حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

نصري الصايغ - كاتب وصحافي

 

رانا أبي جمعة: "محمّد السيرة السياسية" هو كتابٌ جديدٌ يقول عنه المؤلّف إنّه ليس كتاباً في الدين إنما في السياسة. لا ادّعاء بيقين أو حقائق فيه، ولكن يبقى العقل قبل النقل، في وقتٍ تبدو الأكثرية الدينية شديدة الاتصال بالمنقول.

تحت عنوان "أولاً"، يقول الكاتب الإسلام اليوم في محنة، صورته ليست نقيّة، هو أسير مجموعات قرّرت أن يكون إسلامها مُطابقاً لإسلام السلف، وضحايا هذا الإسلام هو الإسلام نفسه والمسلمون. ويضيف، المشرق العربي وضفافه الإقليمية في حال استعصاء، حربٌ عالمية صغرى لوقف الزحف التكفيري، تليها محاولة لرسم معالم منطقةٍ لا تشبه شعوبها الماضية.

بحسب الكاتب، يسلّط الإصدار الجديد الذي هو بمثابة الرهان المحفوف بالمخاطر الضوء على بشرية الرسول وقيادته من دون المساس برتبته النبوية. فهو رسول عقيدةٍ ومنظّم دولةٍ ومشرّع فتوحٍ ومُبدع حضارة. فالكتاب هو محاولة لوصل النبوّة بالسياسة ولفصلها كذلك.

عن هذا الكتاب والأسئلة الكثيرة التي طرحها، وعمّا تضمّنه من محاور، نستضيف الكاتب والصحافي نصري الصايغ.

أهلاً بكم.

 

(فاصل)

 

رانا أبي جمعة: بدايةً أهلاً بك سيّد نصري.

 

نصري الصايغ: أهلاً، شكراً.

 

رانا أبي جمعة: سيّد نصري، حول هذا الكتاب "محمّد السيرة السياسية"، تقول بأنه ليس كتاباً في الدين إنما هو كتاب في السياسة، ولكن بداية لماذا الرسول محمّد؟

 

نصري الصايغ: أولاً هناك هاجس لدى الكثيرين في الجواب على السؤال، أيّ إسلامٍ هذا الإسلام الذي نشاهده اليوم. الصورة ليست واضحة، وتميل إلى القتامة، وإلى السلبية، بحيث أنّ هناك اتهامات بأنّ سبب تأخّر هذه المنطقة هو الدين الإسلامي، وهذا ما هو غير صحيح على الإطلاق، فالإسلام ليس كما هو اليوم في الواقع. من هنا، كان السؤال، فلنذهب إلى المرجعية الأساسية، ولنبحث عن ذلك الإسلام، خاصة في ما له علاقة بالسياسة وليس بالدين.

لست رجل دين، ولست مختّصاً بالأمور الدينية على الرغم من أنني كنت قد بدأت حياتي كي أصبح رجل دين، ولكن الجواب لا يمكن أن يكون على مستوى المبادئ، أي ما هي القِيَم، ما هي المبادئ، ما هي الرسالة. ذلك موجودٌ في النصّ القرآني كما هو موجود في كل النصوص الدينية، إنما السؤال هو في السياسة تحديداً، لأن الذي فجّر الإسلام حالياً والذي فجّره قديماً، ليس الخلافات العقائدية فقط وإنما الخلافات السياسية. فلنذهب إلى السياسة ولنبحث كيف كان الرسول يتعاطى سياسياً مع الوقائع والأحداث وكيف كان يخرج منها منتصراً. تلك هي المحاولة التي اقتربت منها لكي أتلمّس هذه الشخصية، وأتلمّس هذه المرجعية، ولأتساءل إن كان ممكناً تقليدها أو عدم تقليدها، لأن البعض يقول إنه يجب أن نقلّد السلف. هذا السلف فلنذهب إليه والأول هو الرسول، فكيف كان الرسول يتعاطى في السياسة؟ من هنا الكتاب هو بحث في السياسة، وليس بحثاً في الدين على الإطلاق.

 

رانا أبي جمعة: إسمح لي أن أقول بأنه حضرتك لست بمسلم، لذلك إسمح لي أن أسأل، من أيّ منطلق فكري انطلقت في كتابة هذا الإصدار؟ باحث؟ مُحايد؟ علماني؟ ما هو المنطلق الفكري؟ وأيضاً إسمح لي أن أسأل، لماذا هذا التوقيت بالذات؟ فقط لأن صورة الإسلام اليوم تبدو قاتمة؟

 

نصري الصايغ: أولاً تسلّحت بعلمانيّتي التي تعصمني عن أيّ تعصب أو عن أية خلفية، وكانت كتابتي للكتاب مريحة جداً، ليس عندي قيود، ليس عندي التزامات، ليس أحد يدفعني بهذا الاتجاه أو ذاك. علمانيّتي واضحة، إنني مستقل استقلالاً تاماً عن الشؤون الدينية، ومتّصل اتصالاً وثيقاً بالشؤون السياسية، ولذلك لم آتِ هذا الكتاب من زاوية أنني مسيحي أو أنني مسلم، ولم أفكّر بها على الإطلاق. فكّرت بأنني أنا رجل علماني، ليست لديّ ارتباطات سياسية دينية أو سياسية طائفية، لا أشعر بهذا الأمر على الإطلاق لا أنا، ولا المحيط الذي يحيط بي إن كان على المستوى العائلي أو على مستوى الصداقات، ليست لديّ التزامات طائفية. التزامي الأساسي هو البحث عن أجوبة لأسئلة ملحّة في عالمنا وعلينا أن نطرحها.

دعيني أسأل كل العالم الإسلامي، هل هو راضٍ عن إسلامه اليوم؟ هل هذا هو الإسلام؟ إذا كان هذا هو الإسلام فمصيبة، كارثة، كارثة إنسانية وكارثة حقيقية. هذه المنطقة اليوم تعيش أكبر فتنة في التاريخ. فلنبحث إذاً عن الأسباب الحقيقية، طالما أنّهم جميعاً يقرّرون أنهم يسلكون بناء على ما قد سلف في التاريخ الإسلامي، وما قد سلف هو الموضوع الأساسي الذي أبحث عنه، وأكرّر، ليس في الشأن الديني الذي جاء في الآيات المكيّة كما ليس في الشأن الديني عند المسيحيين الذي نعرفه، ولكن في الشأن السياسي وهو الأساس.

وهنا وجدت مجموعة من الحقائق التي ربما تكون قيد التداول حتى يعرف الإنسان إن كان فعلاً واجباً عليه أن يقلّد ذلك التاريخ أو أن لا يقلّده، لأنّ كثراً يقولون إنّ هذا ما حدث سابقاً، هذا هو السلف، فلنسلك كما سلك السلف. يا أخي السلف لم يسلك كما كان، الرسول لم يسلك طريقاً واحداً في السياسة، كانت له مناهج وطُرق مختلفة ومتعدّدة، ذلك أن لكل ظرف ولكل حال من الأحوال ولكل واقعة من الوقائع أسلوباً سياسياً، عبقريته وجدت كيفية التعامل معها وانتصر بها. لم تكن هناك قواعد، هو الشخص الذي كان يُملي على نفسه من دون أن يُملى عليه.

الإملاء الربّاني من خلال الوحي موجود في القرآن الكريم، أما في السياسة فقد كان إملاء من ذاته، منه هو، من عبقريته، من شخصيته. لذلك في المقدّمة التي أشرت إليها أن المسألة ليست بحثاً في اتصال الدين بالسياسة، هو متّصل من حيث كون الرسول لجأ إلى السياسة لنصرة الدين.

 

رانا أبي جمعة: وربما للإشارة بأن هذه المقدّمة جميع كلماتها مستقاة من الكتاب ومن كلماتك بالتحديد، ولكن سيّد نصري، هناك مؤلّفات عديدة تطرّقت إلى السيرة النبوية وأيضاً تطرّقت إلى السيرة السياسية للرسول محمّد. اليوم هذا الكتاب ما الذي يضيفه؟

 

نصري الصايغ: لا يضيف على السيرة إلا مرجعيّتها التي انتقيتها من بين كل المرجعيات، هي مرجعية كتابة السيرة عقلانياً وليس تقليداً لما قد كُتِب وأضيف إلى السيرة من مجموعة من الأساطير اللا عقلية، وهذا  حاصلٌ إن كان في جهد الغرب، هناك شخص مهم جداً عمل عليها وبنسبة كبيرة من الصدقية، هو مونتغمري واط، والشخص الآخر العربي الذي عمل عليها أيضاً هو هشام جعيد، إضافة إلى التراث الإسلامي الزاخِر بالسير، لأنه ربما لا توجد شخصية في التاريخ كُتب عنها كما كُتب عن الرسول، لا يوجد. عدد الكتب والمؤلّفات التي كُتِبت كثيرة إن كان في المشرق أم في دول الغرب، إلا أن اختياري لهذين المنبعين إلى جانب علي الدشتي ومحمّد حسنين هيكل وحسين مروة، أخذت كل أصحاب المرجعيات الذين عالجوا الموضوع، ليس من خلال تكريس التقليد وإنما نقد التقليد، نقده عبر أيّ أساس؟ أنّ كلّ شيء غير عقلاني وليس مبرّراً عقلانياً تم تنحيته جانباً.

 

رانا أبي جمعة: نضعه جانباً.

 

نصري الصايغ: نحّينا هذا الموضوع جانباً وذهبت إلى قراءة السيرة قراءة سياسية، أي إنني لم أعد كتابة السيرة بهدف كتابة سيرة فقط وإنما استخلاص القوانين التي انتظمت فيها عملية السياسة في زمن الرسول. هناك سياسة مختلفة، والمعروف عالمياً أنّ السياسة لا تقلَّد، أي لا تكرَّر، لا يوجد شيء سابقاً يمكننا تكراره.

 

رانا أبي جمعة: سنتابع هذا النقاش، ولكن إسمح لي سيّد نصري أن نتابع فقرة من هذا الكتاب ومن ثم نتابع النقاش.

 

محمّد السيرة السياسية: محمّد ليس رسولاً فقط، فقبل الدعوة وإبانها وبعدها كان بشرياً، تميّزه الروحي استثنائي وقوّة إرادته نموذج وصبره فوق العادة، نبوّته هبة خاصة تتّفق مع إنسانيته كرجل فضيلة ومناقب تفوق الإنسان العادي، هذا الرجل الاستثنائي كان بشرياً جداً وصاحب معاناة وتجربة ورسالة فوق طاقة البشر العاديين.

يختلط على الدارسين والمؤمنين به ما يجمعه محمّد من بشرية ونبوّة ويغلب المؤمنون النبوّة إلى درجة محو بشريته ما يعطّل الفَهْم والدراسة ويمنع الفصل بين نبوّته وكونه رجلاً يتعرّض لكثير من المُعاناة والشكّ والأمل والأزمات التي تهزّ كيانه.

هذا إضافةً إلى من ينزع إلى الاعتقاد بأن نبوّة محمّد لاغيةٌ لبشريته، فكلّ ما أتاه الرسول الكريم في حياته وسيرته يوازي النبوّة، بحيث وضعوا السيرة والحديث في مرتبة النصّ القرآني وأحياناً فوقه.

 

رانا أبي جمعة: وأنطلق ربما من هذه الفقرة أو ما ورد في آخر هذه الفقرة، لأسأل، تقول سيّد نصري بأنّ الانشغال بالدين محفوف بالمحاذير والمخاطر، اليوم إلى أيّ حد التركيز على السيرة السياسية للنبي محمّد تحصّن الكاتب من الانزلاق إلى المحظور، أي إلى ما هو مقدّس بالنسبة للناس؟

 

نصري الصايغ: هناك محظور لا يمكن تجنّبه، بأنّ بعض المسلمين، ربما يكونون على حق بإيمانهم أو ربما على غير حق بمعتقدهم، هو أنّ كلّ ما أتى به الرسول هو من وحي إلهي أو من إرادة إلهية، بحيث أنّ الرسول لهو معصوم عن الخطأ ومعصوم عن أي شيء، وكأنّ كلّ شيء تقريباً مدبَّر من الله. هذه نظرية، النظرية الواقعية تقول لا، هناك مجال للروح وللبشارة وللتبشير بالدين والعقائد الدينية، هذا أمر معصوم عن الخطأ ومبتوت بأنه جزء لا يتجزّأ من الإيمان الإسلامي الذي لا يمكن أن يأتيه شك من أي جانب من جوانبه.

أما المسألة السياسية، وهذه قد تمّت في المرحلة المكيّة، ودعيني أقول بين قوسين، ماذا أعني بالمرحلة المكيّة، هي مرحلة تبليغ الرسالة ومعاناة الرسول في أدائها، والموانع كانت كثيرة، والاعتداء عليه وتعذيبه وفتنة جماعته، ومن ثم الاضطهاد الذي مورِس ضدّه، بحيث أن أقرب الناس إليه وأقربهم عشيرته وقبيلته وعائلته كانت تمانع هذه الدعوة، ومع ذلك أصرّ على مدى 13 عاماً، والبعض يقول ثماني سنوات، دعينا نقول 13 سنة وهو يبشّر بأنبل ما جاء في الديانات، ومع ذلك كان يُضطهَد من قِبَل قريش ومن قِبَل مكّة، بحيث أنه لم يستطع أن يجمع حوله أكثر من 117 أو 120 شخصاً خلال 13 عاماً، وهذا أمرٌ شاق يدعو إلى اليأس.

ما عاناه الرسول، ولو لم يكن مؤمناً بنبوّته هذا الإيمان المطلق والعميق، ولو لم يكن بجد مُتفانياً في أداء هذه المهمة لكان يئس وترك، ولكنه بالفعل، هذا الإيمان الذي لديه دفعه إلى أن يبحث عن مخرج، أنه إلى أين أنا سأذهب بعد هذا المجتمع يضطهد ويدير أذنيه الصمّاء ويستعمل كل الوسائل الخسيسة والدنيئة والقوّة والعنف تجاه المؤمنين والمسلمين. بدرت في ذهنه مسألة أساسية، لا يمكن الانتصار على قريش وعلى مكّة إلا بالسيف والقوّة.

من هنا انتقل من الدعوة الدينية البحتة إلى الدعوة الدينية السياسية، وقد كان الرسول في مكّة نبياً، نبياً بكلّ معنى الكلمة، ولكنه عندما انتقل إلى المدينة صار نبياً وقائداً سياسياً، والقائد السياسي هو الذي تقع على عاتقه وحده المسؤولية السياسية، لأنه هو صاحب القرار، ليس وحياً يوحى. والدليل على ذلك أن معظم الآيات التي جاءت تتحدّث عن أحداث، نزلت في أحداث سياسية حصلت في المدينة أو في يثرب كانت تأتي بعد الحدث وليس قبله، بينما هذا لم يكن حادثاً في مكّة.

السؤال الأساسيّ، ما هي الوسائل التي اعتمدها لكي يحكم في السياسة، والسياسة عنده ليست من أجل السياسة وإنما لنصرة الدين لأنه هو اقتنع بما تحدّث عنه التاريخ في ما بعد، لأن الديانات لم تنتشر ولم تنتصر إلا بالقوّة وليس فقط بالتبشير. المسيحية لم تنتصر بالتبشير، ظلّوا يتعذّبون ثلاثمئة سنة، يضعونهم أمام الأسود والوحوش ويطعمونهم للمُفترسين ويعذّبونهم في الساحات العامة وفي الملاعب الأولمبية إلى أن جاء قسطنطين وبسيفه استطاع أن يسيطر وأن ينصر المسيحية، أما محمّد فهو قد نصر دينه بذاته أي بزمنه وهذا ما لم يحصل في أيّ دين من الديانات.

 

رانا أبي جمعة: وهذا يفتح النقاش على ما هو سياسي أيضاً، تقول في بدايات الكتاب بأن السياسة لا تقرأ منفصلة عن أسبابها الموضوعية ومواقيتها وظروفها البيئية، السيرة السياسية للرسول محمّد غير قابلة للتكرار أو النسخ.

ماذا أردت أن تقول تحديداً هنا؟

 

نصري الصايغ: أردت أن أقول إنّ الأحداث التي تحصل في زمن، نادراً ما تتكرّر أو نادراً ما تتشابه، ذلك أنّ كلّ حقبة سياسية لها ظروفها، بيئتها، طبيعتها، ناسها، حقائقها، ومن ثمّ سلوك الناس وعاداتهم وتقاليدهم، ممّا يجعل من السياسيّ رجلاً قارئاً لكل هذا المشهد الذي تحدّثت عنه، ليتّخذ القرار المناسب، وأن يسجّل هذا القرار انتصاراً، لأنّ هدف السياسة ليس الموقف وإنما هو الانتصار، وليس فقط موقفاً. هذه الانتصارات حقّقها النبي محمّد من خلال الإجراءات والأحداث التي أحدثها في تاريخه، مثل ماذا؟

عندما نجد أنه عندما قرّر الانتقال من مكّة إلى المدينة، إلى يثرب، وضع دستوراً. هذا الدستور هو من صنعه، هو من ذاته، هو من عبقريته، وضع دستوراً لحكمٍ وسياسةٍ في نظامٍ متعدّد، وليس في نظامٍ كل الناس فيه مسلمون، بل هناك مجموعات كبيرة وفئات كبيرة، منها المسلمون، والمسلمون أنصار ومهاجرون، ومنها قبائل، وهذه القبائل هي متعدّدة الولاءات، لا أستطيع أن أذكرها كلها، ومن ثم هناك قبائل يهودية، ثلاث أو أربع قبائل يهودية كبيرة، بنو قينقاع، وبنو قريظة، إلى آخره، وقد وضع تشريعاً إنسانياً من ذاته، من قدرته، من عقله، ومن عبقريّته لهذه المجموعة البشرية كي تحكم بالعدل في ما بينها.

هذا شيءٌ جديد، وهذا شيءٌ لم يحدث، خاصة وأنه قادم من بيئة لا دولة فيها. البيئة المكّية، بيئة الجزيرة العربية، لم يكن هناك دولة فيها، كانت الدولة في اليمن، أما الدول الطرفية مثل غسان وغيرها فهي دول طرفية كانت تابعة للإمبراطوريات البيزنطية والساسانية أو الفارسية، أما الجزيرة فقد كانت مجموعات قبلية وعشائرية، كلٌ تحكم بطريقة معينة، فيها كل العادات والتقاليد القديمة. هو آتٍ من هذه البيئة، وإذ بنا نجد أنه يؤلّف بيئة جديدة حديثة كلياً، تجيب على أسئلة الحاضر اليوم، كيف يمكن أن نعيش معاً ونحن متعدّدون. هذا الذي أنشأه في دستور المدينة.

 

رانا أبي جمعة: وربما هذا سيجعلني أن أسأل عن التكرار.

 

نصري الصايغ: أودّ فقط أن أقول فكرة. السؤال الفلسفي اليوم في أوروبا، كيف نستطيع أن نعيش معاً، لأنه حتى الآن البشرية لم تستطع أن تنتج نظاماً يؤمّن لنا أن نعيش معاً بسلام.

 

رانا أبي جمعة: سوف نتابع هذا الحوار سيّد نصري ولكن أيضاً بعد متابعة هذه الفقرة الأخرى من الكتاب.

 

محمّد السيرة السياسية: هذا ليس كتاباً في الدين. إنه كتاب في السياسة. عنوان الكتاب يفصح عن مضمونه. الجديد فيه أنه محاولة لوصل النبوّة بالسياسة ولفصلها كذلك. لا ادّعاء بيقين أو حقائق إنما سعي للتعرّف على النسبية في الديانة وفي ممارستها.

السياسة التي انتهجها النبي محمّد قائداً لا تشبه مسيرة محمّد النبوية فالنبوّة أمر مبرَم. لا إمرة في ما قبل السياسة. السياسة هي اختيار بين احتمالات متاحة وتصوّب بمنطق التجربة والخطأ. في النبوة يصدع المؤمنون تصديقاً، أما في السياسة فاختبار واختيار، احتمالات ومستحيلات، تفكير ومشورة، تقدم وتراجع، وقائع بحاجة إلى إدراك وأحداث بحاجة إلى إحاطة. هذه كلها من أعمال العقل.

السيرة الذاتية للنبي محمّد في المدينة تختلف عن سيرته النبوية في مكّة من دون أن يعني ذلك انقطاعاً نبوياً، إنما تعدّلت وجهة الأمر وتغيّرت. فلمكّة آياتها الدَعوية وللمدينة آياتها المتناسبة مع الواقع والمواقع والوقائع.

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد نصري، وأتوقّف عند ما ذكرته، قيام النبي محمّد بوضع دستور أو وثيقة تنظّم الوضع الاجتماعي والإنساني في يثرب، وأيضاً تراعي التعدّدية، وأيضاً التحالف ربما مع ما هو غير مسلم.

 

نصري الصايغ: بما فيهم الكفّار.

 

رانا أبي جمعة: بما فيهم الكفّار، إذاً لماذا هذه الصيغة لا يمكن تكرارها أو نسخها إذا كنا نقيم مقارنة بين الأمس البعيد واليوم؟

 

نصري الصايغ: طبيعي هذه تجربة من التجارب التي لم تتكرّر في ما بعد، وفي ما بعد أصبح الدين شرطاً أساسياً لقيام المسلمين، لقيام ما يسمّى الأمّة الجماعة، وليست الدولة، الأمّة الجماعة. الذي قام به كان حاجة في ذلك الوقت ولفترة معينة، لأنه عندما تغيّرت الظروف وتغيّرت الوقائع، وتبيّن أن بعض الذين قد انخرطوا في دستور المدينة وفي حلف المدينة قد خالفوا المبادئ، فاضطر إلى استعمال القوّة، ما يعني أن هذه المبادئ التي وُضِعت، إذا لم تكن محترمة من الجميع فإن هناك خللاً يجب معالجته، معالجته بالسياسة، والنصّ الذي ذكر قبل قليل نصّ جداً دقيق في كيفية تعاطيه مع الأحداث، ونشهد أن الصراعات التي قامت في المدينة كانت صراعات ليس من ضمن احترام مبدأ التعدّد وإنما من ضمن تأمين ما يسمّى بلوغ الغاية التي من أجلها السياسة، وهي نصرة الدين. وأودّ تقديم مثل، هو كان معوّلاً جداً على أن يكون اليهود أول مَن يدعمه في رسالته، وذلك لأن القسم الأساسي من الآيات المكّية هو قسم يتّصل اتصالاً وثيقاً بالدعوة العبرانية اليهودية للأنبياء وسيرة الأنبياء جميعاً واردة، فكان يتوقّع توقّعاً طبيعيّاً بأن اليهود سوف يكونون أقرب الفئات إليه، خاصة وأنهم مؤمنون بإلهٍ واحد، وأنّهم الأقرب زمنياً إلى الدعوة الإبراهيمية التي منها الإسلام واليهودية والمسيحية.

حصل العكس، رفضوا. هل كان رهانه على ذلك صحيحاً؟ بسؤال اليوم هل كان رهانه على ذلك صحيحاً؟ لم يكن رهانه صحيحاً، فلذلك هذا الرهان انكسر واضطر إلى أن يلجأ إلى القوّة ضدّ بني قينقاع وضدّ بني قريظة وضدّ بني النظير وتطهير المدينة تقريباً من كل اليهود، لأنه احتاج إلى سند أساسي له في معاركه ضدّ مَن؟ ضدّ مكّة، ليس ضدّ الكفّار، ضدّ مكّة، لأنه هو هاجر من مكّة وظلّت عينه على مكّة وظلّت عينه على قريش، وأول ما فعله هو في تنظيم هذه المجموعة التي ذهبت معه، الذين هم من المهاجرين، أنه كيف سيعيشهم هناك، فقام عهد المؤاخاة أو ميثاق المؤاخاة بينهم وبين الأنصار الذين في المدينة، يمكنني أن أعيشك لشهر وشهرين وخمسة وعشرة أشهر لكن في ما بعد كيف؟

لذلك لجأ إلى الحاجة الطبيعية التي هي الغزو، الغزو لمّن؟ للقوافل التي تؤمّ من قريش باتجاه بلاد الشام، حتى يضيّق الخناق على قريش، هذه المعارك توجّت أول مرحلة بمعركة كسبها وهي معركة بدر، بمعركة بدر أصبح نداً لمَن؟ لقريش التي طردته والتي عزلته والتي خذلته، أصبح نداً وأصبح الصراع معروفاً، الصراع الأساسي بينه وبين قريش ولكن هذا لم يلغِ الصراعات مع المجموعات التي حوله، لأن الانتصار على قريش يفترض منه أن ينتصر على الأعراب وأن ينتصر على مَن حوله ليصبح قوياً، فإذاً المنطق الذي يتحدّث به ليس منطقاً دينياً وإنما هو منطق يخدم الدين الذي جاء يبشّر به، وهذا المنطق الذي يخدمه الدين هو منطق سياسيّ بحت، يفترض معرفة، وهنا الأمر الأساسي، بموازين القوى، لأنّ السياسة هي العمل من ضمن موازين قوى، فعندما كانت موازين القوى لصالحه كان ينتصر وعندما لم تكن لصالحه وخاصة في معركة أحد خسر المعركة، ومن ثمّ حوّلها إلى انتصار بعبقريته، عندما خسر المعركة كان ذلك نكسةً بالنسبة إليه وبالنسبة لجماعته، فموازين القوى هي ليست مسائل أخلاقية، هي مسائل ميدانية ملموسة حقيقية.

 

رانا أبي جمعة: سوف نتابع هذا النقاش، ولكن إسمح لنا أن نذهب إلى فاصل قصير ومن ثم نعود. مشاهدينا ابقوا معنا لو سمحتم.

 

 

المحور الثاني

 

رانا أبي جمعة: أجدّد الترحيب بكم مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة من حوار الساعة، وأيضاً أجدّد الترحيب بضيفنا هنا في الاستوديو، السيّد نصري الصايغ. أهلاً بك مجدّداً.

سيّد نصري سوف نتابع النقاش ولكن أيضاً بعد فقرة أخرى من الكتاب "محمّد السيرة السياسية".

 

محمّد السيرة السياسية: قد يجد المؤمن في هذه المحاولة حرجاً يدفعه إلى اتخاذ موقف سلبي. هذا جائز. الكتاب هذا يعتمد على مقولة استبقتها المعتزلة وهي أن العقل قبل النقل من حيث رتبة الفهم والإفهام. النقل بحاجة إلى عقل والعقل ليس واحداً أبداً.

لقد اختلف المسلمون بعد وفاة الرسول الكريم في القضايا المصيرية وفي المسائل الصغيرة. الإسلام اليوم في محنة. صورته ليست نقيّة. هو مقفهرّ الوجه راهناً. مرعبٌ جداً ما بلغه الإسلام من العنف. هو ليس إسلام النصّ إنما إسلام الناس. ليس هو بإسلام السيرة بل هو أسير مجموعات قرّرت أن يكون إسلامها مطابقاً لإسلام السلف، وضحايا هذا الإسلام هو الإسلام نفسه والمسلمون.

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد نصري، وأيضاً أسأل من خلال هذه الفقرة، ومن ثمّ أعود إلى المسألة السياسية. إلى مَن موجَّه هذا الكتاب؟ وما هو الصدى المتوقّع له؟

 

نصري الصايغ: السؤال الأساسي الذي طرحته على نفسي، من أين آتي بالجواب على الأزمة التي يعيشها العالم الإسلاميّ اليوم؟ من أين آتي بالجواب؟ هل آتي من خلال هذه المجموعات، أم آتيها من مكان آخر؟

رأيت أن المكان الأساسي أن أذهب إلى السلف وأجد كيف هذا السلف قد تصرّف، لأقول لهم، إذا كان ممكناً الارتكاز على نسخ هذا أو على تقليد هذا السلف أو على شيء جديد. تبيّن لي أنّ هذا الذي حدث سابقاً ليس تقليداً، لأنه جزء من السياسة وليس جزءاً من الدين. الدين هو الذي نتبعه لأنه لا تتغيّر مبادئه وقيمه ودعوته ومعتقداته، لا تتغيّر، ولكن الذي يتغيّر باستمرار وبشكل فوضوي أحياناً هو عالم السياسة. فالذهاب إلى عالم السياسة يجعلنا نقرأ بعقلنا من دون أن نمسّ المؤمن إذا كان يريد أن يكون مؤمناً.

 

رانا أبي جمعة: اليوم المؤمن لا يُمَس من خلال هذا الكتاب برأيكم؟

 

نصري الصايغ: لا، يجب ألا يُمَسّ، إلا إذا كان منخرطاً في سياسة، في سياسة وليس في إيمان، منخرطاً في سياسة تعتمد على السلَف وهم كثر جداً، لأنّ كل واحد اليوم يقول إن السلَف يقوم بهذه الطريقة أو بالطريقة تلك، وليس هذا هو سبب الاختلاف. لو يعودون إلى السلَف الواحد، كان مُمكناً أن يُقال، جيّد لكن النصّ اختلفوا عليه، حتى النصّ القرآني اختلفوا عليه، والسبب بسيط جداً، أن النصّ كما يقول الإمام علي، النصّ أخرس لأنه حرف في كتاب، أخرس لا يقوم، ينطقه الرجال والرجال ليسوا بعقل واحد كما ورد في النصّ، عقلي ليس كعقلك، أنا عقلي له مجموعة من المُحرّضات ومن الثقافات وعقلك مختلف، فلذلك نقرأ النصّ، قارئ النصّ هو سيّده وليس النصّ هو سيّدنا، النصّ هو سيّدنا من حيث أنه مرجع ولكننا نقرأه وفق ثقافتنا ومطامحنا وأهوائنا ومشاغلنا وقدرتنا على التصرّف.

 

رانا أبي جمعة: لذلك نرى تفسيرات متعدّدة وتأويلات متعدّدة؟

 

نصري الصايغ: وأودّ أن أؤكّد أن هذا أمر طبيعي، ليس شأناً مُصطنعاً، طبيعي، نحن ناس مختلفون، فلا يمكن أن نكون مُتّفقين ولا دين إلا ما انقسم، والانقسام شيء طبيعي أيضاً، وليس شأناً مُصطنعاً، هذا شأن طبيعي، والخلاف الذي حدث في الإسلام حدث بعد وفاة الرسول أيضاً، ولكنه لم يحدث في الإسلام، لم يحدث في الدين، لم يحدث في العقيدة، حدث في السياسة.

 

رانا أبي جمعة: في السياسة، إسمح لي سيّد نصري أن أعرّج على بعض ما جاء في الفصول كي أستفيد من الوقت. في الفصل الأول تقول بأن الفكر خطر على رجال الدين، يفضّلون الآية على سواها وينتقون الآية المناسبة والواقعة المُتاحة والظرف القائم وفي مكان آخر تصفهم بحرّاس الهيكل المُمسكين بزمام الماضي ومفاتيح الحاضر. أليس في هذا الكلام تعميم؟

 

نصري الصايغ: عندما تكون الأكثرية الساحقة والنُدرة النادرة من هذين الطرفين، رجال دين تقليديين مُمسكين بالنصّ ومُمسكين بالآية ومُمسكين بالسلطة ومُمسكين بالمال، ومقابلهم أناس ليسوا بهذه الطريقة ولكنهم مضطهَدون. هناك أمر أساسي أحب أن أطرحه كسؤال، أنا لديّ الجواب عليه ولكن لا أريد الإجابة عليه. هل رجل الدين ضروري لكي يقوم واسطة بيني وبين النصّ ولا أستطيع أن أعود إلى النصّ إلا من خلاله؟

 

رانا أبي جمعة: قد يكون هذا السؤال يُحدِث إشكالية أكثر من الكتاب نفسه.

 

نصري الصايغ: لا، أريدهم أن يجيبوا، هذا سؤال، هل أريد أنا واسطة بيني وبين النصّ؟ النصّ مفتوح، موجود لكل الناس. لماذا أحتاج إلى مرجع أو إلى مجموعاتٍ من المراجع المختلفة في قراءاتها للنصّ ولا يُسمَح لي بأن أذهب إلى النصّ مباشرة لأقرأه ولأتعمّق به وأسير بمنهجه؟ لماذا؟ لا أتحدّث عن رجال الدين في دين معيّن، في كلّ الديانات، لأن المشكلة كما تبيّن أنها ليست في النصّ أبداً لأنه معصوم إنما هي في مَن يقرأ هذا النصّ ويعمّمه من خلاله على مجموعة بشرية.

ألا ترون هذا أم لا؟ لنطرح سؤالاً، لماذا؟ وأريد أن أسأل سؤالاً ثانياً أيضاً. لماذا رجل الدين يرتدي ملابس مختلفة؟ أريد جواباً، أكان مسيحياً أم مسلماً أو يهودياً، لماذا يرتدي ثياباً مختلفة؟ بماذا يتميّز عنّا؟ أليس من أجل السلطة؟ ولذلك لو كان رجل الدين هو الرجل الذي يأخذنا إلى النصّ لكي نقرأ النصّ وليس من خلاله، وإنما من خلال الكتاب، ليس من خلاله لأنه من خلاله نحن نعمل فِرَقاً إسلامية، نعمل مُعتزلة وأشعرية ونعمل ونعمل ونعمل الفِرَق الإسلامية المتعدّدة، وهي كثيرة جداً، ليست فقط 74 فرقة. من هنا أقول إن الذهاب إلى النصّ هو ذهاب حرّ مُطلق ليس بحاجة إلى وسيط.

 

رانا أبي جمعة: لا شك بأن بعض رجال الدين كما تقول سيّد نصري يطمحون إلى السلطة، ولكن لا شك أيضاً بأن لهم دوراً في المجتمع، ربما هم متعمّقون أكثر في النصوص وقادرون على توجيه بعض البوصلة أكثر.

بحسب وصفك أيضاً في الكتاب، هناك حرب عالمية صغرى لوقف الزحف التكفيري. ألا يجب أن يكون لرجال الدين دور في هذه الفترة؟ ألا يجب أن يكون هناك دور؟

 

نصري الصايغ: لديهم دور.

 

رانا أبي جمعة: هل هذا الدور فقط هو على عاتق المؤمن والعلماني؟ ألا يجب أن يكون لهم دور؟

 

نصري الصايغ: هم أخذوا كل الأدوار، تسألين سؤالاً وهم أخذوا كل الأدوار، ولكنهم في الفسطاطين، هناك فسطاط وهناك فسطاط آخر، هذا فيه احتشاد لرجال الدين وذاك فيه احتشاد لرجال الدين. لا، ليسوا عاطلين عن العمل، رجال الدين ليسوا عاطلين عن العمل. هم يعملون ولكنهم لا يعملون إلا وفق ما ورثوه من تراث، من خلال عائلتهم أو مذهبهم أو طائفتهم، وإنهم نشطون جداً في هذا الاتجاه، ولكن هذا النشاط هو نشاط تقسيمي وليس توحيدياً كما يقول الإسلام.

 

رانا أبي جمعة: إذاً لمَن هو الدور الأساس في هذه الحرب العالمية الصغرى كما أسميتها على التكفير؟

 

نصري الصايغ: رجال السياسة على قاعدة أن يتعلّموا من السياسة ما كان يقوم به الرسول من دون تقليد، لأنّه يستحيل تقليد الرسول، ويستحيل تقليد ذلك العصر، لأنّه لم يعد عصرنا. هذا ليس عصرنا، عصرنا اليوم فيه أمور جديدة، والأمر الذي كان أمس ليس اليوم وما كان من عشرين سنة ليس هو اليوم، وما سيكون بعد عشرين عاماً ليس هو اليوم. لذلك المسألة هي لرجال السياسة، بشرط أن تكون مبادئهم ليست مبادئ دينية مذهبية، لأن كل دين، الدين يتمظهر بماذا، بين قوسين؟ يتمظهر بالمذهب، الدين لا يبقى حافاً إلا عندما يتمظهر بالمذهب وبالطائفة، وبشرط ألا يكون هذا التمذهب هو قاعدة العمل وإنما أن تكون السياسة من خدمة الصالح العام، خدمة القضايا العامة، العدالة، الحرية، ألا يكون هناك ظلم ولا يكون هناك قهر ولا يكون هناك اعتداء كما جاء في الإسلام في مرحلته المكّية، إسلام الرسالة، كما جاء في المسيحية، في إسلام المحبة والدعوة إلى المحبة ودعوة إلى العدالة ودعوة إلى نبذ الظلم ودعوة إلى أن يكون ضد الطُغاة.

هذه هي وظيفة إبن السياسة اليوم لكي يُقيم مجتمعاً سلمياً سعيداً يتطوّر وفق مناهج العِلم ومناهج السياسة وليس وفق مناهج الإيمان الديني السياسي إنما وفق الإيمان الروحي. هناك فارِق بين الإثنين.

 

رانا أبي جمعة: أفهم منك أستاذ نصري بأن الرسول محمّد لجأ إلى السياسة لخدمة الدين، اليوم يتمّ العكس. هل تقول بأنه يجب وضع الدين جانباً وممارسة السياسة، بعيداً عن روحية الدين وقدسيّة النصوص؟ هل هذا؟

 

نصري الصايغ: لست أنا، وسأدلّك على المكان الذي تمّ فيه الفصل، تمّ فيه الفصل كاملاً.

 

رانا أبي جمعة: أين؟

 

نصري الصايغ: عند وفاة الرسول ماذا حصل؟ من يوم وفاة الرسول إلى يوم إعلان الخوارج رفع الآية في وجه السياسة، كانت المسألة سياسية ولم تكن دينية أبداً، لم يتم مزج الدين بالسياسة في سقيفة بني ساعدة، اختلفوا وانتُزِعت الخلافة انتزاعاً لأبي بكر، وسُمّيت فلتة. عبد الله العلايلي يشرح كيف تمّ الانتقال السياسي من إلى، تمّ تعيين عمر من قِبَل الخليفة أبو بكر تعييناً، فقد كان ذلك بالتعيين. ألم تحدث خلافات في ذلك الزمن على قاعدة سياسة؟ وأين؟ داخل العائلة الواحدة التي هي عائلة الرسول، ليسوا ناساً من الخارج، ناس من العائلة، عمّ الرسول الأول وعمّه الثاني عمر وعمّه الثالث عثمان وصهره ومن ثم أخ زوجته معاوية، بين هؤلاء حدث الخلاف ولم يكن خلافاً دينياً أبداً، ومُطلقاً، كان خلافاً في السياسة على الوراثة وعلى الخلافة، ومن بعد عمر تمّ ما يسمّى الانتخاب الأرستقراطي أيّ مجموعة من الستة ينتخبون واحداً منهم، وقد انتخب عثمان وجاء عثمان خليفة وبدأت الفتنة في ذلك الوقت وفتنة مأسوية، ومقتل عثمان من أعظم المآسي في ذلك التاريخ، ولم يكن فيها إسلام، كان فيها سياسة ودخل القسم السياسي ليس فقط القَبلي وإنما المعيشي لأنهم شعروا بأن هناك ظلماً في عهده وغبناً وإبعاداً واستبعاداً، لكذا كما يحدث في السياسة عامة، أما خلافة الإمام علي إبن أبي طالب فقد تمّت من خلال الجمهور أي على الطريقة الأثينية الديمقراطية الشعبية، ومن ثم جاء الخلاف الدامي والكبير مع مَن؟ مع زوجة الرسول عائشة، ناس ليسوا من الخارج وليسوا من دائرة دينية مختلفة، كلهم من نفس الدين لكنك لا تجدين نصّاً دينياً يدعم تلك المعارك، ممّا يعني أنها سياسة من أجل السياسة، سياسة بكل معنى الكلمة ومن ثم هذه السياسة حسمت لمصلحة السياسة وليس لمصلحة الدين مع معاوية، والذي أخذ السلطة وسمّاها ملكاً، ومنذ ذلك الوقت وحتى عصرنا الحاضر الملك في الإسلام هو ملك سياسي ولا علاقة له بالسلطة الدينية ولكنه يستند إلى السلطة الدينية. من هنا نقول إنّ السياسة شأن مستقل استقلالاً تاماً ومنجزاً عن المُقتضيات الدينية وليس عن مبادئها، وليس عن المبادئ التي هي مبادئ القِيَم والروح والإنسان والله وإلى آخره.

 

رانا أبي جمعة: لا يزال لدينا فقرة أخيرة أيضاً من هذا الكتاب نتابعها.

 

محمّد السيرة السياسية: وقائع التاريخ معالم ثابتة التمسّك بها ضروري بسبب بُعد المسافة الزمنية التي تفصلنا عن تلك الحُقبة واختلاف الظروف التي نشأت فيها وعدم وجود وثائق عنها، ما أدّى إلى فُقدان الأدلّة التاريخية الصلبة.

التمسّك بالتاريخ هو تمسّكٌ منهجيٌ يهدف من خلال إقامة صلةٍ سببيّةٍ بين الحدث والنصّ بغية الوصول بالنصّ إلى أكبر قدر من الوضوح والتماسك بين أجزائه المختلفة ويمكن وصف هذه المنهجية بأنها محاولة للعودة إلى ما قبل النصّ، فالنصّ محسوس ملموس ولا بدّ من البحث عما وراءه أي عن الخطاب الذي انبثق منه القرآن.

إن النصّ خطاب مزدوج، فالوحي خطاب عامودي بين الموحي والموحى إليه وهو في الوقت نفسه أفقي عندما يصير الوحي حقيقة في التاريخ، في تفاعل مع الظروف التي تم فيها.

 

رانا أبي جمعة: وبما أننا سيّد نصري نتحدّث هنا عن التاريخ ووقائعه والتي هي معالم ثابتة كما وصفتها، على الهامش هناك مشروع قانون يناقَش في البرلمان المصري يُدين أيّة إهانة لأيّ رمز تاريخي في مصر يتمّ التطرّق إليه، مشروعية هذا المشروع برأيكم وأنتم تتحدّثون عن النبي محمّد؟

 

نصري الصايغ: فقط للتصويب، هذا النصّ مُقتَبس من محمّد أركون، هذ النصّ، فقط لأقول إن هذا ليس اختراعي وأنا اقتبسته، ولكن صغته بصياغتي أنا، ولكن الفكرة الأساسية هي لمحمّد أركون بأنّ النصّ يأتي عامودياً وأفقياً في ما بعد.

بالنسبة لما تقولينه، أنا ضدّ شتم أيّ شخص، ضدّ إهانة أيّ إنسان وخاصة.

 

رانا أبي جمعة: ولكن ألا يفترض ربما تعريف الإهانة، أين تقف حدود النقد وأين تبدأ الإهانة؟

 

نصري الصايغ: لا، هناك فارِق بين النقد وبين التجريح، التجريح شيء مرفوض أما النقد فهو شأن مسموح، لأنه بالنقد حتى هناك تقييم إيجابي وتقييم سلبي، ليس دائماً النقد هو سلبي، نقدت كتاباً يعجبني أي أظهرت ما فيه من أشياء جميلة والنقد السلبي هو بالنسبة لي ما أراه أخطاء. إن النقد مسألة ديمقراطية يجب أن نعتمدها ولكن التجريح لا يجب أن نعتمد عليه. أنا ضدّ التجريح بين إنسان وإنسان، فكيف بين إنسان ورمز والرموز كثيرة وخاصة نحن شعوب لها علاقة برموزها وهذا أمر ليس جديداً وليس غريباً على المجتمعات.

شاهدنا في فرنسا كيف اعتدوا على رمز قوس النصر وكيف كانت ردّة الفعل السياسية في فرنسا على أنهم كسروا رأس ماريان التي تعتبر الرمز الفرنسي الأساسي، لأنّ هذا الأمر يُعتبر إهانة ليس للشخص أو للتمثال إنما للأمّة، للشعب، للدولة، فأيّة إهانةٍ لأيّ رمزٍ ديني سوف يؤخَذ على أنه إهانة للدين نفسه، وهذا ما يجب أن نتجنّبه في مجتمع ذي حساسية دينية، وهو شيء موجود لدى كثير من الشعوب وكثير من الدول.

لا، يجب أن نصون مقدّساتنا ليس من النقد ولكن ممّا يُسمّى الإساءة والتجريح، ومع عقوبة، ولا أعرف ما هو نظام العقوبات، إن كانت عقوبات لها طابع سياسي أو لها طابع تجريحي لأن المُقدّسات مختلف عليها، اليوم ما يقدّسه الشيعة غير ما يقدّسه السنّة وكذلك الأمر، للأسف الشديد أن هذا التمزّق الداخلي يجعل القِيَم مُتمزّقة ووسائل مُكافحة الإهانات أيضاً مُتمزّقة.

 

رانا أبي جمعة: وربما أيضاً من هذا الكلام أصل إلى ما ورد في ختام الكتاب "محمّد السيرة السياسية"، في الفصل الرابع عشر، تقول بأنّ سيرة الخلفاء الراشدين لا تحتذى لكثافة الدم حيث لا دين ولا آية ولا يمتّ إليهما بصلة.

إلى أي حد الواقع اليوم يشبه إلى حدٍ ما ما كان في ذلك الزمان البعيد؟ هل هنالك من أوجه شبه؟

 

نصري الصايغ: هناك وجه شبه أنّ هناك صراعاً ما بين القوى السياسية ولكنه يلبس هذه المرة الثوب الديني. من هنا نجد أنّ أسباب الصراع بين الأطراف الموجودة اليوم على الساحة العربية من المحيط إلى الخليج، هو صراعٌ سياسيّ، ولكن للأسف الشديد يلبس رداء دينياً، شيعياً وسنّياً، وبين السنّة يلبس رداء إما سلفياً أو صوفياً أو داعشياً أو إلى آخره.

ولذلك مثل هذه الصراعات التي تلبس لباساً دينياً تكون قاسية جداً، لأن الدين كما يتراءى لهم هو إما أسود أو أبيض، إما كافر أو مؤمن، والكافر يُباح دمه، وهكذا دواليك، وهو الإسلام الذي لا يشبه الإسلام الحقيقي. الإسلام اليوم لا يشبه إسلام النقاء، الإسلام الذي كان أيام الرسول ولا أريد القول أيام الخلفاء الراشدين لأنه لم يكن هناك إلا سياسة أيام الخلفاء الراشدين.

 

رانا أبي جمعة: سيّد نصري أيضاً وضعت ربما لهذا الكتاب مجموعة من الأسئلة هي بمثابة إشكاليات، وقد ذكرت الواقع الراهن هو الذي كان المُحفّز الأساس لكتابة هذا الكتاب، وسألت هل هذا هو الإسلام؟ هل هو مُخيف إلى هذا المستوى؟

إذا ما أردنا ان نعطي خلاصات؟

 

نصري الصايغ: على المستوى الشخصي، ليس هذا هو الإسلام الذي أقرأه وأتمتّع به والذي أنشد فيه صلاحاً للإنسانية وللبشرية. ليس هذا هو الإسلام.

الإسلام الذي أشاهده هو إسلامٌ يُخيفني، لأنني مختلف، لأنني جئت بالولادة من دينٍ آخر، عِلماً بأنني لم آتِ إلى الكتاب وإلى محمّد من هذا الدين أو من سواه حتى لا من الإسلام، وما تقولينه يجعلني أندهش لأنني أسأَل دائماً، لماذا أنت المسيحي جئت للكتابة عن محمّد. أقول له لأنني أعتصم بعلمانيّتي ومن ثم علمانيّتي مادية معيوشة وليست لفظية. أنا بعائلتي هناك أحفاد سنّة وأحفاد شيعة وأحفاد مسيحيون، هذا هو، نصري الصايغ ليس طارئاً على هذا الموضوع، فالإسلام جزء من ثقافتي وجزء من حضارتي وجزء من إيمانات شعوبنا كلها فكيف تريدنني أن أكون بعيداً عنه، عِلماً بأنني مع فصل الدين عن الدولة كما تمّ فصلها عندما وقّع الرسول على صُلح الحديبية. قالوا له، لا، ليس محمّد رسول الله، محمّد بن عبد الله، وكانت تلك أول وثيقة عِلمانية هي بتوقيع الرسول.

 

رانا أبي جمعة: شكراً جزيلاً لك سيّد نصري الصايغ الكاتب والصحافي على تواجدك معنا.

 

نصري الصايغ: شكراً لهذه الأسئلة المفيدة والتي تدلّ على فَهْمٍ عميقٍ للكتاب، وبالفعل شيء تُشكَرين عليه.

 

رانا أبي جمعة: شكراً جزيلاً لك سيّد نصري.

إذاً مشاهدينا إلى هنا نصل إلى ختام هذه الحلقة من حوار الساعة.

الموعد يتجدّد في صباح الغد. إلى اللقاء.