حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

أوغاريت دندش - صحافية في قناة الميادين ومقدمة برنامج "من الأرض"

محمد علوش: في كل متر بل في كل شبرٍ من سوريا حكاية متكاملة الفصول، أحداثها سطّرتها الحرب التي دخلت عامها الثامن منذ شهور. في سوريا شعبٌ كابَد الآمال فلم يرحمه الدهر ولا رأفت به أنات الأمّهات. بعض منه أناسٌ رحلوا وما زالت ذكراهم تتسكّع في الأزقة والساحات بعضٌ آخر يتأرجح بين الموت والحياة، جرحى ومفقودون وباحثون عن غدٍ أفضل.

إلى تلك الأرض ذهبت مدفوعةً بشغف المهنة وحبّ البلاد فكانت شاهدةً على الحرب التي لم تكتب بعد سطرها الأخير، صحافيةٌ تحدّت الصعاب وواجهت الموت مع كل قصة جديدة. ففي الحرب لا شيء جميل، حتى الانتصار يحمل المرارة. بهذا تُلخّص ضيفتنا الحكاية في كتابها عشرة كيلومترات من الأرض.

عن تجربتها في قناة الميادين، عن برنامجها من الأرض، عن العمل الصحافي في بيئة الحرب، عن تمزّق الأوطان أمام أعين أبنائها، نُحاور الزميلة أوغاريت دندش.

حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، طبعاً هذا الحوار خاص مع الزميلة أوغاريت دندش، أهلاً وسهلاً بك، والحمد لله على سلامتك، مبارك الكتاب.

أوغاريت دندش: أهلاً بك وسلّمك الله وشكراً بارك الله بك.

محمد علوش: لماذا كانت التسمية عشرة كيلومترات من الأرض؟

أوغاريت دندش: طبعاً في البداية توقّفت كثيراً عند العنوان، ما الذي من الممكن أن يختصر هذه التجربة، لا يمكن لعنوان أن يختصر هذه التجربة ولا يمكن حتى لكتاب يختصر تجربة لأنها تجربة حياة. يعني عندما اخترت أن أذهب إلى سوريا، أن أجتاز الحدود فيما الكثير من السوريين يجتازون الحدود في الاتجاه المعاكس بسبب ظروف الحرب طبعاً من دون أيّ تقييم لهذه الحال، اخترت أن أبقى هناك، أن أقيم هناك وأن أعيش يوميات الحرب. عشرة كيلومترات هي المسافة الفاصلة بين الحدود اللبنانية والحدود السورية في منطقة المصنع، المنطقة بين قوى الأمن اللبناني وقوى الأمن السوري، يعني هذه العشرة كيلومترات التي تنتمي إلى كلا البلدين وجدت أني أشبه هذا الطريق، هذه العشرة كيلومترات، فلأقول أني اجتزت هذا الطريق لأنني أنتمي لكلا البلدين، هي مهمة صحفية ولكن أيضاً هي مهمة أخلاقية وإنسانية وفيها شيء من الإنتماء، يعني سوريا ولبنان بالنسبة إليّ أكثر من مجرّد مهمة صحافية، التوجّه من لبنان إلى سوريا والإقامة في سوريا وفي دمشق هي بالنسبة إليّ خيار، خيار أن أكون شاهداً وليس متفرّجاً، أنا أكون شاهدةً وليس متفرجةً في هذه الحرب، لهذا أسميت كتابي عشرة كيلومترات، هي عشرة كيلومترات من الأرض الفاصلة بين لبنان وسوريا.

محمد علوش: أحياناً يلجأ بعض الصحافيين - ليس كل الصحافيين طبعاً - إلى الهرب من العمل في بيئة مليئة بالمخاطر، خاصة إذا كانت الحرب ليس فيها قواعد كما يقول البعض، لماذا تذهب أوغاريت من لبنان إلى سوريا لتغطّي هذه الحرب بشكلها التفصيلي في كل يوم تقريباً؟

أوغاريت دندش: في البداية سأرجع قليلاً إلى الوراء، عام 1996 وعام 1993 تعرّض لبنان لاعتداءات إسرائيلية من قِبَل العدو الإسرائيلي، اعتداءات محدودة ولكن كانت قوية، في ذلك الوقت قرّرت ألا أكون متفرّجة في أيّ وقت تتعرّض فيه بلادنا لاعتداءات.

محمد علوش: تقصدين أيّ بلد عربي؟

أوغاريت دندش: أيّ بلد من المنطقة. الانتماء يتفاوت، طبعاً البلاد العربية أنا معنية بها ولكن يتفاوت الانتماء بين منطقة عشتها، يعني أنا ولِدت في لبنان وأنا سوريا بالنسبة إليّ ولبنان وفلسطين والمنطقة هي كيان جغرافي واحد حتى لو فصلت بينها اتفاقية سايكس بيكو.

محمد علوش: سوريا الكبرى تقصدين.

أوغاريت دندش: طبعاً. الانتماء مختلف حتى عطافياً، يعني بالنسبة ليس حتى تحديداً سوريا، يعني أنا ولِدت في منطقة حدودية هي مدينة الهرمل، اجتياز الحدود لحمص كان بالنسبة إليّ أمراً شبه يومي، مثلاً في الحرب اللبنانية التي قطعت الطريق باتجاه بيروت وباتجاه زحلة فكانت ذكريات الطفولة وذكريات مرحلة المراهقة ومرحلة حتى النمو الفكري هي بين مدن سوريّة كدمشق واللاذقية وحمص، لذلك هذا الانتماء وهذا الشعور جعلني دائماً وحتى اليوم إذا عاد بي الزمن سبع سنوات إلى الوراء سأختار مجدّداً أن أكون في سوريا، يعني أن أعيش في سوريا، ليس فقط أن أكون هناك كصحافية ولكن أن يكون لديّ مكان أقيم فيه وأن أعيش يوميات الحرب وأن أكون هناك، يعني حتى أنا شعرت بالذنب في بعض الأحيان عندما كنت أعود إلى بيروت، يعني عندما كنت أجلس في مناطق آمنة، عندما كنت أحصل على الطعام والشراب بشكل طبيعي يعني كما هي الحال في بلد لا يعيش حرباً، كنت أشعر أحياناً بالذنب، كنت أشعر بالذنب باتجاه أولائك الأشخاص الذين تركتهم خلفي على الجبهات، على جبهات القتال، يعني أنا أقول في الكتاب أنا دائماً في نهاية كل تغطية أعدهم بالعودة ويتظاهرون بأنهم يصدقّون ونحن نعلم أن شمس اليوم التالي قد لا تشرق على أحدنا، دائماً هذه الوجوه بقيت في ذاكرتي ومع الوقت ازدادت هذه الحال، يعني أنا لا أخفي عليك أنه في بداية الحرب أنا اجتزت الحدود بكل هذا الزخم العقائدي والفكري والانتماء والمهني، ولكن مع الوقت الشأن الإنساني طغى كل ما عداه، أنا أقول حتى في الكتاب ربما أنني أصبحت أماً خلال هذه السنوات اختلفت نظرتي أصبحت أقلّ حكماً على قرارات الأشخاص.

محمد علوش: البُعد الوجداني حاضر جداً في الكتاب خاصة لمن يعرفك بشكل كبير، هناك بصمة إنسانية واضحة جداً في هذا الكتاب مليء بالعِبَر، طبعاً سنتحدّث في كثير من النقاط التي أنا قرأت ما تيّسر لي جزء يسير منه، لكن بالفعل يستوقف كثير القارئ. على أية حال، طبعاً الزميلة أوغاريت لم تكن مجرّد مقدّمة أو إعلامية بل كانت في كل حلقة تقدّمها عبر قناة الميادين كانت تتعرّض فيه إلى الخطر، الخطر الجدّي وليس فقط خطر وهمي، خطر حقيقي، عبر برنامجها من الأرض خاضت تلك التجربة نشاهد مقتطفات من تلك التجربة.

- تقرير: في هذه الحلقة من الأرض نزور مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في العاصمة السورية دمشق، أهلاً بكم.

من مطار دير الزور العسكري هذه الحلقة من الأرض أهلاً بكم.

المعارك الآن تجري في هذه المناطق وتحديداً في القرى المجاورة على السلسلة الشرقية لجبال اللاذقية.

في هذه الحلقة من الأرض من جبال البلعاس أهلاً بكم.

في هذه الحلقة من الأرض من حرستا أهلاً بكم.

في ريف حمص الغربي إلى هذه المنطقة فريق من الأرض أوغاريت دندش، غسان نجار.

محمد علوش:أعود إليك أوغاريت، بعض اللقطات توحي وكأن هناك نوعاً من الخوف الداخلي وأنت تُطلّين على الكاميرا، هل هو خوف من الكاميرا أم من الأحداث التي كانت تجري وأنت تغطّين هذه المشاهد؟

أوغاريت دندش: في أثناء التصوير عادة أيّ اشتباك أو أية معركة شعور المشاركين إن كان من المقاتلين وإن كان من الصحافيين، أتحدّث عن المقاتلين لأننا خضنا معهم معظم المعارك وتفاعلنا معهم، لا يشبه شعور من يشاهد عن بُعد، حتى نحن عندما نعود إلى المحطة أو إلى منازلنا أو إلى الفندق أحياناً ونشاهد هذه المشاهد نراها بعين أخرى، يعني حتى نحن نتفاجأ أحياناً من الصورة عن بُعد، لذلك خلال المعارك لا يكون الهمّ التركيز بشكل أساسي على الخطر، يعني أنت تعيش الحدث ولذلك يمكنك الاستمرار، يعني التفكير بالخطر يجعلك ترتكب الأخطاء والخوف في هذه اللحظات يعرّض فريق العمل ويعرّض أيضاً حتى الفرق الموجودة من الجيش أو من القوات الرديفة التي نرافقها في المعارك يعرّضها للخطر لأننا نشكّل حال إرباك، لذلك لا أستطيع أن أتحدث عن خوف في هذه اللحظات ولكن هناك مجهول يعني أنت تُقبل على المجهول، حتى في المعارك، نحن لا نتكلّم عن معارك بين جيشين نظاميين وبالتالي المعركة إلى حدّ ما واضحة المعالم، لا سيما في السنوات الأولى، في السنوات الأولى كنا في بعض الأحيان في حلب تحديداً عام 2012، يعني في بداية المعارك، بداية دخول المسلحين إلى حلب، كنا ندخل إلى بعض المناطق ونحن نعتقد على سبيل المثال أن الجهة اليمنى هي آمنة ويتضّح لنا أن المسلّحين دخلوا إلى الجهة اليمنى نتعرّض لإطلاق نار من الجهة اليمنى فيما نحن كنا نتصرّف على حذَر.

محمد علوش: بيئة غير مستقرّة إطلاقاً كانت.

أوغاريت دندش: أبداً، ولذلك كانت هذه المعارك في هذه اللحظات تفكّر أكثر في الحال الجغرافية، مع الوقت تعلّمت أن أدرس المنطقة جغرافياً، يعني كنت آخذ بعين الاعتبار أن أيّ طارئ يحصل عليّ أن أفكر أنا وفريق العمل على طريقة للانسحاب وعدم الاعتماد الآخرين لأنهم قد يتعرّضون للقتل.

محمد علوش: هناك سؤال دائماً قد يُطرح، البعض يقول أن الإقدام أحياناً على الخطر قد يقدم عليه المرء حين لا يعلم أنه سيقع في خطر، لكن عندما يكرّر التجربة مرة بعد مرة، كيف يمكن أن نفسّر ذلك؟  هذا واجهك في كل مرة كنت تقدّمي فيها برنامج من الأرض، كل مرة مرافقة للقوات السورية كان هناك خطر يلاحق بكم كصحافيين، في المرة الأولى والمرة الثانية والمرة الثالثة، لماذا أدمنتي هذا إذا صحّ التعبير بين قوسين؟

أوغاريت دندش: البعض يتحدّث عن إدمان الأدرينالين، لأن الإدرينالين قد يكون فعلاً هو إدمان.

محمد علوش:لا أنا أقول إدمان الخوف.

أوغاريت دندش: ليس الخوف ولكن الإقدام، نحن نريد أن نرى خواتيم المعارك، في بعض الأحيان خاصة مع الزميل غسان نجار وهو خضت إلى جانبه أصعب المعارك.

محمد علوش: نوجّه له التحية.

أوغاريت دندش: هو مهنياً للصحافي الميداني أو للمراسل الميداني الشريك كمصوّر الذي يتمنّاه كل صحافي في العالم أعتقد، لأن غسان كان فعلاً حتى في بعض الأحيان كنت أقول أنني أحتاج إلى أحد أكثر هدوءاً أو أكثر تروياً أو حذراً من غسان لأنه كان مشجّعاً. فنحن كنا نريد أن نرى خواتيم المعارك فبعض الأحيان كنا نصل يعني هناك أتممنا المهمة، أنهينا التصوير لدينا مادة كافية لكننا كنا نبقى، في أحد المرات قال لنا أحد العساكر ليلاً بقينا طوال الليل، لماذا باقين هنا؟

خضنا هذه المعركة بكل اندفاع أردنا دائماً أن نصل إلى خواتيمها أن نرى ماذا سيحصل. وأعتقد أنه خلال عرض برنامج من الأرض هذه المعرفة أو هذا الإدراك للميدان لا يتعلّق فقط بالمادة المصوّرة، كان عليّ أن أفهم، كان عليّ أن أعرف، مسار المعركة، المشاركون في القتال، مخاوفهم، لحظات ضعفهم، كل هذا شكّل جزءاً من معرفتي أو من هذا الخزّان الذي لديّ.

محمد علوش: أوغاريت تقولين، قلتي في بداية الحلقة أنك ذهبت إلى سوريا مدفوعة بالهمّ المهني إضافة إلى بُعد عقدي، هكذا فهمت منك، هل تغيّر لديك شيء في هذا البُعد عندما ذهبتِ إلى أرض المعركة؟ هل أصبحت أكثر تسامحاً مع الآخر، أكثر رغبة في التحاور معه، أم أكثر اعتقاداً أنه لا بدّ من استئصاله والتعامل معه بجرأة أعلى مما كان عليه؟

أوغاريت دندش: لأكون واضحة، عندما تحدّثت عن عقائدياً، استعملت هذا التعبير، أنا بالنسبة إليّ العدو هو العدو الإسرائيلي ولا عدو آخر كعدو.

محمد علوش: جميل.

أوغاريت دندش: لكن ما يحصل اليوم في سوريا هو، للأسف، بين أبناء الشعب السوري، إضافة إلى حلفاء من هنا أو من هناك، ولكن المسألة دائماً أنا أقول ولن أدخل في تفاصيل الصراع السياسي الموجود أو حتى العسكري لأني لم أدخل حتى في الكتاب، ولكن لأجيب على سؤالك، بالنسبة إليّ هناك سوريون يتقاتلون على الأرض السورية، هناك أطراف أخرى طبعاً موجودة على الأرض السورية، بالنسبة إليّ أنا العدو في الحرب السورية هو الفكر، يعني أنا فكرياً قد أجد أن بعض المقاتلين يحملون فكراً أعتبره خطراً على شعبي، خطراً على مجتمعي، خطراً على وحدة المجتمع، هذا الفكر أنا بالنسبة إليّ لا زلت أؤمن بأنه يشكّل خطراً على المجتمع وبالتالي هو بمثابة العدو.

محمد علوش: أيّ جانب فيك تغيّر؟

أوغاريت دندش: تغيّر الجانب الذي يقول أإن الانتصار في الحرب الداخلية أياً كان هو منقوص، وقد أقول أنه ليس بانتصار كامل.

محمد علوش: أنت شبهّته بكتابك بالمرارة كالعلقم، أنه حتى الانتصار هو أشبه بالمرارة.

أوغاريت دندش: مرارة العلقم طبعاً، لأني بدأت أتعامل بعد أشهر قليلة ولكن هذا الأمر تدريجاً أصبح الهمّ الأساسي لديّ بأن هؤلاء الضحايا هم أسماء وليسوا أرقاماً وبالتالي كتبت قصصهم بأسمائهم لأقول ربما بعد سنوات من الحرب، سنوات طويلة، أن هؤلاء الذين قضوا في الحرب السورية ليسوا أعداداً، يعني لن نتحدّث عن مئة ألف، مئتي ألف، مليون، مليونين، نحن نتحدّث عن أحلام سُرقت، عن شباب بُترت، بُترت أطرافهم وبُترت أحلامهم، عن عائلات لن تعيش بسلام مجدّداً، عن أمّهات ثكلى، عن كل هذا الألم.

محمد علوش: قرأتي الضحايا أسماءً ، شخوصاً، عوالم، وليسوا مجرّد أرقام منسيّة وستّنسى، وكان هناك صراع واضح في الكتاب ما بين البُعد الإنساني والعمل الصحافي البارد أحياناً، سنأخذ مقطعاً من الكتاب لندرك إلى أيّ حد بلغ هذا الصراع الداخلي لدى الزميلة أوغاريت، نشاهد معاً.

- تقرير: 10 كيلومترات... من الأرض

رجال أرسلوا أبناءهم إلى حتفهم، ومع كل رنّة هاتف وجرس باب يتوقّعون أن تسلبهم الحرب أحباءهم. أمّهات شاء القدر أن يلدن مشاريع شهداء في بلاد لم يرأف التاريخ بشبابها أو شيبها يوماً. نساء لم يدركن بعد أنهن أصبحن أرامل. أطفال كبروا قبل زمانهم، وحبيبات تلمع عيونهن حباً وهنّ لم يتذوقنّ طعم الحب بعد.

هي الحرب بأبشع صوَرها، فالعدو هنا قد يكون جاراً أو زميلاً أو حتى صديقاً في زمان آخر. في زمن الحرب الداخلية تسقط القِيَم والمبادئ، تُستباح القوانين الأخلاقية، هنا القتل يحمل أسماء متعدّدة، يلبس ثوب الدين حينا، وثوب الحرية أحياناً، يختبئ خلف أشكال أكثر بهاء لعلّه يُنسينا بشاعته، يدعونا إلى استقباله بطيب خاطر، يظهر لنا أن الهدف سام، وأن مرارة العلقم في حلوقنا محض خيال، وأن خسارتنا كأفراد وخسارة الوطن ليستا بقدر ما نشعر بهما.

هنا الطائفية، هنا لا مكان للرحمة والتسامُح، في سوريا لم يفسح الموت مجالاً للحب والأخوّة والمواطنية. هنا تعدّدت الطرق والسب والنتيجة واحدة. هنا حلب، هنا الموت في الانتظار.

محمد علوش: أوغاريت بصراحة كلمات معبّرة لا شك في الموضوع، والتعبير هنا ليس واضحاً فقط في الصياغة، هناك بُعد فكري واضح وهو أنه البُعد الطائفي إلى أيّ حد، نحن في لبنان نعيش حالة مزمنة من المرض الطائفي، تقديرك وأنت عشتي الأحداث السورية بتفاصيلها والحرب تغيّر كما تغيّر معالم الأرض تغيّر معالم النفوس هذا واضح جداً، إلى أيّ حد عملت هذه الحرب عملها في نسيج المجتمع السوري؟

أوغاريت دندش: قد يكون كلامي هنا قاسياً وثقيلاً حتى على السوريين أنفسهم، يبدو أن الحرب حرّكت ما كان خامداً أو نائماً في النفوس ويبدو أن منطقتنا بمجملها تعيش هذه الحال كما حصل في العراق، في لبنان منذ سنوات طويلة وفي سوريا اليوم. لا أقول إن الصراع في سوريا هو صراع طائفي ولكن لا شك أن الأصوات الطائفية كانت قوية وعالية ومسموعة وفعلت فعلها منذ بداية الأحداث وحتى ما قبل ذلك بسنوات، لذلك عندما أتت هذه الحرب لأسبابٍ - لا أريد الخوض بها - وبتحريض أو بمشاركة لدول متعدّدة وجدت بيئتها الحاضنة في الأرض السورية، لم يكن لهذه الحرب أن تستمر وأن تطول لو لم تجد هذه البيئة الحاضِنة، للأسف هذه البيئة الحاضِنة، الحال أو الأسباب التي جعلت من هذه البيئة بيئة حاضِنة هي أسباب طائفية شئنا أم أبينا، هي أمور قد تكون في بعض الأحيان أو قد تكون الأسباب التي أدّت إلى وجودها أو إلى استغلالها محقّة في كثير من الأحيان، ولكنها استخدمت في غير مكانها وفي غير زمانها يعني كما نقول نحن في لبنان كثيراً كلام حق يُراد به باطل، يعني في كثير من الأحيان كانت الحال، حال الفقر في بعض الأحيان، حال الإحساس بالخزلان، يعني بعض الشبان وأنا كتبت عن أحدهم هو يقول أنه قبل الحرب السورية أسّس صفحة على الفايسبوك "بانياس ضدّ الطائفية" هو أراد أن يقول أن هناك حالاً طائفية موجودة، طبعاً تم التحقيق معه، لأنه في ذلك الوقت لم يكن الحديث شائعاً ولكنه كان يستشرف، عندما طُلب هذا الشاب للخدمة العسكرية التحق بالجيش، هو قال أن ما لديّ أو ما أعترض عليه هي حقّي كمواطن يطالب بدولة ديمقراطية، بدولة متطوّرة ونحن نريد هذا الوطن ونريد أن نشارك به، ولكن عندما استُدعي للخدمة الاحتياطية هو لبّى النداء لأنه اعتبر هذا واجبه وأن الجيش هو الضمانة الوحيدة لبقاء الدولة السورية وبالتالي لاستمرار الحلم ولاستكمال طريق بناء الدولة وتطويرها، هذا الشاب أصيب في درعا خلال الاشتباكات وأصيب بعجز بنسبة معينة أدّت إلى تسريحه من الجيش، من الخدمة العسكرية، وعانى فترة طويلة وتعرّض لعدّة عمليات، يعني هنا هذه الحال ذكرتها لأنني أردت أن أقول أن مطالب الشعوب هي مطالب دائماً محقّة ولكن الوسيلة التي تعبّر بها هنا تختلف.

لذلك أنا في كتابي أردت أن أقول في كثير من مواقع الكتاب أنني أتفّهم أن يكون لدى أيّ شعب من الشعوب مطالب وأتفهّم أن هذه المطالب هي مطالب محقّة وأنه من واجب المواطن أن يكون لديه مطالب وأن يطالب بتحقيقها ويحاول تحقيقها ويحاول تطوير بلده ولكن بأية وسيلة وبأيّ ثمن، يعني لا يمكن اليوم أن تشكّل أية حال فوضى بديلاً عن أيّ نظام، النظام يطرح مشروع نظام أفضل منه، ولكن الفوضى وما حصل في سوريا هو فوضى لا تكون بديلاً عن النظام، عن أيّ نظام، مهما كان جيّداً أو سيّئاً، أنا لست في إطار الحديث عن النظام في سوريا، أنا أتحدّث في أيّ مكان في العالم.

محمد علوش: طبعاً، هو الأمر البعض يقول مرتبط بمدى الوعي السياسي لدى المجتمع في مواجهة التحديات والصعاب التي يعيشها، سنفصّل أكثر أيضاً في مواضع أخرى في الكتاب، سنأخذ شهادات لأمّهات أيضاً شهداء في سوريا، لبعض الحالات التي توغل إلى أبعد الحدود في الإنسانية في صوت المعركة حين يكون مرتفعاً وكل ذلك جزء منه طبعاً موثّق في كتاب الزميلة أوغاريت وجزء آخر موثّق أيضاً في برنامج من الأرض، لكن بعض الفاصل مشاهدينا أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

المحور الثاني

محمد علوش: لعلّ أجمل ما في العمل الصحافي حين يصبح الصحافي محرّراً إنسانياً أو مستقصياً للدفع بقضية إنسانية إلى أبعد الحدود لحماية المجتمع. ياسمين هي قصّة طفلة خطفتها مجموعة من المسلحين توثّق الزميلة أوغاريت في حوار مع أحد أخوتها هذه القصّة، نشاهد معاً.

- تقرير: أوغاريت دندش: ياسمين شاهدة، إبنة العاشرة من عمرها أخذت من قريتها نباته إلى سلمة ومنها إلى تركيا لكنها عادت كيف؟ وماذا حصل؟

 

أوغاريت دندش: تتذكّرين ماذا حصل؟ كنتي في الضيعة؟

شقيقة ياسمين: نعم أنا كنت بالضيعة، كنا قاعدين ومختبئين في محل فجأة جاؤوا ثلاثة وبدأوا يطلقون النار علينا، أختي أصيبت، قلت لأمّي وأنتم؟ قالت لا بأس نحن ندبّر أنسفنا، أختي بقيت بحضن أخي وأخي لم يكن يترك يدها. وذهبوا هم ونحن اختبأنا وأتينا نحن وأختي ذهبت ولم نعد نعرف عنها شيئاً، في الأخير جمعنا الله بها.

أوغاريت دندش: أنتم كيف نجيتم وقتها؟ تتذكّرين كيف؟

شقيقة ياسمين: أنا بقيت مُختبئة أنا وبنت عمي وأختي الصغيرة، أنا أخذت أختي الصغيرة معي، أخذتها وهربنا، إلتقينا بشاب هناك وتكلّمنا مع والدي وتواصلنا معه واجتمعنا جميعاً وهربنا.

أوغاريت دندش: الآن كيف علمتي أن أختك عادت؟

شقيقة ياسمين: الفضل لرب العالمين والعالم الذين ساعدونا.

أوغاريت دندش: إذا الخطّافين يسمعوكي الآن ماذا تقولين لهم؟

شقيقة ياسمين: الذين من سوريا أقول لهم هذا وطنكم وأغلى من تراب بلدكم لا يوجد، حرام عليكم كل شيء يحصل، والذين من خارج سوريا يعودون إلى بلدهم ويعمّرون ببلدهم أفضل من أن يأتوا ويخرّبون بلاد العالم ويقتلون الأمّهات والأطفال الصغار الذين ليس لهم ذنب.

محمد علوش: تتذكري أوغاريت في أية سنة كانت هذه الحادثة؟

أوغاريت دندش: عام 2013 يوم دخول المسلحين إلى قرى ريف سلمة في ريف اللاذقية الشمالي، يعني تم الدخول إلى 10 قرى في ريف اللاذقية، تمت تصفية بعض النساء والأطفال وأخِذت بعض النساء.

محمد علوش: إلى أية جماعة ينتمي هؤلاء الملسحون؟

أوغاريت دندش: عدد من الجماعات المسلحة، أحرار الشام، جبهة النصرة وبعض الفصائل الأخرى المتواجدة حينها في ريف اللاذقية، حتى تصفية، حتى أُوضّح، أحياناً يتم سؤالنا أنه لماذا أخذوا أناساً وتركوا أناساً؟ بحسب الفصائل، في ريف اللاذقية على الأقل بحسب الفصائل، جبهة النصرة أعتقد قامت بتصفية النساء والأطفال بعد اختطافهم.

محمد علوش: على خلفيّة ماذا؟

أوغاريت دندش: على خلفيّة أن قائد المجموعة المتواجدة قال أنهم سيشكّلون عبئاً علينا، جبال اللاذقية جبال وعرة - كما تشاهدون.

محمد علوش: وبالتالي التخلّص هو الأفضل.

أوغاريت دندش: التخلّص منهم هو الأفضل. الفصائل الأخرى اصطحبت النساء والأطفال إلى جهات مجهولة عُرف لاحقاً في ريف اللاذقية.

محمد علوش: من ضمنها ياسمين؟

أوغاريت دندش: من ضمنها ياسمين، ياسمين بسبب إصابتها بطلق ناري نُقلت إلى مستشفى ميداني على الحدود السورية التركية، لاحقاً تطلّب الأمر إجراء عملية جراحية لها نُقلت إلى داخل تركيا، أحد النواب الأتراك من المعارضين لسياسة الرئيس التركي تابع القضية واتصل بأقارب الفتاة، أريد أن أشير هنا إلى أن بعض العائلات المتواجدة في ريف اللاذقية نصفها في الأراضي التي أصبحت اليوم الأراضي التركية في أنطاكيا ولواء إسكندرون والنصف الآخر في الأراضي السورية وبالتالي هذه الفتاة كما الكثير من السوريين المقيمين في تلك المناطق لديها أقارب في الجهة الأخرى، اتصل بأقاربها وطلب منهم المجيء إلى المستشفى والتعرّف إليها، هم اتصلوا بأقاربهم في اللاذقية وتم الاتفاق بواسطة هذا النائب من حزب الشعب التركي قاموا بنقل ياسمين عبر الهلال الأحمر إلى داخل اللاذقية، هو يقول أنه أنقذها لأنه بعد معالجتها كان يتم الإعداد لنقلها إّلى جهة مجهولة ويعتقد أنها قد تكون ضمن مسألة تجارة الأعضاء التي كانت شائعة في تلك الفترة، طبعاً أنا لن أتحدث عن هذا الموضوع لأنه لم أقم بأيّ تحقيق في ما يتعلق بهذا الملف.

محمد علوش:ر لم تلمسِ أية حال؟

أوغاريت دندش: في تجارة الأعضاء صراحة مرة واحدة.

محمد علوش: مرة واحدة!

أوغاريت دندش: مرة واحدة إحدى الفتيات يوم قمت بالتحقيق بمسألة الفتيات اللواتي يتم استخدامهن - لن أتحدّث عن جهاد النكاح تحديداً - ولكن يتم استخدامهن في مسائل جنسية معينة، إحداهن هربت وقالت لي أنها كانت تعمل في البداية ضمن الأطقم الطبية التي كانت تقوم بنقل الجرحى الذين أصيبوا بطلق ناري أو إصابات بالغة في مرحلة ما قبل الوفاة ولكن تكون حالات ميؤوساّ منها، هي قالت أنه في هذه الحالات نقوم بنقل هؤلاء الأشخاص إلى تركيا شرط وصولهم أحياء وتسليمهم إلى جهة معينة في مقابل السلاح والمال، هي شاركت كما تقول، هذه الشهادة الحيّة الوحيدة التي حصلت عليها فيما يتعلق بملف بيع الأعضاء وتجارة الأعضاء بين سوريا وتركيا والتي يتم الحديث عنها بشكل كبير ولكن أنا دائماً أفضّل أن أتحدّث عن شهادات، عن مسائل ألمسها أو أعيشها، أو على الأقل أحصل على شهادات موثوقة إلى حد ما.

محمد علوش: كثيراً ما اتّهم الإعلام القريب من الدولة السورية أو النظام السوري بأنه يفبرك بعض المشاهد في إطار الحرب الإعلامية القائمة، أنت تعلمين ذلك، أو المبالغة في بعض الأمور أو إعادة تركيب الأحداث بطريقة ما، أسألك بحسّك المهني الصحافي وأنت كتبت هذا الكتاب، هل لمستي أي شيء من هذا القبيل خلال السنوات التي عشتها في سوريا وتنقلتي من دائرة حرب إلى أخرى؟

أوغاريت دندش: لن أدخل في تقييم الإعلام الآخر، يعني سأتحدّث عن قناة الميادين وعن برنامج من الأرض، يعني سأتحدّث عن نفسي. جرّبت طوال تواجدي في سوريا يعني في خلال كل حلقات من الأرض أن أستعين بمشاهد مصوّرة من قِبَل المسلحين لأثبت أو لأعطي مصداقية للحديث الذي أصوّره إلى حد ما وفي معظم الأحيان نجحت، يعني على سبيل المثال نحن في حرستا يقول أحد الضباط أن المسلحين قاموا بتفجير نفق أو بحفر نفق يصل إلى قلب المبنى ونحن قمنا بملاقاتهم وتفجيره، أنا أذهب إلى المواد الموجودة على اليوتيوب من قِبَل المسلحين وهم في معظم الأحيان يصوّرون نشاطاتهم العسكرية لأجد ما يطابق هذا الكلام في هذه الفترة وأضعه في البرنامج نقلاً عن يوتيوب مع إسم الكتيبة التي صوّرته، يعني هذا ما نستطيع أن نقوم به.

محمد علوش: يعني تحاولين أن توثّقي قدر الإمكان.

أوغاريت دندش: لأننا لسنا..

محمد علوش: في موقع الحدث.

أوغاريت دندش: ليس فقط لسنا في موضوع الحدث، يعني أنا كنت أتمنّى أن نعمل عملاً إعلامياً ينقل وجهات النظر وبمعنى أن نتمكّن من التواجد في كل الأراضي السورية وأن ننقل الأحداث ولكن الحرب السورية لم تكن فقط حرباً يعني لم تستثنِ الإعلاميين، نحن كإعلاميين على سبيل المثال عملنا على الأراضي السورية بموافقة الدولة السورية، لم يكن بإمكاننا بأيّ شكل من الأشكال أن نوثّق أيّ شيء في أيّ مكان آخر وقد يكون العكس صحيحاً أيضاً، يعني في هذه الحرب لم يستثنَ الإعلامي ويعامل على أنه إعلامي وبالتالي يسمح له بالذهاب إلى أيّ مكان ويمكنه أن يتصوّر في مناطق تواجد المسلحين، نحن كنا أهدافاً وفي كثير من الأحيان وأنا لا أريد أن أدخل في هذه المسألة لأن الحرب السورية لم تستثنِ أحداً، ولكن في بعض الأحيان كنا نتعرّض على بعض الصفحات لكثير من الشتائم واستهدافنا والمطالبة بقتلنا، هذه مسألة طبيعية ولكن لم يكن بإمكاننا في هذه الحال أن نتواجد وأن ننقل وجهات النظر.

محمد علوش: كان بإمكانك التنقّل من أي مكان إلى آخر بحرية من دون وصاية أو توجيه من القوات السورية التي كنت تصاحبينها؟

أوغاريت دندش: بموافقات معينة.

محمد علوش: الموافقات هذه البعض يقول أنه للحرص على سلامتكم ليس لشيء آخر، ولكن السؤال هل كان يتم توجيهكم كإعلاميين لتسليط النظر باتجاه أنه يوضح وكأن هذه الرؤية التي تقدّمها الدولة أو النظام أو الجيش هي الصحيحة تماماً أو هي التي لا غبار عليها؟

أوغاريت دندش: أنا لا أُوجّه كثيراً بكل الأحوال. وبالتالي لا أعتقد أني كنت سأسمح بذلك. لما يكون الأهداف التي ذهب من أجلها الشخص وهي الأهداف التي ذكرتها ببداية الحديث لا أعتقد أنه ممكن أن أُوجّه. وأنا أقول لك الآن، إذا تطلّبت هذه المهنة مني تقديم تنازلات أخلاقية ومبدئية في ما يتعلق بالعمل المهني أتنازل عن المهنة وليس عن المبادئ ، وبالتالي أعتقد أن التوجيه هو جزء من عدم احترام عقلي وعدم احترام مهنيّتي وبالتالي لم يحصل وإذا حصل فلن أكون منفّذة لأيّ توجيه كان. وبالتالي في الأرض السورية نحن حصلنا على موافقات أمنية وعسكرية لكل المناطق التي زرناها، نحن في منطقة حرب يعني نحن لسنا فقط، وسوريا لديها "System" معيّن في ما يتعلق بالعمل الإعلامي، عندما تدخل إلى دولة ما عليك احترام هذا النظام، هذا النظام الداخلي للعمل الإعلامي الموضوع من قِبَل الدولة السورية، نحن احترمنا هذا الأمر، في بعض الأحيان طرحنا مواضيع حسّاسة، يعني نحن في حلقات على سبيل مثال حلقة السلامية تحدّثنا عن الخطف على الطرقات وهي طرقات متواجدة في مناطق سيطرة الدولة السورية، في كثير من الأحيان المشاركون في البرنامج نحن تركنا لهم مساحة للتحدّث عن تعرّضهم للسرقات لعملية تشبيح، لكثير من الأشياء ،حتى عائلات المخطوفين في كثير من الحلقات علّوا السقف.

محمد علوش: الأخطاء في الحرب البعض يقول تقع، لكن عندما يكون الأمر ممنهجاً هنا الخطر، هل برأيك هو كان أمراً من باب الأخطاء طالما أن الإنسان يعيش في حرب غير متوقّعة، ظروف غير منضبطة؟

أوغاريت دندش: طبعاً مسألة التجاوزات التي تحصل في الحرب عدا عن أن التجاوزات تحصل في الحرب ولكن أنا برأيي البُعد والقرب من مركز القرار يعني مثلاً في دمشق نسبة التنازلات والتي تحصل أقل بكثير من المناطق البعيدة، من المناطق البعيدة جغرافياً، عندما نتحدّث عن دولة..

محمد علوش: في أماكن سيطرة دولة حيث تكون السيطرة أعلى يكون الانضباط أكثر؟

أوغاريت دندش: والقرب من خطوط الاشتباك، يعني دائماً في الأماكن الحسّاسة الأولوية دائماً للعمل العسكري ومما يتيح المجال "للزعران".

محمد علوش: دعينا لو سمحت أوغاريت أن نعود إلى كتابك، حضرتك كتبتِ في الكتاب تقولين:" كل حرب هي مقدّمة لحرب أخرى تحمل عناوين أكبر"، كلام كبير صراحة، لنشاهد الفقرة ومن ثم نسألك إن شاء الله.

- تقرير: 10 كيلومترات... من الأرض

لا شكّ في أنه ما من حرب ستنهي كل الحروب، كل حرب هي مقدّمة لحرب أخرى تحمل عناوين أكبر، وحدهم أولئك الذين يرحلون في خضمّها لا يدركون فظاعتها، بعضهم يرحل مُبتسماً معتقداً أنه أتمّ المهمة. أما الذين يحيون في الوقت المستقطع بين حربين، فيحظون ببعض السكينة إلى حين، فيما يدرك من شاءت أقداره أن يولد في حرب ويعيش ليرى حرباً أخرى، يدرك أن الحروب، ولا سيّما الداخلية منها، تؤسّس دوماً لمآس ستؤدّي إلى انفجار جديد.

(...) رافقني الإحساس بالذنب طوال أعوام الأزمة ولا يزال. في كل مرة أعود فيها إلى بيروت أترك في سوريا قلبي وكياني. أشعر بغربة في مدينتي، أحتاج إلى أن أكون في دمشق على الأقل لأريح ضميري بأنني لن أخذل أولئك الذين تركتهم في المدن المشتعلة. في كل مرة أعدهم فيها بالعودة بعد الحرب للزيارة. أقولها بصدق، ويتظاهرون بأنهم يصدّقون، أبتسم ويبتسمون وكلنا ندرك أن شمس اليوم التالي ربما لن تشرق على أحدنا، وأن المرجّح أننا لن نلتقي مجدّداً.

محمد علوش: أوغاريت كأني ألمس بين السطور شيئاً آخر لم تكتبيه، هل كنت تقصدين شيئاً عندما تتحدّثين أن كل حرب هي مقدّمة لحرب أخرى، كيف الناس يتحوّلون إلى أرقام وليس أسماء؟

أوغاريت دندش: عندما تنتهي الحروب بسبب حسم عسكري نحتاج أعتقد إلى دراسة الأسباب التي أدّت إلى اندلاع الحرب، حتى الآن هذا لم يحصل، لا أعرف إذا كان سيحصل، لا أعرف إذا كان ستتم مداواة الجراح الداخلية أو الشرخ الذي حصل بين أبناء الشعب السوري، لذلك عندما أقول أن كل حرب هي مقدّمة لحرب أخرى يعني بالتالي إذا لم تتم معالجة هذه الأسباب حتى في مكان آخر أقول أنني أحياناً أسأل نفسي عندما ننقل هذه الصوَر هل نضع حداً لهذه الحرب أم نساهم في إطالة أمدها.

محمد علوش: لم يكن عندك إجابة ولا حتى اللحظة؟

أوغاريت دندش: أبداً. ولكنني توصّلت إلى قناعة واحدة، أنا لديّ طفل يحمل الجنسية السورية، هو سوري.

محمد علوش: حماه الله لك، آرام أليس كذلك.

أوغاريت دندش: شكراً، آرام نعم. أنا لا أريد لآرام أن يعيش ولأبناء جيله أن يعيشوا حرباً بعد عشرين عاماً لذلك سأعمل بما أستطيع لأقول كما أقول في هذا الكتاب أن لا شيء جميلاً في الحرب وأن هؤلاء الأشخاص، هؤلاء الضحايا هم أسماء وبالتالي لعلّنا نتّعظ، أنا أعلم أن الإنسان يكرّر تاريخه بشكل دائم ولكنني أعتقد أن من واجبي الأخلاقي والإنساني وكأمّ أن أقول هذا الكلام، لأبناء جيل آرام وربما لآرام لعدّة أسباب منها التي ذكرتها عن الحرب ومنها ربما لأبرّر له مستقبلاً سبب غيابي دائم والمتكرّر عنه.

محمد علوش: هل من الأرض وهو برنامج أسبوعي كان يقدّم من سوريا، تقدّمينه حضرتك من سوريا ومن الميدان.

أوغاريت دندش: مرتان في الشهر هو.

محمد علوش: مرتان في الشهر  نعم، نصف شهري. هل كان متنفساً ومريحاً لضمير أوغاريت أنها تعبّر وتنقل الصورة كما ينبغي أن تنقل من أرض الميدان؟

محمد علوش: أوغاريت دندش: في البداية إسمح لي محمّد أن أقول هنا أن، كنت أفضّل ألا أقول هذا الكلام على شاشة الميادين ولكن هو أمر واقع حتى لا أكون أجامل، ولكن في الحقيقة أنا في برنامج من الأرض مُنحت ثقة من قِبَل رئيس مجلس الإدارة الأستاذ غسان بن جدو، ثقة بعملي وثقة بتواجدي هناك وسلّمت كما أعتقد أمانة بأن أكون على الأرض السورية في هذه الظروف، هذه الثقة التي جعلتني أخوض هذه التجربة هي ليست فقط مهمة على الصعيد المهني وأنا أعتقد أنها مهمة على الصعيد المهني ، ولكن ليس لي أن أقرّر هذا أو أن أقيّم هذا الأمر ولكن على الصعيد الإنساني هي أضافت إليّ وهذا سينعكس على عملي المهني في المستقبل ، وأعتقد أنه بدأ ينعكس حتى في برنامج من الأرض بكل ما تعلّمته في هذه الحرب وما تعلّمته لن يكون فقط تأثيره على شخصيّتي وعلى مهنتي ولكن على مستقبلي وعلى مستقبل إبني وعلى المحيطين مع الإنسان ربما هذه التجربة في سوريا أقولها بصدق هي جعلتني أكثر إنسانية، أنسنتني بشكل كبير، أضف إلى ذلك أنني فعلاً كنت أحتاج لأن أكون هناك، صراحةً، فعلاً أنا أشعر بالذنب عندما أكون في بيروت، ربما أحتاج إلى هذا لأريح ضميري لأقول أنني أنجزت المهمة أو على الأقل أحاول إنجاز المهمة التي وضعتها على عاتقي، لكنني أو ربما ساهمت بشكل من الأشكال أن أنقل ما يحصل، أن أوثّق ما يحصل، ربما من هذا الكتاب ومن برنامج من الأرض ومن عملي في سوريا أحلم أن يأتي بعد عشرة أعوام يمكن، ليس عشرة كيلومترات، عشرة أعوام ربما أحد ما ليقول أو ليسأل ماذا حدث في تلك الحرب على الصعيد الإنساني بشكل خاص وأن يفتح هذا الكتاب أو المادة المصوّرة الموثّقة من قبلنا وأن يرى الحرب كما رأيتها ، لا سيما في السنوات الأخيرة، أن يرى بشاعتها، أنا لم أشارك في أيّ احتفال للنصر في المدن السورية، عندما تحرّرت حلب لم أذهب إلى هناك لا كصحافي ولا كزيارة عادية إلا بعد أشهر، عندما تحرّرت حمص أيضاً على الرغم من أنني أمضيت في حمص أشهراً طويلة أتابع المعارك هناك لم أكن أستطيع أن أفرح، رغم الانتصار العسكري ربما يبدو هذا الكلام خيالاً بالنسبة للبعض ولكن فعلاً كنت أسمع أنيناً، يعني في هذه المباني المدمّرة كنت أسمع من داخلها أنيناً، كنت أسمع أصوات الذين رحلوا ولكنهم تركوا أصواتهم في هذا الفضاء، في هذا المكان، ذكرياتهم، أحلامهم، طفولتهم، يعني حتى في بعض الأحيان كنت أتخيّل المشاهد، أنظر إلى هذه المباني وأتخيّل الأطفال الذين كانوا يلعبون هنا، يعودون من مدارسهم، الأحبّاء الذين يلتقون في الشوارع، الأمّهات اللواتي ينتظرن أولادهن على الشرفات. كل هذه المشاهد كنت أراها وكأنني أشاهدها فعلاً وكأن الذاكرة تعود بي إلى الوراء، لذلك لم يكن بإمكاني أن أحتفل بالانتصار,

محمد علوش: كتبتي في الكتاب تقولين أملاً في مستقبل أفضل لآرام - نجلك الكريم - ماذا نقول لأمّهات الشهداء، طبعاً قابلتي الكثيرين منهن وكنّ لهنّ شهادات عبر قناة الميادين يتحدّثن في هذه الشهادات عن أحوالهن مع أبنائهن، مع المجهول أحوالهم منهن، نشاهد معاً.

- تقرير:

- أحد أمّهات الشهداء: من أعطاني إياهن كانت أول فرحة بحياتي، زوّجتهم كانت ثاني فرحة بحياتي، ثالث فرحة لما أرى أولادهم، ولكن آخر شيء لا أستطيع أنا أن أقف وأقول له أنت لماذا أخذت أولادي؟ هم أمانة، أمانة كبيرة وأعطاني إياها، وامتحان كبير، كبير جداً، هذا الامتحان ليس أيّ أحد يتحمّله، لولا رب العالمين رآني ويعرف أن عقلي كبير وصبورة وأتحمّل ما فعل ذلك، ويكثر ألف خيرو.. الحمد لله.. أحمدك وأشكرك يا رب.

- أحد أمّهات الشهداء: أريد أن أصيح بصوت عالٍ قدر إمكانيتي لعلّه يسمعني، يمكنه أن يسمعني، مثل ما كنت أصيح له عندما كان صغيراً إذا غاب يسمعني ويردّ عليّ. وقفت على الطابق الثاني أصيح من دون بكاء، لكن صرت أصيح لكن شعيب لم يرد.

جاء وسيم قال لي يا ماما نريد أن نذهب إلى الضيعة، قلت له أنا صحت لشعيب لم يردّ عليّ، ذهبنا إلى الضيعة قلت أصيح له هناك أقرب يعني، بعد العيون أقرب على حماه أيضاً على خان شيخون لم يردّ عليّ أحد، استشهد شعيب.

- أحد الأمّهات: إلى حد الآن لا أعرف شيئاً عنه، ميّت طيّب أنا أقول إذا ميّت رحمه الله وإذا طيّب رحمه الله، والله لست حزينة، الحمد لله رب العالمين، أحمد الله وأتمنّى أن تكون كل الأمّهات صابرات، لأنه يجب أن يدافع عن الوطن، يا قاتل يا مقتول. الله يهدي المسلحين ويعودوا إلى صوابهم لأنه لا يوجد أحد أخوك، أبوك، عمك، خالك، لا يوجد أحد غريباً، يعني إذا الله هداهم يعودوا إلى بيوتهم، يعودوا إلى محلاتهم.

 

أوغاريت دندش: أتسامحيهم؟

- إي والله خلّي إبني يكون ضحيّة، أتمنّى أن يقولوا لي أن إبنك استشهد وأقول لهم إن شاء الله يكون إبني فداء عن العالم، فقط يعودون إلى صوابهم، إي والله بسامح.

محمد علوش: طبعاً بحد ذاته الفيلم ليس فقط معبّراً وإنما ولاّد لعديد من الأسئلة للأسف الوقت داهمنا جداً، سأترك لك آخر دقيقتين تحدّثينا فيهم عما يمكن أن يُقال لسوريا وعن سوريا؟

أوغاريت دندش: سأبدأ من مكان انتهاء التقرير، أمّ مصطفى هي والدة أحد المفقودين التي لا تعرف عن مصيره شيئاً، في سنة 2017 حصل تفجير انتحاري في حيّ الزهراء استشهدت أمّ مصطفى عمرها 88 سنة ولا تعرف عن ابنها شيئاً، أنا قلت يمكن بمكان آخر هي تلتقي به، هناك مكان أكثر عدلاً، لا يمكننا أن نتعامل مع سوريا غير أنها قضية إنسانية بالدرجة الأولى مثل كل قضايا المنطقة أنا لا أريد أن أستثنيها عن الآخرين، ولكن آتي وأقول أنا فقط كنت موجودة على هذه الأرض، شاركت بهذه السنوات، فقط أرفع صوتي لكي أقول أنه نحن لا يمكن أن ننقذ أنفسنا وننقذ أولادنا إلا بأن نفهم ماذا حصل ونحاول تصحيحه، ربما لا نمتلك مفاتيح الحل ولكن على الأقل نحاول، كل شخص من موقعه، ربما هذا الحل الوحيد، ليس ربما سيحصل، غداً سيتصافح خصوم الماضي وهكذا الحياة تستمر ولكن خلف الأبواب المغلقة سيبقى هناك أمّ تحلم أن ولدها يطرق الباب ويعود.

محمد علوش: الله كريم، نشكرك كل الشكر زميلتنا أوغاريت دندش، حن نفخر بك في قناة الميادين وبكل أعمالك وألف مبروك على الكتاب وإن شاء الله يكون بادرة لما هو أفضل ايضاً لك وللشعب السوري ولعموم الأمّة العربية، كل الشكل والتقدير لك مرة أخرى وأهلاً وسهلاً بك في بيتك في الميادين.

ونختم طبعاً مشاهدينا الكرام هذه الحلقة على أمل أن تكون حياتنا أفضل في لبنان وفي سوريا وفي أيّ بلد عربي، كل الشكر والتقدير لكم وإلى اللقاء.