حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

بشارة مرهج - وزير لبناني سابق

 

مايا رزق: طابت بالخير أوقاتكم مشاهدينا الكرام.

ليس من السهل اتخاذ قرار دخول المعترك السياسي في لبنان، ولعلّ الأصعب منه الخروج من أروقة السلطة وتقييم التجربة.

ليس من السهل الانتقال من جبهة النضال القومي إلى السلطة، ولعلّ الأصعب منه محاولة التثبّت بالقناعات الوطنية والأخلاقية، وسط غاباتٍ من الفساد.

ليس من السهل سرد أحداث الماضي الحافلة بالاقتتال السياسي والمذهبي والميداني، ولعلّ الأصعب عرض الواقع بشفافيةٍ وبعيداً عن التحريض والشخصنة.

من ميادين الثورة ومواجهة الاحتلال والهيمنة والرأسمالية، إلى كهوف السلطة، مسارٌ متشعّبٌ في زمنٍ لا تزال مرارة تداعياته حاضرة على موائد اللبنانيين والعرب.

مسارٌ يخبرنا عنه وزير الداخلية الأسبق بشارة مرهج من خلال كتابه "كهوف السلطة... تجربتي في وزارة الداخلية".

بأسلوبٍ هادئ وواضح، يعرض مرهج تجربته ويسرد أحداثاً من التاريخ الحديث بدّلت معالم المنطقة.

يُدخل القارئ في دهاليز السلطة اللبنانية، ولا يتردّد في تسليط الضوء على الفساد الذي كان ولا يزال مُتفشياً في نظام الحكم.

نخصّص حلقة حوار الساعة للحديث عن تجربة مرهج وعن مروحة علاقاته بأهمّ قادة لبنان والعالم العربي. أين أخفق وأين أصاب؟ وما المطلوب اليوم لتحسين موقع وزارة الداخلية، وبالتالي أداء الحكومة ككلّ؟

هذه الأسئلة وسواها نناقشها مع الوزير اللبناني الأسبق بشارة مرهج. أهلاً ومرحباً بكم.

 

(فاصل)

 

مايا رزق: أهلاً بك أستاذ بشارة عبر شاشة الميادين.

بدايةً، لماذا إصدار هذا الكتاب في هذا التوقيت بالذات عِلماً أنه يتحدّث ربما عن مرحلة تاريخية سابقة؟

 

بشارة مرهج: أعتقد أنه نضج الوقت كي نصدر مثل هذا الكتاب الذي يؤرّخ نسبياً لمرحلة سابقة كان لها أهمية في تاريخ لبنان الحديث، خصوصاً أنّها كانت مرحلة ما بعد الطائف ومرحلة تأسيس الدولة. أريد أن يطّلع القارئ على هذه التجربة، على تفاعلاتها الداخلية، على معاركها، على محاسنها وعلى مساوئها، وكيف خاض وزير الداخلية المعيَّن آنذاك بشارة مرهج تلك المعركة، آخذاً بعين الاعتبار أنه آتٍ من وسطٍ شعبي، من وسطٍ نضالي، من وسط وطني يساري قومي تقدمي، إلى النظام الذي كان ينتقده ويتظاهر ضدّه.

 

مايا رزق: هذا بحدّ ذاته مصدر للانتقاد ربما وللتساؤل كيف لشخص كبشارة مرهج أن يدخل معترك السياسة.

 

بشارة مرهج: نعم، أنا كنت في ميدان السياسة قبل أن أدخل وزارة الداخلية.

 

مايا رزق: أي السلطة.

 

بشارة مرهج: أولاً نجحت في الانتخابات النيابية، وقبل الانتخابات النيابية كنت في الميدان السياسي على مدى سنوات وسنوات، منذ دخولي الجامعة الأميركية سنة 1963، دخلت في خضمّ العمل السياسي والشعبي والحزبي والثقافي وكنت دائماً داخل عملية النضال، أولاً من أجل نشر الفكر القومي العربي، نشر الفكر الوحدوي على الصعيد اللبناني وعلى الصعيد العربي، ونشر الفكر الإنساني على الصعيد العالمي، لأننا كنّا نتأثر بالأحداث العالمية وما كان يجري في كوبا، في فيتنام، فكنّا جزءاً من هذا العالم الكبير، وبالتالي كنت أعمل.

 

مايا رزق: جزء حيوي جداً وقتذاك في العالم العربي، لبنان كان حيوياً جداً من حيث الصحافة ومن حيث الشباب الثائر والمنادي بالحرية.

أستاذ بشارة، الكثيرون يسألون اليوم عن العنوان، "كهوف السلطة"، لماذا كهوف؟ هل لأنها ربما تعود بنا إلى أيام الجاهلية أو هناك تفسير آخر للعنوان؟

 

بشارة مرهج: رأيت أن أكتب هذا العنوان كي أشدّ القارئ وأحاول أن أطلعه على ما في مؤسّسات الدولة من فساد ومن علاقات داخلية متخلّفة أو من نظرات أو من نظريات ليست منسجمة مع شروط العصر، وكأننا نحن في بعض مؤسّساتنا، بسبب الطائفية، بسبب العشائرية، بسبب الأفكار الضيّقة، ما زلنا نعيش في بعض الكهوف، ما زالت السلطة تمثل بالنسبة لنا كهوفاً، ليست منفتحة، ليست شفّافة، ليست بخدمة المواطن كما يجب أن تكون، وإنما هناك ستائر وهناك أوضاع غير مرئية يجري فيها اتخاذ القرار، بينما القرار يجب أن يكون متّخذاً على الملأ سواء في مجلس النواب أو في مجلس الوزراء أو في تصريحات المسؤولين، المعاملات كيف يجب أن تجري وهي تجري في الخفاء كثيراً من الأحيان، الصفقات وكيف هناك تقليد داخل مؤسّسات الدولة على أنّ الصفقة جزء منها يذهب إلى الرأي العام، للعمل العام، وجزء يذهب إلى جيوب البعض، وجزء كبير يذهب إلى التجار والمقاولين، حيث لهم الحصّة الأكبر.

 

مايا رزق: هذه كانت وجهة نظركم قبل الدخول ربما إلى السلطة، الفساد كان موجوداً منذ أيام طويلة. تعرفون أنّ السلطة فاسدة.

 

بشارة مرهج: بالضبط.

 

مايا رزق: لماذا دخلتم إلى هذه السلطة؟

 

بشارة مرهج: دخلت من أجل التصحيح ومن أجل إضافة مزايا إيجابية على العالم السلطوي. أنا كنت أدرك أنّ قدرتي على التغيير محدودة، وأنّ عملية التغيير يجب أن تكون عملية جماعية، من قبل أفرقاء ينتهجون نفس الفكر أو نفس المنهج، أو يعتقدون بضرورة التغيير، لأنّ غالبية الموجودين في السلطة لا يقرّون بالتغيير ولا يريدون التغيير ولا يؤمنون بالتغيير. نحن كنّا مجموعة، شأننا شأن بعض الأحزاب التقدمية وبعض الأشخاص المتنوّرين الذين دخلوا إلى السلطة، عندك جورج إفرام مثلاً كان متنوّراً، لم يكن حزبياً ولكن كان أفضل من كثير من الحزبيين، كان لديك إميل بيطار، لدينا أيضاً ميشال إده الشخصية الوطنية والعربية والثقافية المعاصرة، هناك عدد من الوزراء وهناك عدد من الأحزاب كانت تريد التغيير، أنا كنت من جملة هؤلاء، لست متميّزاً عنهم ولست متأخراً عنهم. فحاولت أنا أن أقوم بدوري في عملية التطوير والتغيير لهذا النظام، لأنني اعتبرت أنّ هذا النظام غير قادر على الاستمرار بالطريقة التي يعمل بها حالياً، أنّ العلاقات بداخله أصبحت موبوءة، أصبحت متخلّفة، أصبحت قاصِرة عن عملية التغيير والتحديث، والمواطن بحاجة إلى تحديث وتغيير في الإدارة من أجل أن تكون عملية التنمية وعملية خدمة المواطن عملية صحيحة وعصرية.

 

مايا رزق: أستاذ بشارة، سوف نمرّ على هذه التجربة من خلال التوقّف عند أكثر من محور مذكور في الكتاب. بدايةً مع الثورة الفلسطينية التي كان لها تأثيرها الكبير على الداخل اللبناني، عددٌ من الشبان وبينهم الأستاذ بشارة مرهج، شارك في القتال في الأردن في أيلول (سبتمبر) عام 1970. في تلك الفترة، دخلت المنطقة في مرحلة جديدة من الصراع ضدّ الكيان الصهيوني. نتابع.

 

مقتطف من الكتاب: لمسنا من رفاقنا في الأردن، وتحديداً القادمين من الكرك والسلط وإربد، تصميم السلطة الأردنية على ضرب المقاومة بالاعتماد على جيشها وفرق البادية خصوصاً. تعزّز هذا الشعور بعد لقاءاتنا بقياديي الثورة الفلسطينية، وفي طليعتهم ياسر عرفات وأبو إياد والدكتور جورج حبش وكمال عدوان وكمال ناصر، إذ أجمعوا على أنّ الأوضاع متّجهة إلى الصِدام الحتمي، ولا سيما أنّ النظام الأردني كان مصمّماً بالاتفاق مع جهات عربية ودولية على تصفية المقاومة، خصوصاً في ظل الصراعات الجانبية التي نشأت داخلها من انشقاقاتٍ وغيرها.

بعد أيام من عودتنا إلى بيروت، اشتعلت الحرب في الأردن حيث شنّ الجيش الأردني هجمات عنيفة على مختلف مواقع المقاومة التي دافعت وقاتلت بشراسةٍ دفاعاً عن الثورة، بمشاركة مقاتلين عرب.

 

مايا رزق: أستاذ بشارة، أعود معك إلى أيلول 1970، تقول في الكتاب إن المواجهة كانت حتمية بين السلطة في الأردن وبين الثوار الفلسطينيين كما تحب أن تسمّيهم وقتذاك. لماذا كانت المواجهة حتمية برأيك؟

 

بشارة مرهج: لأنّ الثورة الفلسطينية في ذلك الوقت كانت حركة مقاومة في وجه العدو الصهيوني، وكانت تتحرّك على أرضها وفي أماكن الشتات، حيث المخيمات وحيث الانتشار الفلسطيني في البلدان العربية وخاصة في الأردن وسوريا ولبنان، والمناطق المتاخمة لمصر في غزّة، وكان لا بدّ من أنّ الثورة الفلسطينية في تلك اللحظة كانت تمثل أمل الشباب العربي، أمل الشارع العربي، كان الكُتّاب، الفنانون، الصحافيون، الأساتذة، الممثلون، أبناء الشعب العربي قاطبة، كانوا يؤيّدون المقاومة وكانوا يعتبرون أنّ المقاومة تمثّل لهم الرد على هذا الإذلال، على هذا الاحتلال، على هذه الحركة الصهيونية التي استباحت الشرف العربي واستباحت الأرض العربية، وكان هناك تعلّق بالمقاومة من قِبَل الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، من المغرب إلى البحرين، وكنّا نحن في بيروت أقرب الناس إلى المقاومة الفلسطينية حيث كنّا نعيش إلى جانب المخيمات، والطلاب الفلسطينيون في الجامعة الأميركية، ونتطلع إلى دعم الثورة الفلسطينية قبل أن تعلن الرصاصة الأولى 1965، نحن كنا ندعمها من 1963 و1964، وكنّا على تماس معها. فاعتبرنا أنه عندما وقعت الهزيمة، هزيمة 67، أنّ السكوت على الهزيمة هو نوع من خضوع للذلّ، خضوع للانهيار، وإعلان كأنّ المواطن اللبناني أو الأردني أو العراقي ليس موجوداً وإنما بات خاضعاً للسلطان الإسرائيلي، واعتبرنا أنّ المواطن العربي الذي نحن نعتبر أنفسنا جزءاً منه، ليس له مكانة في العالم، ليس له وجود، إلا إذا استطاع أن يقف في وجه العدوان، وأن يمحور عاره.

 

مايا رزق: فكانت أحداث أيلول 1970.

 

بشارة مرهج: هذه كانت الأجواء الطلابية والأجواء السياسية والأجواء الشعبية، فتحوّل الكثير من الأحزاب إلى دعم المقاومة ودعم الفدائيين. تذكري وقتها، حتى السلطة اللبنانية، رئيس الوزارة قال كلنا فدائيون، وقادة الأحزاب اليمينية قالوا كلنا فدائيون، لكن عندما استمرّت الثورة الفلسطينية وبدأت تتصدّى حقيقة للاحتلال الصهيوني في كل مكان، سواء في الأغوار في الأردن، في جنوب لبنان، في الجولان، في مناطق متعدّدة، أيضاً داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة 48، بدأت إسرائيل تمارس نوعاً من الضغوط على الأنظمة العربية لتصفية هذه القضية، ثمّ انضمّت إلى إسرائيل الولايات المتحدة الأميركية وأنصار إسرائيل في الغرب وبدأوا يضغطون.

 

مايا رزق: وهذا ما تقصده عندما قلت في الكتاب إنّ هناك ربما ضغوطاً عربية وأجنبية على الأردن للقيام بمثل هذه الأمور.

 

بشارة مرهج: بدأت الضغوط الأميركية والغربية على الحكومات العربية لاحتواء وتصفية العمل الثوري الفلسطيني، أي الثورة الفلسطينية، وبالتالي بدأت في الأردن عمليات الحد من وجود الثورة الفلسطينية، كذلك في لبنان، بدأت إجراءات من قِبِل السلطة اللبنانية لاحتواء وضبط الثورة الفلسطينية وكل من يتفاعل مع هذه الثورة الفلسطينية، وكنا نحن في طليعة المتفاعلين. لذلك اعتبرنا أنّ تلك مرحلة حساسة جداً بالنسبة للمستقبل العربي ومستقبل كل الأوطان العربية، أنه يجب أن يبرهن الشعب العربي عبر الطلاب، عبر المناضلين، أنه لا يريد الهزيمة، يرفض الهزيمة، ويقاتل ضد الهزيمة، ويقاتل ضد الاحتلال.

 

مايا رزق: قاتلتم في الأردن.

 

بشارة مرهج: طبعاً، قاتلنا في لبنان وقاتلنا في الأردن، وكانت معركة مستمرة، وربما ما زالت مستمرة حتى اليوم وتأخذ طابعاً سياسياً.

 

مايا رزق: ولكن أريد الحديث ربما أكثر عن هذه المرحلة التي كنتم فيها في الأردن في أيلول عام 1970، عن هذا الخذلان ربما الذي شعرتم به بسبب كما تصفه في الكتاب، عدم مشاركة قطعات الجيش العراقي إلى جانب الثوار الفلسطينيين وقتذاك. هذا الخذلان اليوم هل شفيتم منه؟ عندما تنظرون اليوم إلى محور المقاومة في سوريا والعراق وفلسطين وغيرها من البلدان، هل شفي هذا الجرح؟

 

بشارة مرهج: لا، هذه جروح تبقى في الذاكرة حتى الممات. أنا أعتبر أنه كانت هناك فرصة للجيش العراقي عام 1970 وكنّا على صداقة وتماس، وكنّا نعمل على الصعيد الحزبي مع رفاقنا في العراق ونعتبر أنّه لا بدّ من أن يأخذ العراق موقفاً إيجابياً تجاه الثورة الفلسطينية ويحضن الثورة الفلسطينية، وهذا كان هو الموقف الرسمي والموقف السياسي والإعلامي، فعندما أتت الساعة، تردّدت السلطة العراقية في اتخاذ.

 

مايا رزق: لماذا برأيك وقتذاك؟

 

بشارة مرهج: كان هناك ضغط دولي واضح وضغط من الأنظمة العربية واضح ضدّ الثورة الفلسطينية، والعمل على استفرادها، وتمّ تهديد كلّ الأنظمة العربية أنّ من يقف مع الثورة الفلسطينية سيخسر كثيراً، وكان إخوتنا في العراق قد وصلوا إلى السلطة باكراً، فخافوا الحقيقة، خافوا على وضعهم في السلطة. نحن اعتبرنا أنه لم يكن المطلوب المغامرة، لم يكن المطلوب خوض حرب شاملة ضد النظام في الأردن، لأنه ليس هذا المطلوب، أي حرب بين الأردن والعراق، ولكن قلنا إنه يجب على العراق أن يدعم الثورة الفلسطينية ويعزّز مواقعها، وفي الوقت نفسه يدعو إلى التوافق والسلام كما حصل لاحقاً في مؤتمر قمة عبر السياسة التي طرحها الرئيس عبد الناصر، عندما حاول التوفيق بين الثورة الفلسطينية وبين النظام الأردني، على اعتبار أنّ الحرب على الصعيد العربي الإسرائيلي كانت حتمية، وكان عبد الناصر مصمّماً على خوض تلك الحرب، وكان يريد أن تكون هذه الجبهة الممتدة على طول 600 كيلومتر جبهة تشغل العدو الإسرائيلي، ولا تجعله يرتاح. لذلك كان دائماً يؤيّد الثورة الفلسطينية، لكن مع انتباه للعلاقات الدولية والإقليمية. كنّا نريد نحن من العراق أن يكون في هذا الموقف وأن ينسّق مع الرئيس عبد الناصر في هذا، بحيث أن تبقى الثورة الفلسطينية قوية وتشغل العدو على طول تلك الجبهات، ويبقى العدو الإسرائيلي منهكاً بانتظار المعركة العربية الإسرائيلية الكبرى التي حدثت بعد ذلك، سواء عبر حرب الاستنزاف التي قادها الرئيس عبد الناصر بكفاءة، أو عبر حرب الـ 73 التي خاضها الجيش العربي السوري والجيش المصري بكفاءة عالية وسجّلوا فيها انتصاراً محا جزءاً كبيراً من عار الهزيمة.

 

مايا رزق: أتيتم على ذكر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، سمعتم بوفاته وكنتم في السيارة، بطريقكم من سوريا إلى لبنان. حدّثنا أكثر عن هذه الحادثة، أعلم أنّها أثّرت كثيراً في وجدانكم.

 

بشارة مرهج: أنا بعد أن حصل وقف إطلاق النار في الأردن، وتوقف العمل القتالي، أنا انسحبت مع كل الرفاق، إلى لبنان.

 

مايا رزق: ولكن عدت براً خلافاً للرفاق الآخرين.

 

بشارة مرهج: المجموعة التي كنت أنا مسؤولاً عنها، مئة شاب، قرّرت أن يعودوا عن طريق العراق، أسهل لهم، وكان هناك توتر في العلاقات في الحقيقة بيننا وبين إخواننا السوريين، أو بين الإخوان العراقيين وبين السوريين، وكان هناك علاقة توتر أيضاً بيني وبين العراقيين، فأنا كنت في تلك اللحظة على الحدود السورية الأردنية، على علاقة سلبية مع إخواننا في العراق، وعلى علاقة غير واضحة متوتّرة مع إخواننا السوريين، مع أنني كنت أعتبر أنّ الذين يحكمون في سوريا والذين يحكمون في العراق هم رفاقي، في تيار حزب البعث العربي الاشتراكي، وأنا كنت عضواً فيه منذ أيام الجامعة الأميركية، وكنت عضواً فعّالاً فيه وعضواً قيادياً، فكنت في حالة نفسية غاضبة جداً من الطرفين الحقيقة، أنه كيف يمكن ترك الثورة الفلسطينية تخسر، هذا الأمل المشعّ على الصعيد العربي وكل مشكلته أنه يواجه الحركة الصهيونية، يواجه الاحتلال، كيف تُعاقَب الثورة الفلسطينية لأنها تواجه إسرائيل؟ ترك ذلك ألماً وجرحاً في صدري، فتركت وحيداً من الحدود السورية الأردنية إلى لبنان، كان معي سيارة بمفردي واتجهت فيها إلى لبنان. على الطريق سمعت أن الرئيس عبد الناصر توفى، فالحقيقة زاد حزني الشخصي مع حزني على الصعيد الوطني والقومي، طبعاً لم أستطع أن أكبت دموعي، انهمرت الدموع من عيوني، وأكملت الطريق نحو الحدود السورية، والحقيقة كانت الطرقات قفراء، كان الشعب العربي كله سواء في سوريا أو في الأردن أو في لبنان، بحالة نفسية فظيعة، فوصلت إلى الحدود السورية اللبنانية، كان الوضع، هناك عسكري واحد، فتح لي الطريق ولكن أصرّ عليّ أن آخذ سيّدة معي، أوصلها إلى الأشرفية، فأخذتها معي الحقيقة وأوصلتها إلى الأشرفية.

 

مايا رزق: من دون أن يعرف من أنت.

 

بشارة مرهج: لم يسألني من أنا، لأنه لم يكن معي أوراق، كان يمكنه أن يعتقلني وأن يكون محقاً، لأن السيارة معي أوراق لبنانية، ولم تدخل بشكل رسمي، تعرفين وقتها فتح لنا الحدود إخواننا السوريون، لنقول الحقيقة، عندما دخلنا من لبنان إلى الأردن فتحوا لنا الحدود وساعدونا لنصل، لكن في العودة تغيّرت الأحوال. فبمجرد أن دخلت السيّدة السيارة، وخرجنا من الحدود السورية، انفجرت بالبكاء، فكانت تحب عبد الناصر كثيراً، وبقيت تبكي من البقاع إلى بيروت، ووصلنا الفجر، وأنا لم يكن معي وقت سوى أن أغسل وجهي وألتحق بمكاتبنا، سواء بالنسبة لجبهة التحرير العربية أو بالنسبة لمكتب حزب البعث، وخصوصاً أنّه بدأت تخرج شائعات أنّ حزب البعث هو الذي أدّى، مواقف حزب البعث هي التي أدّت إلى مصرع الرئيس عبد الناصر، طبعاً كانت دعايات وعمل مخابرات.

 

مايا رزق: رُفِعت وقتذاك صوَر لعبد الناصر، حاولتم قدر المستطاع تصحيح هذه الصورة.

 

بشارة مرهج: نحن قمنا بضميرنا، نحن احتفينا، تصرّفنا كأبناء الشعب العربي، أنه حزناً وتقديراً لهذا الرجل الكبير، القائد العربي الكبير الذي قضى نحبه وهو يخدم الإنسان الفلسطيني، الإنسان العربي، يخدم القضية العربية، طبعاً ضمن توجّهاته وضمن رؤيته الاستراتيجية في المنطقة، التي كانت تختلف أحياناً عن رؤية إخواننا في سوريا، ورؤية إخواننا في العراق. فنحن أصبحنا جزءاً من الناس، وسهّلنا عملية التقارب بين الناصريين والبعثيين، وهذه كانت سياستنا في الجامعة الأمييكية وعلى صعيد الشارع، وعندما كنّا في العمل الحزبي والعمل الشعبي على الصعيد اللبناني، قبل أن تنشأ تلك الأزمة في أيلول عام 1970.

 

مايا رزق: بالحديث أخيراً عن الزعيم المصري جمال عبد الناصر، برأيك، اليوم إذا نظرنا إلى كل المعطيات الموجودة، هل هناك من عوّض ربما خسارة عبد الناصر؟

 

بشارة مرهج: لا، عبد الناصر ترك فراغاً كبيراً كما قال الأستاذ ميشال عفلق، وحتى هذه اللحظة لم يُملأ هذا الفراغ، خصوصاً أنّ عملية تفتيت الوضع العربي كانت على قدم وساق، وكانت هذه المهمّة هي مهمّة واشنطن الحقيقة بالتشاور مع تل أبيب أو بدفع من تل أبيب، أنه يجب إضعاف هذا الوضع العربي، وخصوصاً الدول العربية المحيطة بفلسطين، يجب العمل على إذكاء نار الخلاف سواء الاجتماعي أو السياسي أو الطائفي واللعب على التناقضات داخل هذه القوى العربية، فحصل تركيز على مصر كما نعرف جميعاً، وحصل إبعاد لمصر عن المسيرة العربية، وبالتالي المسيرة العربية كلها ضعفت، وكل العواصم العربية ضعفت، ولم يستطيعوا أن ينشئوا جبهة عربية تعوّض على غياب مصر. الحقيقة لا أحد يستطيع أن يستغني عن مصر، مصر هي الأساس في الحضور العربي، على المستوى الحديث وعلى المستوى التاريخي. لذلك نحن كنّا من وجهة نظر أنه يجب أن نسعى بشكل دائم ومحموم ومستمر من أجل العمل مع الشباب العربي في مصر، مع الشباب المصري من أجل استعادة مصر لتبووء موقعها القيادي في العالم العربي.

 

مايا رزق: الأستاذ بشارة مرهج، للحديث معك تتمّة، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

مشاهدينا الكرام، فاصل ونعود. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

مايا رزق: من جديد أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا الكرام.

بالخداع الصهيوني المتفشّي أو المتمادي، وصف الوزير الأسبق اللبناني بشارة مرهج مرحلة التوقيع على اتفاق أوسلو، مرحلة انعكست تداعياتها بشكل مباشر على الساحة اللبنانية، وعلى علاقات مرهج وعدد من الساسة في لبنان. نتابع.

 

مقتطف من الكتاب: ليس من السهل الكتابة عن الرئيس إلياس الهراوي، فهو موضوع صعب خصوصاً أنّه سياسي تقليدي بارع، حديثه شيّق، خياله واسع، وكلامه لاذع. التحق باكراً بمدرسة الرئيس كميل شمعون من دون أن ينخرط في حزبه، وانتخب بشير الجميل للرئاسة من دون أن يسكت عن قواته التي كان ينتقدها بين الفينة والأخرى، ما أكسبه رصيداً لدى السوريين وحظوة لدى أوساط لبنانية مناهضة للكتائب.

ينبغي توضيح بعض النقاط التي دوّنها الرئيس الهراوي في كتابه، من دون العودة إلى الوثائق، فجاءت روايته ناقصة في بعض الأحيان ومخالفة للحقيقة أحياناً أخرى، وتحديداً عندما تناولني وتناول كثيرين في متن الكتاب.

 

مايا رزق: أستاذ بشارة، قبل الحديث عن أحداث مطار بيروت وقتذاك والتظاهرة التي ربما كانت نقطة تحول في مساركم السياسي في لبنان، لا بدّ من التوقف عند اتفاق أوسلو وزيارة وزير الخارجية، وزير خارجية الولايات المتحدة إلى منزل الرئيس الهراوي في زحلة. وقتذاك كان رئيس الجمهورية في الولايات المتحدة جورج بوش الأب. حدّثنا أكثر عن هذه الزيارة.

 

بشارة مرهج: كانت الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي إلى الرئيس الهراوي وقبل ذلك إلى دمشق، كانت ترمي إلى جذب دمشق وبيروت إلى أجواء اتفاقية أوسلو من دون أن يعطوا أي شيء في المقابل، كان الموقف السوري واللبناني آنذاك هو القبول بالمفاوضات الشاملة، على أساس قرارات الأمم المتحدة، وبالتالي استعادة الأرض مقابل السلام. الوزير الأميركي بتوجيهات من الرئيس الأميركي وبتوجيهات ربما من المجالس الأميركية المتعدّدة، حيث للحركة الصهيونية نفوذ، كان يوحي للرئيس اللبناني ومعه رئيس الوزراء ووزير الخارجية، كان يوحي بأنّ الولايات المتحدة مستعدّة لأن تنفّذ الرغبات اللبنانية والسورية في إطار قرارات الأمم المتحدة في ما لو تقدّم لبنان خطوات على طريق ضبط المقاومة.

 

مايا رزق: وصفتم ذلك بالخداع الصهيوني.

 

بشارة مرهج: هذا الخداع، أنّكم أنتم عليكم في هذه المرحلة أن تطمئنوا إلى سلامة نوايانا نحن كأميركيين، ونحن قادرون على جذب إسرائيل إلى هذه الحلبة، حلبة المفاوضات، ولكن أنتم يجب أن تقدّموا بعض الأمور، يجب أن تقدموا على بعض الخطوات. ما هي هذه الخطوات؟ ضبط المقاومة، استيعاب المقاومة، احتواء المقاومة، ثم تتدرّج الأمور إلى ضرب المقاومة.

 

مايا رزق: وهذا ما يحدث اليوم بطبيعة الحال إذا ما نظرنا إلى الأمور.

 

بشارة مرهج: ما زلنا على هذه السكّة، يعدوننا بأشياء ويعدوننا بالسلام وبالسير على طريق المفاوضات، يسمّونها مسارات تفاوضية، ولكن تبدأ عندما تبدأ الأمور، وبعد قليل من الوقت تتعقّد هنا وهناك وتتوقّف المفاوضات، ويبقى كل شيء على ما كان عليه، سوى أنّ النظام اللبناني أو مثلاً النظام السوري الذي كان يتعرّض لضغوط وكان يعرف كيف يتفلّت منها، أن نكون نحن أخذنا خطوات مناسبة بالنسبة لأميركا وإسرائيل حتى ندخل في المفاوضات. أنا كان موقفي في تلك اللحظة، وهذا ما قلت أمام الرئيسين الحريري والهراوي رحمهما الله، أنه يجب ألا نثق بالعهود والوعود الأميركية لأنها تتكرّر منذ زمن بعيد ولا تنفّذ على الأرض، هذه كانت خبرتي السياسية، أنا لم أكن قد جئت من فراغ، أنا عام 1974 مثلاً بعد حرب 73، حرب تشرين، حصلت موجة كبيرة، كنت أنا موجوداً في داخلها، قالوا إن الدولة الفلسطينية ستنشأ عام 1974، وأخذوا وقتها 500 كادر فلسطيني على موسكو لتدريبهم لاستلام الدولة، وإذ إسرائيل تتفلّت. أنا بالنسبة لأوسلو، كنت ضد أوسلو، ورفاقي، الإخوان الذين كنت أعمل معهم في تجمّع اللجان والروابط الشعبية، مثل الرفيق معن بشور، هاني سليمان، خليل بركة، فيصل درنيقة، كل الشباب، كنا نجتمع أسبوعياً وندرس هل حقيقة اتفاقية أوسلو ستعطي الفلسطينيين ما يحق لهم من خلال قرارات الأمم المتحدة. دعي جانباً الحق التاريخي والحقوق غير القابلة للتصرّف، كنا نقول لا، هذا فيه مراوغة أميركية إسرائيلية. بالنسبة إلى لبنان، كنّا على يقين أنهم يريدوننا أن نصطدم ببعضنا البعض على أساس المقاومة مندون أن يعطونا الشيء الذي وعدونا به، وهذه مسألة تحتاج إلى تفكير عميق، وتحتاج إلى مواجهة للضغوط الأميركية، لأن الأميركان كانوا يضغطون باستمرار عبر السفراء، عبر وزراء الداخلية، من أجل إقناعنا بهذا المسار.

 

مايا رزق: نعود إلى الوقائع التي حصلت على طريق المطار في بيروت، هذه المجزرة التي حصلت وقتذاك، وهي بدّلت الكثير في السياسة اللبنانية. في الكتاب، تحمّل المسؤولية للرئيس السابق.

 

بشارة مرهج: الرئيس الهراوي رحمه الله.

 

مايا رزق: لماذا تحميله فقط المسؤولية؟

 

بشارة مرهج: سأقول لك. المقاومة اللبنانية بالتحالف مع المقاومة الفلسطينية كان يفترض أن يكون لها موقف تجاه اتفاقية أوسلو، لم تكن تستطيع أن تقول إنني على الحياد أو إنني سأؤجّل موقفي. كانت أوسلو على نار حامية، وكان هناك دعوات للبنان ولسوريا للمشاركة في أوسلو، للمشاركة في احتفالات أوسلو في واشنطن. في تلك اللحظة، المقاومة اللبنانية التي كانت تحارب على الحدود اللبنانية، والتي كانت خاضت حرباً قبل شهرين، في تموز، حرب الأيام السبعة، كانت وقتها حرباً عنيفة من إسرائيل لسبعة أيام، قصف ليلاً نهاراً من أجل إرغام المقاومة اللبنانية وأهل الجنوب والدولة اللبنانية على الخضوع للإملاءات الإسرائيلية. وقتها حصل صمود رائع، هذه الحقيقة حصل تعتيم عليها، حصل صمود رائع في الجنوب وانكسرت شوكة إسرائيل.

 

مايا رزق: كان ذلك عام 1993.

 

بشارة مرهج: سنة 1993، في تموز، قبل العام 1996، هذه كانت تجربة لسنة 1996، وسنة 1996 كانت تجربة لسنة 2000، وسنة 2000 كانت تجربة لسنة 2006. المهمّ، حصلت ضغوط كثيرة أنّه داخل الوزارة اللبنانية، أنه ممنوع التظاهر، ممنوع التعبير عن الموقف. قلت لهم أنا داخل الوزارة، قلت لهم ليس لدينا دستورياً الحق أن نقول للناس ممنوع أن تعبّروا عن موقفكم، وهم يعبّرون عن موقفهم تجاه قضية أساسية وجوهرية في حياتنا الوطنية القومية، يقولون بأنّ أوسلو ليست في مصلحة فلسطين وليست في مصلحة لبنان، فأنا كان رأيي السماح بالتظاهرة، الرئيس الهراوي والرئيس الحريري ومجلس الوزراء، لنقل بصراحة، كان رأيهم أنه يجب عدم السماح بالتظاهرة. قلنا لهم هؤلاء الإخوان يعبّرون عن شعب، يعبّرون عن تحرّك سياسي، يعبّرون عن رغبة سياسية لدى اللبنانيين، لا نستطيع نحن أن نواجهم، فبدأوا يقولون إن وزير الداخلية مهمته أن يقمع ومهمته أن يضرب، قلت لهم أنا مستعد أن أخوض حرباً في وجه الإسرائيليين، في وجه المجرمين، في وجه شذّاذ الآفاق، في وجه كل القوى التي تخالف القانون، لكن شعباً يريد أن يتظاهر بطريقة سلمية وبحماية الدولة، لماذا نحن نمنع؟ هذا يقوّي الحكومة إذا كانت الحكومة ترغب في أن تتوصّل إلى اتفاقات ضمن الأمم المتحدة.

 

مايا رزق: عقب هذه الأحداث، سألتم أكثر من سؤال حول هذه القضية، ولكنكم جزمتم بأنّ الحادثة كانت مدبّرة ومخطّطاً لها.

 

بشارة مرهج: سأقول لك. أنا قابلت رئيس الجمهورية رحمه الله مرات عدّة، قلت له يا فخامة الرئيس، لا يجب أن نقبل بهذه الوعود الأميركية لأنه لا يوجد شيء ملموس كلها كلام بكلام. قال لي يا بشارة أنت لست متابعاً للقضايا مثلي، أنا الرئيس كلينتون حدّثني ساعتين من الطائرة، كان وقتها ذاهباً إلى الصين كلينتون، وقال لي لساعتين تحدّثنا في الأمور، أنت ما الذي يعرّفك. قلت له مع ذلك فخامة الرئيس، لو كان هو مقتنعاً أنّ هناك مفاوضات جدّية، وهناك إعطاء للفلسطينيين هذه الحقوق التي يقولون إنهم سيعطونها للفلسطينيين، ولو كان هناك صدق، لما بحاجة إلى ساعتين ليحدّثك، كان ليحدّثك لخمس دقائق، لكن يظهر أنه كان يقنعك بشيء هو ليس مقتنعاً به. أنا كان لديّ هذه الجرأة.

 

مايا رزق: قرار القمع وقتها صدر عن رئيس الجمهورية أو عن مجلس الوزراء؟

 

بشارة مرهج: أنا أتحدّث عن هذه الجلسة مع رئيس الجمهورية. قلت نفس الكلام تقريباً في مجلس الوزراء، ولكن في جلسات خاصة مع رئيس الجمهورية، كنت أحاول إقناعه لأنه كان رأس الحربة، وقتها الرئيس الحريري كان خارج البلد، ومجلس الوزراء لا يستطيع أن يجتمع، بدعوى أن رئيس الوزراء غير موجود، مع أنه دستورياً يمكن معالجة هذا الأمر، فقلت له يا فخامة الرئيس إما ندعو لمجلس الوزراء، قال لي لا نستطيع أن ندعو لمجلس الوزراء والرئيس الحريري ليس موجوداً. قلت له حسناً، نتداول بين بعضنا البعض، نتداول، نفتح اتصالاً مع الرئيس الحريري، نتداول، أنا ليس لديّ ثقة بالموقف الأميركي، يا ليت هناك ثقة بالموقف الأميركي، وأنهم سيعطون شيئاً للفلسطينيين، ما يرتضيه الفلسطينيون أنا لا أستطيع أن أقاتله، أنا أنتقده، أعارضه، ولكن لا أقاتله، ولكن أنا رأيي أنهم لن يعطوا الفلسطينيين شيئاً، هذه خدعة على الفلسطينيين، وخدعة لنا حتى نتقاتل مع إخواننا في المقاومة، وهذا يُحدث اضطراباً داخلياً، ومن ثمّ ننسى القضية برمّتها. فإذا كان الأميركيون صادقين، فليعطوا أشياء ملموسة على الأرض.

 

مايا رزق: وقع ما وقع.

 

بشارة مرهج: وقعت الواقعة.

 

مايا رزق: وقعت الواقعة كما يقال.

 

بشارة مرهج: هو الحقيقة الرئيس الهراوي، حتى لا نظلمه الحقيقة، ربما تداول هو والرئيس الحريري، آخر لحظة اقتنع بكلامي، آخر لحظة اقتنع، لأنني قلت له.

 

مايا رزق: لكن لم يقل ذلك في كتابه.

 

بشارة مرهج: لم يقل، في كتابه عاد إلى الموقف القديم، لأنه ربما أيضاً في آخر أيامه مرض.

 

مايا رزق: عفواً، ولكن لضيق الوقت، لا بدّ من التركيز على تجربتكم في هذه الوزارة، ربما.

 

بشارة مرهج: ولكن هذه نقطة مهمّة، قلت له، هذه التظاهرة تسير من روضة الشهيدين في الغبيري، إلى مثوى الشهداء في طريق الجديدة، أنا أعرف المنطقة، قلت له كلها كناية عن 200 متر، هنا يقدّمون أكاليل وهنا يقدّمون أكاليل، ويسيرون، فيكونوا نظّموا هذه التظاهرة، وأعلنوا مواقفهم، وبطريقة سلمية، يا أخي نتقوّى بها، نحن نشدّد شروطنا على الأميركان وعلى المجتمع الدولي، نقول لهم شعبنا غير راضٍ، يريد تحرير الجنوب قبل، شعبنا يعيش 30 أو 40 عاماً تحت القصف، أولادنا لا يستطيعون أن يناموا في منازلهم، أمّهاتهم تحت الخيم، قلت له نقوّي موقفنا، هذا لا يضرّ لبنان.

 

مايا رزق: وضحت الصورة.

 

بشارة مرهج: لم يقبل معي، لكن في اللحظة الأخيرة، عندما ذهبت إلى وزارة الدفاع مع الوزير محسن دلول وزير الدفاع، اتصل بنا وقال حسناً، أسرعوا، أبرموا الاتفاق. ذهبنا لنبرم الاتفاق مع قوى المقاومة والأحزاب اللبنانية، كان سبق السيف العزل، لأنّ هناك مجموعات متآمرة، لنقل صراحة، أطلقت النار على شعبنا الذي كان يتظاهر.

 

مايا رزق: من هي هذه المجموعات؟

 

بشارة مرهج: لم نكن نعرف من، أنا طلبت التحقيق وقتها.

 

مايا رزق: حتى اليوم لا تعرف مَن؟

 

بشارة مرهج: حتى اليوم لا نعرف مَن هي، لأنني أنا طلبت التحقيق وقتها، وحزب الله طلب التحقيق، وكثير من الوزراء طلبوا التحقيق.

 

مايا رزق: إذاً ليس الجيش اللبناني هو مَن أطلق النار؟

 

بشارة مرهج: لم نستطع أن نعرف من أطلق النار، أنا أنزّه الجيش اللبناني، لكن ربما عناصر داخل الجيش اللبناني، لا أعرف، لكن سقط 11 شهيداً و40 جريحاً.

 

مايا رزق: سأعود معك إلى ليل الثاني من أيلول (سبتمبر) عام 1994، صدر المرسوم 5608، هذا المرسوم الموقّع من الرئيسين الهراوي والحريري بينما كانا عائدين من دمشق. نتابع.

 

مقتطف من الكتاب: كان للمرسوم وقعٌ ودويّ، لكنني سرعان ما استوعبت الصدمة وقرّرت رفض الأمر الواقع ومقاومته ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. ليس دفاعاً عن نفسي وحسب، بل أيضاً عن مؤسّسة الدولة نفسها التي شهدت بأمّ العين كيف تُنتهك قواعدها كل يوم، وكيف تستخدم سلطاتها كل ساعة لخدمة مصالح فئوية عارِضة.

كنت أعرف أنّ ما حصل قد حصل ولا عودة عنه، لكن لم يرد في ذهني إسقاط حقّي في الرد، أو إسقاط حق الرأي العام في الاطلاع على حقيقة الأمر، فبادرت إلى مخاطبة الرئيس الهراوي عبر الإعلام والرأي العام قائلاً: إذا كان ثمّة مخالفات ارتكبتها تقضي بإقصائي عن الحكومة، فعليك الكشف عنها وطرحها في مجلس الوزراء، وأنا مستعد للمساءلة والمحاسبة.

 

مايا رزق: مرسوم أيلول عام 1994 أبعدك عن الوزارة.

 

بشارة مرهج: نعم، هذا المرسوم قضى بإبعادي عن وزارة الداخلية وتسليمي وزارة دولة، رفضت أنا ذلك. أولاً اعتبرت أنّ هذا لا يليق برئاسة الجمهورية أن تصدر مرسوماً على الحدود السورية اللبنانية، لا يليق. ثانياً، لا يجوز أن يصدر هذا المرسوم بعد مقابلة مع المسؤولين السوريين، وتحميل السوريين هذه المسؤولية، أيضاً هذا لا يليق بالدولة اللبنانية.

 

مايا رزق: ولكن لم يكن جديداً على الدولة اللبنانية وقتذاك.

 

بشارة مرهج: لا بأس، ولكن نحن كنّا نقول أنه يجب تطوير عمل الدولة، ويجب أن نتصرّف بشكل استقلالي، طبعاً هناك تحالف مع سوريا، وهناك تفاهم مع سوريا، لكن الشؤون اللبنانية هي خاصة باللبنانيين، لا يجوز، رئيس جمهورية في هكذا لحظة، وهو يأتي من لقاء مع المسؤولين السوريين وعلى الحدود السورية، ويصدر هكذا مرسوم. لماذا؟

 

مايا رزق: لأنه كان هناك من يعتبر أنّ لديك ربما ولاء لسوريا، وأنت قريب من السوريين كثيراً.

 

بشارة مرهج: أنا قريب من السوريين ولكن من ضمن موقعي اللبناني الاستقلالي العروبي، وأنا أحب سوريا، لكن ليس معنى ذلك أنه ليس لديّ رأي، لديّ رأي ولديّ موقف خصوصاً بالنسبة للقضايا اللبنانية، لديّ رأي وموقف بالنسبة للقضايا العربية، وأصارح به إخواننا السوريين.

 

مايا رزق: تقول إن الرئيس الهراوي كان يريد إبعادك حتى قبل هذه الأحداث التي وقعت.

 

بشارة مرهج: المشكلة هي أن الرئيس الهراوي أوحى للرأي العام أنه قام بهذا الأمر، التعديل الوزاري وإزاحتي من وزارة الداخلية، بالتفاهم مع السوريين، في حين أنه من اليوم الأول الذي دخلت فيه إلى الوزارة، كان لا يريدني وزيراً للداخلية.

 

مايا رزق: لماذا؟

 

بشارة مرهج: كان يريد صديقه نائب الرئيس ميشال المر، لأنه صديقه وشريكه في الكثير من المسائل، وهناك مساعدات بين بعضهم.

 

مايا رزق: فقط لأنه يفضّل؟

 

بشارة مرهج: هذه كانت معروفة، أنه يفضّل ميشال المر على بشارة مرهج.

 

مايا رزق: أم أنّ هناك خلافات جوهرية مع بشارة مرهج؟

 

بشارة مرهج: خلال العامين اللذين عملت فيهما معه، كان يبحث عن ثغرة، كان يبحث عن خطأ، لكن أنا الحقيقة وكنت أدرك من اليوم الأول أنه لا يريدني وزيراً للداخلية، فأنا كنت في الحقيقة أتجاهل هذا الأمر، وأعمل وأحاول ألا أرتكب أخطاء، والحمد لله لم يستطع أن يسجّل عليّ خطأ أو ثغرة تكون مبرّراً لإزاحتي من وزارة الداخلية، حتى عندما فقد الأمل، قام بهذا الأمر من دون أيّ مبرر، لأنه لا يريدني وزيراً للداخلية. كتبها في كتابه، أنني كنت أنتظر سنة كاملة حتى أزيحه من منصبه وأسلّم الوزارة لنائب الرئيس ميشال المر.

 

مايا رزق: من دون أن يلحظ أي خطأ، ولكن اليوم أستاذ بشارة، إذا نظرتم أنتم إلى هذه التجربة، برأيك أين أخطأتم في تولّي حقيبة الداخلية؟ هناك من يقول إنّ ربما مرسوم التجنيس لا يزال يلاحقكم حتى اليوم.

 

بشارة مرهج: أنا مرسوم التجنيس، لا يستطيع وزير الداخلية أن يصدر مرسوم تجنيس، من يستطيع أن يصدر مرسوم تجنيس هو رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الداخلية، نحن قبل الطائف كان البلد فيه احتقان، أن هناك 100 ألف، أهل وادي خالد، أهل القرى السبع، قيد الدرس، حوالى مئة ألف معظمهم من المسلمين يحدثون احتقاناً في الشارع، لأن لهم الحق في الجنسية والدولة لم تكن تعطيهم الحق في الجنسية، خوفاً على التوازنات الطائفية، التي تبيّن بعد الطائف أنّ هذه التوازنات صارت من الأيام الخالية، فكان التصميم في الطائف وما بعد الطائف على أنّ حلّ هذه المسائل وإنشاء قانون للجنسية جديد، حاولنا أن نصدر قانوناً جديداً، لكن لم يتّفق الوزراء عليه، أنشأنا لجنة وزارية ولم نتّفق بين بعضنا، فرئيس الجمهورية كان يتحدّث في مجلس الوزراء، يقول أنا أتألم للعائلات اللبنانية التي لا تحمل الهوية اللبنانية، عائلة من خمسة أشخاص هم لبنانيون وليس لديهم ورقة ثبوتية، وأنت تعرفين أنهم لبنانيون وأهلهم يعرفون أنهم لبنانيون وتاريخهم لبناني، فبدأ رئيس الجمهورية يقول يجب أن نحلّ هذه المشكلة، رئيس الحكومة كذلك، الرئيس بري كذلك، كل النواب طالبونا، ومجلس النواب طالبنا، طبعاً ليس بشكل قانون رسمي ولكن بمواقف سياسية، فقال الرئيس الهراوي أمام الحكومة وقال الرئيس الحريري، أنه يجب أن نصدر مرسوماً بهذا الموضوع، وكلّفوني أنا. أنا لم أرفض التكليف، بالعكس، تحمّست للتكليف، لأنني كنت أعتقد أنّ هناك ضيماً، هناك إجحافاً بحق هؤلاء، عشرات الألوف من اللبنانيين، ويجب إعطاؤهم حقهم. أصدرنا المرسوم. المرسوم شمل غيرهم، حصلت أخطاء، لأنه حصلت تدخّلات، وتعرفين، نحن أردنا أن نوسّع العملية التنظيمية حتى لا يحصل ازدحام ولا تحصل رشاوى وكذا، ومع ذلك حصل تدخّل من بعض المواقع، بعض الضبّاط، بعض المسؤولين هنا وهناك، فحصلت أخطاء، هذا الأمر كان يجب أن نتجنّبه بتنفيذ المرسوم. عند تنفيذ المرسوم، كنت أنا خارج الوزارة. أنا لم أنفّذ المرسوم، أنا ساهمت بصنعه، مَن نفّذه هو الرئيس ميشال المر.

 

مايا رزق: عذراً، ولكن لضيق الوقت، أتمنّى الإفادة من تجربتكم وربما أن نعكسها على ما يحدث اليوم في البلد، كيف تنظرون إلى الأمن الداخلي في لبنان، وإلى الأوضاع عموماً، ولو بدقيقتين؟

 

بشارة مرهج: أنا أعتقد هناك أزمة كبيرة في مجلس القيادة في قوى الأمن الداخلي، وقوى الأمن الداخلي بحاجة إلى تعديل القانون الذي يرعى شؤونها حتى لا تتكرّر هذه الأمور التي نشهدها اليوم، الخلاف الدائم بين المدير العام وبين مجلس القيادة، هذا أمر مهم جداً. ثانياً، التوجّه العام لعمل قوى الأمن الداخلي، لأننا نلاحظ الاعتماد على مبدأ الأقدمية، أن كل الضبّاط يرتقون ويصبحون بمرتبة أعلى عبر الزمن، حتى أنه في مرحلة معينة يصبح هناك عدد من العمداء مثلاً ليس لهم مواقع فعلية، وهذا أمر يسيء إلى قوى الأمن الداخلي، بمعنى يجب أن يكون الهرم في هذا الوضع، أي القيادة على رأس الهرم، نرى أن الهرم لم يعد ثابتاً.

 

مايا رزق: هذا أمر خطير جداً.

 

بشارة مرهج: وضع مسطّح، يجب إعادة النظر، ومن هنا يجب اعتماد مبدأ الجدارة والاستحقاق في الترقّي داخل قوى الأمن الداخلي، وهذا أمر يحتاج إلى فعلاً ثورة ثقافية داخل الدولة وداخل المؤسّسة، لأنّنا نذهب إلى مدن كبرى في العالم، نجد رائداً يدير شؤون الشرطة في المدينة، سواء في نيويورك أو في شيكاغو، نجد أن لدينا في بعض المخافر، المقدّم، لا يليق بالمقدّم، ليس لأن رئيس المخفر شيء مهم، ولكن لا يجوز أن ضباطاً كباراً إلا أن يكون لهم مواقع بحسب خبرتهم وبحسب مواقعهم الرسمية، هذا أمر. ثانياً، التفتيش، التفتيش يجب أن يصبح مؤسسة حقيقية داخل قوى الأمن الداخلي، هذه أنا طرحتها، لا يجوز أن يكون المفتش تحت سلطة القيادة وتحت سلطة الوزير، يجب أن يكون لديه استقلالية وعلى ارتباط بالوزير، وبالتالي يكون لديه استقلالية لها مقوّماتها، ومن هنا أنا طرحت أن قوى الأمن الداخلي يجب أن تعدّل القانون الرقم 17 حتى تستوي الأوضاع وتتحوّل الهيكلية إلى هرمية، وتحصل أجواء من المحاسبة والمساءلة أكثر مما هو موجود حالياً.

 

مايا رزق: نعم، وزير الداخلية الأسبق في لبنان الأستاذ بشارة مرهج، شكراً جزيلاً لك على هذا الحوار.

مشاهدينا الكرام الشكر الأكبر لكم على طيب المتابعة وإلى اللقاء.