بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

سوسن معالج - فنانة وناشطة تونسية

 

زاهي وهبي: مساء الخير. لا غرابة أن تؤنسنا (تونس) كلّ مرّة بتجربةٍ إنسانية وإبداعية جديدة وجميلة خصوصاً متى كانت الحال متعلّقة بنون النسوة وتاء التأنيث. فالمرأة التونسية حاضرة بقوة وجدارة في المشهد الإبداعي العام على اختلاف ميادينه ومجالاته وضيفتنا الآتية من بلاد الياسمين متنوّعة الأنشطة والميادين، من الغناء فتاة يافعة إلى التنشيط التلفزيّ والإذاعيّ بداية الاحتراف، إلى التمثيل في الشاشتين الكبيرة والصغيرة، وبين هذا وذاك سجالات دائِمة وآراء مثيرة للجدل والنقاش تطرحها بجرأة وصراحة وتتلقّى بسببها الكثير من النقد الذي يصل أحياناً إلى حدّ الإساءة أو التجريح، لكنّها تُدرِك أنّ ما من حضورٍ فعّالٍ بلا أثمان باهِظة، وما من تجربة حقّة بلا ندوبٍ تمنح الملامح والقسمات سحرها وتميّزها. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يفتح الليلة بابه المغاربي ليُرحِّب بالفنانة والناشطة التونسية السيّدة "سوسن معالِج" أهلاً وسهلاً بكِ

سوسن مُعالِج: أهلاً وسهلاً بك أُستاذ "زاهي"

زاهي وهبي: شرّفتِ "بيت القصيد"

سوسن مُعالِج: يعيّشك، متشرّفة بوجودك وشكراً لك على الدعوة وشكراً لقناة "الميادين"

زاهي وهبي: يا أهلاً وسهلاً. حضرتكِ منذ الطفولة سيّدتي مُغرمة في الموسيقى والغناء وغنّيتِ في نوادٍ ثقافية، في منابر ثقافية متعددة لكن لم تحترفي الغناء، لماذا؟

سوسن مُعالِج: والله لم أحترف الغناء لسبب بسيط جداً هو أنّ أُمّي كانت صعبة، يعني أمّي مُحافِظة وليست، يعني أنا تربيّت يتيمة الأب وكنّا أربع بنات، فأُمّي لم تكن سهلة، ربتنا لوحدها وأنت تعرف

زاهي وهبي: تخاف عليكنّ كثيراً

سوسن مُعالِج: تخاف علينا وأنت تعلم أنّه حين امرأة تربّي صغيرات وأحد الأشخاص يعني، فعليها أكثر مسؤولية وعليها أكثر خوف

زاهي وهبي: أنتم من أين، من نفس (تونس) العاصمة؟

سوسن مُعالِج: من (تونس) العاصمة، من الضاحية الشماليّة

زاهي وهبي: ما الذي جعلكِ تُحبّين الغناء في بيئة إلى حدٍّ ما مُحافِظة كما تقولين؟

سوسن مُعالِج: ربما لم يكن اختياري أن أُغنّي. الذي جعلني أُحبّ الغناء أنّ  أفراد عائِلتي كلّهم يسمعون موسيقى ويستهلكون الكثير من الموسيقى في دارنا، وجدّتي كانت تحبّ السينما كثيراً، مغرمة كانت في السينما وكثيراً ما كانت تذهب إلى السينما وكانت تدعو جاراتها معها وتقول لهنّ "اخرجنَ". جدّتي كانت متحرّرة، يعني عندها أفكارها التقدّميّة

زاهي وهبي: نعم، وورثتِ عنها هذا الشيء على ما يبدو

سوسن مُعالِج: ورثته عنها نعم، هي التي أورثتني حبّ الفنّ بصفة عامّة، هي يعني كانت فنانة في حياتها وفي مطبخها وفي أكلها وفي طريقة لبسها، في الديكور، في العناية بمنزلها. بعد ذلك، هناك فنون السينما طبعاً وهي أغرمتني بالسينما، والموسيقى كلّنا نسمعها. ربما الذي جعلني أتّجه للموسيقى أكثر هو أنّ الموسيقى هي التي تحتضنني، الموسيقى تأتيك إلى دارك بينما السينما عليك أن تخرج من دارك لتشاهدها. في المسرح، سواء أكنت تريد أن تنشط في المسرح أو تُشاهد مسرح من اللازم أن تخرج من الدار. أكثر شيء مسموح لنا به في دارنا حينها حين كنّا صغيرات كانت ربما الموسيقى وهذا الذي جعلني أتّجه إليها، وبعد ذلك عائِلتي يسمعون الكثير من الموسيقى، يعني عندي خالي "فريد"، متخصصون يعني، خالتي "أمّ كلثوم"، أمّي "عبد الحليم"، خالي "وردة" و"صباح فخري"  

زاهي وهبي: تنوُّع نعم، لكن حضرتكِ كنتِ مُعجَبة بـ "عبد الحليم حافظ" أعتقد في مراهقتكِ أو في طفولتكِ، صحيح؟ 

سوسن مُعالِج: أنا من المدافعات عن "عبد الحليم حافِظ"

زاهي وهبي: ومَن غير "عبد الحليم حافِظ"؟ من (تونس) مثلاً؟ من فنّاني (تونس)؟ من الأقرب إليكِ؟

سوسن مُعالِج: في (تونس) عندنا

زاهي وهبي: أصوات رائِعة كثيرة

سوسن مُعالِج: عندنا أصوات رائِعة، عندنا السيّد "علي الرياحي" الذي هو هرم وقمّة من قمم الأُغنية التونسية ومُلحِّن عبقري. عندنا "صليحة" أيضاً، "صليحة" التي شقّت طريقاً صعبة ولم يكن متوقعاً من الكلّ أن تدخل التاريخ في صوتها وإنتاجاتها. عندنا "الهادي جويني" أيضاً، "الهادي جويني"

زاهي وهبي: إسم معروف طبعاً

سوسن مُعالِج: أكثر في الشرق، يظهر لي أنّ أكثر من سمعوه هو "الهادي جبيلي"

زاهي وهبي: نعم، "خذوا عيني وشوفوا فيها، أليس كذلك؟ " الليمون اللي غاروا منّي"، أغنية

سوسن مُعالِج: نعم، تحت الياسمينة في الليل" voila

زاهي وهبي: معظم الفنانين ردّدوا أُغنيات "الهادي جويني" وخصوصاً فنّاني (تونس) بشكلٍ خاص. قبل أن أُتابع حواري مع حضرتكِ وأسألكِ عن انطباعكِ عن (بيروت) و(لبنان)، هذه أوّل زيارة لحضرتكِ إلى (بيروت)، نذهب برفقتكِ ورفقة الزميلة "يارا أبي حيدر" إلى منطقة (كسروان) في (لبنان)، إلى (جونية) و"تلفريك جونية" ونستمع إلى ما تقولينه في "علامة فارِقة"

علامة فارقة - سوسن مُعالِج:

- أول شيء، أحبّ أن أعرِّف نفسي على أنني مواطنة، مواطنة تونسية وعربيّة أيضاً من ناحية الثقافة، من ناحية القضايا التي أحملها كمواطنة، المفهوم الذي يمشي في الناحيتين من ناحية الدولة ومن ناحية المواطنة أيضاً. فهذه المفاهيم في العالم العربي لا نزال دونها على مستوى المواطنة

- إذا أنت مواطن فعندك الحقوق الأساسية يعني كمواطن، ومع مرور الوقت يكون عندك إمكانية أن تُبدِع وأن تبني Career أو تبني في أيّ مجال، وبعد ذلك طبعاً أحب أن أُعرِّف نفسي كفنانة مستقلّة

- عندي بنتان. وعندي أول هدف أن أربيهما على الحريّة، حريّة الفِكر وحرية المعتَقَد، يعني أول مسألة وأكثر مسألة دائِماً أعوِّد عليها بناتي، " لا تكونا كما ماما ولا كما بابا، لا تدعا أحداً يحكمكما، أنتما أُوجِدا كيانكما وليس مشكلاً ما تحبّينه أو إلى ماذا تطمحين أو حين تكبرين ما هو المشروع الذي تريدين أن تقومي به، لا تضعي في رأسكِ أنه من اللازم أن تتشبّهي لماما أو من اللازم أن تتشبّهي لبابا"

- أُحبّ الإنسان المتعدّد الطموحات والمجالات

- أنا عندي من جهة أُمّي أصول بربرية، منذ أن كنت صغيرة عندي دوري الذي أنا فيه وهو دور الكاهنة البربريّة

- عندنا في تاريخنا الكثير من النساء اللواتي كنّ حاضرات في المقاومة في نفس الصفّ مع الرجل وأحياناً هنّ في الصفوف الأمامية قبل الرجل ولكن التاريخ لا يتحدث عنهنّ

- زوجة "فرحات حشاد" مثلاً الله يرحمه، زوجة "بورقيبة" الأولى، "مُفيدة"، هذه شخصيات أتمنّى لو في إمكاني أن أؤديها وأُريها للضوء وللأجيال الجديدة الصغيرة الناشِئة وأن أقول لهم، "تاريخكم، التاريخ لا يصنعه الرجال كما هو والنساء كما هو، التاريخ إذا تسمعون التاريخ، أكيد يصنعه الرجال والنساء في عمل مشترك بينهم وتنسيق مشترك بينهم وجهد مشترك بينهم، من أجل هذا صار ذاك التاريخ "

- أول شيء ألحظه هو السنوات، السنوات التي مرّت. أنا متمسكة جداً بتجاعيدي وأحبها وأربّيها، يعني كلّ تجعيدة تحمِل قصّة، تحمل حكاية، تحمل دمعة ربما، تحمل قهراً، تحمل طبعاً ذكريات فرِحة. أنا عندي كلّ تجاعيد التعبير، يعني أنا أضحك كثيراً وأفرح جداً بتجاعيدي المعبّرة عن الضحك وأقول: "أوكي، تجاعيدي تجاعيد ضحك، تجاعيد زهو يعني وليس فيها

- لا توجد فلسفة أقوى من الحبّ. إذا أحببت شيئاً يمكن أن تتمكّن منه، تنجح فيه، إذا أحببت شغلة تنجح فيها، أحببت إنساناً يُعطيك الحياة، يُعطيك الطاقة، يُعطيك شُحنة

- الأمومة هي أكثر ما أكرَم بها ربّي المرأة. لا أُحبّ صورة الأُمّ المثالية يعني، الأمومة مسألة تتعلّمينها، مسألة يعطيها لكِ ربّكِ وهي غريزة ولكنها مسألة تتعلّمينها لكي تربّي، لكي تُعطي، لكي تنسّقي نظرتكِ للأشياء وللأمور في الدنيا

-  أُحبّ الجمال، أُحبّ الطبيعة، أحبّ الفنّ، أُحبّ الموسيقى، أُحبّ الزهو والطرب والضحك، أحب البساطة أُحبّ الشاعريّة، أُحبّ الصدق والحقيقة مهما كان ثمنها أو مهما كانت مؤلِمة لأنّ الحقيقة في أغلب الأحيان مؤلِمة

- أكره النفاق، لا أحب أن يقول لي أحد حقيقتي. أمشي في الشارع وأتلقّى الكثير من المجاملات والاطراءات خاصةً عندنا في الوطن العربي، أحسّها تُكبِّل الفنان ولا تتركه يعزِل نفسه من نظرة انتقاد، لا تتركه يُقدِّم

- تاريخ الإنسان هو كنز، كنز يحمله معه في تاريخه ويقدّمه للأجيال التالية. لا لطمس التاريخ. أقول نعم للحريّة، حريّة الفِكر، حريّة الرأي، حريّة المُعتَقَد، حريّة الكيان، حريّة الإحساس، حريّة الانتماء لفكرة أو لمُعتَقد أو حريّة التغيير أيضاً من أجل التواصل مع الآخر، من أجل استمرارية الإنسان، من أجل ارتقاء الذات البشريّة عبر الأزمان وعبر العصور

زاهي وهبي: سنعود إلى بعض القضايا التي تفضّلتِ بها ولكن على سيرة التجاعيد، اُريد أن أُهديكِ أُغنية أنا كتبتها وغنّتها المغنية العراقيّة المُحترمة "بيدَر البصري"، مطلعها يقول: شو مخبّي بوجهك إيام وشو بتحكي تجاعيدك"

سوسن مُعالِج: (تضحك)

زاهي وهبي: فعلاً علامات الزمن تحكي وتقول وتُخبِر قصصاً. أنتِ متصالِحة مع هذا الأمر؟

سوسن مُعالِج: أكيد، متصالِحة كثيراً

زاهي وهبي: لا تُفكرين في عمليات تجميل و"بوتوكس" وهذه المسائِل؟

سوسن مُعالِج: لا، أنا ربما عندما بدأت أعمل كممثلة وكنت اتحضّر لـ Casting كان عندي مُشكل معكوس، كان عندي عقدة الـ Baby Face، كانوا دائماً أوّل ما يرونه هو عيناي، ممثلة عيون

زاهي وهبي: نعم، ملامح طفوليّة

سوسن مُعالِج: وملامح طفوليّة، فأمضيت وقتاً، ساعدني هذا الشيء في أن أكون موجودة في سوق العمل وترك لي راحة أكثر في اختيار الأدوار، يعني ظللت حتّى سنّ متقدمة وأنا أؤدي أدواراً أولى كشابة، وبعد ذلك بقليل بدأ وجهي تظهر عليه تجاعيد وبدأت أنضج، حينها بدأت في تأدية أدوار يمكنك أن تقول أكبر وأقوى، وكأنّ الـ Baby Face أو هذا الجانب

زاهي وهبي: حصَركِ في جانب معيّن

سوسن مُعالِج: حصرني في جانب معيّن. بعد ذلك، الفنانات اللواتي الكلّ يحبّهنّ واللواتي كبرت عليهنّ وتعلّمت عليهنّ

زاهي وهبي: "جليلة بكّار" مثلاً؟

سوسن مُعالِج: "جليلة بكّار" ماذا فعلت؟ في عمرها لم تجرِ عمليّة تجميل ولم تضع "بوتوكس"، "ميريل ستريب" نفس الشيء، وبعد ذلك لا أدري، يتحدثون عن مسألة تُكبّرني، طبعاً أحترم حرية الإنسان، والفنانات هذه حرّيتهنّ في تطويع شكلهنّ أو العناية في شكلهنً. ولكن بالنسبة لممثلة يبدو لي أنه حرام أن تُمثِّل. أداة عملكِ هي قسمات وجهكِ، هي عضلات وجهك

زاهي وهبي: للأسف، نشاهد في الكثير من الأعمال الدرامية العربية الكثير من الوجوه بلا ملامح، بلا تعابير

سوسن مُعالِج: أنا أخاف أن نصل إلى يوم في العالم العربي من دون ستّات أو كما أنتم تقولون جدّات يعني

زاهي وهبي: والحقيقة هذا يحدث أيضاً عند الرجال والنساء

سوسن مُعالِج: رجالاً ونساءً

زاهي وهبي: وربما عند النساء أكثر ولكن أيضاً حتّى الممثلين الرجال والمُغنّين إذا تُلاحظين كثيراً، يكون الوجه عبارة عن وجه بلا ملامح

سوسن مُعالِج: هو العصر، ربما العصر أيضاً الصورة فيه أخذت مساحة أكثر من العُمق، من الفكرة

زاهي وهبي: نعم. أعود إلى النشأة سيّدتي، أربع بنات تربيهنّ أُمّ، الوالِد متوفّى والأمّ هي الأُم والأبّ في نفس الوقت، هلّ هذا الشيء خلق عندكِ تعزيزاً أكثر للانحياز للمرأة ولقضايا المرأة؟ في ما بعد أعني، في الوعي

سوسن مُعالِج: أكيد، أن تكبر وهي بنت صغيرة، أن تكبر في مُجتمعنا العربي، أن تكبر من دون رقيب، ليس عندها أبّ

زاهي وهبي: نعم، السلطة الأبويّة غير موجودة

سوسن مُعالِج: يعني السلطة الأبويّة، نحن العرب عندنا السلطة أكثرها سلطة رقابة وسلطة

زاهي وهبي: استبداد

سوسن مُعالِج: جازمة وصارِمة وتقييدية، فربما ذاك جعلني بلا قيود، يمكنك أن تكبر وكأنّك لوحدك وتحتاج أن تجد حدودك، تكون بينك وبين ضميرك يعني، وليس عند أب يثق بك إن فعلت هذا أو ذاك أو إن مشيت هكذا أو لم تمشي هكذا. وربما أيضاً كانت مسؤوليّة الإنسان الغائب، أن يكون الأب متوفياً تتحمّل المسؤولية عن إنسان غائِب، لربما لو كان موجوداً لكانت عندي علاقة معه

زاهي وهبي: مختلفة

سوسن مُعالِج: لا أدري إن كانت ستكون متوتّرة أو طيبة، لكنها علاقة إنسانية. لكن الغياب، غياب الوالد أو غياب الوالدة يجعلك تُعطي وأنت طفل صورة مثالية للمتوفى، يجعلك تُعطي صورة أفلاطونيّة

زاهي وهبي: نعم، غير واقعية

سوسن مُعالِج: voila، وهذا الذي يجعلك تجد تلك الصورة إلى جانبك التي هي في النهاية، بعد أن تكبر وتنضج تجد أنّك أنت صنعتها 

زاهي وهبي: قبل التمثيل بدأتِ في العمل الاحترافي كمُنشِّطة ومُقدّمة برامج تلفزيونية وإذاعيّة، هذه التجربة ماذا أضافت إليكِ، ماذا تعلّمتِ منها؟ هلّ خدمتكِ كممثلة في ما بعد؟

سوسن مُعالِج: لا، في الحقيقة لا، لم تخدمني

زاهي وهبي: أخذت منكِ أكثر مما أعطتكِ؟

سوسن مُعالِج: أخذت منّي الكثير

زاهي وهبي: ماذا يأخُذ العمل الإعلامي؟

سوسن مُعالِج: العمل الإعلامي يتطلب الكثير من الوقت، يأخذ منك الكثير من الوقت، يعني كما تعلم ساعات الإنتاج والمونتاج والتصوير والعمليّة الإنتاجية في المجال السمعي البصري. الإذاعة أقلّ قليلاً ولكن الميديا بصفة عامة، الشغل في الميديا يأخذ حياتك. بعد ذلك، نحن عندنا في العالم العربي مُشكلة التخصّص، يعني إذا أنت صحافي تكون صحافياً لكن إذا أنت صحافي وشاعر وكأنه لا يوجد عندك الحق، ليس من حقك أن تكون متعدّد المواهب أو متعدّد الاختصاصات أو متعدّد المجالات. أنا أؤمن بالتخصّص ولكن أيضاً أؤمن بتعدّد الاختصاصات

زاهي وهبي: هناك مثل مصري يقول" صاحِب البالَيْن كذّاب"، بمعنى الذي عنده صنعتين في الوقت نفسه كذّاب

سوسن مُعالِج: نحن نقول" سبع صنايع والبخت ضايع"

زاهي وهبي: ونحن نقولها أيضاً، في المشرِق يُقال نفس المثل

سوسن مُعالِج: فهذا أثار لي القليل من المشاكل لأنّ مع مروري في التلفزيون كمنشّطة بدأت أخسر القليل من الأدوار، وفي الـ Casting لم يعودوا يطلبونني كثيراً

زاهي وهبي: قبل أن نسألكِ عن بعض مواقفكِ وآرائكِ ونظرتكِ إلى التمثيل وإلى الفنّ عموماً، أوّل من قدّمكِ كممثلة هو المُخرِج الأُستاذ "محمّد دمّق"، شاهدكِ في تقديم برنامج "شمس عليك"، أم لا؟

سوسن مُعالِج: لا، أول فيلم طويل أدّيت فيه مع "محمّد دمّق" كان "دار الناس"، أمّا أول مخرج قدّمني إلى الشاشة الكبيرة فهو "إبراهيم لطَيّف" في فيلم قصير إسمه "ضحكة زايده" مع المرحوم "مُصطفى العدواني"

زاهي وهبي: سنسمع الأستاذ "إبراهيم لطيف" اليوم، سنستمع إلى عدّة آراء في تجربتكِ، لكن قبل أن أتوقف مع موجز إخباري سريع، أرغب في أن أسمع، أريد أن أرى ما الذي خسرناه في عدم احترافكِ الغناء، إذا تريدين

سوسن مُعالِج: أوكي

زاهي وهبي: تفضلي

سوسن مُعالِج: (تغنّي)

زاهي وهبي: فقط هذا الكم؟ بخيلة، بخيلة في الغناء. سنُتابع مع حضرتكِ طبعاً ولكن إسمحي لنا أن نتوقف مع موجز إخباري سريع ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

الجزء الثاني                               

زاهي وهبي: إذاً مُشاهدينا الكرام نُشاهِد مقتطفات من أعمال الفنّانة التونسية المتميّزة السيّدة "سوسن مُعالِج" المتعدّدة المواهب والمجالات. سنتحدّث عن الكثير من القضايا ولكن أولاً كيف تجدين حضرتكِ موقع الممثل العربي والتونسي بشكلٍ خاص؟ يعني هلّ لديه الخيارات لتقديم ما يوافق قناعاته الفنيّة والجماليّة على الأقلّ؟ هلّ مُتاح أمامه سقف عال مرتفِع من الحريّة في العمل وفي القول؟ أم الأمر على نقيض ذلك؟

سوسن مُعالِج: أظن أنه في العالم العربي في الوقت الحالي من ناحية الحريّة يظهر لي الفنان والشعوب، الناس كلّها تأخذ حرّياتها، لكن ربما مُشكلتنا هي مُشكلة إنتاج وحضور، وتبقى دائِماً المُعادلة الصعبة بين القيمة والإنتاج، كميّة الإنتاج وقيمة الإنتاج. يعني ليس مهماً أن تؤدّي أدواراً عديدة ولا يكون عندك يعني تلك المُشكلة، أن يكون عندك إنتاجات عديدة ويكون عندك مقابل نقدي لها كبير. اليوم هذا ليس شرطاً يجعل منك فناناً كبيراً والعكس بالعكس

زاهي وهبي: أُريد أن أسألك، السينما التونسية متهمة أحياناً بأنها سينما مهرجانات، سينما نُقّاد، سينما جوائِز، أكثر مما هي سينما جمهور وشُبّاك تذاكر يُقبل عليه جمهور. هلّ انطباعي في محلّه؟ أم هو انطباع خاطئ؟

سوسن مُعالِج: هو أعتقد في محلّه لأنه أنت لو أتيت من بلاد فيها Star System

زاهي وهبي: صناعة نجم

سوسن مُعالِج: صناعة نجوم وصناعة سينمائية في المعنى التجاري، وفيها الأنواع السينمائية، يعني فيها الفيلم الكوميدي. في (تونس) بالنسبة لي هناك تطوُّر، هناك تنوّع، بدأنا نخلط السينما "دي جور" ولكن يبقى ربما أن جذور السينما التونسية هي سينما مؤلِّف، يعني هي قليلاً

زاهي وهبي: نخبويّة

سوسن مُعالِج: لا زالت تعلق فيها الإتيكيت النخبويّة ويلزمها الكثير من الثقافة

زاهي وهبي: ومع ذلك هي سينما جميلة للحقيقة ويُقبِل الجمهور عليها في المهرجانات والنقّاد يمدحونها وتنال جوائِز. إسمحي لنا أن نستمع إلى أحد صنّاع هذه السينما الأستاذ المخرِج والممثل والمنتِج "نجيب بلقاضي" في فقرة "كلام يوصل"

كلام يوصل

نجيب بلقاضي - منتج: العلاقة بيننا كانت قبل كلّ شيء علاقة أصحاب وأصدقاء، هي علاقة إنسانية قبل أن تكون علاقة مهنيّة. كان هناك تواصل وصداقة بيننا وكان الجانب المهني أيضاً نفس الشيء، يمشي مع الصداقة في كلّ السنوات السابقة. في عام 2005 أديت دوراً رئيسياً في أوّل فيلم قصير لي، "تصوّر" وكانت بطلته "سوسن معالِج"، ثم عدنا واشتغلنا معاً هذه السنة، صوّرنا في العام الماضي فيلمي الطويل الجديد "في عناية" الذي هو فرقعات ويُعرض حالياً. يعني هناك تداخُل كبير بين العلاقة الشخصيّة والعلاقة المهنيّة، بين الصداقة والعلاقة المهنية لأنّي أظنّ أننا لا نستطيع أن نكون في علاقة مهنيّة مع أُناس ليس عندي لهم احترام لشخصهم وليس عندي لهم، يعني لا توجد علاقة إنسانية متينة بيننا. هذا الذي جعلنا ربما نكون أصدقاء، وأظنّ أنّ العلاقات الإنسانية والعلاقات المهنيّة متشابكة في طبعها. أحياناً يكونون يشتغلون معاً ويفترقون عن بعض وكلّ واحد يشد في نفسه ولكن أنا أظن أن العلاقة المهنية والإنسانية لا يمكن أن يفترقا عن بعضهما البعض. "سوسن " صداقتنا للحقيقة كبيرة ونحن نعرِف بعضنا منذ حوالى عشرين سنة، لا يمكنها أن تتنازل عن صديقها هكذا بسهولة. وبعد ذلك على ماذا؟ نحن أصدقاء وحتّى مهنياً كلّ منّا شدّ في طريقه ولكن مهم جداً أن نتقابل معاً ونبحث في كيف كلّ واحد تطوّر في علاقته بمهنته، مثلاً هي كممثلة وأنا كمُخرِج أو أنا كممثل وهي كممثلة، نفس الشيء. "سوسن"، سأسألكِ سؤالاً، ما الذي كنت تظنينه أن تكون مهنتكِ أو مسيرتكِ المهنية إن لم نحصل على Casting "شمس عليّ"؟

زاهي وهبي: شكراً للمُخرِج والممثل التونسي المعروف الأُستاذ "نجيب بلقاضي" تفضّلي

سوسن مُعالِج: أُجيب على سؤاله؟

زاهي وهبي: نعم

سوسن مُعالِج: والله، لما كانت دخلت الشمس عليك أظن لأنني كنت أكملت الحقوق لكي أكون اليوم محامية كما "بُشرى بالحاج حميدة" اليوم أو        

زاهي وهبي: ولا مرّة فكّرتِ في احتراف الغناء؟ يعني إذا كانت الموانع في البداية أنّ الوالدة صعبة وغير راضية على هذا الأمر، ولكن في ما بعد يعني، عندما صرتِ تمتلكين قرارك بنفسك؟ 

سوسن مُعالِج: للحقيقة وجدت نفسي في السينما، يعني التجربة الأولى مع "نجيب" في "شمس عليك" في قناة "الأُفق" آنذاك حلّت لي باب السينما، وخاصةَ السينما الأجنبيّة. كان هناك الكثير من الأفلام الأجنبية، فكانت بالنسبة لي كما الحلم، كما مغارة "علي بابا"

زاهي وهبي: "الشمس عليك" كان برنامجاً تلفزيونياً تقدّمينه

سوسن مُعالِج: برنامجاً تلفزيونياً نعم، ساخر نقدي فيه الـ Situation Comedy وفيه ربورتاج

زاهي وهبي: هو الذي فتح لك

سوسن مُعالِج: هو الذي فتح لي باب السينما

زاهي وهبي: الآن مؤخراً في أيام (قرطاج) السينمائية عُرِضَ لكِ الفيلم الجديد "في عينيَّ". سنتحدث عنه بعد قليل ولكن في السابق حضرتكِ انتقدتِ حفل افتتاح مهرجان (قرطاج)، الأيام السينمائية، كيف وجدتِ هذا العام؟ أنت منذ سنتين، في عام 2016 أعتقد كان عندكِ نقد لاذع

سوسن مُعالِج: بطلّت عن أعادة ذلك لأنني أحسست أن نقدي أتعبني وللأسف لم أجد تغييراً  

زاهي وهبي: حتّى هذه السنة 2018

سوسن مُعالِج: لا، خصوصاً هذه الدورة، يعني كانت رهيبة. كان فيها برود وفتور ولم نرَ نجوماً في حفل الافتتاح، رأينا أكثر نجوم الدراما التلفزيونية، وهذه ظاهرة جديدة. تذهب إلى مهرجان للسينما فتجد نجوم دراما، لا تجد صنّاع الأفلام التي نشاهدها ولكن نجد نجوم دراما

زاهي وهبي: لكن المُشكلة أنّ مُمثلي السينما ونجوم السينما هجروها إلى التلفزيون، ليس فقط في (تونس) بل في مُعظم الوطن العربي، حتّى في (مصر) وفي (سوريا)

سوسن مُعالِج: لا لم يهجروها. ربما نحن نعيش في عصر الثورة الرقمية ويبدو لي أنّ السينما دخلت في التلفزة، دخلت في التلفزيون، ولكن التلفزيون فيه درجات وهناك فرق بين أن تشتغل

زاهي وهبي: في السابق قلتِ جملة وهي "نُريد إضاءة السينما، إضاءة السينما من الداخل وليس إضاءة الفساتين والنهود في حفلات الافتتاح"

سوسن مُعالِج: نعم، لأنّ هذا غريب وهي مسألة تزعجني خاصة بالنسبة للمهرجان في أيام الإنتاج السينمائي، يعني الله يرحمه "الطاهر الشريعا"، المهرجان حامل للقضيّة وهو ليس (دبي)

زاهي وهبي: نعم، يعني ليس مهرجاناً استعراضياً تقصدين 

سوسن مُعالِج: ليس مهرجاناً استعراضياً ومن نوع "تابي روج" يعني بل مهرجان يُعنى بسينما الجنوب، السينما الأفريقية، السينما العربية

زاهي وهبي: السينما الملتزمة في طرح قضايا

سوسن مُعالِج: السينما الملتزمة الحاملة لقضايا شعبها، فلا نراها متداخلة ومتناسقة مع بعضها البعض بل "تابي روج" والفساتين، وبعد ذلك تضيع القضايا، يعني أنا خلطت في الـ GCC حينها ولم يكن هناك شيء، كنّا طلّاباً وننزل إلى شارع "حبيب بو رقيبة" ونمشي في القاعات في الجينز أو نمكث في القاعات، وكان هناك

زاهي وهبي: نعم، أصبح الآن وكأنّ هناك شبه عرض أزياء

سوسن مُعالِج: كانت هناك حوارات، والآن وكأنك تجدنا في الصورة على حساب القيمة والمضمون

زاهي وهبي: أحياناً تكونين شرِسة في نقدك أو في مواقفكِ. يعني تحدّثتِ حضرتكِ عن خلطة مُفزِعة بين نجوم ما أسميته حضرتكِ، عذراً على التعبير، نجوم الدعارة التلفزيونيّة المحليّة والعربية ومموّليها من شيوخ البترو دولار. إلى هذه الدرجة أصبحت صناعة السينما؟

سوسن مُعالِج:  شوف، أنا أحكي على مهرجان (قرطاج) السينمائي أو عن أيّ مهرجان في العالم. يعني عندما تذهب إلى حفل افتتاح أو تذهب إلى حفل اختتام أو تنزل إلى مقرّ سواء في أوتيل أو في سوق الأفلام أو تشارِك في محاضرة ولا تجد أيّ شخص، أيّ وجه سينمائي

زاهي وهبي: نعم

سوسن مُعالِج: وفي المقابل تجد النجمات اللاتي لا مكان عندهنّ مثل عارضات الأزياء و"لي سانس تا غراموز"

زاهي وهبي: ونجوم الـ Social Media حالياً أيضاً

سوسن مُعالِج: نجوم الـ Social Media عندهم مكانهم ولكن المُفزِع أن يكونوا موجودين في المهرجان وهم كانوا موجودين. هذا بالنسبة لي أنا بمثابة ناقوس خَطَر، بمثابة            

زاهي وهبي: إفراغ المهرجان من مضامينه الفنيّة والإنسانية، لا أتحدث عن مهرجان (قرطاج) حصراً، المهرجان السينمائي عموماً أو المسرحي أو الشِعري إلى آخره، تحويله إلى استعراض شكلي

سوسن مُعالِج: Voila. هذا من ناحية، من ناحية أُخرى نرى الجوائِز ونرى توجّهات بعض المهرجانات التي فيها توجّهات سياسية أحببنا ذلك أو كرهناه

زاهي وهبي: أجندة يعني أجندة سياسية

سوسن مُعالِج: ثمّة أجندة سياسية، سواء أحببنا ذلك أو كرِهناه، تتغيّر مع تغيير الحكومات والتيارات والتوجّهات ومُديري المهرجانات، وكلّ واحد يأتي بفكرة. ولكن هذا هو المشكل، تفريغ المهرجان من مُحتواه السينمائي الإبداعي، وتزيد عليه تطويعه للسياسة

زاهي وهبي: نعم، وتدجينه

سوسن مُعالِج: وتدجينه، فهذا الذي

زاهي وهبي: حتّى صار منح الجوائِز يتمّ بناءً على هذه المعايير

سوسن مُعالِج: صار منح الجوائِز وكأنّه كما المولِد كما يقول المصريون، يعني وكأن الجميع ضيوف في الدار وأناس يأكلون وأناس يشربون وأناس يتعشّون

زاهي وهبي: لكن أحياناً النجوم، بعض النجوم يتحمّلون مسؤولية، بمعنى أننا وصلنا إلى مكان في مهرجانات الجوائِز العربيّة أنّ النجم يشترِط لكي يحضر في مهرجان مُعيّن، لكي يُشارك حضوراً من اللازم أن ينال جائِزة، وإذا لم يأخذ جائِزة لا يأتي حتّى إلى الحفل

سوسن مُعالِج: غريب هوَس الجوائز، هو كما هوَس جوائِز البوتكس عند النجوم العرب. يعني أنت عندما قرأت السيناريو، عندما قرأت المشروع وانخرطت فيه وأحببته وأحببت الشخصية التي ستؤدّيها وأحببت دورك ودفعت عليه واشتغلت واستمتعت بهذا الكلّ واشتغلت مهنتك، من هنا يظهر لي أنّ الجائِزة هي مسألة ثانوية، بعد ذلك الجائِزة التي أعطتها لك لجنة تحكيم مكوّنة من أربعة أو خمسة أفراد، تبدو لي مسألة غير موضوعية

زاهي وهبي: صحيح، هناك منطق العلاقات العامّة في المهرجانات العربية للأسف

سوسن مُعالِج: منطق المُجاملات   

زاهي وهبي: يعني مُدير مهرجان وأعضاء اللجنة المُشرِفة يدعون أصحابهم وأصدقاءهم، وهذا ينطبق على كلّ المهرجانات

سوسن مُعالِج: بعد ذلك، في الأعوام الأخيرة أيضاً هناك مواضيع، أحيناً تُشاهد الفيلم تقول، أمر غريب مستواه! وأريد أن أحكي في صورة سينمائية، أحكي جمالياً، أحكي في عمق، لا تجد حتّى شيء من هذا ولكن الموضوع كـ "Theme" يقولون لك يبيع أكثر

زاهي وهبي: في إيجاز لو سمحتِ، فهمكِ كممثلة وناشِطة وإعلاميّة، ما هو دور الفن والفنان في مُجتمعنا وفي ظروفنا المعروفة في بلادنا؟ كيف تفهمين دوركِ كممثلة وكفنّانة؟

سوسن مُعالِج: الفنّان بصفة عامة والممثل خصوصاً يحمِل صوتاً، شريحة معيّنة. يعني كلّ دور يتقمّصه ويؤدّيه هو ليس الشخصيّة فقط، هو شريحة كاملة. يعني تلك الشخصية تعكس مشاغِل أو تكشف الضوء أو تلفت الانتباه أو تُدافع عن أو تُدين شريحة معينة أو تصرُّف معيّن أو فِكر. والممثل في دور وراء دور وعمل وراء عمل وكأنه يمشي ويُكبِّر في

زاهي وهبي: هلّ تختارين أدواركِ بناءً على قناعاتكِ؟ بمعنى الشخصيّات التي تؤدّينها أمام الكاميرا من اللازم أن تكون متوافقة مع قناعاتكِ كإنسانة؟

سوسن مُعالِج: نعم، أكيد

زاهي وهبي: طبعاً

سوسن مُعالِج: أكيد

زاهي وهبي: هذا يُصعِّب العمليّة عليكِ أعني

سوسن مُعالِج: لا يُصعّبها، هي العمليّة صعبة

زاهي وهبي: نعم، سأُتابع مع حضرتكِ ولكن أيضاً مرّة أُخرى إسمحي لنا أن نتوقّف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

الجزء الثالث                           

زاهي وهبي: إذاً نُشاهِد دائِماً مقتطفات من أعمال ضيفتنا الكريمة الممثلة والناشطة التونسية السيّدة "سوسن المعالِج". سيّدتي، كنّا نتحدث عن دور الفنان وفهمكِ لدور الفنّان في مُجتمعه وبين الناس قبل الاستراحة، عندكِ إضافة على ما كنتِ تتفضّلين به           

سوسن مُعالِج: نعم، أول شيء بالنسبة لي أنّ يكون الفنان مستقلّاً أو لا يكون، لأنّني لا أعتقد أنك تسمح لنفسك أن تنتمي لفكرة. أولاً أنت لست مِلك نفسك بل مِلك الشخصيّة في الأساس 

زاهي وهبي: نعم

سوسن مُعالِج: ثم لاحقاً عندما تظهر الشخصية على التلفزيون أو على شاشة السينما تًصبِح مِلك الجمهور، يُحاسبك الجمهور، يعني ليس عندك Boss، عندك الجمهور هو الذي يقول لك إن كنت نجحت أو لم تنجح. ثمّ عندك الاستمرارية، يعني ألّا تخذِل جمهورك، ألّا تخذِل الشخصية التي أدّيتها. فرويداً رويداً يُصبح دور الفنان وكأنه هو المتفاوِض، هو الـ Intermediary، يعني هو الذي في إمكانه أن يكون همزة وصل في طريقة ممتعة، في طريقة جميلة، في طريقة شاعِريّة أحياناً أو دراميّة أو كوميدية، لأن يفتح حواراً، يطرح أسئِلة، يُزيح النقاب عن "تابوهات" أو عن مشاكل تنخُر المُجتمع

زاهي وهبي: ولكي يقوم بهذا الدور ينبغي أن يكون مثقفاً، وإذا لم يكن لديه ثقافة في الحدّ الأدنى على الأقل، كيف؟

سوسن مُعالِج: هذه الأشياء اختيارية، يعني ممثلون يختارون أن ينظروا لمهنتهم كمِهنة فكريّة، يعني مهنة حاملة لفِكر، حاملة لعُمق، حاملة لرسالة، حاملة لصورة معيّنة هو يدافع عنها على أساس طبعاً ثقافة معيّنة هو أتى منها. ولكن أيضاً لماذا أنا أُعذّب نفسي هكذا؟ هناك فنانات وفنانون يعذبون أنفسهم

زاهي وهبي: للأسف أيضاً

سوسن مُعالِج: هناك فنانون يعملون فقط حين يأتيهم دور، ويقول أحدهم لك، " أنا لست مطالباً أن أحمِل أيّة فكرة، أنا أداة في يد المُخرِج أو أداة في يدّ السيناريست"

زاهي وهبي: هذا فهم وذاك فهم ولكلّ وِجهة نظر أنصارها. ولكن الذي نُلاحظه أنّ الفنان اليوم الملتزِم، ليس في المعنى الحزبي أو السياسي، المُلتزِم في مضامين إنسانية وإبداعية حقيقية يُغيَّب في مُعظم الأحيان للأسف. دعينا نسمع رأياً أيضاً إذا تريدين في تجربتكِ ضمن فقرة "كلام يوصل" ممن قدّمكِ للمرّة الأولى سينمائياً المُخرِج الأُستاذ "إبراهيم لطيِّف"

كلام يوصل

إبراهيم لطيِّف – مخرِج: صحيح أنني كنت أشتغِل مع "سوسن معالِج" في فيلم كان إسمه "غنّي يا بلبل" وأصبح إسمه اليوم " بولتو كارينا"، لكن ظروف الإنتاج جعلت الفيلم يتأخر مرّتين أو ثلاث في الوقت الذي كانت فيه "سوسن" أخذت على عاتقها أو وقّعت على عقد في فيلم ناجح جداً اليوم " فرقعات" لزميلي "نجيب بلقاضي" وأبدعت، فـ "سوسن" كلّ مُخرِج يتمنّى أن يشتغل معها. لو كان لي إمكانية أن أؤخِر في الإنتاج وتكون "سوسن" معي لا أمانع، ولكن تعاملت مع "سوسن" و"سوسن" صديقة أكثر من أن تكون ممثلة وزميلة فقط، تعاملت كثيراً مع "سوسن" في العديد من الميادين. في مسيرتنا الفنيّة التقينا في قناة "الأُفق"، التقينا في العديد من الأعمال الأُخرى لأنها فنانة متكاملة وليست ممثلة فقط، هي مسرحيّة كذلك وسينمائية معروفة، ناشطة في المُجتمع المدني، اشتغلت في الميديا، في الإعلام وأنا كذلك عندي علاقة وتاريخ علاقتنا أننا كنّا نلتقي كثيراً. ولكن أكثر من هذا نحن أصحاب وأصدقاء كثيراً. أولاً، "سوسن" أنا أُحبّكِ كثيراً وأرغب في أن أسألكِ سؤالاً. أنت لم تختاري الطريق السهل كما بعض زميلاتك اللواتي التحقن خاصة في (مصر)، ذهبن ويشتغلن في (مصر) في أفلام وفي مُسلسلات وفي إعلانات في العديد من الأعمال التي لها علاقة في الصورة، لماذا لم تذهبي إلى (مصر) رغم أنني أعرِف أنه كانت عندكِ فُرصة للذهاب والعمل كزميلاتكِ الأخريات؟ هذا هو السؤال الذي أحببت أن أسأله

زاهي وهبي: شكراً، شهادة قيّمة من الأُستاذ "إبراهيم لطيِّف" المُخرِج التونسي، تفضّلي، الجواب عند حضرتكِ  

سوسن مُعالِج: الإجابة الأولى لسبب بسيط جداً، لأنني في (تونس) منذ أن بدأت، منذ أن أخذت أول دور، منذ أن بدأت أشتغل لم أتوقف. يعني كان دائِماً يأتيني عروض وكنت دائِماً حاضرة سواء في التلفزيون أو في السينما، في المسرح أقلّ قليلاً، هذا في درجة أولى. كما تعرِف، تُفكِّر في الهجرة في الأغلب عندما تأخذ الجائزة وتؤدّي عملاً يوصلك ويفتح لك الأبواب في الشرق، في (مصر) أو في

زاهي وهبي: ولكن هو يقول أنّه جاءتكِ عروض حسب معلوماته من (مصر)

سوسن مُعالِج: لم تأتِني عروض تستحقّ أن أهاجر بها. أنت تعلم أنني أُحبّ (تونس) كثيراً يعني أحبّ معيشتي في (تونس) وليس عندي، منذ أن كنت صغيرة، لا أُحبّ، رغم أنني لم أعِش في ظروفِ مرفّهة، عادي يعني ككلّ الناس. ولكن

زاهي وهبي: ولكنك عاشقة لبلدكِ ولوطنكِ

سوسن مُعالِج: عاشقة لبلدي وربما أيضاً كان هناك تباين فكري حسّي تاريخي بين النساء العربيات، بين المرأة التونسية والمرأة في أنواعها، وبصراحة لم أكن في ذاك الوقت

زاهي وهبي: الحقوق الحاصلة عليها المرأة التونسية متقدّمة على زميلاتها من النساء العربيات. الثورة التونسية، ما بعد الثورة وما قبل الثورة هلّ غيَّرَت في مضامين النصّ الإبداعي التونسي؟ سواء أكان درامياً، سينمائياً، أقصد تلفزيوني أو سينمائي، هلّ غيّرت؟

سوسن مُعالِج: طبعاً غيّرت

زاهي وهبي: إيجاباً أم سلباً؟

سوسن مُعالِج: حسب التجارب يعني، لا يُمكنك أن تحكُم هكذا وأن تُعطي حكماً إجمالياً

زاهي وهبي: إطلاقي

سوسن مُعالِج: لكن الأكثر أنّه إيجابي

زاهي وهبي: هامش الحريّة أصبح أكبر

سوسن مُعالِج: هامش الحريّة أصبح أكبر، وبعد ذلك صار هناك نقاش اجتماعي. حريّة التعبير أعطت انطلاقاً للألسُن، فهذا ربما يعطيك يمكننا أن نقول، قليلاً مما يهزّ وينفض كما يقولون في (تونس)، الكثير من السلبيات أو الكثير من السفائِف أو الأشياء الزائدة عن حدها ولكن هذا ممر إجباري لكي يختلط النقاش ويكون متحضراً وبنّاءً وإيجابياً مئة في المئة

زاهي وهبي: نعم. لماذا رفضتِ أن يُكرِّمكِ الرئيس التونسي "الباجي قائِد السبسي"؟ صحيح هذا الأمر؟ في عام 2016 في يوم المرأة العالمي على ما أظنّ

سوسن مُعالِج: لم يكن الرئيس "الباجي"، يعني أنا أرفُض أن يُكرّمني رئيس سياسي بصفة عامة

زاهي وهبي: نعم، ليس الشخص ولكن الموقع نفسه

سوسن مُعالِج: ليس الشخص، حتّى قبلاً

زاهي وهبي: كتبتِ رسالة طويلة عريضة

سوسن مُعالِج: حتّى "بن علي" أيضاً في عمري لم أذهب إلى القصر وكانوا في كلّ مرة

زاهي وهبي: ألم تتعرضي لضغوط أو لتضييق في زمن "بن علي"؟

سوسن مُعالِج: طبعاً، وتغييب والقليل من المشاكل والقليل من، يعني أنت تعرِف الدكتاتوريات عندما لا تقدر على استيعاب الفنان تطوّعه

زاهي وهبي: تهمّشه

سوسن مُعالِج: إمّا تُهمّشه أو تُحاول أن توسِّخ له صورته أو تُحاول أن تشوّه له صورته وتجعل الناس والجمهور ينسونه. فهذا مبدأ بقطع النظر على السياسة، ولكن بالنسبة لي، الفنّ والسياسة بينهما خطّ أحمر من اللازم أن يكون لأنّ الفنان المُسيّس بالنسبة لي هو فنان خائِن لجمهوره

زاهي وهبي: أوف 

سوسن مُعالِج: خائِن لقضايا وطنه

زاهي وهبي: نعم

سوسن مُعالِج: وأنا أتحدّث عن عصري، ربما إذا تحدّثنا في السبعينات تقول الشباب الطلّابي والفِكر الشيوعي، كان الأمر مختلفاً، يعني كانت الأمور مختلفة تماماً. لكن اليوم، لنعتبر أنّه يأتيني أن أذهب مثلاً، أنا من أطفال العولمة، أنا من جيل العولمة، من جيل العالم القرية

زاهي وهبي: بمعنى منفتِحة إنسانياً على كلّ البَشر

سوسن مُعالِج: منفتحة إنسانياً على كلّ البشر، وأهمّ قضايا عند الفنان هي القضايا الكونيّة، القضايا التي تجمع الإنسانية

زاهي وهبي: لكن لا تخلو مواقفكِ من السياسة، يعني مثلاً في رسالتكِ التي اعتذرتِ فيها عن التكريم، التي نشرتِها حضرتكِ أعتقد على "الفيس بوك" عندك، اتهمتِ الرئيس أنّه يُكرِّم المرأة ولكنه متحالِف مع أعداء المرأة التونسية، قلتِ هذا حينها، وأكيد من تقصدين بأعداء المرأة التونسية "النهضة" يعني

سوسن مُعالِج: أجل. حينها أجل

زاهي وهبي: لكن هلّ غيرتِ رأيك منذ حينها إلى اليوم؟

سوسن مُعالِج: قليلاً، هلّ غيّرت رأيي؟ نعم غيرّت رأيي لأنّ ما تسمعه عن المشروع والذي تعرِفه عن تاريخ الحركة وكلّ هذا الكلام دخل في الحركة، في الحياة السياسية وفي الحياة الاجتماعية وصار في إمكانك أن تتحدّث معهم. يعني في النهاية لسنا بعيدين عن بعضنا البعض، هم تونسيون يحمون أنفسهم

زاهي وهبي: صاروا أكثر مرونة؟ يعني العمليّة السياسية جعلتهم أكثر مرونة؟

سوسن مُعالِج: نعم، جعلتهم يقتربون أكثر من الشعب، جعلتهم يحسّون ويغيّرون في اتجاهاتهم، يعدّلون في اتجاهاتهم ويقيسون الأمور بالنسبة لغيرهم قليلاً

زاهي وهبي: هذا أمر جيِّد. المرونة مطلوبة في مُجتمعاتنا، يعني يكفينا تشظياً وحروباً، والحمد لله أنّ (تونس) نجت من الحروب الأهليّة

سوسن مُعالِج: الحمد لله طبعاً. حلو، ولكن لا أدري لماذا دائِماً تكريم فنّان عندنا في العالم العربي تقريباً يكاد يكون في كلّ الأنظمة العربية، هو من الخارِج تكريم ولكنه مُجرّد غلاف لمحاولة استعماله

زاهي وهبي: نعم، وتلميع النظام نفسه أحياناً

سوسن مُعالِج: تلميع النظام

زاهي وهبي: يعني يُلمِّع النظام نفسه

سوسن مُعالِج: نحن في (تونس) ربما تكريم الفنانة التونسية مزدوِج، استغلال صورة الفنانة واستغلال صورة المرأة، تطويع صورة المرأة، وهذا ربما هو المشكل الذي عشته شخصياً تحت الدكتاتوريات، تطويع هذه الصورة، يعني لا يمكنكِ أن تكوني حرة في أفكاركِ، في القضايا التي تحب أن تقدّمها في السينما وما تحب أن تقوم به أو في نوعية الإبداع الذي تُحبّ أن تبدِعه دائماً يلزمك أن تكون، يعني إذا جئت بخطاب ضد السلطة أو حتّى يُقلِق قليلاً السلطة، يعني تحدث لك مشاكل أو يقع عليك التغييب

زاهي وهبي: نعم وتُشوّه صورته وسمعته أحياناً

سوسن مُعالِج: إذا أحبّت أن تكون موجودة وحاضرة من اللازم أن تسكت وألّا يكون عندها تفكير، فهذا هو الذي نوجِّه له أصابع الاتهام بالذات يعني

زاهي وهبي: في موضوع المرأة لو سمحتِ لأن الدعوة للتكريم آنذاك كانت في مناسبة يوم المرأة لكن سؤالي لا علاقة له بالمناسبة. واقع المرأة التونسيّة اليوم بعد الثورة، ونعلم أنّه في السنوات الماضية حصلت مُحاولات لإلغاء بعض الحقوق المُكتسبة للمرأة التونسية، اليوم كيف تجدين واقع المرأة التونسية، خصوصاً المرأة العاملة، المرأة الكادِحة المُكافِحة؟ يعني لا أتحدّث عن سيدات النُخب والحاصلات ربما على مواقع ومُكتسبات

سوسن مُعالِج: ربما من مفارقات الثورة التونسية أنه من أكثر ربما القضايا التي حملتها هي قضيّة المرأة، وحصل نقاش عن المرأة وحريّتها وهلّ نعطيها حريّة أم لا، هل نزيدها لها قليلاً أو ننقصها. ربما ذاك الوقت في 2011 – 2012 عشناه كتهديد، تهديد كبير وشعرنا به في كياننا، شعرنا أنه قد يحصل تراجُع في الحقوق وفي المُكتسبات. ولكن مع الوقت تفسّخت الحدود أيضاً مع النزعة نحو التوافق الوطني الذي مشت فيه (تونس)، وربما هذا ما جعل كلّ الناس يقيسون الأمور بالنسبة للآخرين. والجميل في هذا كلّه أنّ المرأة في يدها هي قالت كلمتها، يعني المرأة في السنوات الخمس السابقة، سواء المرأة التي تنتمي للفصيل الإسلامي أو للفصيل الحداثي أو للفصيل الشيوعي، كلّها في دور المرأة، في مكتسبات المرأة، كلّها تتّفق

زاهي وهبي: جيِّد، يعني اليوم أنتِ راضية إلى حدٍّ ما لأنّ عندي شعور أنّكِ امرأة غاضبة عموماً "سوسن معالِج". يعني لديكِ دائِماً رفض وتمرُّد وروح متمرِّدة على الدوام. سنُتابع ونسأل عن هذا الأمر، من أين هذه الروح المتمرّدة ولكن بعد استراحة أخيرة نتابع "بيت القصيد"

الجزء الرابع

زاهي وهبي: مُشاهدينا نُتابع مع الممثلة والناشطة التونسيّة السيّدة "سوسن معالِج". حضرتكِ مثلما قلنا من أبرز وجوه الدراما والسينما التونسية. ما هو رأيكِ في واقع الدراما التونسية، عن الدراما التلفزيونية أتحدّث، هل هي مثل نظيراتها في الدراما العربية إذا حاز التعبير؟ بمعنى، وفي رأيي أنا، مُعظم الدراما العربية تغيب عنها قضايا جوهرية، قضايا من اللازم أن تُناقَش وتُطرَح على بساط البحث وتُقدّم أعمالاً عامّة، حبّ وغرام وانتقام، أو تاريخي والعودة إلى التاريخ وما شابه. هلّ واقع الدراما التونسية مُختلِف؟ أفضل حالاً؟ أم الحالّ من بعضه كما يُقال؟

سوسن مُعالِج: لا، يظهر لي أنّ الحال من بعضه في هذا الموضوع، في مسألة الدراما والإعلام يمكن أن يكون هناك ثمة مقاربة، يعني مشكلة التمويل هي التي تُحدّد. يعني (تركيا) عندما كسحت العالم بالمُسلسلات كان هناك ثمّة قرار في الإنتاج والتطوير للقطاع

زاهي وهبي: تحوّلت إلى استثمار، يعني استثمار تركي حقيقي

سوسن مُعالِج: Voila. نحن لا، نحن للأسف لا يمكننا أيضاً، يعني عندما كان عندنا إنتاج مُحترَم كان عندنا مُشكلة القضايا التي لا يمكننا أن نطرحها بحُكم أننا كنّا تحت نظام دكتاتوري شمولي

زاهي وهبي: وعندما صار العكس؟

سوسن مُعالِج: عندما صار عندنا حُرّية في الفِكر والتعبير

زاهي وهبي: هرب المُنتِج

سوسن مُعالِج: هرب المنتِج Voila، لحقتنا لعنة الإمكانيات. أيضاً ربما لحقتنا لعنة العصر كما نرى اليوم في المشهد التلفزيوني للعرب الكلّ بصفة عامة. نقصت البرامج الحواريّة، البرامج الثقافية، حتّى البرامج التي تعني في الموسيقى، حتّى في الفنون البسيطة التي كانت

زاهي وهبي: صحيح، قد يكون "بيت القصيد" من البرامج النادرة في الفضائيات العربيّة

سوسن مُعالِج: نعم، برنامجك في طور الانقراض

زاهي وهبي: (يضحك) الله لا يسمع منكِ

سوسن مُعالِج: (تضحك) ديناصور. ربّي يخلِّيك

زاهي وهبي: لكن أنا أستطيع أن أشهد، إذا كان يحق لي إبداء رأيي وليس سؤالاً، في التسعينات مثلاً عندما كنت أستضيف في زمن برنامج "خلّيك بالبيت"، عندما كنت أستضيف مثقفاً أو شاعراً كانت مثلاً نسبة الإعلانات داخل البرنامج توازي الإعلانات التي تأتي إلى ممثل أو مُطرِب، بينما اليوم الأمر مُختلِف تماماً. تجدين أنّه كأنّ الثقافة صارت وباءً تهرب منه الفضائيات العربية. فأكثر الله خير "الميادين" أنّ عندها هذه الفُسحة التي إسمها "بيت القصيد". الكوميديا، وحضرتكِ قدّمتِ أعمالاً ناجِحة في هذا المجال وعندكِ الحسّ الكوميدي حتّى أثناء حديثكِ الجدّي وعندكِ الابتسامة اللطيفة. آخر عمل كان "لافاج" أم لا ليس آخر عمل؟

سوسن مُعالِج: آخر عمل كوميدي "لافاج"

زاهي وهبي: "لافاج". دائِماً الخيط الرفيع بين إضحاك الناس والتهريج، يعني بين العمل الكوميدي الحقيقي وبين التهريج هناك خيط رفيع، وفي الكثير من الأعمال العربية نكون سلبيين كثيراً، الكثير من الأعمال العربية تقع في مطبّ وفخّ التهريج. كيف تجدين الأمر؟ وكيف تتلافين في أدائك شخصيات ضاحِكة وناقدة إلى آخره، ساخرة، هذا المطبّ؟

سوسن مُعالِج: ربما عندنا في العالم العربي، لا أدري، الفِكرة السائِدة أن الكوميديا هو نوع أقلّ أهمية أو أقلّ عمقاً وخطورة من اللون الدرامي، من النوع الدرامي في الوقت الذي أنا أُراه أصعب لأن الخيط الرفيع هو العُمق الذي تُعطيه للشخصية

زاهي وهبي: صحيح

سوسن مُعالِج: شخصية كوميدية لا تعني أنّ الشخصية الدرامية عندها عُمق والشخصية الكوميدية سطحية، هذا المُعتَقد يظهر لي ناتج من سوء فَهْم أو سوء التفاهم الذي يحدث ما بين الممثل العربي والمتلقّي 

زاهي وهبي: وربما ترسّخه بعض الأعمال العربية التي حوّلت العمل الكوميدي إلى نوع من التهريج وسخرية من الشكل أحياناً في بعض الحالات الخاصة التي يكون الإنسان يعانيها

سوسن مُعالِج: صحيح، صحيح لأنه إذا رجعت إلى الأعمال التي كبرت عليها مثلاً في الثمانينات، "دريد لحّام" يقدّم كوميديا

زاهي وهبي: ونصوص "محمّد الماغوط"

سوسن مُعالِج: يعني تموت من الضحك، أمّا ما يحمله من قضايا فهي عميقة وعميقة جداً جداً، وهذا لا يجعل من عمل مثل "نخبك يا وطن" الذي تشبع فيه من الضحك كوميديا فهو عمل فيه عُمق وفيه قضايا خطيرة جداً يعني وأشياء تمكث في التاريخ ويحملها التاريخ. ذاك اليوم كنّا نحن، لا أدري ربما بعد الذي صار انقرضت هذه الأعمال، هناك نوعية! ربما أيضاً تهميش الثقافة والفِعل الثقافي بصفة عامة في الأنظِمة العربية هو الذي أدّى إلى إخفاق

زاهي وهبي: السلطات العربية تخشى المُثقف، لا يزالون عند مقولة "عندما أسمع كلمة ثقافة أتحسّس مُسدسي" وتعرِفين هذه المقولة

سوسن مُعالِج: اليوم نرى أسماء كنّا كبرنا عليها، الأُستاذ "دريد لحّام"، الأُستاذ "عادل إمام"، "أحمد زكي" الله يرحمه، لم يعد هناك فنانون من هذا العُمق وهذا الحجم للأسف، هذا أمر محزن

زاهي وهبي: للأسف، كان عندنا كتّاب من وزن "محمّد الماغوط" و"صلاح جاهين" وبقية القافلة. لو سمحتِ سمعنا رأيين في تجربتكِ، في حضرة جنابِك من رجال، نسمع الآن رأياً من فنانة تونسية مُحترمة، الصديقة السيّدة "لبنى النُعمان"

كلام يوصل

لبنى النعمان - فنانة: "سوسن المعالِج" كيف نبدأ حديثنا عنها، نبدأ حديثنا عنها من آخِر مرّة شاهدتها في هذا الفيلم، يعني آخر فيلم شاهدته لـ "سوسن" هو " عناية". أدت فيه دوراً جميلاً جداً، والمسألة المؤثرة بالنسبة لي كثيراً أنني بكيت في آخر الفيلم جراء بكائها هي في الفيلم. بالنسبة لي من الصعب جداً أن يُشاهد الممثل زميله الممثل لأنه دائِماً عنده نظرة أُخرى وهي ليست نظرة المتفرِّج العادي لأنه يعرِف الصنعة، " ماذا يفعل؟ كيف يمثل؟"، فأن تنسى أو أنا نسيت أنها تُمثِّل وخرجت من فكرة أنها تُمثِّل وتماهيت مع الشخصية وبكيت لأدائِها، فهذا يعني أنها ممثلة كبيرة وأنا شهادتي مجروحة فيها لأنّ "سوسن" ممثلة كبيرة، ممثلة حساسة، ممثلة صادقة، كلّ شيء تقوم به من قلبها وتؤديه بروح وليس بين بين. "سوسن" أيضاً ممثلة تجيد الغناء، صوتها حلو، ولا أدري لماذا المخرجون لم يفطنوا إلى هذا كثيراً لأن الممثل الذي يُجيد الغناء والشطح والوقوف على المسرح ليس كالممثل الذي لا يمتلِك هذه الطاقات. وجهها مُعبّر وجميل وعندها قدرة على أن تتقمّص الشخصيّة، تلبسها، حين تشاهدها كما قلت لك تنسى أنك تشاهدها كممثلة وتجد أن الشخصية فيها وتشعُر بها، وهذا كلّه في الإمكانيات الصغيرة التي عندنا في (تونس). تصوّر لو أنّ "سوسن معالج" كان عندها إمكانيات أكثر في الإنتاج وفي إمكانها أن تؤدي كلّ الأدوار التي حلِمت في تأديتها. عندها روح الدعابة، عندها حضور بديهة غريب، يعني ليس كلّ الممثلين عندهم منه. "سوسن" لا يمكنك أن تجالسها من دون أن تضحك، تُضحِك كثيراً، "ضامرة" نحن نقول في (تونس)، روحها خفيفة وممثلة ذكيّة كثيراً وحساسة كثيراً وأُحبها كثيراً ولا يُمكنني أن أقول عنها أكثر من هذا. "سوسن" أُحبّ أن أسألكِ لأنّكِ أُمّ رائِعة حسب ما أعرف، وأنا أحترِم كثيراً الأمومة الجيدة التي فيكِ، لو كانت "غالية" أو "زينب" في يوم رغبتا أن تكونا ممثلات أو مغنيات وأن تكونا في مجال الفنّ هذا كما أنتِ منذ أن كنتِ صغيرة تحلمين أن تكوني ممثلة ومغنية، وأنا أعلم أنّ لكِ أحلام أكبر من هذه، كيف ترين هذه الحكاية، كيف تنظرين إليها؟ هلّ تُشجعينهما أو لا تُشجعينهما؟ تخافين عليهما أو لا تخافين عليهما؟

زاهي وهبي: شكراً جزيلاً للعزيزة "لبنى النعمان". كلام جميل جداً

سوسن مُعالِج: جميلة جداً الله يخلّيها، "لبنى" فنّانة رقيقة حسّاسة كثيراً، وتحيّة لها على هذه الشهادة الحلوة

زاهي وهبي: كما تعلمين، كانت ضيفتنا في السنة الأولى من عُمر "بيت القصيد"، يعني منذ ستّ سنوات أو سبع سنوات

سوسن مُعالِج: 2013 أو 2012

زاهي وهبي: صحّ، 2012 ربما. سُعِدنا في التعرّف على هذه التجربة، ولفت نظري عطفاً على سؤالها وما تفضّلتِ به حضرتكِ في البداية في "علامة فارِقة" عن علاقتكِ ببناتك. يعني علاقة جميلة جداً، فهم جميل جداً للعلاقة مع الأبناء عموماً. تفضّلي بماذا تُجيبين رداً على سؤالها؟

سوسن مُعالِج: أنا بناتي أُربّيهنّ على الحريّة كما قلت لك، يعني

زاهي وهبي: يخترن الذي يردنه

سوسن مُعالِج: يخترن الذي يحبّونه نعم. أكيد إذا أردت أن أتحدث من تجربتي الخاصة، مذهبيون لا، المذهبيون لا يختارون طريق الفن

زاهي وهبي: إلى هذا الحد متعبة كانت تجربتك

سوسن مُعالِج: متعِبة في الميدان الفنّي خاصةً في بلاد ليس فيها سوق للفنّ كما (تونس)، تشق طريقك بالنسبة للمرأة أيضاً بطريقة أصعب، أعرف أنّها أصعب مقارنةً

زاهي وهبي: لماذا أصعب؟ يعني مثلاً يُطلَب منها تقديم تنازلات أكثر، تُقفَل في وجهها أبواب أكثر، ماذا؟

سوسن مُعالِج: ثمّة استسهال

زاهي وهبي: استسهال، التركيز على شكلها ربما

سوسن مُعالِج: ثمة تركيز على الشكل، يعني مُحاولة

زاهي وهبي: حصرها في هذا الإطار

سوسن مُعالِج: كأنها بضاعة يعني

زاهي وهبي: تسليعها

سوسن مُعالِج: في الشكل يعني أنتِ جسد، تسلية voila سلعة يعني وهناك أيضاً نظرتنا نحن في المُجتمعات الشرقية للمرأة الفنانة، يعني حتّى لو كان الفن في الثقافة عندنا رواسب متراكمة منذ قرون لم نتخلّص منها بعد كما قلت لك. شوف، نحن مشكلتنا في العالم العربي هي التكوين الأكاديمي للمهن الفنيّة بصفة عامة، وبعد ذلك السوق. نحن في (تونس) المُشكلة عندنا مُشكلة في التكوين الأكاديمي وعندنا مشكلة السوق أيضاً. يعني، إذا أمكنني أن أختار أكون فرحة ولا أكذِب عليك ولكن في الوقت نفسه لا أمنح. ربما المسألة الإيجابية في الموضوع أنني أحاول أن أوفِّر لها ما لم أجده، مثلاً التشجيع، أحاول ربما أن أرسلها للخارج كي تتعلّم في مجتمعات تحترم مهنة الفن لأن في تجاوز عقبة أنها امرأة فنانة في مُجتمعاتنا العربية تصطدِم في حائط "أنتِ فنانة إذاً" في المُجتمع العربي، نرفض وضعية الفنان

زاهي وهبي: النظرة أيضاً المتخلّفة

سوسن مُعالِج: وحتّى على المستوى الاجتماعي كيف يكبر الفنان. نحن فنّانونا حين يكبرون يتعبون ويمرضون ولا يجدون في الآخر سنداً، لا يجدون سنداً

زاهي وهبي: صحيح. زيارة حضرتكِ هي الأولى إلى (لبنان)، إلى (بيروت)، كما قلنا. جئتِ حضرتكِ وشاركتِ في فعاليّة "من (قرطاج) إلى (صور) " التي نظّمها الصديق والإعلامي التونسي المعروف الأُستاذ "عماد دبّور" أو الدكتور "عماد دبّور". سؤالي هو انطباعكِ، يعني بماذا ستعودين من (لبنان) إلى (تونس)؟ أيّة انطباعات؟ أيّة زوّادة وجدانية ربما، فكريّة لا أدري ما هي؟

سوسن مُعالِج: الذي أرجع به ربما الأهم من جانب كوننا نجمات ونجوم والكلّ مجموعين معاً ونتعرّف على بعضنا البعض، هناك الحبّ والتشابه في الروح

زاهي وهبي: صحيح

سوسن مُعالِج: الروح اللبنانية والروح التونسية. هذه أوّل زيارة لي حقيقةً لـ (بيروت) وهذه أكثر مسألة فرِحة بها، وكأنني اكتشفت (تونس) أُخرى في قارّة أُخرى في جهة أُخرى، وهذا ربما الجميل في هذه التظاهرة "من (قرطاج) إلى (صور)"، هذا ربما الذي أفرحني. لم أكن أتوقّع ذلك لأنني لم أزُر (بيروت) قبلاً ولم أر الشعب اللبناني ولم أختلط معه

زاهي وهبي: على كلّ حال نحن سعداء أنها كانت فرصة لهذه الإطلالة في "بيت القصيد". نُحمِّلكِ كلّ الحب لـ (تونس) وأهل (تونس) وخصوصاً لـ "زينب" و"غالية"، نمسّيهما بالخير وأنا أقول لهما "مرحباً" إذا كانتا تشاهدان اللقاء، وأشكركِ على تشريفكِ وأشكر فريق العمل، المُخرِج "علي حيدر"، المنتِجة "غادة صالِح"، وأترُك مسك الختام لحضرتكِ غناءً، لربما شيء تونسي نُحيّي به (تونس)، ما رأيكِ؟ 

سوسن مُعالِج: أوكي (تغنّي)