حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

عبد الحكيم معتوق - كاتب وصحفي ليبي

 

فتون عباسي: مرحباً بكم.

أسيرةٌ هي ليبيا، ما بين سندان غياب التوافق بين فرقاء الداخل، ومطرقة أطماع الخارج الإقليمي والدولي.

على رحى فوضى الميليشيات يُطحَن المشهد داخلياً. ما من هدنة تصمد ولا تهدئة تدوم.

صراع على النفوذ غلّبته قوى سياسية رئيسية على مصلحة البلاد.

يقول المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، "نحن إزاء عمليّة نهبٍ مخيفٍ للثروة يشارك فيها الليبيون كلّهم".

تتوالى المبادرات والمقترحات الإقليميّة والدوليّة والمؤتمرات.

ظاهر بعضها حلحلة أزمةٍ استعصت على الحلّ سبع سنوات، وباطنه ابتلاع نفطٍ وهيمنةٌ لا تخلو من أهداف التقسيم.

في حلقة اليوم نطرح الأسئلة والتساؤلات عن ليبيا الداخل في حجم التمثيل والقوة، العقد والحلول، التوافقات والمصالح.

نناقش خفايا التنافسات الإقليمية والصراعات الدولية، العلنية منها والسرّية، ومن باليرمو إلى أموالٍ ليبية تبخّرت في بلجيكا.

نسلّط الضوء على أبرز تفاصيل مشهد الملف مع الكاتب الصحافي الليبي عبد الحكيم معتوق.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

فتون عباسي: مرحباً بكم مشاهدينا، وأهلاً بك أستاذ عبد الحكيم معتوق، تنضمّ إلينا مباشرة من القاهرة.

انطلاقاً من موافقة بعض الأطراف الليبية على المشاركة في مؤتمر باليرمو اليوم، هل نفهم بأنّ هناك إرادة وطنية عامة لإنهاء مآسي الحروب على ليبيا، أم هل هناك مصلحة أيضاً لمراكز القوى المحلية بالسلام؟

 

عبد الحكيم معتوق: صباح الخير سيّدة فتون.

 

فتون عباسي: صباح النور.

 

عبد الحكيم معتوق: وتحيّة من خلالك وعبر قناة الميادين إلى الرفيقة ضياء شمس، التي أتمنّى لها الشفاء الكامل والعودة إلى ساحات الميادين.

 

فتون عباسي: شكراً جزيلاً.

 

عبد الحكيم معتوق: بالنسبة لما ورد في تقريركم ومقدّمتكم النارية وهي حقيقة مُرعبة ولكنها ليست أكثر رُعباً من الواقع الذي نعيشه.

 

فتون عباسي: تتّهمني أنني مُرعبة بالمشهد أو توصيف المشهد؟

 

عبد الحكيم معتوق: لا، لا، الرعب في الصياغة وليس في حضرتك، أنت كلك أنوثة.

 

فتون عباسي: شكراً، شكراً.

 

عبد الحكيم معتوق: أنا أتحدّث عن الصياغة، أتحدّث عن المقدّمة، كانت فعلاً قوية جداً ولكنها ليست أكثر رعباً من الواقع المُعاش في ليبيا للأمانة، ومسألة نهب الأموال ليس كما ورد على لسان السيّد غسان سلامة، ليس كلهم هم يساهمون بحملة النهب، حفنة منهم لديها علاقات وأجندات خارجية، وبدأت هذه الحملة الممنهجة منذ عام 2011 كما هي الحال في كثير من عواصمنا العربية للأسف وبعض ساستنا.

أعود وأؤكّد مسألة الإرادة فتون، أنا أجزم بأنها منتفية تماماً، فضلاً على ما تفضلت به لا يوجد هناك إرادة وإلا كانت المشكلة أو الأزمة الليبية حلّت منذ فترة لأن الأزمة الليبية افتعلت أو اختلقت ضمن مشروع، مشروع عربي إقليمي، نُظّر له، وهذا الكلام قلناه عبر قناة الميادين في مناسبات عديدة، ربما الغافلون أو المنبطحون أو المتماهون أو المنتفعون، هؤلاء هذا شأنهم وهذا مبحث آخر، أنا أتكلّم على لسان حال الجموع التي تضرّرت بفعل ما سُمّي بخريف الدم العربي، سواء كان في ليبيا، في سوريا، ربما العراق شأن آخر، في تونس، في مصر، في غيرها، وهذا طبعاً للأسف جاء باعترافات وبمراجعات تمّت على لسان من قاد هذا الربيع العربي الذي ربما لم يكن يدور بخُلدهم أن تصل النتائج إلى هذا السوء. أنا هنا أتحدّث عن إدارة باراك أوباما، عرّاب هيلاري كلنتون، وأيضاً أردوغان، حمد بن خليفة وعرّابه حمد بن جاسم، كل هؤلاء الآن أصبحوا مع الاعتذار على هذا المُصطلح يتغيّرون ولم يكونوا يعرفون، أو ربما يعرفون وتعمّدوا أن النار سوف تصل إليهم في أية لحظة، فمسألة الإرادة لم تكن غائبة لأن الشعب الليبي أو الشعب العربي بشكل عام نهضوي، شعب مُتّقد، شعب متحمّس، شعب يرفض.

 

فتون عباسي: لكن هل هي غائبة عند الأطراف السياسية، تحديداً القوى الأربع المتمثلة بالمشهد الليبي؟

 

عبد الحكيم معتوق: قد تكون منقوصة فتون، لأنّ الحال الليبية منذ عام 2011، ربما يقول قائل ليبيا تحت الوصاية، لا، ليبيا ليست تحت الوصاية، ليبيا تحت وصايات لأن كل فريق سياسي الآن يتصدّر المشهد، مع احترامي للجميع، قد يزعج أو يزعل هذا الكلام الكثير منهم وأنا أتعرّض للنقد وأتعرّض لتهديد إذا جاز التعبير، لكن هذه كلها مخرجات التغيير لأن ليبيا ليست تحت وصاية. كنّا نتصوّر أنّ الأمم المتحدة عندما، للأسف الشديد نقل الملف على وجه السرعة في ظاهرة لم يسبق لها مثيل من الجامعة العربية برئاسة عمرو موسى إلى مجلس الأمن في لمح البصر، ومجلس الأمن اتّخذ قراراته أيضاً في ساعات، وليبيا قُصِفت بأعتى ترسانة للأسلحة الغربية في ثمانية أشهر، فكل هذا يا سيّدة فتون يهدف أو يُراد من ورائه إلى إعادة صوغ تاريخ ومناظيم القيم والعادات والتاريخ والخطاب الأخلاقي والاجتماعي وكل شيء في ليبيا، وهذا الذي نعيشه كل يوم. الذين يتصدّرون المشهد يُجاهرون بالعمالة، يُجاهرون باتصالهم بالسفارات، يُجاهرون باتصالهم بالمخابرات، ينفقون الأموال في وضح النهار. هذه هي منظومة الغرب التي أراد أن يستصحبها الشعب الليبي والسوري وغيره.

 

فتون عباسي: أستاذ عبد الحكيم، على خلفية كلامك هذا، نشر موقع أيضاً المجلس الأطلسي، وهو مؤسّسة أميركية بحثية غير حزبية، وهنا عذراً على الإطالة لأنني سأنقل بالحرفية.

الواقع الجديد هو العقبة الرئيسة أمام نجاح مؤتمر باليرمو، حيث قرّر العديد من الوفود الليبية المشاركة ليس من حيث الاعتراف بدور إيطاليا ولكن بسبب الوعد بتمويل الأمم المتحدة وبشكل جماعي، يستخدمون مؤتمر باليرمو كمكانٍ دوليّ لتعزيز طموحات كل من الجانبين.

هل توافق على هذا الكلام؟ ما حقيقة حسابات القوى الليبية المشاركة اليوم في باليرمو؟

 

عبد الحكيم معتوق: أولاً فتون دعيني بشكل سريع أتحدّث لك عمّا هي باليرمو.

 

فتون عباسي: لا، قبل ذلك، ستتحدّث لي عما هي باليرمو. رجاءً الإجابة على هذا الموضوع، توافق عليه أم لا؟

 

عبد الحكيم معتوق: لا أوافق طبعاً، لا أوافق لأن الخلفية الحقيقية للقاء باليرمو هي التسوية التي لم يعلن عنها بين روما وباريس، طبعاً باريس كانت طالبت روما في محاولة لجمع الأطراف الليبية وإيجاد صيغة تسوية بينها.

هذا طبعاً ليس بريئاً، ماكرون تعرفين هو من مدرسة هورتشل وزوجته تعمل هناك وهي التي أتت بها إلى الحُكم، ولديه عين واسعة على الجنوب الليبي، الذي كانت فرنسا تبسط نفوذها عليها في أربعينات القرن الماضي، ولديها أيضاً نقاط ارتكاز ولديها موالون حتى اللحظة يتقاضون مرتّباتهم من المخابرات الفرنسية، فبالتالي كله مشوّش ومشوّه، عملت روما على التشويه وهذا جاء على لسان ساستها، ووزيرة الدفاع قبل كونتي كان رئيس الحكومة، كانوا يقولون يا فتون إن ليبيا هي الشاطئ الرابع لروما، أي إيقاظ لذاكرة جريحة بالنسبة لليبيين، هذه المقولة قالها غرتسياني الذي غزا ليبيا، الشاطئ الرابع لروما ليبيا إيطالية.

 

فتون عباسي: مهم هذا الكلام، لكن كي لا نستبق المحور أستاذ عبد الحكيم، كنت سألت عن أن هل هذا الكلام دقيق، أن هذه الأطراف ذاهبة لأنها مهتّمة بتمويل الأمم المتحدة؟ الأطراف الليبية، دعنا في الداخل الليبي الآن.

 

عبد الحكيم معتوق: ليبيا فتون ليست محتاجة إلى تمويل، ليبيا لديها حسب تصريح مدير البنك المركزي الفرنسي عام 2011 في لقاء على فرنسا 24 الفرنسية وليس العربية، قال بالحرف الواحد أموال الدولة الليبية في البنوك الغربية والأميركية تناهز نصف ترليون دولار. ما الذي سوف تقدّمه الأمم المتحدة وعصابات المافيا الأخرى إلا أنهم يسرقون ويبيّضون الفوائد، ومثلما حصل في بلجيكا، وهذا محور سوف نأتي إليه.

 

فتون عباسي: ليس هذا هو السبب الحقيقي لحسابات القوى المشاركة؟ تختلف، باختصار ما هي؟

 

عبد الحكيم معتوق: هي إعادة توزيع مناطق نفوذ، والصراع، كما قلت لحضرتك، الصراع الذي كان معلناً في وسائل الإعلام والمُناكفات الدبلوماسية والإعلامية بين روما وباريس حول النفط والغاز، شركة إيني توسّعت خلال السبع سنوات الأخيرة، كان عليها قيود في عهد نظام الزعيم الراحل معمّر القذافي.

فرنسا لديها خرائط جيولوجية تفيد بأن المنطقة الواقعة بالقرب من تونس في جهة لالوت وجاد وكذا فيها حقل غاز(إكس سي 6) يسمّى، فيه ما يكفي أوروبا 40 عاماً قادمة من الغاز الليبي، كل هذا مدروس.

 

فتون عباسي: ويمكن أن نستخلص منه من خلال كل هذا الواقع بتعقيداته بأن أيّة خطة حتى هذه الساعة لم تنجح بإيجاد حل لفوضى الميليشيات على خلفيّة صراع النفوذ؟

 

عبد الحكيم معتوق: هم صنعوا الميليشيات يا فتون، وهم يغذّون الميليشيات.

 

فتون عباسي: مَن صنعها؟

 

عبد الحكيم معتوق: صنعتها المخابرات الأجنبية، المخابرات البريطانية والفرنسية والإيطالية وغيرها، ويتعاطون معهم، هذا العم في مدينة صبراتة، اتصلت به المخابرات الإيطالية وأعطته عشرة ملايين يورو كي يحمي مجمع غاز مليتا الذي يزوّد إيطاليا بالغاز، قالوها هم في وسائل إعلامهم.

 

فتون عباسي: لكن أيضاً هذه الميليشيات لها تبعية داخلية بالنهاية لأطراف وقوى سياسية موجودة في البلاد.

على كل حال سنستمع الآن إلى ما جاء في مقال عمّا قاله السيّد غسان سلامة في الأهرام. باختصار ليبيا تنتحر بأموالها.

 

الأهرام: باختصار ليبيا تنتحر بأموالها

قال المبعوث الأممي للأزمة الليبية غسان سلامة في حديث للصحيفة، إننا إزاء بلدٍ تحوّل بسبب انقساماته إلى شظايا متعدّدة، وليس صحيحاً بالمرّة أنّ البلد منقسم على نفسه بين شرق وغرب. هذا ما يمكن أن نراه على سطح الأشياء، لكنّ الرؤية الصحيحة والعميقة تكشف لنا أننا إزاء فسيفساء تكاد تندثر إلى شظايا.

وأضاف سلامة، جوهر المشكلة الحقيقيّة التي تواجهنا أنّ الجميع يريد إبقاء الأمر الواقع على ما هو عليه، لأنّ الوضع الراهن يتيح للجميع نهب ثروات البلاد، ما ينتج مليونيراً جديداً كلّ صباح، بينما يتردّى الوضع العام ويزداد سوءاً، وفي كثيرٍ من بلاد العالم يكون الخارج هو مصدر النزاعات الأساسية. أما في ليبيا، فإن معظم الصراعات مصدرها الداخل، وباختصارٍ شديد فإنّ ليبيا تنتحر بأموالها، ولا بدّ من وقف هذا النهب أولاً.

وما يزيد من صعوبة المشكلة الليبية قُصر نظر الدول الغربية التي تهتم بمحاربة الإرهاب، لكنها لا تهتم بالقدر نفسه بعملية بناء الدولة الليبية. العالم مع الأسف مهتمٌ بثروات ليبيا لكنّه لا يُبالي بمصير الليبيين، وما ينبغي أن يفهمه الغرب أنّه من دون دولةٍ ليبيّةٍ قويّةٍ ومسيطرة، لا تتبعثر قواها في شظايا صغيرة، وخاصةً مع هذه المساحات الشاسعة من الأراضي والحدود، لن تتوقّف ليبيا عن أن تكون معبراً للهجرة غير المشروعة وسوقاً للاتّجار بالبشر وملاذاً لجماعات الإرهاب.

 

فتون عباسي: أستاذ عبد الحكيم، طرح المبعوث الأممي غسان سلامة حول مؤتمر وطني يناقش فيه الليبيون الانتخابات البرلمانيّة والرئاسيّة العام المقبل.

إلى أيّ حدّ هو ممكن؟ وهل يشكّل جزءاً من الحل في ليبيا؟

 

عبد الحكيم معتوق: فتون، سوف أنطلق مما قاله أو ما أدلى به الدكتور غسان سلامة لصحيفة الأهرام. أنا في تقديري، ما يقوله، ليست هذه المرة الأولى، هي قراءة فلسفية مشحونة بعواطف عربية، أنا أعرف الرجل وقرأت له الكثير من الإصدارات. لكن السؤال يا فتون هو، هذا رئيس بعثة الدعم في ليبيا مكلّف من قِبَل الأمم المتحدة، يتحدّث وكأنه مراقب، وكأنه صحافي، هذا لا يجوز. الأمم المتحدة تتحكّم بمصير ليبيا، هذا لا يلوم، من يلوم؟ من الذي أوجد ليبيا في هذه الحال؟ من الذي أوصلها إلى هذا التيه وهذا العذاب وهذا الموت الزئام؟ الأمم المتحدة هي جاءت، دمّرت كل شيء، قتلت معمّر القذافي، أسقطت النظام، شرّدت الشعب، صادرت الأموال، وماذا بعد؟ ماذا فعلت الأمم المتحدة؟ هي تريد أن تعيد ليبيا وتريد أن تعيد سوريا وتريد أن تعيد الكثير من الأقطار العربية إلى ما قبل دولة الاستقلال، إلى ما قبل الاستقلال، إلى الجوع، إلى البؤس، إلى التبعية، إلى الهيمنة الصريحة على هذه الشعوب. هذا الذي حصل.

 

فتون عباسي: ألا يحدث هذا أيضاً بأيادٍ ليبية؟ لو لم يمكن الليبيون الأمم المتحدة من هذا الملف بهذه الطريقة لما كانت هذه النتيجة.

 

عبد الحكيم معتوق: هذا الذي كنت أريد أن أنوّه إليه عندما أشرت إلى باليرمو لو سمحت لي. باليرمو يا فتون هي الجزيرة أو هي المدينة، جزيرة صقلية التي انطلقت منها البوارج الحربية في مثل هذا الشهر من عام 1911 لتدكّ المدن الليبية. باليرمو يا سيّدتي هي التي نُفي إليها آلاف الليبيين، أنا لا أعرف الذين الآن في باليرمو هل سوف يتذكّرون رفاة أجدادهم ويتلون عليهم سورة الفاتحة؟ على الأقل الكتاب العالمي لا يفضحونا، يذهبون إلى إيطاليا وأجدادنا الليبيون الذين يقاتلون، وهم كانوا يرمون في البحر من كان تعباً أو مريضاً، والذي بمقدوره أن يصل وصل إلى هناك وقدّموهم بالسخرة مثل العبيد. هذه هي إيطاليا الكولونيالية، هي نفس العقلية، تريد أن تعود إلى ليبيا، يا سيّدتي موضوع إيطاليا التي وعدت واعتذرت.

 

فتون عباسي: دائماً تتّجه للحديث مباشرة عن إيطاليا وفرنسا وقلت لك بأننا سنتحدّث بشكل موسّع عن هذه الجزئية، لكن أريد إجابة واضحة. طرح غسان سلامة هل هو ممكن أم غير ممكن؟ ولماذا؟

 

عبد الحكيم معتوق: يا فتون، غسان سلامة سبقه خمسة مبعوثين، هل هناك منطق لدى هذا المنتدى الأممي، أن دولة تشهد صراعاً سياسياً ونزاعاً مسلحاً يوفد إليها ستة مبعوثين، معنى هذا يعكس فشلاً ذريعاً لدى هذا المنتدى من عبد الإله الخطيب، يان مارتن، طارق متري، ليون كوبلر، غير معقول كل هذه الكفاءات حسب توصيف الأمم المتحدة طبعاً لم تفلح أو لم تنجح بإيجاد مخرج تسوية. هذا يؤشّر يا فتون بأن ليبيا فيها أجندات إقليمية ودولية، أنا عندما تحدّثت عن الفرقاء بالمناسبة يا فتون، التاريخ لا يُعيد نفسه، نحن نكرّر أخطاءنا في حقبة العشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي عندما كان أجدادنا يأكلون التمر ويقاتلون على أحصنة، كان هناك عملاء وكان هناك وطنيون، نفس الأمر.

 

فتون عباسي: ما نفهمه من كلامك بأن هذا الطرح بانتخابات أو مؤتمر وطني يجمع الليبيين للحديث وإقرار انتخابات برلمانية ورئاسية غير ممكن ولن يحدث بين الليبيين في العام المقبل؟ نعم أم لا؟

 

عبد الحكيم معتوق: طبعاً لا لأنهم يديرون الأزمة، لأنهم لا يبحثون عن حل يا فتون، هم يديرون الأزمة، هناك مكوّنات ليبية أهمِلت أو هُمّشت بفعل الخطاب الإعلامي التحشيدي الذي تتبنّاه قناة الجزيرة القطرية وأيضاً القنوات التي تفرّخت عنها والتي تنتهج الإسلام السياسي العقدي في خطابها.

هناك الآن ثقافة في ليبيا إسمها الإسلام، هناك ثقافة في ليبيا إسمها القبائل المهزومة، القبائل التي أرادت أن تدافع عن الوطن توصَف بأنّها مهزومة، والقبائل التي استعانت بحلف الناتو أو المدن أو الأشخاص، والذين قدّموا الإحداثيات والذين تواطأوا أصبحوا هم يوظفون ويسطون على قرار الوطن.

 

فتون عباسي: إذاً كيف يمكن لملمة الشمل الليبي بغياب أية مصلحة لقوى أمر الواقع ذات الارتباطات الاجتماعية والقبلية وما إلى ذلك؟

 

عبد الحكيم معتوق: الأمم المتحدة إذا كانت جادّة.

 

فتون عباسي: ليس الأمم المتحدة، كيف يمكن لملمة الشمل الليبي؟

 

عبد الحكيم معتوق: هذا الذي كنت سأصل إليه من خلال سؤالك، إذا الأمم المتحدة جادّة، نحن نتحدّث عن الأمم المتحدة لأننا نحن تحت الفصل السابع يا فتون، في أية لحظة يتدخل حلف الناتو والذراع العسكرية، لما هو مجلس الأمن جاهز والأفركم جاهزة وليبيا كل يوم تحلّق فيها عشرات الطائرات من دون طياّر وطائرات أخرى للتدريب.

هذه الحقيقة، ليبيا مستعمرة شاء من شاء وأبى من أبى، كيف لليبيين أن يحلّوا مشاكلهم وهناك أجندات وهناك مراكز قوى وهناك مخابرات أجنبية ترتع وهناك وهناك استسلام سياسي تكفيري كالقاعدة وداعش وبوكو حرام وأنصار الشريعة وغيرها.

أنت تتحدّثين عن رقعة جغرافية تمتد إلى أكثر من مليون و750 ألف كيلومتر مربع يقطنها خمسة ملايين نسمة، حيّ شبرة في القاهرة خمسة ملايين نسمة، شارع في بكين مثلاً، فكيف يمكن أن يلملموا نصفهم شيوخ وأطفال ونساء، هذه المسألة ليست بهذه البساطة وهم أرادوها هكذا.

الأمم المتحدة إذا أرادت أن تحلّ الأزمة الليبية أول ما تقوم به هو إصدار قرار من مجلس الأمن بضرورة نزع سلاح الميليشيات، وهذه ليست المرة الأولى التي تحصل في التاريخ، حصلت في بوروندي ورواندا وحصلت في الجزائر، ويوغسلافيا وحصلت في أماكن كثيرة.

 

فتون عباسي: لكن هذا لا يمكن أن يكون مقدّمة لدخول قوات دولية إلى ليبيا؟

 

عبد الحكيم معتوق: هذا ربما يحتاج إلى نقل الملف من الفصل السابع إلى الفصل السادس، بمعنى أن تخوّل الأمم المتحدة مجلس الأمن بإنشاء قوّة حماية دولية للدخول إلى ليبيا، هذه تحتاج إلى جلسة مُكتملة الأركان والعناصر. نحن نتحدّث عن استفراد قوى بالحال الليبية الآن، وتحت مظلّة الأمم المتحدة، وباستخدام حلف الناتو.

 

فتون عباسي: إذاً انطلاقاً من كلّ ما تقدّم من حديثك، باليرمو بدلالة المكان التي شرحتها هل هي وجه جديد للصراع الأوروبي على ليبيا؟

 

عبد الحكيم معتوق: الصراع لم يكن خافياً على أحد، هو ترجم في وسائل الإعلام الإيطالية والفرنسية، لاسانبا وكولر داسارا ولو فيغارو وليبراسيون وغيرها، كلهم يتحدّثون عن كيفية تقاسم الكعكة، وبالمناسبة فتون هذا كلام قاله دونالد ترامب، قال في تصريح رسمي وأنت تعرفين كم هو فجّ ومقامِر ومغامِر ويقول أيّ شيء، قال ليبيا لن تُحَلّ أزمتها إلا عندما تتّفق الدول الكبرى على تقسيم الكعكة فيها، بكل وقاحة قال هذا الكلام.

 

فتون عباسي: قبل أن ننتقل إلى الدول الغربية الأخرى، ما بين فرنسا وإيطاليا، من يقضم الكعكة الليبية الآن اقتصادياً وسياسياً؟

 

عبد الحكيم معتوق: بصراحة الغرب الليبي مسيطرة عليه إيطاليا، بصراحة، شركة أمني، لا نعرف، ليس ثمة رقابة على التصدير ولا على الإيرادات التي تتم، تعرفين حال الفوضى وحال النهب التي أشار لها الدكتور الفاضل غسان سلامة، فلا نعرف منذ سبع سنوات كيف يتم شراء الغاز الليبي والنفط الليبي، وأين إيراداته تنتهي، وهذا بوضوح يعكسه الواقع المعيشي الليبي. هل تصدّقين بأنّ عاصمة فيها عشرات البنوك منذ سنوات من دون سيولة؟ هذه مسألة بمنتهى السخافة.

 

فتون عباسي: من هي الأطراف الداخلية التي تسهّل هذا القضم إن كان لإيطاليا أو لفرنسا؟

 

عبد الحكيم معتوق: أنا لا أريد أن أتّهم جهة أو شخصاً، ولكن ثمة عناصر، طبعاً الإسلام السياسي، أنا أتحدّث عن الإخوان المسلمين، لديهم ارتباطات صريحة بتركيا وبقطر وهم لا يخفون ذلك، ولا القطريون ولا الأتراك يخفون ذلك، ويعلنون عنها في كل وسائل إعلامهم وكل لقاءاتهم، وأخيراً زار وفد تركي كبير، وزير دفاع ورئيس أركان ومندوب من حزب العدالة والتنمية، والتقى بقيادات من الإخوان المسلمين في ليبيا، فهم ما زال هناك حلم مريض لدى الدوحة وأنقرة بأن دولة الخلافة لم تسقط بعد وإن موقعها الجغرافي هو ليبيا وسوف تتمدّد لتدكّ الأمن القومي المصري، وتعود من جديد، وهذه العمليات القذرة التي تطالعينها في وسائل الإعلام هنا في الإسكندرية، في القاهرة، في أسيوط، في سهاج وفي سيناء وفي غيرها، كل مسرح عملياتها ليبيا. كانت في درنة، وتم القضاء على التنظيم، داعش والقاعدة في درنة، وكلهم قتلوا لكن هنالك نقاط ارتكاز وهناك عناصر خطيرة ما زالت، هؤلاء كلهم يتلقّون دعماً من أجهزة مخابرات لدول معروفة. هذا يُربك المشهد ويُطيل أمد الأزمة، ويتاجرون، بالمناسبة فتون، يتاجرون بالنفط خارج الكوتة ويتاجرون بالوقود، يهرّبونه عبر الحدود البرية التونسية الجزائرية، يتاجرون في الآثار، كل شيء، كلّ شيء، يتاجرون به.

 

فتون عباسي: سنكمل في هذا المحور، لكن بعد فاصل قصير. ابقوا معنا مشاهدينا.

فاصل قصير ونعود لاستكمال هذه الحلقة.

 

 

المحور الثاني

 

فتون عباسي: من جديد أهلاً ومرحباً بكم إلى القسم الثاني من حلقة حوار الساعة. نجدّد الترحيب بضيفنا الكاتب الصحافي الليبي عبد الحكيم معتوق.

إذاً أستاذ عبد الحكيم استكمالاً لما بدأنا بالحديث عنه قبل الفاصل، الجميع بات يعلم بأن هناك محوراً سعودياً إماراتياً مصرياً مقابل محور تركي قطري في ليبيا، كلّ منهما يدعم طرفاً من الأطراف داخلياً. هل هو امتداد للصراع الإخواني القطري التركي مقابل المحور الآخر على تزعّم العالم الإسلامي السّنّي ما بين مزدوجين؟

 

عبد الحكيم معتوق: هو الحقيقة، الفراغ الأمني، تعرفين فتون، نظرية الاستعمار والفراغ، الفراغ الأمني الذي شهدته ليبيا بعد سقوط نظام الزعيم الراحل معمّر القذافي ولم تتبلور رؤية سياسية تنتج من مشروع وطني حقيقي، فذهبت الأطراف إلى الاصطفافات، نتيجة الاستقطابات طبعاً العربية والإقليمية، أنت تعرفين معسكر الغرب الليبي، باستثناء مخرجات الاتفاق السياسي، هذا مبحث ربما يطول الحديث فيه، أنا أتحدّث عن المحاور، محور الغرب الليبي، الإسلام السياسي الذي ما زال يبسط نفوذه وسيطرته على الغرب الليبي، طبعاً هو معسكر قطر وتركيا وإيطاليا، المعسكر الشرقي، معسكر الماريشال خليفة حفتر، معسكر الجيش والقبائل وكذا، والذي ربما يحمل صبغة مشروع وطني غير مكتمل، معسكر مصر والإمارات وفرنسا، هذه حقيقة، وهنا الصراع، لأنّ بداية عملية الكرامة، وهي طبعاً كانت ترجمة لمطالب شعبية نتيجة تغوّل أنصار الشريعة في بنغازي وعملية الذبح والتنكيل التي تعرّض لها الجيش والصحافيون والمثقّفون إلى ما هنالك، فما حذا بحفتر قبل أن يصبح ماريشالاً وينصّبه البرلمان الليبي، كان ردّاً على انقلاب الإسلام السياسي على المسار الديمقراطي وتشكيل ما كان يُعرف بفجر ليبيا، الذي كانت تحلم قطر وتركيا بأن تزحف بهذه الجموع من الشباب إلى الشرق الليبي، لإسقاط مشروع ما سُمّي بالكرامة التي تحوّلت في ما بعد إلى جيش عرمرم، أي قوي ويمتد من أجدابيا وسط ليبيا إلى طبرق في أقصى الشرق  على الحدود المصرية أو إلى ما بعد ذلك.

 

فتون عباسي: هل هو امتداد لتزعّم العالم الإسلامي السنّي؟ بجملة واحدة لو سمحت.

 

عبد الحكيم معتوق: الموضوع ليس طائفياً إطلاقاً، لا، طبعاً ليبيا سنّية، عربية مسلمة سنّية، رغم أن عادات الفاطميين لا زالت هي السائدة في كثير من المدن.

 

فتون عباسي: لا نسأل في الطائفية أو المذهبية، نسأل في السياسة هنا.

 

عبد الحكيم معتوق: لا أتصوّر، هي المسألة هكذا، كما قلت لك، هناك معسكران.

 

فتون عباسي: على كل حال كانت هناك زيارة لم يعلن عنها مسبقاً لوفد رفيع من مسؤولين من وزارتي الدفاع والخارجية التركيتين برئاسة وزير الدفاع التركي إلى طرابلس، لقاءات مع رئيس المجلس الرئاسي ومع قيادات في رئاسة الأركان التابعة لحكومة الوفاق، تبعتها مباشرة زيارة أيضاً لم يعلن عنها مسبقاً لرئيس المجلس الرئاسي إلى إسطنبول التقى فيها الرئيس التركي.

لماذا برأيك؟ هناك صفقات؟ يُحكى عن صفقات معينة ودفع أموال ليبية ليبقى السرّاج في الحكم.

 

عبد الحكيم معتوق: كنت فتون أشرت إلى زيارة وفد تركي رفيع المستوى يمثّله قائد الجيش ورئيس الأركان ومندوب عن حزب العدالة، قلت لك هذا الكلام في مستهل الحديث، لا أعرف إذا كان، أنظري، الحديث عن صفقات بغية بقاء أي من هذه الرموز في موقعه أو في منصبه أمام حال التذمّر والسخط في الشارع الليبي، لا أعتقد أنّها سوف تنسحب، لأنّ هؤلاء كلّهم مخرجات اتفاق سياسي، باستثناء خليفة حفتر، أضيف كضلع آخر لما يمثله من قوّة على الأرض فقط، هو يمثل قوّة الآن.

 

فتون عباسي: على كل حال بما أنك تتحدّث عن المشير خليفة حفتر، سنستمع سويّة إلى ما جاء في التحرير المصرية. هل يحقّق مؤتمر باليرمو الأمن والاستقرار في ليبيا؟

 

التحرير المصرية: هل يحقّق مؤتمر باليرمو الأمن والاستقرار في ليبيا؟

أول الحاضرين إلى روما رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السرّاج الذي أكّد الحاجة إلى تحديد مسار للمصالحة الوطنية ونزع سلاح الميليشيات والتعهّد بدعم المقترح الإيطالي للتأسيس لمنصّة حوارٍ قبيل التخطيط لإجراء انتخابات، فيما أكد قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر أثناء زيارته روما مشاركته في مؤتمر باليرمو، وهو ما سيمثل نجاحاً كبيراً لإيطاليا وفق تقرير المجلس الأطلسي.

خبراء أشاروا إلى أهمية مشاركة حفتر في المؤتمر التي تتمثّل أولاً في إدراك موقف إيطاليا المتغيّر الذي أصبح أكثر تصالحاً مع نظرائها في برقة وأقلّ استعداداً لدعم من في السلطة في طرابلس. وأضافوا إن العامل الثاني يتمثل في إدراكه دوره باعتباره فاعلاً لا غنى عنه في المشهد السياسي الليبي، وهو الدور الذي عزّزته أكثر وجهات النظر المتغيّرة لإيطاليا وفرنسا اللتين منحتاه نوعاً من الشرعية السياسية على الساحة الدولية.

أما السبب الثالث لحضور حفتر مؤتمر باليرمو فيتمثّل في تنامي الضغط الدولي للتوصّل إلى حلٍ للأزمة الليبية، إذ أعرب أقرب حلفاء حفتر مثل روسيا عن دعمهم له، لكنّهم لا ينوون دعم التكلفة السياسية لأزمةٍ غير محتملةٍ قد تكون أسوأ من الوضع الحالي المعقَّد بالفعل، ولهذا السبب قد يكون يبحث عن حلفاء جُدد.

وأخيراً يمكن القول إنّ الواقع الجديد في ليبيا هو العقبة الرئيسية في طريق نجاح مؤتمر باليرمو المرتقب الذي سشارك فيه الكثير من الوفود الليبية.

 

فتون عباسي: بداية أستاذ عبد الحكيم هل سيشارك حفتر في المؤتمر أم لن يشارك لأن هناك تضارباً بالمعلومات حتى هذه الساعة؟

 

عبد الحكيم معتوق: الماريشال حفتر كانت لديه رغبة حقيقة في المشاركة، والمعلومات التي توافرت لي قبل أسبوع من الآن، بأنّ هناك وفداً من برقة، من أعيان ومشايخ برقة، لديهم حزمة من المطالب للسلطات الإيطالية وأرسلوها، ولم يأتِ الرد. هنا أثيرت حفيظة خليفة حفتر، المشير خليفة حفتر، واستفزّته، لأن برقة، تعرفين أن عمر المختار ينتمي إلى برقة، وكثير من شهداء حركة الجهاد الليبي من برقة أيضاً، فأرسلوا، لأنّ الحكومة الإيطالية كانت وقّعت معاهدة صداقة مع ليبيا، وأطلقت سلسلة من الوعود بعد أن اعتذرت وقبّل برلوسكوني نجل الشهيد عمر المختار، ولم تفِ بوعودها، فهذا يدلّل على أن العقل الإيطالي مافيوزي، عقل شكّاك وفاجر ولا يمكن الوثوق فيه.

فعندما أرسلت هذه القائمة رُفِضت. هنا سمعت من مصادر موثوقة في قيادة الجيش بأن خليفة حفتر ينوي الذهاب إلى موسكو على حين غرّة، لم يعلن عن هذه الزيارة، ذهب إلى موسكو والتقى بقائد الجيش هناك وبرئيس الأركان ما حذا أيضاً برئيس المخابرات الإيطالية إلى اللحاق به هناك، لأن الإيطاليين شعروا بأن خليفة حفتر ذهب إلى موسكو ربما لكي يتحدّث مع الروس حول إذا ما هو رفض المشاركة، ماذا سوف يحصل في ما بعد.

أنا الذي فهمته، وهذه قراءتي، بأنه تحصّل على تطمينات من الروس إذا ما رفض المشاركة. مرّة أخرى جاء كونتي رئيس الحكومة الإيطالية، جوزيبي كونتي الأمس في زيارة سرّية، للأسف طبعاً الإيطاليون قالوا هذا الكلام غير صحيح، وأنا أؤكّد لك أنّ جوزيبي كونتي ذهب في طائرة خاصة على عَجَل إلى الرجمة حيث مقر القيادة غرب بنغازي والتقى بالمشير وحاول أن يثنيه، وحتى اللحظة ما زالت مصادر إيطالية تقول نحن في انتظار المشير وأنا أؤكّد لك عبر قناة الميادين أن المشير خليفة حفتر لن يحضر مؤتمر باليرمو.

 

فتون عباسي: لن يحضر وللروس علاقة مباشرة بهذا الموضوع؟

 

عبد الحكيم معتوق: لن يحضر.

 

فتون عباسي: للروس علاقة مباشرة بهذا الموضوع؟

 

عبد الحكيم معتوق: أنا أتصوّر، هذه قراءتي، فتون، لأنه عندما كان يرغب، ذهبت قائمة الوفد مع المطالب، لم يردّ عليها، وهي فُسّرت دبلوماسياً بأنها شكل من أشكال الرفض، طار إلى موسكو وتحدّث مع الروس وجاء بعده، ومنذ أن وصل خليفة حفتر صدر بيان رفض المشاركة.

 

فتون عباسي: وصلت الفكرة، وهذا يستدعي أن نطرح سؤالاً له علاقة بتصريحات لأعضاء في مجلس العموم البريطاني تتّهم روسيا بإقامة قاعدتين عسكريتين لقواتها في الشرق الليبي، وبتهديدها لمنطقة غرب المتوسّط وسعيها لإقامة وجود عسكري دائم في ليبيا.

ما مدى دقّة هذا الكلام؟ وأين أيضاً تتموضع روسيا الآن سياسياً في الملف الليبي أو المشهد الليبي؟

 

عبد الحكيم معتوق: هناك جزئيتان مهمتان فتون. الجزئية الأولى تتعلق بالصراع البريطاني الروسي، والذي تجلّى في موضوع الجاسوس الذي قُتِل إلى ما هنالك، والخلاف العميق حول موضوع الغاز والتوجّه الروسي حول خلق بديل للغاز الأوروبي، فهذا التشويش أو هذا التشويه، وبالمناسبة هذا التقرير نشرته صحيفة الـsun وأنا اطّلعت عليه وعلّقت عليه أيضاً، أنا لا أستأنس ولا أثق في ما نُشر، ولكن بالعودة إلى العلاقة الليبية الروسية، العلاقة الليبية الروسية علاقة قديمة فتون، تمتد إلى عقود، وليبيا بالمناسبة في عهد معمّر القذافي كانت هي الوكيل الحصري للأسلحة الروسية  من الكلاشنكوف لصواريخ الغراد.

 

فتون عباسي: الآن أين تتموضع روسيا في المشهد الليبي، الآن؟ وهذا الكلام صحيح، الخاص بأعضاء مجلس العموم البريطاني؟ تؤكّده؟

 

عبد الحكيم معتوق: مجلس العموم البريطاني يقولون، أو هكذا سُرّب عبر الـ sun وهكذا تناولوه بهذه الشكلية، قالوا بأن الروس يريدون موطئ قدم في ليبيا بحجّة مواجهة الهجرة العكسية.

طبعاً إذا كانت هناك رغبة روسية في الدخول على خط الأزمة الليبية على هذا النحو والتواجد العسكري في قواعد، فمعنى ذلك أنّ الحريّ بهم أن يذهبوا إلى الجنوب حيث مصادر الطاقة وحيث الممرّ الرئيس لكل تلك القوافل البشرية التي تزحف إلى ليبيا من أفريقيا، هذا جانب، ثمّ الذي تابعته، وتعرفين، كنت في المنطقة الشرقية وعملت متحدّثاً باسم الحكومة وقريب جداً من كل هؤلاء ولديّ مصادري ولديّ معلومات، أنّ الذي يعمل عليه الجيش الليبي أو نواة الجيش الليبي بقيادة المشير حفتر هو دورات عسكرية متطوّرة، وهذا قديم طبعاً لأنّ هناك اتفاقات، ربما تحصل على سلاح، هناك أيضاً خبراء جاؤوا وساعدوه، لكن فتون أجزم لك بأن تواجد، الآن لا يوجد ،وأنا لا أتصوّر أن بوتين أو القيادة الروسية سوف تعمل على إنشاء قاعدة في ظل هذا المخاض ولا توجد سلطة مركزية ولا قيادة جيش موحّدة.

 

فتون عباسي: لكن هناك صراع أميركي روسي خفيّ أيضاً على الملف الليبي الآن؟ أليس كذلك؟

 

عبد الحكيم معتوق: مُعلَن، ليس خفياً، ويا ليت الروس يأتون ويحلّوها، أين المشكلة؟ نحن نبحث عن حل، الصراع ليس خفياً، والصراع على مصادر الطاقة، على الغاز، على المياه، أنت تعرفين، أن البرلمان الأوروبي في سابقة غريبة جداً منذ ثلاثة أيام أوصى المفوضية الأوروبية، هذا نحن نقدّم مساعدات للفرقاء الليبيين، لماذا لا تتوسّع سفن الصيد البحري الأوروبي وأن تدخل المياه الإقليمية لأن ثمة ثروة سمكية هائلة مهملة؟ بهذه الوقاحة أيضاً.

 

فتون عباسي: هذا في ما يخصّ أوروبا لكن السؤال هو عن الصراع الأميركي الروسي الخفيّ الآن غير المُعلن حول ليبيا، على ماذا يتركّز؟

 

عبد الحكيم معتوق: الأميركان لم يدخلوا على خط الأزمة بشكل صريح، هم ربما ترجموا ذلك في اختيار ستيفاني وليامز، تعرفين ستيفاني وليامز هي أحد تلامذة جون بولتون، وهو الذي اقترحها على دونالد ترامب، وبالمناسبة دونالد ترامب اتصل بغوتيريش وقال له أريد أن تكون ستيفاني ويليامز نائبة لغسان سلامة، ربما في محاولة لسحب البساط ولم يلتزموا بآليات الترشيح، على الرغم من أن غوتيريش كان يريد هذا الذي كان سفيراً في لبنان، ما إسمه، رشّحوه والأميركان رفضوه، فبالتالي ربما من خلال الآليات المتعارفة، الروس يتحرّكون ببطء شديد حقيقة، ربما تكون هناك تفاهمات سرّية استخبارية عسكرية، ربما، لكنها فتون لم تتبلور في أي شكل. بوغدانوف يأتي إلى طرابلس، أنا أتحدّث عن جيفري فيلتمان، جيفري فيلتمان كان مرشّحاً في هذا الأسبوع الأخير ولكنه رفض، يبدو أن الأميركان لم يقبلوا جيفري فيلتمان على غرار ما قبلوا ودفعوا بستيفاني وليامز.

فربما الروس وهذا مؤكّد، ربما تكون لديهم تفاهمات، حتى مع الغرب الليبي، بالمناسبة هم بالحقيقة وهذا قاله بوغدانوف وقاله سيرغي لافروف أيضاً، لكنهم لم يعرفوا تماماً مثلما كنت تحدّثت مع حضرتك تحت الهواء عن شكل المشهد السياسي الليبي الذي يسمح بأن تكون له قنوات اتصال حقيقية وفاعلة وجادّة وملتزمة.

 

فتون عباسي: والروس، بجملة واحدة لأنه بقي محوران أريد أن أناقش فيهما، روسيا الآن تتبنّى حفتر في ليبيا؟ تعتمد على حفتر في ليبيا؟

 

عبد الحكيم معتوق: ليس بشكل كامل، هناك تفاهمات.

 

فتون عباسي: مع مَن غير حفتر؟

 

عبد الحكيم معتوق: هو سياسياً مثلما قلت لك، بوغدانوف يذهب إلى الشرق ويأتي إلى الغرب الليبي، يتصل بالجيش ويتصل بالبرلمان ويتصل بالمجلس الرئاسي ويلتقي بكل الأطراف، لكن عسكرياً، وأيضاً أحمد معيتيق نائب رئيس المجلس الرئاسي ذهب إلى موسكو، لكن عسكرياً، أمنياً، التنسيق مع حفتر أقرب منه إلى المجلس الرئاسي.

 

فتون عباسي: وزير الخارجية الألماني أثنى على مؤتمر باليرمو وألمح إلى دور ألماني محتمل لتقريب وجهات النظر بين فرنسا وإيطاليا.

هل سنشهد دوراً أكبر للألمان في ليبيا؟ على أية خلفية؟ ما الهدف؟ بسرعة لو سمحت الإجابة.

 

عبد الحكيم معتوق: ونحن صرنا مثل الطابة، من جنيف إلى هولندا إلى الصخيرات إلى ألمانيا، ما الذي سوف يضيفه يا فتون الدور الألماني؟ هو أسوة بالدور الفرنسي الإيطالي، كلها مطامع فاضحة ورغبة في أن تكون لديهم حصّة، مثلما قلت لك وما قاله ترامب في تصريحه، يتصارعون على الكعكة الليبية، والكاد يأتي على الشعب الليبي.

 

فتون عباسي: تقاسم الكعكة، سينجح باليرمو أم لن ينجح برأيك؟

 

عبد الحكيم معتوق: هو كان يمكن أن توضع لُبنة لترتيبات أمنية اقتصادية، صيغة ليتفق عليها المجتمعون حول الذهاب إلى انتخابات برلمانية ورئاسية حسب خطة غسان سلامة في مارس (آذار) المقبل، لكن حقيقة الضلع الذي يعتبره الغرب مهماً لجهة أنه قوة مسلّحة، ولديه موالون من القبائل وغيره، ويتحكّم في إقليم جغرافي شاسع وهو الشرق الليبي حيث الهلال النفطي، لم يحضر، هذا يُضعِف تماماً حظوظ نجاح مؤتمر باليرمو.

 

فتون عباسي: أموال ليبيا تُنهَب، نفط ليبيا يُنهَب أيضاً، هناك أموال ليبية تبخّرت في بلجيكا. كان هناك تغريدة لرئيس لجنة الحوار في البرلمان الليبي عبد السلام نصية، قال فيها "مرّة أخرى نحن لا نريد معلوماتٍ عن كيفية إفراج بلجيكا عن فوائد الأموال الليبية المجمّدة وعن قانونية ذلك، نحن نريد أن نعرف أين ذهبت هذه الأموال، وكيف جرى التصرّف فيها. على المؤسّسة الوطنية للاستثمار تحديد ذلك وبأقصى سرعة وعلى النائب العام التحرّك وتكليف قاضي تحقيق خاص"، تحت هاشتاغ استعادة الدولة.

أين تبخّرت الأموال الليبية في بلجيكا برأيك؟

 

عبد الحكيم معتوق: والله فتون، كما قلت لك في بداية حديثي الأرصدة الليبية تناهز نصف ترليون دولار حسب إفادة مدير المصرف المركزي الفرنسي، أنا لا أتصوّر أن الأصول سواء كانت في شكل سيولة، ودائع أو في شكل عقارات أو مزارع أو مصانع وهي كثيرة في أفريقيا، في أوروبا، حتى في لبنان، أنا شخصياً أحصيت ما يقارب المليار دولار استثمارات ليبية في لبنان مجمّدة.

أنا لا أتصّور أن التلاعب تم في الأصول، ربما يكون تم في الفوائد، فوائد هذه الأصول، على رغم أن هناك قراراً من مجلس الأمن يحظّر التصرّف في هذه الأصول أو فوائدها، لأن الفرع هو من الأصل، لكن الذي عرفته في قضية الأموال، حسبما أفادت به الإذاعة الوطنية البلجيكية، وما دار من جدل حول هذا الموضوع، أنّ هناك نوعاً من التواطؤ، هناك شخصية ليبية كانت تشغل مدير ديوان رئيس حكومة ليبيا السابق المدعو علي زيدان، هو الذي تواطأ، إسمه حسن بساكري مع السلطات البلجيكية بغية تمرير فوائد الودائع الليبية الموجودة في بروكسيل، والتي تصل إلى 300 مليون يورو سنوياً من عام 2012، أي إجمالي المبلغ حوالى مليار و800 مليون يورو.

طبعاً البلجيكيون عندما أثيرت هذه القضية قالوا بأن لدينا إفادات رسمية، حوّلنا هذه الفوائد إلى الشركة الليبية للاستثمار، ولكن السؤال الذي يُطرح الآن وهذا الذي أكد عليه صديقنا العزيز الدكتور عبد السلام نصية بأنه أين ذهبت هذه العوائد وكيف تصرّفت فيها الشركة الليبية للاستثمار.

 

فتون عباسي: معلومات مؤكّدة تقريباً بأنه أرسِلت الفوائد للشركة الليبية للاستثمار؟

 

عبد الحكيم معتوق: هذا ما قالته السلطات البلجيكية، قالت نحن اتصلت بنا الشركة الليبية للاستثمار وهناك فوائد، لم نمسّ الأصول، نحن تصرّفنا في فوائد هذه الأصول التي بلغت 300 مليار يورو سنوياً منذ العام 2012 حتى اليوم.

 

فتون عباسي: في هذه المشهدية المعقّدة والمفكّكة في آن واحد، تحقيق خاص هل يمكن أن يكون صادقاً وأن يخلص إلى حل هذه المشكلة أو إعادة الأموال أم أنه لا مجال؟

 

عبد الحكيم معتوق: والله الذي ضاع ضاع، لا أتصوّر، ضاعت بلد وضاعت أرواح وضاعت ممتلكات. الأموال هي أصلاً، كل القصة قصة إسقاط النظام والثورة الليبية في غير المعلن هو حل مشاكل دول تعاني من أزمات اقتصادية خانقة مثلما حصل مع اليونان وإسبانيا، كلّها تصرّفت بالأموال الليبية.

الأموال الليبية أصبحت مشاعاً، بصراحة، لا أعرف إذا كان حلّت الأزمة الليبية، طبعاً أعود إلى إشارتك المهمة وهي الإرادة الوطنية، متى كان هناك مشروع وطني متكامل، جيش وشرطة وقضاء وصحافة حرّة، ممكن وهذا طبعاً مرتبط شرطياً بالسيادة والسيادة منتهكة أيضاً هي الأخرى، مرتبط بمدى استعداد هذا الإنسان الليبي على أن يكون حاضناً لهذا الوطن الذي ولِد وتربى فيه، ألا يكون مرتبطاً أو مرتهناً، هناك مجموعة عوامل حقيقة صعبة.

 

فتون عباسي: للأسف نفهم بأن الواقع لا يدعو للتفاؤل؟

 

عبد الحكيم معتوق: لا طبعاً.

 

فتون عباسي: أشكرك عبد الحكيم معتوق الكاتب الصحافي الليبي كنت معنا مباشرة من القاهرة.

هذه الحلقة انتهت مشاهدينا. دمتم سالمين.