أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الإطار السياسي لمحاولات تقسيم الكنيسة الأورثوذكسية

ماذا تريد أمريكا من الكنيسة الأرثوذكسية؟ هل باتت الكنيسة الروسية مجالاً للصراع بين أمريكا وروسيا، وما دور تركيا وكنيسة القسطنطينية في هذا الصراع، وكيف يمكن أن تصبح الكنيسة الأوكرانية كعب أخيل الكنائس الأرثوذكسية؟

 

غسان الشامي: مساء الخير، في مصطرعات الأمم تداخَل الديني بالسياسي وكأن العلاقة بينهما متعضّية، ومنذ أن نصّب قسطنطين الكبير نفسه حامياً للمسيحية في شرق الامبراطورية الرومانية لم يتوقف الحاكم عن التدخل في شؤون الكنيسة ولا أن يكون بطاركة كثيرون يزجّون أنفسهم في السياسة، أما أن يصبح تفتيت الكنائس الشرقية الأورثوذكسية وفكّ لحمتها التاريخية ولو كانت صوَرية منذ سقوط القسطنطينية فإن هذا أمر خطير وجلل. أميركا تضرب في عمق الكنيسة الأورثوذكسية الروسية عبر أوكرانيا وكأن هذه الكنيسة منظومة صواريخ إس 300 في ترسانة الحضور الروسي، ووسيلتها في ذلك كنيسة إسطنبول أو الكنيسة المسكونية التي ما زالت ترث حضوراً خلّبياً في الهواء الطلق. في الحلقة السابقة من أجراس المشرق تناولنا تاريخ الخلافات بين الكنيسة الروسية والأوكرانية والمسكونية، أما الآن فسنتناوله من الجانب السياسي مع سعادة السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبكين، قبل الحوار تقرير عن بطريركية موسكو وعموم روسيا.

تقرير

تُعدّ الكنيسة الأورثوذكسية الروسية أكبر كنيسة شرقية مستقلة، يصل عدد أتباعها إلى نحو 125 مليون شخص ومقرّ بطريركها في موسكو.

اعتنق أمير كييف فلاديمير الذي أُعطي مرتبة القداسة مع رعاياه المسيحية على المذهب الأورثوذكسي عام 988 للميلاد بعدما وصلت المسيحية إلى البلدان السلافية الشرقية بفضل جهود مبشرين يونانيين بُعثوا من الامبراطورية البيزنطية. وفي القرن الرابع عشر بات مقرّ رئيس أساقفة كييف وعموم روسيا في موسكو وتحديداً بعدما ترك المغول كييف أرضاً يباساً عام 1237، واحتفظت الإمارات الروسية الغربية بأبرشيات مستقلة لكنها خضعت لاحقاً لسلطة موسكو. 

ساهمت الكنيسة الروسية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر في إيقاظ الوعي القومي، واعتبر الروس الأورثوذكس موسكو روما الثالثة بعد القسطنطينية روما الثانية وبأنها آخر حصن للعقيدة الأورثوذكسية الحقة. وفي عام 1589 نال رئيس الكنيسة الروسية لقب بطريرك واضعاً نفسه بمرتبة بطاركة القسطنطينية والإسكندرية وأنطاكيا وأورشليم.

قام البطريرك نيكيتا مينون 1605 - 1681 بإصلاحات أدّت إلى انقسام في الكنيسة، وفي عام 1721 ألغى الامبراطور بطرس الأول البطريركية جاعلاً الكنيسة من مؤسّسات الدولة ويدير شؤونها مجلس للأساقفة.

يترأس البطريرك كيريل الأول الكنيسة الروسية الأورثوذكسية منذ عام 2009 وتتبع لها 150 أسقفية و142 ديراً وكنائس أورثوذكسية في اليابان وأوكرانيا والصين وكوريا وانفصلت عنها الأورثوذكسية في الولايات المتحدة الأميركية عام 1970.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك سعادة السفير ضيفاً عزيزاً، سيّدي لنبدأ ما العلاقة التي تربط الكنيسة الروسية بالدولة الروسية؟

ألكسندر زاسبكين: تاريخياً يعتبر نموذجياً هذا الانسجام بين الإثنتين وما كان مطروحاً في العهد المعاصر أن تستقل الكنيسة عن الدولة، وهذا كان في عهد السوفيات وحتى الآن هذا هو الواقع، إلا أنه بالنسبة للانسجام فنحن اقتربنا الآن كثيراً إلى هذه الصورة الجيدة للعلاقة العضوية ما بين الإثتنين وكل واحد يساعد الثاني لأن من أهداف الدولة هذا التلاحم للمجتمع، والكنيسة تلعب دوراً هاماً جداً في هذا المجال وفي هذه الأجواء المريحة تتصرّف لمصلحة الشعب ككل، الكنيسة تساعد الدولة والدولة تساعد الكنيسة والآن هذا هو الواقع.

غسان الشامي: أميركا تقول، أميركا ليست كأميركا ولكن هناك بعض المسؤولين الأميركيين أو التصريحات أو الجهات الاستخبارية الأميركية يقولون إن الدولة الروسية تمسك بالكنيسة الروسية لدرجة أن الكنيسة تنفّذ ما تقوله لها الدولة، أنتم ماذا تقولون سعادة السفير؟  

ألكسندر زاسبكين: نحن نشير الآن إلى الرأي الأميركي على أساس أنه ليست لدينا ثقة بكل الحديث المخابراتي أو حتى الدولة الأميركية، الواقع يبدو أنه عكس هذا الحديث خاصة في الأجواء الهستيرية الأميركية ضد روسيا وضد أي شيء روسي، لذلك كل ما يصدر من تصريحات أميركية فهو للإساءة. إذا كان على سبيل الافتراض هذا الموضوع للتحليل والدراسة أو لنشير إلى الوقائع فلا بدّ من الاعتراف بأن الكنيسة الآن تخدم مصلحة الشعب وكما قلت إن الشعب يؤيّد القيادة الروسية والقيادة الروسية هي قيادة الدولة، فعلى هذا الأساس هناك نوع من التلاحم الشامل الذي نحن نعتمد عليه الآن. أنا لا أظن أن تكون هناك دولة أولى لأن المطروح الآن موضوع فكرة وطنية أو فكرة أساسية لمصير الشعب، أين هذه الفكرة؟ في الدولة أو في الكنيسة أو داخل الشعب نفسه؟ نحن لا نمتلك الإجابة على ذلك. 

غسان الشامي: فعلياً سعادة السفير هل تعتمد إدارة الرئيس بوتين على كنيسة أورثوذكسية قوية لحشد تأييد شعبي؟ هل اعتمدت هذه الإدارة على هذه الكنيسة ليكون لها كل هذا الحضور شعبياً؟ 

ألكسندر زاسبكين: قد يكون كذلك لكن يجب أن نضيف إلى ذلك أنه ليس فقط الكنيسة الأورثوذكسية موجودة في روسيا بل لدينا تعدّدية في الطوائف والديانات، وهناك اعتماد على المسلمين بنفس الدرجة كالمسيحيين.  

غسان الشامي: ولكن هناك 125 مليون أورثوذكسي.

ألكسندر زاسبكين: صحيح أن الغالبية أورثوذكس وكل طائفة لديها وزن حسب عدد أتباعها، ولكن العيش المشترك هو أيضاً شيء مهم جداً لا يمكن إهماله لأن هناك عدّة جمهوريات مثل تتارستان أو بشكرتستان ذات أغلبية مسلمة وهي مناطق كبرى، لذلك إذا حدث شيء في هذه المناطق أو في القوقاز فالإشكال الطائفي سيتغلّب على كل شيء آخر، لذلك فالاهتمام من قبل بوتين شخصياً بالعيش المشترك هو من أولوياته على ما أظن.

غسان الشامي: سعادة السفير دائماً عبر التاريخ كما قلنا في المقدّمة علاقة الكنيسة بالأنظمة تخضع للشدّ والرخي حسب الحاكم وحسب البطريرك وحسب السلطة الكنسية، مثلاً خلال العهد السوفياتي الكنيسة الأورثوذكسية الروسية كان وضعها سيّئاً بهذا المعنى، أيام إيفان الرهيب الشهير بنى أهم الكنائس ولكن في الوقت عينه أحرق مطراناً. الملكة كاترين الكبرى كانت من الطائفة اللوثرية ومن ثم أصبحت من عتاة الأورثوذكس الروس، آمل منك أن تضيء على دور الكنيسة في العهد السوفياتي والتجاذبات قبل أن نبدأ بالكنيسة الأوكرانية إذا سمحت.

ألكسندر زاسبكين: طيلة فترة العهد السوفياتي كان الأمر نفسه نظراً لوجود الصراع الإيديولوجي إلى حد ما والعقيدة البلشفية والشيوعية كانتا تعتبران أنهما لديهما الاحتكار في هذا المجال فتلقائياً سيكون هناك صراع، هذا أولاً أما الأمر الثاني في ظروف الحرب الأهلية والنظرة الطبقية إلى مكوّنات المجتمع، هنا عمال وفلاحون وهنا الفئات الحاكمة ومن بينها الكنيسة، وكانت سنوات سيّئة كثيراً في العلاقة من هذه الناحية. الأمر الثاني أنه كانت هناك أجواء دافعة وتحسّنت العلاقات وعندما كان المطلوب التلاحم بين كافة فئات الشعب من الصغار والكبار ومن كل المكوّنات أيضاً كان دائماً اللجوء إلى تحسين العلاقة مع الكنيسة. صحيح أنه كان هناك خلاف من الناحية الإيديولوجية، وما حدث بعد ذلك في العهد الجديد روسيا أن الأوضاع تغيّرت جوهرياً والآن لم يعد هناك حاجز إيديولوجي بل بالعكس كما قلت أنه بالبحث عن القضية الأساسية للشعب الروسي وأن نرجع إلى دور الدين الأورثوذكسي والكنيسة والأديان الأخرى في المناطق الأخرى. الجدير ذكره أنه منذ عدّة أيام احتفلنا بعيد الوحدة الوطنية الروسية وهو عيد معاصر، وهو مكرّس لطرد الغزاة البولونيين من الكرملين ومن موسكو. هذا النهوض الروسي كان على أساس الدور المميّز لأيقونة الأمّ "قازان".

غسان الشامي: عذراء قازان. 

ألكسندر زاسبكين: نعم، لذلك عيد الوحدة له طابع ديني جلي.

غسان الشامي: أنتم كدولة كيف تنظرون إلى ما حصل بين الكنيسة الأوكرانية والكنيسة الروسية؟ 

ألكسندر زاسبكين: هنا أظن أنه يجب أن نكون دقيقين باستعمال المُصطلحات في هذا الموضوع لأن الكنيسة الأوكرانية موجودة وهي جزء لا يتجزّأ من الكنيسة الروسية، والكنيسة الأوكرانية لديها حقوق واسعة جداً ولكن هي جزء من الكنيسة الروسية المسكونية. بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي تبلورت مجموعة أو إثنتين يمكن أن نقول إنهما منشقتان أو انفصاليتان وتم إبعادهما عن الكنيسة على الإطلاق، وهم يعيشون هذه الحال من دون اعتراف من الكنيسة الروسية ولكن هذا الوضع مناسب جداً أولاً لسلطات كييف الحالية وثانياً للأميركيين وثالثاً للبطريرك القسطنطيني ورابعاً للقوى النازية الجديدة في أوكرانيا نفسها. هذه الأطراف تؤيّد هذه الحال وتؤيّد المنشقّين الذين ليست لديهم علاقة بأية كنيسة رسمية، هكذا هو الوضع.

غسان الشامي: لكن مثلاً البطريرك المسكوني كانت العلاقة تاريخياً بين أخذ ورد ما بين بطريركية موسكو وبطريرك القسطنطينية، أنتم كيف تنظرون إلى دور البطريرك برثلماوس؟ 

ألكسندر زاسبكين: قبل الإجابة أعترف بأنني لست خبيراً في العلاقات بين الكنائس إلا أن الرئيس الأوكراني بوروشينكو هو الذي سيّس الموضوع عبر زياراته إلى البطريرك القسطنطيني وطرح موضوع الكنيسة المستقلّة، ولكن من غير الواضح كيف يفكّر هو في تكوين هذه الكنيسة ومن أين يريد أن تتشكّل هذه الكنيسة. كل إنسان أورثوذكسي يعرف الثوابت الأساسية في العلاقات بين الكنائس، ونحن نعرف أنه في العالم الأورثوذكسي الكنيسة لا تقرّر لوحدها. 

غسان الشامي: لا يوجد بابا أورثوذكسي. 

ألكسندر زاسبكين: بكل بساطة لا يوجد بابا لذلك يجب أن يكون القرار حول طلب استقلال الكنيسة بالإجماع ولكن هناك من لديه مطامع معروفة. نحن نعرف عبر التاريخ أنه كانت هناك محاولات للبطريركية القسطنطينية لزيادة دورها على حساب الآخرين، أما الآن فلا بد من الإشارة بالدرجة الأولى إلى أن هذه الجهود المشتركة ما بين أميركا والبطريرك القسطنطيني والقوى في أوكرانيا هي لغايات سياسية سلبية جداً ومدمّرة للشعب الروسي والأوكراني.

غسان الشامي: البطريركية في القسطنطينية هي خاضعة بشكل أو بآخر للأتراك منذ احتلال القسطنطينية قبل حوالى خمسة قرون، والأتراك سعادة السفير أصحابكم و"يمونون" على البطريرك، ألم تتكلّموا معهم لكبح جماح البطريرك برثلماوس ما دام الأمر سياسياً؟

ألكسندر زاسبكين: نحن الآن ندخل المجال الذي يجب أن نكون حذرين في التعامل معه، هناك أدوار غير واضحة كثيراً لدى الآخرين ولذلك تصرُّفنا يجب أن يكون مرناً وغير مُبالغ فيه. قد يكون هناك انتظار من قبل الأميركيين بأننا سوف نتصرّف بإلحاح أكثر من اللازم في العلاقات مع الأطراف الأخرى، ومعروف أن البطريرك القسطنطيني مواطن تركي وهناك تأثير عليه، ولكن أنا لا أظن أننا وصلنا إلى الحد الذي يجب معه أن نطلب شيئاً من الأتراك. أظن أن هناك بوادر لما يحدث الآن تدلّ على أن الخطوات المتّخذة من قبل البطريرك ومن قبل السلطات الأوكرانية قد تكون نتائج معاكسة لما يرغبون به.

غسان الشامي: سعادة السفير نحن نعلم ما دمنا قلنا ووصلنا إلى نتيجة أن هذا الموضوع في الجزء الكبير منه سياسي، تركيا أيضاً لها مصالحها السياسية، كيف يمكن أن يكون ما قاموا به وأدّى إلى فصل الشراكة بين الكنيستين الروسية والقسطنطينية أن يكون ربحاً للكنيسة الروسية؟

ألكسندر زاسبكين: كيف؟ 

غسان الشامي: أنت قلت إن النتائج كانت عكس ما أرادوا كيف؟     

ألكسندر زاسبكين: هذا مستقل عن موضوع تركيا، أنا انتقلت إلى أن ما طُرح الآن من قبل الرئيس الأوكراني بوروشينكو هو الاستقلال والبطريرك القسطنطيني أيّد هذا الطلب واتخذ هذه الإجراءت، والقوى النازية الجديدة في أوكرانيا مستعدّة ربما للنهب والأميركيون يحرّضون ويستفزّون وقد ينتصرون في تفجير الأوضاع ولكن الأكثرية الساحقة من الناس في أوكرانيا تابعة للكنيسة المسكونية وحازمة في هذا الموقف. مَن يريد تفجير الوضع؟ إذا كان هؤلاء النشطاء المتطرّفون فهذا التصرّف سيكون مكشوفاً أمام الناس، لذلك أنا أظن أن الشعب الأوكراني لن يقبل هذا التصرّف المتطرّف.

غسان الشامي: إسمح لنا سنتابع هذا بعد الفاصل إذا سمحت سعادة السفير، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع سعادة السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبكين انتظرونا، الموضوع هو الكنيسة الروسية والأوكرانية وكنيسة القسطنطينية ودور أميركا في ذلك.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم، تقرير عن العلاقة بين الكنيسة الروسية والدولة تاريخياً ثم نعود بعدها إلى الحوار مع سعادة السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبكين، انتظرونا.

تقرير:  

لعبت الكنيسة الأورثوذكسية الروسية تاريخياً دوراً أساسياً في تشكيل هوية الدولة، وقبل بدء الثورة البلشفية بشهرين أي عام 1917 أعيد تأسيس البطريركية بتنصيب البطريرك تيخون لكن الحكم السوفياتي حاصرها وقمعها وحرمها من حقوقها القانونية. وفي عام 1925 سُجن البطريرك وقُتل وجراء ذلك وبعد سيادة الإلحاد خسرت العديد من أتباعها، وعلى امتداد الحكم السوفياتي بين 1922 و1991 دُمّرت كنائس ومساجد ومعابد أو فرغت وأُرسل كثيرون إلى معسكرات الاعتقال والعمل الشاق والتعذيب الجسدي والنفسي ما تسبّب بهجرات واسعة، وأنشأ الأورثوذكس الروس كنيسة أورثوذكسية روسية في نيويورك.

مع انهيار الشيوعية عادت الروح إلى الكنيسة الأورثوذكسية الروسية وارتفعت نسبة الأورثوذكس في روسيا من 37% عام 1991 إلى نحو 71% عام 2015، وسدّت الفراغ الإيديولوجي وعادت لتكوّن اللحمة في الهوية الوطنية حيث توافق دورها السياسي مع سياسات الكرملين وأسبغت شرعية روحية على السلطة السياسية.

دعمت الكنيسة الرئيس فلاديمير بوتين في قراراته السياسية الداخلية والخارجية، ورأت فيها عودة للحضور الروسي التاريخي على المسرح الدولي، ووقفت معه في ضمّ القرم عام ،2014 ودعمت قرار موسكو مساندة سوريا ضد الإرهاب عام 2015، ووصفت هذا الأمر بالحرب المقدّسة كما رأت فيها أيضاً حماية للمسيحيين السوريين فيما وقفت مع العراق عام 2003 ودانت الحرب الأميركية عليه.

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، سعادة السفير كيف استطاعت أميركا أن تدخل في النسيج الاجتماعي الأوكراني والأورثوذكسي تحديداً ونحن نعرف أن كنيسة كييف كنيسة قديمة جداً وهي الأقدم إيمانياً بالمسيحية من الكنيسة الروسية، هل استطاعوا أن يقتطعوا جزءاً كبيراً من الشعب عبر السياسة أو عبر المصالح أم الصراع الجيوسياسي في المنطقة؟

ألكسندر زاسبكين: صحيح واستكمالاً للفكرة السابقة أقول أنه بالنسبة للبطريرك القسطنطيني فالجواب يكون فعلاً عند الشعب الأوكراني، عند الكنائس الأخرى أما التأثير على البطريرك القسطنطيني مباشرة أو عبر طرف ثالث فأظن أن هذا غير مطروح. بالنسبة للشعب الأوكراني فبعد تفكّك الاتحاد السوفياتي كنا جميعاً سواء كان الشعب الروسي أو الأوكراني نتصور أنه رغم هذا التفكك فنحن متلاحمين حتى المرحلة القادمة، والمشكلة ليست في أن يكون هناك دولة روسية أو دولة أوكرانية مستقلة ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للفئة السياسية الأوكرانية التي أصبحت بين الإثنين جزئياً مع روسيا، وحتى في التسعينات روسيا كانت قريبة لأميركا ومنذ البداية كانت مع روسيا جزئياً ومع أوروبا جزئياً وأكثر مع أميركا وهذا مستمر حتى الآن، لذلك الشيء الأساسي يتعلق بالنخبة السياسية الأوكرانية وهذه المواقف بأغلبية الأحزاب الأوكرانية، وهذا طبعاً يعتمد على الفساد وإلى آخره والشعار العام أننا نحن الأوكرانيون متوجّهون إلى أوروبا، هذا شعار بسيط جداً ويكاد يكون مغرياً ومقبولاً لدى الشعب الأوكراني وحتى الآن الصورة من هذه الناحية غير واضحة. أنا لا أعرف كم نسبة الشعب الأوكراني الذي يتبع هذا النهج والذي يعارضه، الآن هناك تقريباً عشرة بالمئة أو أقل من النشطاء النازيين الجدد ولكنهم مسيطرون عملياً، وهناك أيضاً الأحزاب السياسية ذات الميول الغربية والأميركية. هذا هو الواقع الأوكراني، متى يكون هناك تغيير وهذا لا بد منه لأنه فشل اقتصادياً وديمغرافياً إلى آخره. متى سيحدث هذا التغيير نحن لا نعرف ولكن يجب أن نكون مع الشعب الأوكراني وبطبيعة الحال ضد هذه الفئة السياسية التي باعت الشعب لمصلحتها الخاصة.  

غسان الشامي: سعادة السفير الكنيسة الروسية أيضاً وقفت مع الرئيس بوتين في حربه على الإرهاب في سوريا وفي دعم سوريا، هل هذا بالنسبة لأميركا أحد الأسباب أو سبب رئيس في محاولة ضرب الكنيسة الروسية عبر السياسة؟

ألكسندر زاسبكين: دعنا نتحدث بصراحة حول المؤامرة الأميركية الطويلة الأمد والاستراتيجية وحلقات هذه المؤامرة تفكُّك الاتحاد السوفياتي وفشل ما بين روسيا وأوكرانيا والآن الهجوم ضد الكنيسة الروسية، كل هذه الحلقات للمؤامرة الكبرى لتفكيك قدر الإمكان دول أو جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق وبدرجة أولى روسيا ونحن ندرك ذلك تماماً، والكنيسة الروسية كما تحدّثنا بداية عنصر مهم جداً لتأمين تلاحم المجتمع الروسي حول الدولة الروسية وإجمالاً لتقرير مصير واحد لكل أقاليم روسيا من الغرب إلى الشرق ولكل الأديان من الأورثوذكس والمسلمين والآخرين.

غسان الشامي: سعادة السفير الكنيسة الروسية كما قلت قالت كلاماً هاماً جداً وملفتاً عندما جاءت القوات الروسية إلى سوريا واعتبرت ما قام به الرئيس بوتين هو حرب مقدّسة، هل هذا مقبول فعلاً في السياسة وهل عصرنا الحالي هو عصر حروب مقدّسة سعادة السفير ولماذا اعتبرته هكذا؟

ألكسندر زاسبكين: أنا أسمح لنفسي التعليق على هذا الموضوع ولو أنه كلام للبطريرك كيريل لكن أنا أعرف أن معنى هذا المصطلح في اللغة الروسية هو أوسع، هذا ليس مصطلحاً دينياً بل هو مصطلح عام وهو من الاعتبارات العليا لذلك هذا المصطلح ليس للدين الأورثوذكسي أو للمسلمين بل هو مصطلح شعبي أكثر منه ديني.

غسان الشامي: سعادة السفير الكنيسة الأنطاكية وكما تعلم أنطاكيا من أمّهات الكنائس وعلاقتها تاريخية مع الكنيسة الروسية، لا يزال في كنائس الأورثوذكس هدايا من ملوك الكرج من أيام روسيا، وقفت موقفاً واعياً وهي لا تريد ضرب الوحدة الأورثوذكسية في العالم، هل تعتبر أن هذه الكنيسة في خطر من قبل أميركا بعد موقفها الواعي تجاه الأزمة ما بين الكنيسة الروسية وكنيسة القسطنطينية التي تعتبر متقدماً بين متساويين في العالم الأورثوذكسي؟

ألكسندر زاسبكين: الموضوع الآن قد يكون سابقاً لأوانه ونتباحث به بجدية وكأنه أمر ملحّ اليوم، طبعاً يبدو أن الأميركيين يريدون تقسيم العالم الأورثوذكسي وهذا وارد ليس فقط للكنيسة الروسية، لماذا الكنيسة الروسية بالدرجة الأولى لأنها أكبر الكنائس ولكن لا أستغرب أن تكون هذه المحاولات أيضاً بالنسبة للكنيسة الأنطاكية وخاصة أن سوريا ولبنان بالأوضاع الحالية والنزاعات الحاصلة وكيف نفكر نحن في مستقبل سوريا مثلاً. الموقف الروسي تأييداً لسيادة سوريا وسيادة كل الدول وبقاء الحدود كما هي إلى آخره، هذا يعني أننا لا نريد التغييرات المنطقة التي تهدّد الأمن والاستقرار والعيش المشترك وسلامة الشعوب وكل الطوائف في هذه المنطقة. حدود الكنائس تقليدياً أوسع من حدود الدول لذلك فالحفاظ على الدول هو هدف منسجم مع هدف آخر وهو الحفاظ على حدود الكنائس. فكرة إقامة الكانتونات بديلاً عن الدول فهو قريب لخلق الكنائس البديلة للكنائس القائمة، لذلك كل جهودنا المبذولة من أجل سيادة سوريا هي نفس الجهود المبذولة لبقاء الكنائس كما هي والعكس صحيح أن مَن يريد تدمير الدولة السورية يريد تدمير الكنيسة الأنطاكية. هل هناك مؤشرات لحصول تيارات انفصالية فأنا لا أظن أننا نستطيع التحدث عنها الآن ولكن يجب أن يكون الجميع حذرون من هذه المحاولات.  

غسان الشامي: ولكن لنعترف سعادة السفير أن المتأمركين الأورثوذكس ليسوا قلّة يعني عندما نقرأ أو نسمع أو نذهب إلى الأعداد أو إلى الدراسات عن الكنيسة الروسية في أميركا أيضاً وبعض الأنطاكيين الأورثوذكس نجدهم يتماشون مع السياسة الأميركية. 

ألكسندر زاسبكين: نحن نرى التدخل السياسي والميول الأميركية نحو حياة الكنائس هذا صحيح ولكن الحديث عن خطر مباشر أظن أنه سابق لأوانه كي لا يكون هنك تصعيد من جانبنا حول الموضوع، أحدهم يقول لماذا المبالغة الآن في هذا الأمر ودعونا نتباحث في كل الأمور انطلاقاً من ضرورة وحدة الكنائس الروسية أو الأنطاكية.

غسان الشامي: ولكن أيضاً أهالي المشرق يعلمون تماماً أن الغرب هو أول من مدّ يده إلى كنائسهم الأورثوذكسية وحصلت انشقاقات سابقة هنا. الناس تقارب الموضوع من مشهد تاريخي، يسأل البعض يا سعادة السفير مثلاً صربيا، مقدونيا، الجبل الأسود، يقولون أنه يمكن أن تحدث انشقاقات أيضاً والأميركيون يضعون يدهم في هذا الأمر.

ألكسندر زاسبكين: صحيح، هذا مرتبط بالنظام العالمي، النظام السياسي ونظام العلاقات الدولية التي تشمل كل التجمعات سواء كانت دولاً أو كنائس وموازين القوى في نهاية الأمر هي التي تحدد، وأقصد بالقوى كما نحن ندرك العسكرية، الأمنية، الاقتصادية والمالية وفي نفس الوقت القوى الروحية للشعب، القوى الروحية وحدها لا تكفي.

غسان الشامي: القوى الروحية ليس لديها صواريخ وليس لديها مدافع وليس لديها قوى أمن.

ألكسندر زاسبكين: صحيح لذلك الأوضاع الآن تغيّرت ونحن نتمنّى أن يكون هناك تثبيت للتوازن في المرحلة القادمة على الصعيد الدولي حيث نحن نتحدّث يومياً عن دور روسيا والصين والهند والدول الأخرى والأوضاع في الشرق الأوسط وكيف سنجد الحلول للنزاعات، كل هذا مترابط لذلك إذا كان هذا النهج صحيحاً ونحن سننجح فأنا مقتنع أنه لن تتكرّر التجربة السيّئة للعهود السابقة.

غسان الشامي: يلفت النظر أن الرئيس بوروشينكو طلب من رجال الكنيسة في أوكرانيا الذين يوالون الكنيسة المسكوبية مغادرة أوكرانيا، هل لديكم ردود حول هذا الموضوع؟ هل ستقابلون ذلك بالمثل مثلاً؟  

ألكسندر زاسبكين: الآن السلطات الأوكرانية والرئيس الأوكراني بالتحديد يتخذون قرارات فظيعة ولا نتصوّر إلى أيّ مدى سوف يصلون في هذه القرارات ضد الكنيسة وضد الناس وبأية طريقة سيتقدّمون. هل يتحقّق كل ما يعلنه الآن أنا أشك في ذلك، هناك حملة انتخابية في أوكرانيا وهو الآن يريد أن يرسل بالونات أو مؤشّرات ويستمع إلى ردود الفعل من الناس وإذا ما كان ذلك يزيد من شعبيته أو العكس، وأظن أن هناك بعض الأمور التي تضطره على الاعتراف بأنها ليست في مصلحته. قصة الكنيسة الأوكرانية المستقلة لن تنتهي وأظن أن هذه المخططات صعبة التحقيق ويصعب تشكيل الكنيسة من زمرة المُنشقّين. 

غسان الشامي: ولكن ما يلفت أن الرئيس بوتين اعتبر التدخّل في شؤون الكنيسة نوع مما سمّاه "قومية الكهف" وأنها نوع من إشاعة الرهاب "الفوبيا" من روسيا، هل باتت روسيا وهي تتنامى قوة فزّاعة يستغلها الغرب تجاه الناس أو تجاه الأنظمة الأخرى؟

ألكسندر زاسبكين: كيف؟

غسان الشامي: التخويف من روسيا هل هو هذا الخط الذي تقوم به أميركا وصولاً إلى جعل شعب أوكرانيا يعيش في قومية سمّاها"قومية الكهف".

ألكسندر زاسبكين: نحن الآن في مفترق الطرق بالنسبة لمصير الشعب الأوكراني، نحن لدينا موقف مبدئي أننا شيء واحد معه لكن حصل الانشقاق والانقسام داخل الشعب الأوكراني، هذا ينبع من أن أوكرانيا كدولة حديثة جداً وتكوّنت نتيجة لتسليم الأراضي والناس، لذلك لا توجد وحدة بين الأوكرانيين أنفسهم ولا نستطيع اعتبارهم جميعاً شعباً واحداً معنا.

غسان الشامي: ما هي نسبة الأوكرانيين الذين مع روسيا سعادة السفير؟

ألكسندر زاسبكين: الآن نتيجة للأحداث مثلاً قضية القُرم تم اتخاذ القرار بشأنها بسرعة وكانت الأجواء مناسبة، المناطق الشرقية أيضاً عملياً بنفس السرعة ولكن يبدو أنه حصل قمع في المناطق الأخرى لذلك لم يُسمح لهم. يبدو أن المناطق الشرقية الجنوبية هي قريبة تاريخياً لروسيا بالمقارنة مع المناطق الغربية والمناطق الغربية كانت جزءاً من الدول الأخرى، أنا لا أريد الآن أن أدخل في التفاصيل ولكن من خلال التاريخ تكوّنت أوكرانيا كما هي ولذلك المحاولات الآن لانتشار الإيديولوجية القومية الراديكالية التي كانت مسيطرة في جزء بسيط من أوكرانيا في الغرب إلى كل الأراضي الأوكرانية والأبطال من إيديولوجيا النازية أو القومية الراديكالية والأعياد والشعارات كل ذلك من هناك. هل هذا سيستمر لفترة طويلة نحن لا نعرف لكن يبدو أن الشعب بأغلبيته سيرفض.

غسان الشامي: شكراً سعادة السفير. طالما كان التساؤل محقّاً لماذا هدف الغرب منذ القرن السابع عشر إلى تقسيم كنائس المشرق؟ هل لأن الكنائس الأورثوذكسية حاولت الحفاظ على طابعها الخاص هوياتياً وطقسياً وكذلك في روسيا؟ الأجوبة تحتاج إلى حلقات ربما تنكّبناها لاحقاً. شكراً لسعادة سفير روسيا الاتحادية في لبنان السفير ألكسندر زاسبكين على حضوره في أجراس المشرق، شكراً لزملائي الذين يقرعون معي هذه الأجراس، شكراً لكل من يشاهدنا، سلام عليكم وسلام لكم، شكراً سعادة السفير.