أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

تنظيم داعش في أفريقيا

تعتبر القارة الإفريقية واحدة من أهم القارات التي حباها الله بثرواتٍ وموارد طبيعية لم تنضب بعد، رغم سياسة السرقة الغربية الممنهجة لخيرات إفريقيا، فقد قامت العديد من الدول الغربية التي احتلت إفريقيا بسرقة اليورانيوم والذهب والنفط والموارد الطبيعية الأخرى وهو الأمر الذي أكدّه عشرات الخبراء الغربيين. ومن الثروات التي وضع الصهاينة والغربيون أيديهم عليها في القارة السمراء الألماس الطبيعي وهو أغلى الأحجار الكريمة في العالم .. و مثلما عملت الإرادات الدولية على تركيع القارة الإفريقية , فقد خططت داعش أن تنتشر في القارة السمراء , و بالتزامن مع إنتشارها في سوريا و العراق نسجت علاقات قوية مع تنظيمات إرهابية أخرى في إفريقيا بهدف تكوين تحالفات تخدم جهوده من أجل الانتشار في مناطق جديدة ..و من التنظيمات المتشددة التي بايعت تنظيم داعش في نيجيريا مجموعة بوكو حرام التي أصبح إسمها ولاية الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا , كما أن مجموعات ليبية أعلنت و تحولت إلى ركن ركين للتنظيم في شمال إفريقيا.. و في الجزائر تنظيم صغير يحمل إسم جند الخلافة بايع داعش العام 2014 .. تكاثر تأسيس الخلايا الداعشية في القارة الإفريقية أثار الكثير من التساؤلات حول الجهات التي تعمل على تكريس الفكر الداعشي في إفريقيا و نشر العنف الأعمى في هذه القارة التي ما زالت ترزح تحت أعباء مخلفات الإستعمار الغربي.

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

تُعتبَر القارة الأفريقية واحدة من أهم القارات التي حباها الله بثرواتٍ وموارد طبيعية لم تنضب بعد، رغم سياسة السرقة الغربية الممنهجة لخيرات أفريقيا، فقد قام العديد من الدول الغربية التي احتلّت أفريقيا بسرقة اليورانيوم والذهب والنفط والموارد الطبيعية الأخرى، وهو الأمر الذي أكّده عشرات الخبراء الغربيّين. ومن الثروات أيضاً التي وضع الصهاينة والغربيون أيديهم عليها في القارة السمراء، الألماس الطبيعي، وهو أغلى الأحجار الكريمة في العالم.

ومثلما عملت الإرادات الدولية على تركيع القارة الأفريقية، فقد خطّطت داعش أن تنتشر في القارة السمراء. وبالتزامن مع انتشارها في سوريا والعراق، نسجت علاقاتٍ قوية مع تنظيماتٍ إرهابية أخرى في أفريقيا، بهدف تكوين تحالفاتٍ تخدم جهود داعش من أجل الانتشار في مناطق جديدة.

ومن التنظيمات المتشدّدة التي بايعت تنظيم داعش في نيجيريا مجموعة بوكو حرام التي أصبح إسمها ولاية الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا. كما أنّ مجموعاتٍ ليبيّة أعلنت عن تحوّلها إلى ركنٍ ركين للتنظيم في شمال أفريقيا. وفي الجزائر تنظيمٌ صغير يحمل عنوان جند الخلافة بايع داعش العام 2014.

تكاثُر تأسيس الخلايا الداعشية في القارة الأفريقية أثار الكثير من التساؤلات حول الجهات التي تعمل على تكريس الفكر الداعشيّ في أفريقيا، ونشر العنف الأعمى في هذه القارة التي ما زالت ترزح تحت أعباء مخلّفات الاستعمار الغربي.

من نيجيريا إلى الصومال، ومن تونس إلى مصر، ومن الجزائر إلى الساحل الأفريقي، بات الإرهاب أهمّ مهدِّدٍ للجغرافيا الإفريقية. وتبدو الفرص الأكبر للنمو متاحة لدى الخلايا الأصغر في جنوب الصحراء، أي جماعة داعش في الصحراء الكبرى، وداعش في الصومال، وفي منطقة الساحل الأفريقي، وبصفةٍ خاصة في مالي حيث أعلن قبل شهور أحد قادة جماعة المرابطون مبايعة تنظيم داعش.

وقد كتب المحلّل السياسي في صحيفة "لوموند" الفرنسية كريستوف أياد، مالي أفغانستان ثانية بالنسبة للغرب، فنماذج التطوّر فيها مُتشابهة حيث تبدأ بنصرٍ عسكريٍ كبير، ومن ثمّ إخفاقٌ في إعادة البناء، بعدها تظهر بشكلٍ تدريجي انتفاضة تنتشر هنا وهناك تأخذ طابعاً أكثر عنفاً، وتستند إلى سياسةٍ ذكيّة تختلف كلياً عن سابقاتها.

تنظيم داعش في أفريقيا عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من تونس الحبيبة الأستاذ فوزي العلوي رئيس مركز مسارات للبحوث والدراسات الفلسفية والإنسانيات، ومن الجزائر الحبيبة الأستاذ يوسف مشرية الخبير الدولي في التطرّف ومكافحة الجماعات المتشدّدة، وخبير الجماعات الأصوليّة، ومستشار في وزارة الشؤون الدينية الجزائرية.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

كتاب "الاختراق الإسرائيلي لأفريقيا"، المؤلّف الدكتور حمدي عبد الرحمن:

في نهاية عام 1993 كانت سبع دول أفريقية قد أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وفي العام التالي تبعتها عشر دول أفريقية أخرى، وبنهاية عقد التسعينات وصل عدد الدول الأفريقية التي أعادت علاقاتها أو أسّست علاقات جديدة مع إسرائيل إلى أربعين دولة، وهو ما يتجاوز العدد الذي تحقّق في الستينات. واللافت هنا أنّ دولاً أفريقية جديدة لم تكن لها علاقات من قبل بالكيان الإسرائيلي قد أضيفت إلى القائمة، ومن ذلك المستعمرات البرتغالية السابقة أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو وساوتومي وبرنسيب، إضافة إلى زيمبابوي وناميبيا وأرتريا وموريتانيا.

ومن المثير للدهشة أن ردّ الفعل الإسرائيلي على هذه العودة الإسرائيلية المتسارعة اتّسم بالفتور الشديد وعدم الحماسة.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ يوسف، القارة الأفريقية التي يسمّيها المفكّرون الغربيون القارة العذراء أو قارة المستقبل، كيف بدأت التنظيمات المسلّحة تتسلّل إلى أحضانها، إلى جغرافيتها في الغرب الأفريقي، في الشرق الأفريقي، وصولاً إلى الصومال، وصولاً وسطاً إلى النيجر؟

كيف انتشر الفكر المتطرّف في هذه القارة الوادعة؟

 

يوسف مشرية: شكراً سيّدي، ابتداءً أشكرك أستاذ يحيى، ولضيفك العزيز في تونس الشقيقة ولكل مشاهدي قناة الميادين في الوطن العربي.

ابتداءً، هذه المقاربة مهمة ومهمة جداً، لأن أفريقيا العذراء كما أطلقت عليها أصبحت الآن مرتعاً للجماعات الإرهابية المتطرّفة من الشباب الصومالي إلى غرب أفريقيا للأسف الشديد. الآن غرب أفريقيا يشهد انتشاراً سريعاً للجماعات الإرهابية المتطرّفة كالسرطان في جسد المريض، ابتداءً من الجماعات التي لم تسمّها في تقريرك كجماعات ماسينيسا أو جماعة ماسين التي في هذا الأسبوع فقط أطلقت إنذاراً إلى السكان، سكنة شمال مالي على أن يغلقوا مدارسهم، كذلك تنظيم حركة التوحيد والجهاد بغرب أفريقيا الذي يحظى برعاية دولية للأسف الشديد ويُعيث في الأرض فساداً يستطيع أن يضرب في كل وقت في منطقة غرب أفريقيا.

أعود إلى الخلفية الأيديولوجية والخلفية الفكرية لهذه الجماعات، كانت منذ عقدين من الزمن للأسف الشديد مهّدت لظهور هذه الجماعات الإرهابية المتطرّفة، كجماعة بوكوحرام التي انطلقت من مصلّى صغير في منطقة إيديغرو بشمال نيجيريا، بجوار منطقة كانو، وكانت في البداية جماعة مسالِمة، لكن بعد الأحداث والتصارع مع الحكومة المركزية في أبوجا أصبحت هذه الجماعة التي تسمّى بجماعة عبد الله يوسفي إلى جماعة بوكوحرام. نفس الأمر ما يقع في نهر السنيغال إلى نهر النيجر مروراً ببحيرة تشاد، أصبحت هذه المنطقة خاصة بعد سقوط نظام معمّر القذافي، أصبحت تهدّد استقرار المنطقة، والمقصود بهذا كما وقع في العالم العربي، كما وقع في سوريا، كما وقع في العراق، هناك إرادة قوية لدوائر جد محترفة وعالية الاحتراف تصنع مثل هذه الجماعات، لذلك فقط مؤخّراً ما وقع في تونس الشقيقة من امرأة فجّرت نفسها في وسط العاصمة تونس فكل هذه عبارة عن إشارات على أن المستقبل لهذه المنطقة هو في خطر وخطر جداً.

إذاً هناك إرادة للأسف الشديد، إرادة للشر أن تكون أفريقيا خاصة بعد انهزامها وبعد انهزام جماعة داعش في سوريا والعرق سمعنا كما أعلنت صحيفة the sun البريطانية على أن التنظيم يريد نقل عاصمة الخلافة إلى منطقة بحيرة تشاد، وهناك إرهاصات، فجنوب ليبيا مثلاً يعيش لا استقرار وليس هناك حكومة مركزية على جنوب ليبيا، هناك مطارات في جنوب ليبيا تستقبل طائرات، لا نعلم من أين تأتي هذه الطائرات تموّلها بالسلاح.

إذاً فمنطقة أفريقيا وخاصة غرب أفريقيا ومنطقة ساحل وجنوب الصحراء تعيش مرتعاً لجماعات متكاثرة كالسرطان في الجسد المريض سيّدي.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، أستاذ فوزي العلوي، طبعاً داعش بدأت تتسلّل بقوةٍ بالغة، وسوف يشكّل وجودها إذا استمرّ على نفس الوتيرة، ستتحوّل إلى قنبلةٍ فعليّة للقارة الأفريقية، وفي القارة الأفريقية دول محورية تحارب الإمبريالية العالمية، المرجعيات الغربية التي تعتمد الأطماع.

نلاحظ في هذه الخارطة أنّ داعش وُجِدت في مصر، في ليبيا، في تونس، في الجزائر بشكلٍ قليل، ثمّ في مالي وصولاً إلى نيجيريا والصومال، وبدأت تزحف إلى العمق.

وأيضاً في موقع داعش الإلكتروني، هنالك خارطة توضح الانتشار الداعشي إلى سنة 2020 في أفريقيا، حيث المغرب الداعشية كما سمّوها، المغرب العربي، وصولاً إلى أرض الحبشة وأرض الكنانة، وهذه من مصادر داعشية.

وأنت المتخصّص في عالم الأفكار، أريد أن أعرف، دائماً كانت أفريقيا متصوّفة، أي مسالمة مع الطبيعة ومع الإنسان، كانت المذاهب الإسلامية السائدة في أفريقيا مذهب الإمام مالك بن أنس، مذهب محمّد بن إدريس الشافعي، مذاهب ليست ساخنة، لا تعتمد النصّ الأحمر والقتل الأحمر.

كيف انتشرت الأفكار الداعشيّة في بيئة كانت مُطمئنّة مع نفسها؟

 

فوزي العلوي: شكراً. بسم الله الرحمن الرحيم. تناول الظاهرة الداعشية يجب أن يكون من زاويتين، زاوية تحليلية داخلية، وزاوية خارجية وظيفية، فالداعشية في أفريقيا ليست إذاً ظاهرة طارئة بقدر ما هي مُستأصلة ومُتأصّلة، مُتأصّلة في النصوص وفي النفوس، ثمّ أنّ لها بعداً خارجياً يتمثل في المؤامرات الاستكبارية الاستعمارية المعاصرة اليوم، حيث جعلت من هذه الجماعات الوظيفية أداةً لإنجاز ما تبقّى من مشاريعها الاستعمارية الاستيطانية الجديدة. وبالتالي، إذا لاحظنا الخارطة الجغرافية السياسية لتواجد هذه الجماعات الإرهابية التكفيرية، نجدها في الصحراء الكبرى أي تفصل استراتيجياً بين شمال القارة وبين جنوبها، هذه منطقة الصحراء الكبرى هي منطقة، استراتيجياً هي تحوّلت إلى قواعد ثابتة لهذه الظاهرة التكفيرية الداعشية الوهّابية السلفية.

إذاً فهناك خطة مسبقة تتجاوز ما هو إقليمي إلى ما هو دولي ورهانات كبرى، بالتالي يجب فصل شمال القارة عن جنوبها، وهذه الوظيفة ستكون من إنجاز هذه الجماعات التكفيرية. هذا من ناحية. من ناحية ثانية، هناك أبعاد تتمثل في تراجع وظيفة التصوّف والعرفان في القارة الأفريقية، وكذلك المالكية لم يعد لها وجود في شمال أفريقيا، فضلاً عن بعض المناطق من جنوب الصحراء. فأمام الزحف الوهّابي ووَهبنة المدارس والخريجين وكذلك الحملات الإعلامية المسعورة والتوظيف الأيديولوجي الذي تمارسه السعودية من خلال هذا المذهب التكفيري الوهابي السَلفي، لا ننسى مسألة ثانية تتعلق بوجود القذافي. نحن نختلف معه أكيد، لكننا كنّا نعتبر أنّ وجود القذافي كان يمثل من خلال دعم للفكر المالكي الوسطي وللتجربة الصوفية، هناك المحافظة على الشخصية الأفريقية وعلى الدين الأفريقي، وبالتالي من بين أبرز مبرّرات التخلّص من القذافي رغم وجهه الاستبدادي أكيد، هو إزالة آخر العوائق أمام انتشار الوهّابية بشكل مباشر، وبشكل لا نظير له، وبالتالي خلق أرضيّة استعمارية وظيفية لهذه الجماعات الوهّابية التكفيرية.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً عندما نتحدّث عن الوهّابية نتحدّث عن المملكة العربية السعودية. إذاً أستاذ يوسف، هل للمملكة العربية السعودية دور في نشر الوهّابية في أفريقيا، هذه الوهّابية التي أنتجت بوكوحرام وأنتجت الشباب الجهادي الصومالي وأنتجت المرابطين وأنتجت جماعات كثيرة تنتمي إلى فكر إبن تيمية الحراني؟

 

يوسف مشرية: نعم، ابتداءً وقبل أن أجيبك أستاذي يحيى أبا زكريا، فقط أريد أن أعلّق تعليقاً بسيطاً على الضيف من تونس الشقيقة، قوله على عدم وجود المالكية في دول المغرب العربي لا أشاطره الرأي ابتداءً، نحن في الجزائر عشنا العشرية السوداء والتي كلّفتنا الكثير والكثير، لكن بقيت المرجعية المالكية السنّية تسيطر على الغرب الإسلامي، على دول المغرب العربي وعلى دول غرب أفريقيا، بل إن دخول الإسلام عن طريق علماء من المالكية كشخصية محمّد إبن عبد كثيم المغيدي الجزائري الذي كان قاضياً بمدينة تمبكتو بشمال مالي ثم كان مستشاراً للملك في شمال نيجيريا، فالمالكية ما زالت موجودة ولله الحمد والمنّة ومرجعيتنا قوية وقوية جداً، بدليل، أما قوله على الجماعات الأيديولوجية المتطرّفة، نعم، صحيح، ما عشناه في الجزائر من عشرية سوداء، من موجة إرهابية تكفيرية، كانت نتيجة لتيارات وافدة على هذه المنطقة، ولكن الآن أصبحت الجزائر قلعة من قلاع الصدّ، وأصبحت المرجعية الفكرية خطاً أحمر لا يقترب منه أيّ أحد من الجزائر. نعم، ربما تونس الآن في مرحلة مؤقتة، مرحلة لا استقرار، كذلك ليبيا، لكن ليعلم الأخوة الليبيون والتونسيون أن لهم أشقاء في الجزائر يعينونهم على صدّ هذه الموجة. نعم، ما ذكرت في وقت خبرت الجماعات في منطقة غرب أفريقيا وجنوب الصحراء والساحل أكثر من عشر سنوات وتنبّأنا بهذا الوجود منذ سنوات كثيرة، فانحسار المذهب المالكي وقراءة ورشا نافع وكانت تلك الجمعيات التي تسير في ظاهرها إلى جمعية إغاثة للإنسانية لكن للأسف الشديد تحفر البئر وتبني المستوصف والمدرسة، لكن تمحي المرجعية الأصيلة وهي المرجعية المالكية في منطقة أفريقيا وجنوب الصحراء والساحل، هذه المرجعية الوافدة على منطقة أفريقيا هي التي أنتجت للأسف الشديد جماعة بوكوحرام، وأنتجت كذلك جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا وأنتجت مؤخراً تنظيم داعش في بلاد أفريقيا فأنا أعتبر أن هذه الجماعات الآن تنحسر في منطقة شمال أفريقيا لكنها تتزايد في منطقة الصحراء وجنوب الساحل الذي يمتد من نهر السنغال إلى بحيرة تشاد بدليل على أنّ هذه الجماعات تستطيع في أي وقت ان تضرب، في أي وقت، في أي زمن. ولا أخفيك سيّدي يحيى هناك مقاربات لا بد من أن نعتمد، التواجد الصهيوني الأخير في منطقة غرب أفريقيا ليس بريئاً، كذلك المنظمات التي تمارس الجريمة العابرة للقارات وتحالفت مع المنظمات الإرهابية وأتحدّث عن المنظمات التي تتاجر بالمخدرات العابرة للحدود، فكلّ هذه المقاربات وجدت إقليماً هشّاً من دول ديكتاتورية انقلابية للأسف الشديد في غرب أفريقيا ساعدت على هذا الظاهر، فلا بدّ من النزول إلى الميدان لنعرف حقيقة ما يجري في مالي، حقيقة ما يجري في النيجر، حقيقة ما يجري في تشاد، حقيقة ما يجري في بوركينا فاسو ونيجيريا وغينيا وما يسمّى بمحور نواكشوط. فهذه الأرضية أصبحت الآن خصبة، لا وجود للديانة ولا وجود للعناية الرسمية، حينما نرى مثلاً مؤخراً أنّ الولايات المتحدة الأميركية تبني أكبر قاعدة عسكرية في منطقة أغاداس وهي منطقة حدودية بين النيجر وليبيا وكذلك الجزائر وتستهوي الأقلية من الطوارق، فلماذا؟ العمل ليس بريئاً، فأفريقيا، وجود هذه الجماعات فزّاعات للصراع الفرنسي، الصراع الأميركي على ثروات أفريقيا وعلى ذهب أفريقيا وعلى اليورانيوم في أفريقيا سيّدي أبا زكريا.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، ولذلك نقول ونكرّر وسنقول ونكرّر، فتّشوا عن أميركا. أميركا كلما تريد أن تبني قاعدة في منطقة تلوّح بخطر القاعدة، وكلما تريد أميركا أن تبطش تبرز ورقة داعش.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثم نعود إليكم.

 

"بوكو حرام من الجماعة إلى الولاية" لمحمّد عبد الكريم أحمد:

يطرح الكتاب سؤالاً مهماً هو، لماذا يعاني الأفارقة من الفقر والبطالة إذا كانت بلدانهم تزخر بالموارد الطبيعية والبشرية الهائلة؟ وبالحديث عن بوكو حرام تلك الجماعة التي تسبّبت في الكثير من الحوادث والاعتداءات الخطيرة، يقول الكاتب إنّ القضاء عليها لن يكون سهلاً عن طريق استخدام وسائل مكافحة الإرهاب التقليدية التي تتبعها السلطات النيجيرية. فالتدهور الاقتصاديّ والسياسيّ والأمنيّ الذي تعاني منه البلاد منذ استقلالها عام 1960 أدّى إلى حالٍ من السخط انتشرت بين أهالي نيجيريا وتسبّبت في نوعٍ من عدم الاستقرار.

وهكذا فإنه يمكن النظر إلى بوكو حرام على أنها مثال لحال انعدام الأمن الإنساني العام التي حلّت بالبلاد جرّاء الفساد الذي لطّخ التاريخ السياسي والاقتصادي لنيجيريا، ونتيجةً لذلك فإن إجراءات السيطرة التي يجري تطبيقها إن لم تحصَّن على المدى الطويل بتنميةٍ اقتصادية وسياسية يمكن أن تمثل مجرد قدرٍ بسيطٍ في إصلاحٍ متعجّلٍ وغير فعّال، وأن تسفر عن ظهور حركات بوكو حرام أخرى تحت تسميات مختلفة.

ينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول تناقش النقاط التالية: الفصل الأول، نيجيريا عملاق أفريقيا التائه، والفصل الثاني نشأة بوكو حرام، والفصل الثالث تفكيك أيديولوجيا بوكو حرام إبن الغير لا يمكن اقتراضه، والفصل الرابع الإرهاب في مواجهة دولة الفساد، والفصل الخامس تمدّد بوكو حرام الإقليمي الجريمة والعقاب، والفصل السادس الغرب وبوكو حرام، والفصل السابع بوكو حرام داعش غرب أفريقيا، والفصل الثامن ما بعد النصّ بوكو حرام والسيناريو ما بعد بخاري.

 

المحور الثاني

 

كتاب "تحوّلات الخطاب الإسلامي في أفريقيا، من الصوفية الإصلاحية إلى بوكو حرام" للدكتور حمدي عبد الرحمن:

طرح الكتاب نماذج مختلفةً للخطاب الإسلاميّ في القارة، والذي بدأ بخطاب الحركة الإسلامية في السودان الذي اتّسم في جوهره بغلبة الطابع السياسيّ على الديني والتربوي. وقد يرجع هذا إلى تشابكه في البداية مع التيار الشيوعي السوداني.

وبالتزامن مع الخطاب الحركيّ للسودان ظهر الخطاب الصوفي في السنغال نتيجة لتغلغل الطرق الصوفية. واتضحت الصوفية وتقاليدها بشكل بارز في تجديد الخطاب الإسلامي بين المهادن في السنغال والجهادي في نيجيريا.

قدّم الخطاب السلفي الحركي قراءة مُغايرة للدين وكاشفة للجوانب العملية لقواعده ونصوصه ليبتعد بذلك عن الطرائق الصوفية مثل القادرية والتيجانية. ويفسّر الكتاب الخطاب الإصلاحي السلفي في أفريقيا ولا سيما في نيجريا من خلال ثلاثة تنظيمات هي جمعية الطلاب المسلمين، وجمعية الدعوة، وجماعة إزالة البدعة وإقامة السنّة.

ويؤكد أنّ مصطلح السلفية ازداد غموضاً بعدما تحوّل الخطاب السلفي إلى ظاهرةٍ تؤثّر بنحوٍ فعّالٍ في المشهد السياسي والديني في العالمين العربي والإسلامي، ولا سيما في أفريقيا. ويميّز الكتاب بين ثلاثة تيارات رئيسة داخل التيار السلفي، هي السلفية الأصولية والسلفية المُسّيسة والسلفية الجهادية.

وقد شهدت القارة ثلاثة نماذج رئيسية للخطاب الديني الجهادي النابع من النمط الثوري في محاولته لإحداث تغييراتٍ جذرية في بنية الدولة والمجتمع، بما يعني إقامة المجتمع الإسلامي والوصول إلى النظام الإسلاميّ. وتتمثّل تلك النماذج في جماعة إخوان نيجيريا بزعامة إبراهيم الزكزاكي، وجماعة بوكو حرام النيجيرية، وجماعة الشباب المجاهدين في الصومال.

وتناول الكتاب العديد من التفسيرات لتصاعُد الخطاب الراديكالي الإسلامي في العديد من البلدان الإفريقية منها، الفقر والفساد والشعور بالاغتراب السياسيّ، والتي مثّلت جميعها صعوداً لانتشار الخطاب الإسلامي المتطرّف، فضلاً عن عدم المساواة الاجتماعية والعزلة لدى بعض الجماعات على أسُسٍ دينية أو عرقية ما سهّل عمليات التجنيد والتعبئة.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديدٍ. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع تنظيم داعش في القارة السمراء، في أفريقيا، هذه القارة التي ما زالت تزدحم بالخيرات، والموارد الطبيعية رغم السرقات الغربيّة المتكرّرة لموارد أفريقيا.

أستاذ فوزي، عندما تدقّق في خارطة الخلايا الداعشيّة المُستيقظة أو النائمة، تصاب بحال من الخوف والهلع للمستقبل الأسود الذي ينتظر أفريقيا.

في ليبيا، ما زال تنظيم داعش قوياً، ولحدّ الآن لمّا يُستأصَل وهو مدعوم بأموال خليجية وأموال غربية، دعم استخباري، أمني، مالي بشكل فظيع، ليبيا أنت تعرف أنها تشكّل ركناً ركيناً في الشمال الأفريقي، بمعنى أن وجود داعش هناك يهدّد الجزائر، تونس، المغرب وموريتانيا أيضاً.

وأيضاً من المبايعين لداعش ولاية سيناء الداعشية التي أعلن التنظيم فيها عن دعمه الكامل لداعش، جند الخلافة في أرض الجزائر، بوكو حرام الذي تحوّل إلى مصّاص دماء، قاتل الفتيات والأطفال، المرابطون، حركة الشباب في الصومال، الأنصار أيضاً بايعوا داعش بالكامل، وحتى المبايعات تمّت في موريتانيا وفي العمق الأفريقي.

هل نحن أمام تغوّل داعش من جديد بعد الضربات التي تلقّاها التنظيم في سوريا، والعراق؟

 

فوزي العلوي: يجب أن نضيف أيضاً أستاذنا مسألة أساسية تتمحور حول التواجد الإرهابي الداعشي جغرافياً، مثلاً في تونس هو يتواجد على الحدود التونسية في المناطق الجبلية بين تونس والجزائر، فليست في الحقيقة تونس هي المستهدفة في المقام الأول بقدر ما أن الشقيقة الجزائر هي المستهدفة الأولى والأخيرة، لذلك حذّرنا ونحذّر من أنّ التواجد الإرهابي الداعشي الوهّابي السلفي على المناطق الحدودية، المستهدَف الرئيسي فيه هو الأخوة الجزائريون أكثر من التونسيين. هذا أولاً.

ثانياً، تواجدهم أيضاً في منطقة سيناء إنما هو تواجد أيضاً استراتيجي لفصل أفريقيا عن آسيا أي فصل إمكانية التواجد لمقاومة الكيان الصهيوني والعصابات الصهيونية، ونحن نعلم أن هذه العصابات الإرهابية الداعشية تحوّلت إلى جيش لحد جديد، فهي حامية لهذا الكيان الصهيوني، تواجدها في سيناء حماية لهذا النظام، تواجدها أيضاً في المناطق، في درعا وفي المناطق الأخرى في سوريا قبل الانسحاب منها وتحريرها من طرف الجيش العربي السوري وشرفاء المقاومة، إنما يؤشّر على الدور الوظيفي الاستعماري التكفيري التآمري لهذه الجماعات.

نضيف إلى ذلك أن هناك الإسلاميين الجدُد المتمثل في هذا الخطاب الذي يعبّر عن اختزال الإسلام في الكراسي وفي المسألة السياسية فحسب، عندما تحوّل هؤلاء المتأسلمون إلى تبرير أيديولوجي، يقدّمون التبرير الأيديولوجي لتواجد هؤلاء الدواعش، نجدها في العديد من التصريحات لقادة سياسيين مرموقين، هنا في تونس نجد دعماً سياسياً كبيراً يصف الدواعش قائلاً بأنهم، سمّاهم بكونهم الإسلام الغاضب. هم ليسوا مسلمين أصلاً حتى يغضبوا، فهذا التبرير وهذا شكل من أشكال التعويم، ثم عندما يصف الظاهرة الداعشية التكفيرية الوهّابية السلفية، يشير إلى كونها ويرى فيها شبابه ويقول أيضاً إنهم يبّشرون بثقافة جديدة، مثل هذه التبريرات السياسوية إنما تعبّر عن خلفية ثانية حين يعتبرهم مقاومين، ويعتبرهم ثوّاراً ويعتبرهم مجاهدين ووطنيين، هذه التبريرات السياسوية تعبّر عن شكل جديد من الإسلام الأميركي المُتصهين الذي عبّرت عنه بعض خطابات الإسلاميّين الجدُد، لا ننسى أيضاً، هناك تمييز أقاموه بهتاناً وزوراً، حين ميّزوا عن قصد وعن دراية بين ما يسمّى بالسلفية العلمية والسلفية الجهادية.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ فوزي، هل في هذا السياق يندرج على سبيل المثال ما وقع في نيجيريا؟ مجموعة من المواطنين يا أخي يعتنقون أي مذهب، يقال إنهم يعتنقون مذهب أهل البيت، قُتلوا بالرصاص الحيّ، وزعيمهم الذي هو الشيخ إبراهيم زكزكي موجود لدى السلطات النيجيرية معتقلاً، بعد أن قُتِل أولاده، ويقال إن الحادثة وقعت بعد ذهاب دعاة سلفيين إلى نيجيريا.

هذه المهازل الطائفية ما كنّا نشاهدها في أفريقيا نهائياً، أفريقيا سيكو توري، أفريقيا نكروما، أفريقيا لومومبا، أفريقيا الزعماء الأحرار، نيلسون مانديلا وغيرهم، أفريقيا ما كانت أحادية أو استئصالية.

 

فوزي العلوي: صحيح، تماماً، فزعماء التحرّر في أفريقيا كانوا وطنيين والخطاب التكفيري هذا هو خطاب لا استقلالي لا وطني، غير مدني، لا يؤمن بالوطن ولا بالمواطنة، هو شكل من الاستعمار الجديد من ضرب مفهوم الدولة، من ضرب كل مؤسّسات الدولة، وأول ما يبدأ به هو قتل العقول وضرب المؤسّسات الأمنية والعسكرية، هذا ما دأبت عليه هذه الجماعات الإرهابية سواء في سوريا، سواء في العراق، سواء في اليمن، سواء في سواء في ليبيا، وفي الصحراء الكبرى، في أفريقيا، إنما يعبّر عن أن هذه الجماعات هي جماعات وظيفية حقيقية.

لذلك نحن ندعو إلى فضحها باعتبار أن هذا الفكر الوهّابي الداعشي هو فكر فوضوي له تعبيراته التي يشير إليه المشروع الاستكباري الاستعماري الجديد بالفوضى الهدّامة أو الخلاقة، فهي أدوات لنشر الفوضى ولضرب الاستقرار ولضرب مؤسّسات الدولة.

لذلك نهيب بكل العقلاء، بكل الوطنيين، بكل الأحرار إلى مواجهة هذا الموقف اللا إنساني، اللا أخلاقي، ويجب تصنيف الوهّابية كجريمة ضدّ الإنسانية، ويجب تصنيف هذه الجماعات كتهديد استراتيجي للإنسان والإنسانية، بل إن الإسلام نفسه مُهدَّد في صميمه من طرف هذه الجماعات، ونحن نعلم أنّ الاستكبار حاول أن يقدّم إسلاماً أميركياً، إسلاماً أموياً، إسلاماً إرهابياً، تكفيرياً لتعويم هذه الصورة وتقديم الجانب المتوهّج في التديّن وليس في الدين.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً أستاذ فوزي وأستاذ يوسف، نحن كعرب ومسلمين قصّرنا في تعضيد التعاون وإمداد جسور التواصل مع أفريقيا. إلى وقت قريب، في السبعينات كانت كل الدول الأفريقية مقاطِعة للكيان العبري، اليوم العلاقات قائمة على قدم وساق وأيدٍ أيضاً مع الكيان العبري.

نحن العرب أهملنا هذه العلاقات فيما استغلّ الكيان الصهيوني أفريقيا، وممّا يرويه بعض الساسة الصهاينة، أننا كنا نأخذ قصائد المتنبي إلى زعماء أفريقيا، لا تشترِ العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد، ونقول للزعماء الأفارقة، أنظروا كيف يراكم العرب، يرونكم عبيداً. نحن العرب لم نقم بتصحيح الصورة وإزالة هذه الحرب الناعمة ضدنا.

طبعاً في موضوع آخر أستاذ يوسف، بوكو حرام مثلاً بدأت بمئتي عنصر صارت اليوم مجموعات بالآلاف، المرابطون أيضاً، الشباب الصومالي نفس الشيء. مَن فتح قنوات الإمداد الإنساني؟ لأن الجغرافيا الإفريقية صارت مثل سوريا للأسف الشديد، حيث فتح قناة لتدفق الإرهابيين عليها. أولاً من أين يأتون؟

ثانياً، من يرعى نقل الإرهابيين إلى الجماعات الداعشية في أفريقيا؟

 

يوسف مشرية: نعم، ابتداءً، أولاً أستاذي، لا بدّ من أن نعلم الواقع الأفريقي، لا أتكلّم عن الشمال الأفريقي كدول قائمة من مصر باستثناء ليبيا مؤقتاً إلى تونس والمغرب الشقيق والجزائر، أما دول جنوب الصحراء والساحل هي دول مفتوحة، دول رخوة، دول هشّة، بدليل أي جماعة تستطيع أن تنشط في هذه المنطقة، لذلك أنا أقول دائماً، بعد هذا العمل الذي دام أكثر من عشر سنوات في منطقة الساحل وجنوب الصحراء أننا تركنا الساحة فارغة للجماعات المتطرّفة وللأفكار الوافدة. لا نكتفي فقط بسب الظلام، بل لا بد من أن ننزل كما نزل الأسلاف وكما نزل الآباء، وذكرت شخصيات، حينما يتكلم الشيخ عبد الحميد إبن باديس رضيَ الله عنه وطيّب الله ثراه نقلاً عن شيخه الطاهر بن عاشور الزيتوني، قال ينبغي أن نقدّم الإسلام بوجه يرغب فيه الآخر، لا كما فعل البعض، أننا دائماً نتلقّى هذه العرقية وهذا الشحن الطائفي الذي يزيد كذلك من التوتّر، لا بدّ من أن نكون أذكياء، وأن تكون مقاربتنا ذكية وذكية جداً، عالية الاحتراف، وأن ننزل إلى الميدان ونعرف ماذا يقع ابتداءً. أفريقيا مفتوحة للجميع، الكيان الصهيوني يشتغل، انتقل من شرق أفريقيا إلى غربها مؤخراً، يعيث ويتواصل سفراء الكيان الصهيوني، يتواصلون مع شيوخ القبائل، يتواصلون مع شيوخ الطُرق الصوفية، يتواصلون مع شيوخ الطريقة القادرية والطريقة التيجانية التي نشرت الإسلام بعمق في المنطقة. لذلك ينبغي نحن أن ننزل إلى الميدان ونقطع الطريق على الكيان الصهيوني والكيان العبري الذي يريد أن يطبّع بطريقة أو بأخرى. لذلك هذا العمل الذي لا بدّ أن يكون.

كيف وصل داعش إلى أفريقيا؟ وصلت الأيديولوجية منذ سنوات، مهّد الطريق، ثم أن التقرير الأخير الذي أشار إليه الاتحاد الأفريقي عن طريق منظمة السلم والأمن في الإتحاد الأفريقي وناطقها الرسمي الأستاذ إسماعيل شندي قال فيه أكثر من 6000 داعشي أفريقي عادوا من العراق ومن سوريا إلى منطقة أفريقيا، فقط ذكرت لك جنوب ليبيا ممتد، فارغ والآن يستقرّون في منطقة بحيرة تشاد. وأؤكّد لك على أن تنظيم داعش في غرب أفريقيا يستطيع أن يسقط أنظمة مثل النظام المالي ونظام نيجيريا ونظام تشاد في أية لحظة.

لذلك على النخب وعلى مراكز الدراسات، لا تكتفي فقط أن تجلس في عواصم الدول، شمال أفريقيا، عليها أن تنزل كما نزلت نخب الكيان الصهيوني إلى الواقع وأن تمد طريقة استراتيجية لعشر سنوات، في خمس سنوات. نحن أقمنا أكثر من 13 معهداً في الجزائر لإعداد الدُعاة ولمحاربة التطرّف، ونستقبل آلاف الطلبة من منطقة الساحل وجنوب الصحراء لاستقطابهم ولتوعيتهم ولتكوينهم، لمواجهة هذا الصدّ من الأفكار الأيديولوجية المتطرّفة ولمواجهة الخطر الإرهابي والتكفيري في منطقة الساحل وجنوب الصحراء سيّدي.

 

يحيى أبو زكريا: بالإضافة إلى ذلك أستاذ يوسف، القارة الأفريقية قُدّمت في الأفلام الأميركية، هوليوود وغيرها، أنها قارة عاجزة، مشلولة، قارة لا تمتلك شيئاً. في الوقت الذي قُدّمت فيه صورة مأسوية عن أفريقيا، كانوا هم يسرقون، بدءاً من البشر الذين سرقوهم من أفريقيا، وقصة رواية جذور خير من فضح السرقة والقرصنة ضد الشعب الأفريقي.

هنالك ذهب، هناك ماس، شركة صهيونية في جنوب أفريقيا دخلها السنوي من استخراج الماس عشر مليارات يورو وهذا ما يقوله الصهاينة. نحن أيضاً لم نعزّز العلاقات لا الثقافية، ولا الاقتصادية، ولا الفكرية، المشهد الأفريقي غائب عنا للأسف الشديد. تجد الدول العربية تدعو مطرباً غربياً ولا تدعو مطرباً أفريقياً.

إلى أين أفضى هذا التقصير أستاذ يوسف؟

 

يوسف مشرية: نعم للأسف الشديد، الآن الغرب يضغط على دول الشمال الأفريقي بما يسمّى بالهجرة غير الشرعية للأفارقة، كان هناك مشروع، هل تعلم ما الذي عجّل بسقوط نظام معمّر القذافي رحمه الله؟ هو قيامه عندما حللت أنا في تشاد، في الكونغو، في غينيا كوناكري، في السنيغال، إلا وجدت أثراً لعمل القذافي رحمه الله، إما معهداً أو مركزاً إسلامياً أو مركزاً ثقافياً أو مستوصفاً، بل كان مشروعه إقامة العملة الأفريقية الموحّدة وهذا الذي عجّل بسقوطه من طرف الغرب ودوائر الغرب.

صحيح هناك تقصير كبير وكبير جداً، لا بدّ من أن لا ننظر إلى العنصر الأفريقي نظرة الإقصاء ونظرة التيجان ونظرة التحقير ونظرة العبودية التي ورثناها للأسف الشديد عن خطاب ديني فيه تمييز عنصري للأسف الشديد، الرجل الأفريقي رجل ثائر، الجزائر كانت قبلة لنيلسون مانديلا وغيره من الأحرار في العالم وحرّض جميع دول أفريقيا في فترة وجيزة جداً.

إذاً لا بد أن ننظر إلى هؤلاء بنظرة الشريك في أفريقيا وعلى الاقتصاديين في الجزائر أن يتوجّهوا إلى أفريقيا، يتوجّهوا إلى تشاد، يتوجّهوا إلى مالي، إلى النيجر، فالبعد الاقتصادي والأمن القومي للجزائر والأمن القومي لدول المغرب العربي الكبير يكمن في المقاربة الاقتصادية في إنمائها في تنميتها، خاصة منطقة الساحل التي الآن يمهّد لها أن تكون هي البديل، البديل عن الثروات للغرب، وهناك صراع رهيب بين دول الغرب خصوصاً بين الولايات المتحدة الأميركية، بين فرنسا وبين ألمانيا، تواجد مكثّف جداً. لذلك على الإخوة على مراكز البحث بالشمال الأفريقي، خاصة دول المغرب العربي التي كان لها أثر وبُعد ثقافي وتاريخي في منطقة الساحل وجنوب الصحراء عليها أن تسترجع دورها وتسترجع هذا الدور باستقطاب النخب الفكرية من منطقة الساحل وجنوب الصحراء، وهناك صراع فرانكفوني غربي وصراع عربي في منطقة الساحل خاصة في تشاد، في السنغال، في مالي، في النيجر، فلا بدّ من أن نستغلّ هذا الأمر ويكون للمقاربة المغاربية.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً نستطيع القول إن هنالك خمس قوى فعلية تتصارع على القارة السمراء، أميركا بالدرجة الأولى، الكيان الصهيوني، فرنسا، بريطانيا، وأيضاً روسيا دخلت على الخط في المدة الأخيرة، والعرب نائمون، نائمون، نائمون كحالهم دائماً.

 

يوسف مشرية: كذلك لا ننسى الصين القادم من بعيد.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، الصين أيضاً بدأت تستثمر هناك بمليارات الدولارات.

أستاذ فوزي، هناك خصيصة في البيئة الأفريقية، الفكر المقاوِم، لأن أفريقيا كانت تُذبح من قِبَل الأمبراطورية الإسبانية، البرتغالية، الإيطالية، الهولندية، البلجيكية، الفرنسية، البريطانية. هنالك فكر مقاوم وشعر مقاوم وأدبيات مقاومة قلّ نظيرها في أفريقيا.

والله عندما أقرأ بعض النصوص لأفارقة، كرجل أنتمي إلى الجزائر وأعرف ما فعله الاستعمار الفرنسي في أجدادنا، هذا الاستعمار البغيض المقيت، يهزّني شعرهم، قواسم مشتركة كبيرة بيننا وبينهم. لمَ لا يكون هذا الفكر المقاوم بين الإنسان المستضعف في العالم العربي والإنسان المستضعف في أفريقيا قاسماً مشتركاً بيننا؟

 

فوزي العلوي: لعلّك بذلك تشير إلى مسألة أساسية، نحن في مركزنا مركز مسارات للدراسات الفلسفية والإنسانيات، أسّسنا لوحدة الدراسات الأفريقية ضمن هذه المقاصد الجميلة، وأنجزنا العديد من الندوات والعديد، وكانت لدينا نشرية وكل الناشطون فيها أفارقة سواء مقيمين بتونس أو طلبة زيتونيين أو طلبة في بقية المؤسّسات التعليمية الوطنية أو الخاصة.

من خلالها، حاولنا أن نربط أفريقيا بعمقها العربي والإسلامي، ونزيل هذه القطائع المصطنعة التي تجد مرتكزاتها في بعض النصوص التراثية الرديئة، وكذلك في الأجندات السياسوية الإسلاموية وفي المؤامرات الأجنبية.

على مستوى بعض النصوص التراثية، هناك عنصرية مقيتة في بعضها، يجب أن تُنقّى هذه التراثيات من هذه العنصرية، ثمّ إنّ الشارع لدينا هو شارع عنصري في بعض وجوهه للأسف الشديد، لذلك صدر قانون بتجريم العنصرية أخيراً في تونس.

ثمّ لا ننسى أيضاً بعض حركات الإسلام السياسي وبعض المنطق الرجعي الإسلاموي، هو الذي يقدّم تبريرات مُذِلّة بحق العروبة والقومية، ويأخذ موقفاً خاطئاً نحو العروبة كانتماء وليس كهوية. ثمّ لا ننسى الدور الاستعماري، ذلك أنّ الوجود الفرنسي خاصة في المنطقة والأميركي هو الذي غذّى هذه الظاهرة بالتعاون مع الجهود المذمومة للوهّابية الدولية، في تحالفها للأسف الشديد مع تنظيمات إسلاموية رجعية.

في هذا الإطار، نجد أنّ القواعد العسكرية الفرنسية في شمال مالي وهي منتشرة بكثافة، هي التي تغضّ الطرف عن تواجد الجماعات الإرهابية وهذا عن قصد، ثمّ كذلك في شمال نيجيريا وفي كل المناطق، هناك تواجد كثيف للقواعد العسكرية، فلماذا لم تتدخّل، بل هناك حرص على تقوية هذا الوجود الوهّابي التكفيري لخدمة أجندات استعمارية جديدة.

لذلك ندعو إلى تنقية العلاقات العربية الأفريقية، ربط أفريقيا مجدّداً بعالمها العربي ونزع كل المبرّرات، وعلينا نحن كعرب أن نعيد اللحمة إلى أفريقيا وأن نجعل أفريقيا امتداداً طبيعياً لنا.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ فوزي، ما دمتم تهتّمون بالنتاج الفكري الأفريقي، أرجو، لي أمنية خاصة أن تعيدوا إحياء النتاج الفكري والأدبي للمجاهد العملاق رحمة الله عليه فرانز فانون الذي كتب كتاب سيكولوجية الاستعمار. قلّما نجد كاتباً حلّل نفسية الاستعمار، شخصانية الاستعمار وهو واحد من مناصري الثورة الجزائرية المقدّسة.

أستاذ يوسف، هل دول المنطقة في مستوى هذه التحديات؟ هل تتنبه؟ هل تستشرف؟ هل تعدّ العدّة للقضاء على داعش التي تستهدف بالدرجة الأولى أمنها القومي والوطني، وأصلاً كيان الدولة من أساسه تستهدفه داعش سواء في الشمال الأفريقي حيث خمس دول مركزية، الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا، المغرب، أو في العمق الإفريقي؟ هل هنالك تعاون؟ هل هنالك مواجهة فعلية للخطر الدعشي؟

 

يوسف مشرية: نعم، صحيح، أنا أبشّرك من الجزائر، الجزائر في هذه الأيام تحتفل بذكرى ثورة نوفمبر الخالدة التي ضحّت بالنفس والنفيس، ثورة المليون ونصف مليون من الشهداء سقطوا في سبيل الحرية والمقاومة واسترجاع الهوية الوطنية، هوية العروبة والإسلام والبعد الأفريقي والأمازيغي. نحتفل بهذا لأننا نحن كجيل الاستقلال، نحن كأبناء الشهداء وأحفاد الشهداء، لن نسمح أبداً، وقد جرّبنا في العشرية السوداء كيف استطاع الخارج أن يخترق المنظومة الدينية والفكرية والأمنية للجزائر، وتخلّف آلاف الضحايا باسم الإسلام وباسم الشهادة المزوّرة للأسف الشديد.

نحن لن نسمح أبداً، الجزائر قلعة منيعة وحصن منيع في وجه أي تيار متطرّف، أي تدخّل أجنبي أياً كان، أي شحن طائفي، وأكثر من ذلك نساعد ونعزّز قوّة التعاون المغاربي مع الأخوة في المغرب العربي والأخوة في أفريقيا.

نعم، أؤكّد لك على أن هناك منظومة هشّة للأسف الشديد في منطقة الساحل وجنوب الصحراء، استطاعت التنظيمات الإرهابية أن تحرّر شمال مالي وتأخذ شمال مالي خلال 48 ساعة فقط، تنظيم ما يسمّى بأنصار الشريعة، لكن هناك إرادة من الغرب واستعمل أكثر من خمس دول أفريقية، لكن المقاربة العسكرية لا تكفي سيّدي، لا بدّ من مقاربة فكرية، لا بدّ من مقاربة اقتصادية، لا بّد من مقاربة كذلك ذكية.

أنا أقول لضيفك العزيز بتونس الشقيقة، البُعد الأفريقي الموجود لدول المغرب العربي هو منذ قرون، أنا حينما اتكلّم عن قبيلة الهوسا وقبيلة فل وقبيلة الليبو وقبيلة فلمبان، هذه القبائل الأفريقية ذات التوجّه الصوفي التيجاني المسالم، تشعر ببُعدها العروبي، تشعر ببُعدها العروبي، وانتمائها للمغرب العربي وانتمائها إلى الوطن العربي.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ يوسف، وقتنا انتهى. ذكرت الجزائر وإبن باديس وأثرت لواعجي وأشجاني، ودعني أختم بما قاله شيخ العروبة والإسلام عبد الحميد بن باديس، وإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب.

الأستاذ يوسف مشرية من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك، الأستاذ فوزي العلوي من تونس الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.