المعنى الدستور وجدت الطوائف فيه أمراً جديداً لمستقبلها، صحيح أنه لا يرضينا الآن طائفياً مثلاً المادة 95 ولكنني أتحدّث عن دستور 1926 الذي لم يعترف بالطوائف ويمحوها، وأكثر من ذلك هناك أطراف مسيحية في دستور 1926 كانت ضد المادة 95 التي تتحدّث عن طائفية مؤقتة وكانت تريد إزالة هذه المادة. صبحي حيدر كان من كبار مناصري هذه المادة وقد أصرّ عليها، في توازن تلك المرحلة نفهم أنه عندما تُوزّع الوظائف طائفياً فحصتك محفوظة. 

غسان الشامي: عام 1932 نحن أمام أول إحصاء رسمي، التكوّن الديمغرافي للبنان الكبير هو 1932، ما هي المكوّنات التي شكلت بنيان هذا البلد الذي ما زال مستمراً ولا يوجد أيّ إحصاء إضافي. 

منذر جابر: كي نفهم إحصاء 1932 يجب أن نفهم ما حصل عام 1921، المقاطعة التي حصلت عام 1921 أعطت لبنان شكلاً مشوّهاً للديمغرافيا. إحصاء عام 1932 كان استجابة لمطالب إسلامية لإعادة تركيب لبنان، إحصاء عام 1932 أعطى أرقاماً متقاربة والفرق كان تسعة آلاف بين 392 ألف مسيحي و383 ألف مسلم وخمسة آلاف يهودي وألفين أقليات. هذا الإحصاء بمعنى من المعاني وإن كان قُبل على مضض ولكنه ضمناً كان يشكّل حالة من الفرح لدى الطرفين وحالة استقرار، المسيحيون وجدوا فيه نظرياً غلبة والمسلمون وجدوا فيه نظرية معادلة. المسيحيون ظلّوا يراهنون على مسألة ظهرت عام 1943 في المرسوم 49 و50 الذي أدخل 125 ألف مغترب ضمن أعداد اللبنانيين، كانوا يراهنون على أن نسبة الاغتراب الكبيرة يمكن تجييرها إلى العدد والمسلمون راهنوا على أن الزيادة العددية عند الإسلام والتكاثر السكاني سوف يحدّد لاحقاً هذا التعادل خللاً لصالح الإسلام وهذا ما لم يحصل إطلاقاً لأنه منذ تلك المرحلة حتى الآن لم يجر أي إحصاء رسمي. كانت هنالك إحصاءات آخرها البطاقة التموينية وإحصاء عدد أصوات الناخبين وتوزيعها ولكنها ليست إحصاءات ثابتة بالمعنى الرسمي.

غسان الشامي: يرى البعض كما أشرت قبل قليل أن إنشاء الدولة اللبنانية بهذا الشكل ساهم في تسعير الخلاف بين المسلمين والمسيحيين وأرسى النظام الطائفي، أنت ماذا تقول؟  

منذر جابر: دعنا نقول أمراً بحذر أن الحديث عن فهم الطوائف لصيرورة لبنان، كيف سيصبح لاحقاً فيه نوع من المبالغة، كان هناك ضياع لدى الطوائف، ضياع بالشكل السياسي للنظام. هل يصدق أحد مثلاً أنه في الوقت الذي كان فيه حديث عن الجمهورية كان من الممكن أن يكون نظام لبنان قاب قوسين أو أدنى من أن يكون نظاماً ملكياً، جورج لطف الله لو لم يُبطل حصوله على الجنسية اللبنانية واكتشفوا فيها ثغرة كان سيكون رئيساً للجمهورية ولو وافق الشيخ محمّد الجسر كما يقول اسكندر رياشي على الثلاثين ألف جنيه مصري التي أعطاني إياها جورج لطف الله لشراء الشيخ محمّد الجسر والقبول له رئيساً للجمهورية لكان جورج لطف الله رئيساً للجمهورية بموجب تقييم اسكندر رياشي. الحديث عن أن الطوائف تعرف ماذا تريد في النظام السياسي وفي الدستور فيه تجاوز لأن العمل كان دائماً يتم على القطعة.

غسان الشامي: لدي دقيقة في هذا المحور، ما هو دور المرجعيات الدينية في هذه التركيبة السياسية؟

منذر جابر: عند الحديث عن المرجعية الدينية فهي مرجعية دينية واحدة هي البطريركية المارونية، والبطريرك الماروني كان يمارس دورين دور ديني ودور سياسي بالكامل وكان لا يمارس الدور السياسي على القادة اللبنانيين فقط بل كان له ارتباط بدوائر داخل فرنسا، لهذا السبب كان البطريرك حالة خاصة في السياسة تتعدى الدور الديني أما بقية الأطراف الدينية فالمفتي كان يلعب دوراً سياسياً محدوداً جداً، وحصل مسألة في الإفتاء عندما انتقل اللقب من مفتي بيروت إلى مفتي الجمهورية اللبنانية تحت غطاء فرنسي أعتبرها أنا نوعاً من التخفيف من دور المفتي في العمل السياسي. القيادات الدينية الشيعية لعبت دوراً استثنائياً في تلك المرحلة، استثنائي بمعنى التوحيدي، السيّد محسن الأمين كان يمد يداً باتجاه الشرق سوريا وأقام علاقات ممتازة جداً مع المجتمع السوري وأصبح شخصية سورية بالكامل.

غسان الشامي: له حيّ كامل في دمشق. 

منذر جابر: نعم والسيّد عبد الحسين شرف الدين كذلك مدّ ذراعاً صوب الغرب وهي مصر ومدّ خطوطاً دينية، يدمّث العلاقة السنّية الشيعية مع الأزهر. الشيخ عبد الحسين صادق بدأ يخطب في المناسبات الدينية في جوامع بيروت وجوامع صيدا بمعنى أن هذا الدور لم يصل على امتداد الجمهورية ولكنه كان دوراً مدمّثاً للعلاقات السنّية الشيعية في الوقت الذي دخل فيه الشيعة في العمل السياسي وفي الجمهورية.

غسان الشامي: إسمح لنا بفاصل، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور منذر جابر، موضوعنا لبنان ما بين الحربين العالميتين، انتظرونا.

المحور الثاني:   

غسان الشامي: تحية لكم، تقرير عن أهم مفاصل ما حصل في لبنان خلال الحربين العالميتين ثم نعود بعدها لمتابعة الحوار مع الدكتور منذر جابر.

تقرير

بدأت الحرب العالمية الأولى عام 1914 وفي عام 1916 أقرّ اتفاق سايكس بيكو تقسيم المشرق بحيث يكون لبنان من حصة فرنسا، ومع نهاية الحرب عام 1918 أعلنت عصبة الأمم فرض الوصاية على البلاد التي انتُزعت من الدولة العثمانية.

عُقد مؤتمر فرساي عام 1919 حيث طالب البطريرك الحويّك باستقلال لبنان والأمير فيصل بتأسيس المملكة العربية بما فيها لبنان. وفي أيلول عام 1920 أعلن الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير وعاصمتها بيروت على أساس ضمّ صيدا وصور ومرجعيون وطرابلس وعكار والبقاع بأقضيته الأربعة بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا إلى ولاية بيروت وتوابعها، فاتسعت مساحة لبنان من ثلاثة آلاف وخمسمئة كيلومتر مربع إلى عشرة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً.

أقرّ مجلس الممثلين الدستور عام 1926 وأعلن قيام الجمهورية اللبنانية وانتخب شارل دباس أول رئيس للبنان الذي بات خاضعاً للانتداب الفرنسي والمندوبين الساميين في ظل معارضة إسلامية. 

نشبت الحرب العالمية الثانية عام 1939 حيث أحكمت فرنسا قبضتها وسيطرتها وتسلطها فيما كانت قد تبلورت بين عامي 1930- 1943 صيغة تحوّلت إلى ميثاق وطني لبناني يقوم على تنازل المسيحيين عن حماية فرنسا والمسلمين عن الانضمام إلى الداخل السوري العربي. وفي الحادي والعشرين من أيلول من عام 1943 أصبح بشارة الخوري رئيساً ورياض الصلح رئيساً للحكومة وأُعلن استقلال لبنان في الثاني والعشرين من تشرين الثاني.

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، دكتور جابر في ثلاثينات القرن الماضي بوجود الانتداب بانت إشكالية ما زالت مستمرة بطريقة أو بأخرى حتى الآن هي إشكالية الهوية، هل من تحديد للهويات التي كان يتم تداولها في لبنان في تلك الفترة؟  

منذر جابر: غبّ الحديث عن المواطنية والهوية في لبنان فوراً يجب أن نستحضر تقييماً صحيحاً جداً لهنري فرعون الذي قال أن اللبنانيين هم لبنانيون إما بالهوية وإما بالمصلحة فعلينا أن نجمع لبنانيي المصلحة ونقرّبهم أكثر كي يصيروا لبنانيين بالهوية. التاريخ اللبناني "لبّيس تهم"، الحديث عن هوية لبنانية ليس خاصية لبنانية، الهوية المبكرة بدأت في المؤتمر السوري عام 1919 - 1920 عندما بويع فيصل في المملكة في 8 آذار. العراقيون في الغرفة الأخرى في المؤتمر السوري كانوا يبايعون أخاه عبد الله ملكاً على العراق، هاتان وطنيتان ظهرتا في نفس اللحظة. 

غسان الشامي: نعم دكتور ولكن هناك حديث عن فينقة، عن سَرينة، عن عروبة، عن لبنانوية، وتشكلت أحزاب بناء على هذه المعطيات.

منذر جابر: سنتابع الفكرة، في الأردن أحمد مريود وسعيد العاص وعلي خلقي من كبار قواد الثورة السورية، ومع ذلك رشيد طليع زعيم حزب الاستقلال شكل أول وزارة من حزب الاستقلال في عمّان بالأردن عام 1921، وبعد شهر أخذوا أهل الأردن شرقي الأردن والأردن أولاً وتقريباً طُرد رشيد طليع من رئاسة الحكومة وأصبحت أردنية. في لبنان خاصية التاريخ اللبناني خاصة العنصر الثقافي، الكتب التي كتبها هنري لمنس "سوريا موجز تاريخ" أوجد سنداً إيديولوجياً جغرافياً ليس للبنان فقط بل لإيديولوجية سورية كاملة. 

غسان الشامي: نعم هو وصل في قراءاته إلى شمال سوريا وجنوبها. 

منذر جابر: نعم وحاصرهم في منطقة حغرافية سمّاها حدوداً طبيعية بالكامل وهذه شكلت الأرضية الفكرية لفكر أنطون سعاده، وأعطى لبنان صيغة الملجأ ضمن هذه الوحدة السورية. صحيح في مصر كانت هناك أندية تطالب بلبنان الصغير وكذلك في نيويورك وهناك أندية تطالب بلبنان الكبير وهناك أندية تطالب بسوريا الكبرى تحت الانتداب، هذه صحيحة لكنها لا تشكل تهماً للاجتماع اللبناني لأنه لم يكن هنالك اجتماع واحد في كل بلاد الشام. لا ننسى أن الدولة العلوية ظلت في سوريا حتى العام 1939 والدولة الدرزية ظلت حتى العام 1928 ولم تنضم بالكامل إلى سوريا، وفي أواخر الثلاثينات بعد معاهدة 1936 التي وقعتها سوريا تم إدخال هاتين الجماعتين في الوحدة السورية بعد تحديد عدّة مسائل من ناحية عدد الموظفين والكتبة والواقع السياسي وإلى آخره.

غسان الشامي: ولكن دكتور هذا ليس لعبة هويّاتيّة بل هو أمر فرضه الانتداب، دائماً يقولون إن فرنسا تحديداً كانت تريد دويلات هوياتية مذهبية.  

منذر جابر: يقولون. 

غسان الشامي: لكن هذا واقع، هم فرضوا دولة العلويين ودولة الدروز.

منذر جابر: لا تنسى أن العلويين كانوا يطالبون خلال العشرينات والثلاثينات بالانضمام إلى لبنان الكبير، وكانت الخلافات بين القيادات العلوية وبين آل هارون وبين آل عباس وبين من يريد الانفصال عن سوريا ومن يريد الدخول في سوريا كانت كبيرة، والخلافات بين سليم الأطرش وسلطان باشا الأطرش في السويداء كانت أيضاً كبيرة. لبنان هو المنطقة الوحيدة التي أدلجت هذه الفروقات في الانتماء، الخلاف بين دمشق وحلب هو خلاف تاريخي يشيه الخلاف بين زغرتا وبشرّي ولكن لم يقم أحد بأدلجة هذا الخلاف. في لبنان كون هناك إرساليات وحركة ثقافية ناشطة ومفكرين اطّلعوا على الفكر الغربي بدءاً من القرن التاسع عشر أصبح لكل شيء قاعدة فكرية، تظهير هذه القاعدة الفكرية في لبنان بينما لم تُظهّر في شرق الأردن ولم تُظهّر في فلسطين نيتجة الوضع الخاص في فلسطين ولم تُظهّر في سوريا، بقيت كامنة لكن هذا لا يعني أن لبنان ممزّق وبقية الدول موحّدة.

غسان الشامي: أنا أتحدّث عن أننا لم نستطع حتى اللحظة تكوين هوية متفق عليها جماعياً. 

منذر جابر: دعني أحمّل ذمّتي بمسألة أنه لم تستطع الكيانات المحيطة بلبنان من تكوين هوية واحدة لمجتمعاتها.

غسان الشامي: أنا لا أناقش الكيانات الأخرى، أنا متأكّد أنه حتى الآن لو كانت هناك هوية واحدة لما حصل الآن ما يحصل.

منذر جابر: تماماً ولكن الطوائف في لبنان لديها القدرة على التعبير عن تطلّعاتها بقليل من الحرية بينما الطوائف والفئات الاجتماعية في دول أخرى المحيطة ممنوعة من التعبير.

غسان الشامي: في العام 1943 صدر الميثاق الوطني، ما هي أهم بنوده وماذا شكّل في تاريخ لبنان؟

منذر جابر: الميثاق الوطني أريد التحدث عنه بكلمة لا أوافق عليها ولكن أريد أن أستعملها وهي "العبقرية اللبنانية"، الميثاق الوطني هو البيان الحكومي أي بيان حكومة رياض الصلح لعام 1943 الذي تقدم به المجلس النيابي ويرتكز على ثلاث نقاط: الصيغة التي تتحدث عن طائفية الرؤساء دون ميثاق شرف والميثاق الوطني الذي يرتكز على مسألتين:مسألة تخص المسيحيين ومسألة تخص المسلمين، المسيحيون يتخلون عن الحماية الأوروبية مقابل أن يكون لبنان بلداً منفتحاً، والفئات الإسلامية تتخلّى عن الوحدة العربية مقابل أن يكون لبنان ذا وجه عربي، وهذه مسألة لم تولد عام 1943، لنتذكر أن أول حزب رسمي في لبنان حصل على إجازة من الحكومة اللبنانية بتأسيس حزب هو حزب الاستقلال الجمهوري الذي كان رئيسه عزيز الهاشم وحينما ترى أسماء قيادات الحزب تستغرب أن محمّد علي حمادة هو من مؤسّسي هذا الحزب وموريس الجميّل كذلك ودعيبس المر بالإضافة إلى عادل الصلح. ماذا كانت مبادئ هذا الحزب بالحرف، لبنان بلد عربي ديمقراطي، صحيح أن الميثاق ينص على تخلي المسيحيين والقبول بلبنان ذي وجه عربي ولكن حزب الاستقلال الجمهوري الذي كان أكبر حزب في تلك المرحلة ويضم أكبر شخصيات البلد بدأ يتجه أمام واقع الأمور، واقع الجغرافيا والتاريخ لأن يكون لبنان بلداً عربياً بالكامل، بلد عربي ديمقراطي، أضاف هذه الجملة. الميثاق الوطني لو سارت فيه الشخصيات اللبنانية المسؤولة بمسيرة طبيعية إيجابية لكانت فعلاً خلقت هوية لبنانية متماسكة يتفق عليها كل اللبنانيين.

غسان الشامي: تقول إحدى الدراسات أن عدد سكان لبنان كان مليوناً ومئة ألف نسمة في العشرينات ولكن لفت نظري أنه خلال الحرب العالمية الثانية أن خمسين ألفاً منهم عملوا مع جيوش الحلفاء، الحرب العالمية الثانية وماذا فعلت في لبنان؟   

منذر جابر: العمل العسكري مع الحلفاء للّبنانيين كان في الحرب الأولى، كان اللبنانيون الموجودون في فرنسا يجنّدون لبنانيين في فيلق الشرق وجاؤوا إلى القاهرة ثم إلى لبنان وكان الجزء الأكبر من هذا الجيش أرمنياً وقام بأمور غير مرغوبة عليها مآخذ بالاجتماع، بالطبع كان الأرمن ينتقمون لتاريخهم السابق مع العثمانيين. في الحرب العالمية الثانية كان هناك موقف جدّي للجيش اللبناني باللائحة التي وقعها 15 ضابطاً الذين رفضوا أي قتال خارج الحدود اللبنانية لأن قوات الانتداب بعد أن هاجمت قوات فرنسا الحرة دانتيز في قصر الصنوبر واحتلت بيروت واعتقلت الجنرال دانتيز حاولوا إدخال الجيش اللبناني في معارك الحرب العالمية الثانية، اجتمعوا في قرنايل ورفعوا العلم ووقّعوا عريضة موجودة في المتحف الوطني، متحف وزارة الدفاع أنهم يقاتلون في لبنان ولن يقاتلوا خارج لبنان ولن يكونوا إلا تحت قيادة لبنانية واحدة، وبرز من أسمائهم حينها فؤاد شهاب والزعيم نوفل والزعيم جميل لحود. الحديث عن قتال خلال الحرب العالمية الثانية خارج لبنان صعب.

غسان الشامي: أنا ما قلته هو دراسة وهذا ما نشّط كما يقول صاحب الدراسة العمل الاقتصادي، كانت هناك أموال تُدفع وبالليرة الذهبية.   

منذر جابر: أشكّ في الأمر، أولاً العدد لم يكن مليوناً، بموجب إحصاء عام 1932 كان عدد السكان 779 ألفاً.

غسان الشامي: في الحرب العالمية الثانية ألم يصل العدد إلى مليون ومئة ألف؟

منذر جابر: نعم في الحرب العالمية وليس في العشرينات والثلاثينات. تنشيط الحياة الاقتصادية بالطبع ولكن عدد خمسين ألفاً أشك فيه.  

غسان الشامي: خلال الانتداب من اللافت أنه بقيت الجمارك، النقد، التبغ والتنباك، السكك الحديدية مشتركة مع سوريا وبيد فرنسية، كيف تصف ذلك؟  

منذر جابر: أنت تؤسّس دولاً، مهما قيل عن سياسة فرنسا والاستعمار والاحتلال إلى آخره ولكن الاجتماع اللبناني والسوري نفسه كان غريباً بالكامل عن المؤسّسات أن الإدارة العثمانية كانت إدارة ولاة وإدارة جباية والتزام ليس أكثر هذا أولاً. ثانياً في السياسة فإن مَن طلب فصل المصالح المشتركة هي الحكومة السورية وليست الحكومة اللبنانية، وأكثر من ذلك فالجيشان السوري واللبناني بقيا جيشاً واحداً حتى عام 1936 - 1937 عندما وجهوا ندءاً أنه من يريد الذهاب إلى الجيش اللبناني فليذهب ومن يريد البقاء في الجيش السوري فليبقى. 

غسان الشامي: الرئيس فؤاد شهاب تدرّب في حمص. 

منذر جابر: المدرسة الحربية أًنشئت في حمص عام 1922، كل الدفعات اللبنانية بين عامي 1922 و1932، انتقلت المدرسة الحربية إلى الكورة أولاً ثم إلى بعبدا ثانياً. أتحدّث هنا عن الجيش اللبناني الضباط وبقيت عناصر كثيرة من الجيش اللبناني حتى في الأربعينات عادوا والتحقوا. الزعيم شوكت شقير وهو زعيم في الجيش اللبناني بعد 1948 التحق بالجيش السوري وأصبح رئيس أركان، العقيد محمّد صفا وضابطان من آل غازي أحدهما بقي في الجيش اللبناني والآخر انضم  إلى الجيش السوري. إذاً ليست المصالح بقيت مشتركة فقط بل حتى القيادة العسكرية بين البلدين ظلت حتى أواسط الثلاثينات.

غسان الشامي: دكتور لنأخذ الحال الاجتماعية خلال فترة ما بين الحربين وتبدياتها في البنية الذهنية يعني مثلاً الشعب الوحيد الذي سمّى أسماء المندوبين الساميين، ديغول رفض دفن ويغان في مقبرة العظماء وله شارع عندنا، شارع ديغول، شارع غورو، تجد أن هؤلاء موجودون ودخلوا في الذاكرة الشعبية، كليمنصو ومعركة فردان كيف تفسّر ذلك؟

منذر جابر: في القرن التاسع عشر تشكّلت إيديولوجية كاملة عند طلاب الإرساليات الذين كان يتعلّمون تاريخ فرنسا قبل تاريخ لبنان وقد لا يتعلّمونه أبداً، أصبح الأبطال لدينا فرنسيين وأصبحت المسرحية فرنسية والأدب والشعر فرنسياً وأصبحت مقاييس الحضارة فرنسية، مقاييس الاختراعات، مقاييس القوة، مقاييس الرجال. مع بداية الانتداب عام 1919 كانت هناك 668 مدرسة إرسالية كاثوليكية مقابل مئة مدرسة إنكليزية مقابل 88 مدرسة أميركية، أي أن 70% من التعليم كان كاثوليكياً فرنسياً وكان عدد الطلاب مئة ألف طالب في المدارس الكاثوليكية، مئة ألف طالب يدرسون تاريخ فرنسا مقابل 20 ألف طالب في المدارس الرسمية وهذا عام 1943. التلميذ في المدارس الرسمية إطلاقاً ليس له مستوى تلاميذ المدارس الخاصة لا من حيث اللغة، لا من حيث الثقافة، لا من حيث مراحل الدراسة التي سيصل إليها ولا من حيث التعليم الجامعي. الجامعة اليسوعية كان فيها 500 طالب والجامعة الأميركية 800 طالب وقد لا يكون فيها طالب مسلم أو أعداد قليلة جداً.  

غسان الشامي: هل من تبديات لأفكار النهضة العربية خلال فترة الانتداب الفرنسي وبين الحربين أم أنه حصلت قطيعة؟

منذر جابر: قطعاً لا، الحضارة العربية كانت في ثنايا كل عمل سياسي في البلد، ميشال زكّور مثلاً صاحب جريدة المعرض منذ عام 1921 كان يطالب بأن كل ما يُقدَّم لأبناء الجبل يجب أن يُقدَّم الملحقات، أن يكون بشارة الخوري من كبار صحفيي المنطقة ومن كبار شعراء العرب، أن يكون رئيس الجمهورية بشارة الخوري أهم خطيب في اللغة العربية، أن يكون الشيخ ابراهيم المنذر أهم خطباء المجلس النيابي وهو ضليع جداً باللغة العربية، أن يكون عبد الله لحّود، يوسف الخازن وفريد الخازن، جميعهم تربّوا على الثقافة العربية بالكامل وخطاباتهم باللغة العربية، صحيح أنهم في الدستور كانوا فرنسيين ولكن الثقافة العربية اتخذت محلها بالكامل. ثانياً ما دمنا في الثقافة فلبنان كان منتدى الثقافة العربية، كازينو عرابي في زحلة كان يجمع كل الشعراء العراقيين محمّد مهدي الجواهري والكاظمي والزهاوي طبعاً لأحمد شوقي وعبد الوهاب. جزين كانت مصيف الفلسطينيين والمصريين وحتى الآن أوتيل الأهرام لا يزال في ساحة جزين، إذا تحدّثنا عن تقرّب المسيحيين من الثقافة الغربية فلا يعني أن الثقافة العربية في البلد اندملت.

غسان الشامي: وفي تلك الفترة أظهر لبنان الشعر الرومنطيقي عبر سعيد عقل، لا أريد أن أمرّ على تلك الفترة ثقافياً بل يجب أن نخصّص لها حيّزاً كبيراً ولكن أريد أن أسألك في تلك الفترة كيف كانت تُقسم البيئة الاجتماعية؟ كان الريف لا يزال ريفاً والمدينة كانت مدينة صغيرة، ما هو توصيف لبنان اجتماعياً واقتصادياً في تلك الفترة؟ 

منذر جابر: في هذه المسألة تحديداً نتحدّث بالفعل عن مجتمعين متناقضين جداً، مجتمع فلاحي في كل مناطق الملحقات وبعض مناطق كسروان ومجتمع طبقة أرستقراطية كبيرة تشمل أورثوذكس بيروت وحتى الموارنة الذي نزلوا إلى بيروت عام 1860 في مراحل الانتداب الأولى لم يستطيعوا تشكيل إنتلجنسيا ثقافية فعلية، كانت الأنتلجنسيا ما زالت بيد الأورثوذكس وجزء من الكاثوليك الذين كانوا أورثوذكساً وانفصلوا. نتحدّث فعلاً عن مجتمعين متناقضين بالكامل من حيث اللغة، من حيث العادات والتقاليد وحتى التسمية، من حيث البناء المنزلي، من حيث اقتناء السيارات، من حيث السفر، من حيث العلاقات مع أوروبا لدرحة أن امبراطور ألمانيا عندما زار بيروت عام 1898 نزل في بيوت آل سرسق التي كانت أفخم من دور الإمارة ومن دور الولايات كلها. 

غسان الشامي: وكيف كان الريف؟

منذر جابر: الريف كان يحاول إنتاج نفسه من جديد ويتحرك من جديد، بدأت الأسواق المحلية على الحدود بين لبنان وفلسطين وانتعشت كثيراً وبدأت تسمع بأسواق بنت جبيل، العديسة، تبنين، النبطية في الداخل، وبدأت تسمع بحركة تجارية بين البقاع والشام وأيضاً بدأت تسمع بتجار زحلة الكبار الذين تاجروا بالأغنام والمواشي من الجزيرة ومن العراق، وأيضاً بدأت تسمع بتجارة الخيل الأصائل التي تطالب فيها السوق الأوروبية بالكامل. بدأت تسمع بأمور كثيرة في مجتمع ينشأ جديداً في الريف وعلينا ألا نتهم كثيراً الانتداب بالتقصير في بناء المؤسّسات. عام 1930 أصبح هناك 2000 كلم معبّدة في لبنان، تعبيد الطرقات هذا ساهم في التواصل الاجتماعي.

غسان الشامي: أنا أريد أن أشكرك سيّدي. إن الحمولة التاريخية لشعب ما تتبدّى في الأوقات الصعبة فإما أن تذهب به إلى الاحتراب أو إلى الانصهار أو إلى التوافق بناء على مصالحه التاريخية، ويبدو أن حمولاتنا التاريخية وتشعباتها وما يتداخل فيها ما تزال في أعلى نسب الاحتراب. شكراً للدكتور منذر جابر على حضوره في أجراس المشرق، على إضاءاته، شكراً لزملائي الأعزاء الذين يقرعون معي هذه الأجراس، شكراً لكم أنّى كنتم، سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.