أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

سوريا تنتصر - الجزء الثالث

الحلقة الثالثة: انتهاك الآثار خلال الحرب... سوريا في العصر الكلاسيكي، وماذا حل بالمدن الميتة؟؟

 

غسان الشامي: مساء الخير، كيف يمكن حماية التراث، حماية الآثار خلال الحروب؟ كيف يمكن حماية التراث الإنساني وبخاصة في بلاد تعاطت مع الآثار على أنها "أنتيكا" أو سوق للربح. طبعاً إنها مهمة صعبة ومؤلمة للذين يحبون بلادهم، تنكّبها سوريون خلال الحرب على سوريا ومنهم الدكتور مأمون عبد الكريم الذي حصر وناقش ودافع عن إرث السوريين في محافل دولية خلال إدارته للآثار والمتاحف في بلاده. الدكتور مأمون عبد الكريم أستاذ في جامعة دمشق، رئيس قسم الآثار سابقاً فيها، مدير عام سابق للآثار والمتاحف، يحمل شهادة دكتوراه في الآثار والتاريخ القديم من جامعة فرساي، له عدة كتب والكثير من الأبحاث، شارك وترأس الجانب السوري في عدة بعثات للتنقيب. حول حماية الآثار خلال الحرب وعبر تجربة الدكتور عبد الكريم سنحاوره، سنحاوره أيضاً في كتبه وأبحاثه ومشاركاته ومعايناته للآثار السورية. قبل الحوار تقرير عن حمص، لماذا؟ لأن أطروحة الدكتوراه للدكتور مأمون عبد الكريم هي عن هذه المدينة التي أحب وفي أبوابها نال شهادة الدكتوراه ثم نتابع الحوار.

تقرير:

يُنسب إلى الشاعر اللاتيني جوفيال قوله الساخط إن نهر العاصي السوري أخذ يصب مياهه منذ وقت طويل في نهر التيبر حاملاً معه لغته وعاداته في توصيف لما حملته مدينة حمص إلى روما خلال حكم الأسرة الحمصية.

بُنيت حمص أو إميسا سابقاً عام 2300 وكانت أحياناً عاصمة سوريا الثانية ومعنى إسمها بالآرامية يتصل بالشمس، وبقيت آرامية بالكامل حتى دخلها تغلات فلاسر الآشوري عام 740 قبل الميلاد وقضى على ملكها رصين ومعناه بالآرامية ثابت.

لمع نجم حمص وإله الشمس خلال العصر الروماني ورمزه الحجر الأسود المخروطي الذي يُروى أن سيبتيموس سيفيروس زوج الحمصية الآرامية الجميلة وابنة كاهن المعبد شمسي غرام نقله إلى روما وبات امبراطوراً، ومن هذه السلالة كاراكلا وإيلوغابال أي إله الجبل.

دخلتها المسيحية باكراً وفيها كنيسة على إسم العذراء عندما كانت على قيد الحياة تعود لعام 59 للميلاد تضمّ العذراء. دخلها العرب بقيادة أبي عبيدة بن الجراح وباتت مركزاً للجند.

ضمّت حمص مبانٍ دينية وزمنية كثيرة منها القلعة والجامع النوري الكبير الذي كان هيكلاً للشمس ثم بات كنيسة، وحوّل المسلمون نصفه إلى جامع وبقي النصف الآخر كنيسة حتى قام المتوكل العباسي بأخذ النصف الثاني وصلب الرؤساء المسيحيين بحسب الطبري، وفيها جامع خالد بن الوليد وضريحه وكنيسة مار اليان الحمصي الطبيب الشهيد، وقدّمت إلى سدّة البابوية البابا الحادي عشر أنقيطوس.

حلّ دمار كبير في حمص وفي المدينة القديمة جرّاء تمكّن الإرهاب منها لكنها نزعت عنها أوحالهم وقامت إلى حياتها من جديد.

غسان الشامي: أهلأً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور مأمون عبد الكريم ضيفاً عزيزاً سيّدي هنا في هذا المتحف الذي أعيد افتتاحه، في فريسكات دورا أوروبوس التي أمامنا وهي من المدن العظيمة في سوريا، لنبدأ بكيفية المحافظة على الآثار خلال الحروب دكتور عبد الكريم.

مأمون عبد الكريم: أولاً أهلاً وسهلاً بكم وببرنامجكم أجراس المشرق وبتلفزيون الميادين حيث لها مكانة خاصة في قلوبنا جميعاً وكانت لها تغطيات رائعة خلال الأزمة السورية.

غسان الشامي: شكراً سيّدي.

مأمون عبد الكريم: لكم جزيل الشكر، نعم نحن نتحدّث عن حرب بكل مقايسس الكلمة من مأساة، خراب، دمار، دموع، تدمير البنى التحتية في هذا البلد، تدمير روح الشعب من خلال تراثه، هجوم على المواقع الأثرية، المخاطر كانت كبيرة بالفعل. نحن نتحدّث في صيف 2012، أتذكّر جيداً عندما تم الاقتراح عليّ بأن أصبح مديراً عاماً للآثار والمتاحف، أقولها لأول مرة بصراحة أنني رفضت لأن الوضع كان في رأيي شيء آخر، قلت آنذاك أنه يجب أن يبقى الوضع كما هو، كيف سنبدأ ومن أين سنبدأ أمام هذا الدمار على الأقل كي يستكمل الفريق الموجود المشوار. كان هناك رأي آخر بأنه يجب وضع خطة وطنية مختلفة والانطلاق بها، فعلاً كنا نعيش حال دمار والكل يتذكر ما حدث في آب 2012، دمار كبير في دمشق وفي مناطق سوريّة مختلفة. الكل يتذكر تفجير المقر الأمني بدمشق، الكل كان يراهن على سقوط المدينة وكل شيء كان مباحاً للحديث عنه ضمن الإطار السيّىء. رأيي العلمي كان بالقول لِمَ لا فلندخل، وأنا كنت مديراً لشؤون المتاحف سابقاً في المديرية العامة بين 2000 و2004، عشت تجربة بغداد 2003 حيث كنت مديراً لشؤون المتاحف وكان عليّ أن أطرح أطروحات مختلفة وكانت أولى طروحاتي أن نغلق المتاحف بسرعة بسبب الوضع السيّىء والمخاطر في المحافظات، وبالفعل وبجهود زملائي الأبطال قررنا وطالبت بإغلاق متحف دمشق الوطني والبعض استغرب لماذا المتحف الوطني، قلت تذكّروا إن لم نبدأ بمتحف دمشق فلن نغلق المتاحف الأخرى، عندما نقول أغلقنا متحف دمشق الوطني فلن يبقى هناك مبرّر لبقاء متحف آخر مفتوحاً. وبالفعل خلال أسابيع كان متحف دمشق الوطني كما ترونه مغلقاً وتم إخلاء جميع القاعات وأعيدت القطع، بدأنا بالمتاحف الأخرى، سياستنا كانت تعتمد على إغلاق كل باب موجود، إخفاء كل ما يمكن إخفاؤه، إذا لم نستطع تحريك الشيء فعلينا على الأقل تأمين حماية هندسية له من أكياس رمل وقواعد إسمنتية إلى ما هنالك من القواعد المعمول بها عالمياً. نحن اليوم نشعر بالفخر مع افتتاح جناح من أجنحة المتحف، كيف استطعنا إخفاء أكثر من 300 ألف قطعة أثرية هامة، هناك مئات الآلاف من القطع الأخرى التي قد تكون مهمة في المستودعات للدراسات العلمية ولكن أتحدّث هنا عن القطع التي كان من الممكن أن تذهب إلى الأسواق السوداء وتتعرّض للدمار بسبب الحرب وبسبب قذائف الهاون والحرائق كما حدث في متحف ريو دي جانيرو في البرازيل منذ أسابيع، وكنا نخاف أن يحدث مثلما حدث في بغداد عام 2003 عندما نُهب المتحف خلال ساعات، كنا نخاف من تكرار تجربة بيروت عندما بقيت القطع لسنوات طويلة.  

غسان الشامي: إذاً دكتور مأمون أنتم اتخذتم الحماية بالإغلاق والإخفاء.

مأمون عبد الكريم: في المرحلة الأولى كان الإغلاق من أجل تحاشي الوقوع في هذه المخاطر لكن في ما بعد عندما واجهنا مواجهات أخرى عند ظهور داعش في المنطقة وما فعلوه في متحف الموصل اضطررنا أن نذهب إلى استراتيجية أخرى هي استراتيجية نقل القطع، لم يبق أمامنا أي أمل سوى أن ننقل أكبر قدر ممكن من القطع من جميع المحافظات السورية نحو دمشق باعتبارها أمّ سوريا وعاصمة سوريا وأكثر أماناً وحصناً حصيناً دائماً إن شاء الله. بدأنا بنقل القطع عبر وسائل مختلفة، عندما شاهدت الصوَر في حزيران 2014 لما حصل في الموصل بالعراق من جرائم قمنا بإجراءاتنا فوراً وتكلمنا مع شخص عزيز وقوي علمياً هو رئيس الدائرة الأستاذ يعرب عبد الله وطالبنا بإجراءات حماية لعملية نقل القطع بوسائل جوية، نحن نتحدّث هنا عن 30 ألف قطعة أثرية. وزارة الدفاع مشكورة قدّمت المؤازرة وأمّنت لنا طائرات اليوشن التي استطعنا من خلالها نقل أكثر من 30 ألف قطعة أثرية من دير الزور منها حوالى 16 ألف رقيم.

غسان الشامي: تتحدّث عن رقيمات ماري؟

مأمون عبد الكريم: أتحدّث عن تاريخ البحث الأثري في الجزيرة السورية لمئة عام.

غسان الشامي: يعني منذ اكتشاف ماري.

مأمون عبد الكريم: ماري ودورا أوروبوس، شيخ حماة، موزان، تل ليلان، كل ما له علاقة ببلاد الرافدين السورية كما نقول في الجزيرة السورية أو بلاد الرافدين الشمالية السورية. كل الأبحاث الأثرية التي تمت من قبل مئات العلماء وعشرات البعثات منذ بدايات القرن الماضي تم إنقاذ كل هذه النتائج وإيصالها إلى أماكن آمنة في دمشق. أنقذنا على الأقل روح الجزيرة السورية، إذا حدث ما حدث في دير الزور وفقدنا مدينة دير الزور كما حدث سابقاً في الرقة، على الأقل في الرقة كانت هناك مجموعة صغيرة من الفخاريات ولكننا لا نستطيع أن نقارن بين موجودات متحف الرقة ومتحف دير الزور لأنها ستكون كارثة ليس على سوريا فقط بل على الإنسانية جمعاء وبالفعل نجحنا.

غسان الشامي: ولكن هناك عشرات آلاف القطع التي سُرقت من متحف الرقة.

مأمون عبد الكريم: 5800 قطعة أثرية سُرقت من متحف الرقة عندما تمت السيطرة عليه من قِبَل أحرار الشام عندما هاجموا البنك وسرقوا 527 قطعة أثرية منه وفي ما بعد داعش. القطع الموجودة في الرقة وهي 5800 قطعة يغلب عليها طابع الفخاريات وعناصر مختلفة وهي متكرّرة جداً في عموم سوريا وهي قطع أثرية في نهاية المطاف، لكننا في دير الزور نتحدّث عن أكثر من 30 ألف قطعة أثرية ضمن رقيمات استثنائية في التاريخ السوري، قطع لا تُقدّر بثمن ومرغوب بها في الأسواق العالمية، وهكذا انتقلنا إلى سياسات النقل رويداً رويداً، القنيطرة، درعا، حماة، حمص، ولاحقاً عندما حدث ما حدث في إدلب بقيت آثارنا تحت الأرض والمسؤولية اليوم تقع على عاتق المجموعات التي سيطرت على المدينة. في يوم سقوط تدمر كنا قادرين على إنقاذ الجزء الأهم والأجمل من متحفها إلى دمشق وبعد التحرير الأول قرّرنا نقل كل شيء إلى دمشق.

غسان الشامي: ولكن لم تستطعوا نقل كل شيء من تدمر.    

مأمون عبد الكريم: في المرحلة الأولى، في مرحلة التحرير أرسلنا حوالى 50 شخصاً مع البولونيين ومع فريق فرنسي من التوثيق بقوا حوالى 70 يوماً وأخلينا المتحف نهائياً. عندما سقطت تدمر مرة أخرى لم تجد داعش شيئاً داخل أروقة المتحف وكان نصراً كبيراً، وحتى أنني أتذكر على سبيل الدعابة أن صحفيين ألمان سألوني لماذا لم أستشر المرمّم البولوني في نقل تمثال أسد اللات العظيم لأنه لم يكن في ذلك الوقت موجوداً في سوريا بل كان في بولونيا، وقالوا على الأقل كان يجب أن يكون المرمّم موجوداً فقلت لهم لا تنزعجوا من كلامي أنا المدير العام وأنا من يقرّر النقل عندما تتاح لي الفرصة فوراً ولا أنتظر المرمّم، المرمّم هو من يرمّم التمثال. في كانون الأول 2017 بعد التحرير بعشرة أشهر وسقوط المدينة شكرني المرمّم البولوني وقال "أشكرك جزيل الشكر دكتور بأنك لم تستمع إلى كلامي". في كل مرة كانت تتوافر لدينا فرصة معينة كنا لا نتوانى في عمليات النقل إلى ما وصلنا إليه اليوم.

غسان الشامي: تُحمى الآثار إذا كان هناك عدوان خارجي، نحن نعرف أن الغزاة دائماً يأخذون الغالي والثمين ولكن في الحال السورية هناك سوريون كثر متورّطون في هذا الأمر، معنى ذلك أن الثقافة الآثارية أو الانتماء الوطني لدى هؤلاء غير موجود، هل هذا صحيح؟ كي لا نضع الحق فقط على داعش والغرباء وإلى ما هنالك ولكن هناك جزء من شعبنا قام بهذه المهمة.

مأمون عبد الكريم: كي نكون صريحين وواضحين وبعيدين عن الطروحات السياسية، قلت وكرّرت طيلة فترة عملي خمسة أعوام كمدير عام من 2012 حتى 2017 أنه يجب الفصل بين السياسة والثقافة. 

غسان الشامي: أنت طالبت كل الجهات وهناك من لامك على مطالبتك كل الجهات المتصارعة بالحفاظ على الآثار.

مأمون عبد الكريم: في نهاية المطاف طالما نحن مقتنعون بأننا سوريون، طالما أننا نؤمن بوطن واحد وبثقافة واحدة وبتاريخ واحد فعلينا على الأقل أن نتفق على هذا الموضوع. قلت مراراً أننا قد نختلف على ميراث الأب لكن لا نختلف على شرفه، يجب علينا أن نتفق على الدفاع عن شرف آبائنا، بالتالي موضوع التراث يجب أن يكون خارج نطاق أيّ اختلاف. بالعودة إلى سؤالك أنا أوافق مئة بالمئة بتورّط سوريين لم يكن يعنيهم إلا المال، مافيات موجودة في كل مكان، لصوص موجودون في كل مكان. هناك الكثير من المجموعات المسلحة التي تورّطت، على الأقل كان الناس يرون نهب المواقع ولا يتحرّكون في درعا أو دير الزور ومناطق أخرى قبل داعش أتحدّث. إذاً هناك إشكالية حقيقية في العقلية، منذ البداية أتذكّر في 2012 بعد إغلاق المتاحف وبشكل متوازٍ أطلقنا حملة وطنية "سوريا بلدي" في كل المحافظات السورية، قلت علينا يجب أن نذكّر كل أبناء الشعب السوري بأهمية إنقاذ التراث في الحرب، كنا سبّاقين في إطلاع الشعب السوري على الموضوع لكن كما يقال بالعامية "الحرامي حرامي"، مهما تحدّثت معه ورتّلت عليه آيات القرآن والإنجيل سيبقى لصاً ونصّاباً. للأسف هناك من استغلّ جهل الناس وفقرهم في بعض المناطق وأحياناً استخدموا القوّة وشاركوا في عمليات نهب في المواقع الأثرية.

غسان الشامي: ما دور المنظمات الدولية في حماية الآثار دكتور عبد الكريم؟   

مأمون عبد الكريم: عندما نتحدّث ونقول أن التراث الثقافي السوري هو تراث إنساني فإذاً هناك مسؤولية جمعاء، مسؤولية عالمية للمشاركة في حماية التراث الثقافي السوري على اعتبار أنه جزء عزيز من التراث الإنساني. للأسف وبكل حزن أتذكّر عام 2012 كنا وحيدين ولوحدنا أنقذنا وأصرينا على البقاء في سوريا وقلنا إذا أنقذنا تراثنا فالعالم كله سيحترمنا، فعلاً حدث ما حدث مثلما توقّعت، عندما بدأنا بعمليات الإنقاذ بدأت المنظمات الدولية التي لها دور مفصلي في تقديم المؤازرة والحماية والمساعدة لنا. 

غسان الشامي: أودّ هنا أن أسألك عن اليونسكو، أنت التقيت بهم عدّة مرات وفي سوريا مواقع كثيرة على لائحة التراث الإنساني التي وضعتها اليونسكو، ماذا قدّمت لكم؟ 

مأمون عبد الكريم: اليونسكو قامت بجهد مشكور، جهد عظيم، اليونسكو تحرّكت سريعاً كمنظمة معنا واعترفت بجهودنا وقدّمت المؤازرة وأقامت المؤتمرات والدورات وقامت بدور الوساطة مع بعض البعثات الأجنبية الأثرية والمعاهد العالمية في إيصال مواد التغليف والتوثيق. أنا أشكر اليونسكو على كل ما قدّمته من أدوار خلال المرحلة السابقة خاصة خلال حقبة السيّدة إيرينا بوكوفا التي كان لها دور مفصلي في العملية، وكانوا على تواصل معنا، زارونا وزرناهم وهذا الأمر ولّد جواً إيجابياً لدى المنظمات الأخرى، منظمة الأوابد العالمية إيكوموس ومنظمة ترميم وحفظ التراث إيكروم في إيطاليا ومنظمة إنتربول لمكافحة تهريب الآثار والجمارك الدولية، المعاهد والعلماء، حصلت نهضة عندما سمعوا بأننا أخلينا المتاحف وأنقذنا الآثار واستتبع ذلك تحرّك دولي إيجابي معنا.

غسان الشامي: سنذهب إلى فاصل ثم نعود إلى إنتاجك المعرفي بعد الفاصل، أعزائي انتظرونا في حوارنا مع الدكتور مأمون عبد الكريم بعد الفاصل.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم، في الجزء الثاني من هذا الحوار نقدّم تقريراً عما حصل في بعض المدن الميتة ثم نتابع الحوار مع الدكتور مأمون عبد الكريم.

تقرير:

تقع المدن الميتة بين ثلاث محافظات سوريّة هي إدلب بكاملها وبعضٌ من حلب وحماة بطول 150 كيلومتراً وعرض 70 كيلومتراً، وهي أكثر من 700 قرية أثرية تعود في معظمها إلى الفترتين الرومانية والبيزنطية بعمائرها وكنائسها ومعاصرها وأديرتها وأبنيتها في جبال سمعان وحلقة وباريشا والأعلى والوسطاني والدويلة والزاوية.

كانت تحتفظ  بعمائرها رغم الحروب والزلازل والتخريب قبل أن تقع بيد الإرهاب الذي ينتهك العمارة أو يفجّرها فيما يعيث لصوص الآثار الترك والغربيون انتهاكاً وحفراً جائراً.

بلدة سرجيلا نموذج بهيّ عن هذه المدن في جبل الزاوية قرب إدلب حيث تحتل المنازل الجزء الأهم منها، يعود أقدمها إلى غروب القرن الثاني الميلادي ويظهر فيها النموذج الكورنثي والأيوني والأقواس والسقف القرميدي، وتنتشر فيها معاصر الزيت وفيها كنيستان بازيليكيتا الطراز وحمام عام شهير وكان أهلها مسيحيين يتكلمون السريانية ويعرفون اليونانية.

أما بلدة البارة في قلب جبل الزاوية  فتضم آثاراً من القرن الثاني الميلادي، بُنيت على النموذج الهيليني الروماني وتنتشر فيها الأبنية والفيلات والمعاصر وتضم خمس كنائس مع احتمال وجود ثلاث أخريات، إضافة إلى دير ودير سوباط ومدافن هرمية وكانت تصدّر الخمر إلى القسطنطينية وروما.

لا يزال الهمج ينتهكون سرجيلا والبارة، يكسّرون الحجارة فيها ويبيعون الآثار ويفجّرن ما يخالف سواد عقولهم ويحوّلون الأبنية إلى حظائر ويتدرّبون بالسلاح على المنجزات الحضارية.

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، ما دمنا في المدن الميتة أنت تعرفها خطوة خطوة، ما هي نتائج أعمالكم في تلك المدن، في شمال سوريا، في الكتلة الكلسية، في جبل باريشا، في الجبل الوسطاني، في غرب حلب؟

مأمون عبد الكريم: المدن الميتة كما يقال عامياً أو المدن المنسية أو كما أدرجناها عام 2011 على لائحة التراث العالمي عندما كنت مسؤولاً علمياً للإدراج في اختيار المواقع، طلبت من اليونسكو آنذاك أن نسميها تسمية نهائية هي القرى الأثرية في شمال سوريا، هذا هو المصطلح العالمي المؤكّد ولكن حتى الآن نستخدم تسمية المدن الميتة لأنها تسمية محبّبة.  

غسان الشامي: هذا التعبير الذي استخدمه إلى حد ما جورج شالينكو.

مأمون عبد الكريم: جورج شالينكو اقترح تسمية القرى الأثرية وقبله جوزيف ماتيرن اقترح تسمية المدن الميتة. في مؤتمر إدلب عام 1990 اقترحوا تسمية المدن المنسية وأصبحت كلها تسميات جميلة.

غسان الشامي: إذا كانت منسية فهناك عتب.

مأمون عبد الكريم: نعم وأصبحنا نستخدم هذه التسمية، أتذكّر أستاذي جورج تات أحد عمالقة القرن العشرين في إدارة هذه البعثة، أستاذي الذي أشرف على رسالتي في الدكتوراه حول مدينة حمص في جامعة فرساي. عندما أنهيت التحقت بجورج تات كمدير الجانب السوري في البعثة الأثرية، وبعد وفاته رحمه الله كان شريكي جيرار شاربنتييه من الجانب الفرنسي من جامعة ليون، عملنا لسنوات طويلة أكثر من 25 عاماً، كنت أعمل بصفة شخصية وقبلي كان أكثر من 80 عاماً من البحوث الرائعة على يد عمالقة أمثال بوتلر الذي زارها من جامعة برينستون، وأحد الأعمدة الرئيسية وسيبقى هذا الرجل دائماً المرجعية التاريخية جورج شالينكو الذي أمضى حياته في هذه المنطقة ونشر كتباً رائعة حول هذا الموضوع. المحطة الثالثة من أسماء الأعمدة هو جورج تات الذي غيّر بعض المفاهيم واعتبرها أريافاً شمال سوريا، من خلال البعد الاقتصادي والاجتماعي درس هذه المنطقة وليس فقط العمارة من مفهوم معماري. طبعاً هناك جان بيير سوديني وغيره من كبار الشخصيات وعشرات العلماء عملوا في هذه المنطقة، ونحن في البعثة الأثرية المشتركة عملنا في ثلاثة مواقع: سرجيلا منذ 1989 وانتهينا عام 2006، عام 2006 بدأنا في موقع البارة كموقع أثري، أنا من خلال جامعة دمشق والمديرية العامة للآثار والمتاحف والبعثة الفرنسية، وفي العام 2009 افتتحت بعثة جديدة في موقع رويحة الكبير والجميل. بغض النظر عن التنقيب اهتميت بقضية جوهرية في هذه المنطقة هي الحقول الزراعية وكيفية استغلال الأراضي وانعكاسات هذا الاستغلال الاقتصادي على التطوّر المعماري.

غسان الشامي: دكتور عبد الكريم هذه المواقع التي ذكرتها هي مواقع منتهكة، في البارة هناك انتهاك واضح وأيضاً سرجيلا والرويحة فيها انتهاكات وقرب كل القرى الصغيرة في هذه المناطق وسهل الدانا أيضاً انتُهك، كيف يمكننا تحويل قضية القرى الأثرية في شمال سوريا وهي ليست تراثاً سورياً فقط بل هي تراث إنساني إلى قضية عالمية سيّدي؟ 

مأمون عبد الكريم: من المفترض أن تكون قضية عالمية على اعتبار أنها مُدرَجة على لائحة التراث العالمي وهي حال استثنائية عالمياً، بمعنى أن تدمر قد تجد لها مثيلات في العالم بمواقع هامة واستراتيجية مثل بومباي والبتراء وإلى ما هنالك من المواقع الأثرية العالمية الموجودة. لا نظير للمدن الميتة أو القرى الأثرية في شمال سوريا في أية منطقة أخرى من العالم، إذاً هي قضية استثنائية تمسّ التراث العالمي. اليوم كيف سنحمي؟ قبل أن نذهب إلى الوضع العالمي علينا أن نبدأ بالوضع المحلي، يجب أن يكون هناك حرص من قبل أعضاء المجتمع المحلي الذين كان لهم دور إيجابي في مناطق عديدة وشاركوا في عمليات إنقاذ ودافعوا عن الكنائس الأثرية رغم أنهم مسلمون، دافعوا عن مواقعهم الأثرية في العديد من المواقع، الشرفاء من المجتمع المحلي كان لهم دور مفصلي. لحُسن الحظ اللصوص في هذه المنطقة مقتنعون بأنه لا كنوز في هذه المناطق.

غسان الشامي: لأن المنطقة تعرّضت للنهب. 

مأمون عبد الكريم: نعم تعرّضت للهجرة والفقر وإلى ما هنالك.

غسان الشامي: نتكلّم عن البارة حيث لم يبقَ فيها بارة واحدة من القرن الحادي عشر.

مأمون عبد الكريم: صحيح، بالتالي هم مقتنعون بأنه ليس هناك كنوز. المشكلة الكبرى المُستفحلة حالياً التي نعاني منها في هذه المنطقة هي قضية تكسير الحجارة الأثرية وتحويلها إلى حجارة صغيرة واستخدامها في أعمال البناء، هذه كارثة. يجب أن نبدأ من المجتمع المحلي الذي يُفترض أن يكون له دور مفصلي، في ظل غياب الحكومة يجب على الشعب أن يقوم بواجباته، ليس كل شيء ملقى على كتف الحكومة أو الجيش إلى ما هنالك، هناك شعب يجب أن يقوم بدوره الإنساني، النخب الثقافية والاجتماعية عليهم أن يقوموا بدورهم، علينا أن نقوم بضغط على تركيا التي لم تتعاون بأيّ شكل من الأشكال في قضية حماية الآثار في سوريا بل دمّرت وقصفت المواقع الأثرية في عين دارة على مرأى أعين العالم.

غسان الشامي: والآن هي دولة لصوصية تنقّب أيضاً.   

مأمون عبد الكريم: صحيح ولدينا معلومات بهذا الخصوص. يجب أن يكون هناك تعاون دولي للضغط على تركيا، على الأقل إذا كانت هناك عناصر معمارية تؤخذ من بعض المواقع الأثرية وتذهب إلى تركيا لا يمكن إخفاؤها، ستكون في وضح النهار وواضحة المعالم بأنها قادمة من سوريا. يجب الضغط على تركيا على الأقل بهذا الخصوص ويجب الضغط على كل الجهات العالمية، من يشتري الآثار المهرّبة فهو يدعم الإرهاب. لا تشتروا آثارنا في سوريا والعراق، من يشتري الآثار فهو يموّل الإرهاب، أنت تموّل الإرهاب فيجب أن تُدان، يجب أن يحصل ذلك على البُعدين الوطني الإقليمي والدولي.

غسان الشامي: إسمح لي أن أذهب إلى حمص المكان الأثير الذي انطلقت منه في أبحاثك الأكاديمية، ماذا عن حمص في العهدين الروماني والهلنستي؟ 

مأمون عبد الكريم: سؤال معقّد وهو سؤال الدكتوراه الخاصة بي.

غسان الشامي: الدكتوراه الخاصة بك يجب أن نختصرها بقليل من الوقت.

مأمون عبد الكريم: نختصرها بكلمتين أن كل المدن السورية نفهم كيف بُنيت من خلال النصوص التاريخية.

غسان الشامي: إلا حمص؟

مأمون عبد الكريم: نجهل بدايات تأسيس مدينة حمص من خلال النصوص والآثار وكل شيء، لذلك كان هناك خلاف بين العلماء هل إن حمص مدينة تأسّست مثل بقيّة المدن القديمة التي كانت موجودة على التل وجوار التل مثل دمشق وحلب وحماة. هل كانت حمص على شاكلة المدن التي تأسّست بعد اسكندر المقدوني أم هي مدينة تطوّرت في العصر الروماني؟ كبار العلماء العالميين منذ عشرينات القرن الماضي طرحوا بعض الفرضيات، أنا حاولت البحث عن حل فوجدت من خلال دراساتي المعتمدة على التقارير التي ظهرت لاحقاً في السبعينات والثمانينات ومن خلال قراءة النصوص والصوَر الفضائية وتطبيقاتها في مجال الآثار، اكتشفت أنه كانت هناك مستنقعات مياه كانت تعيق تطوّر المدينة في العصر الهلنستي. عندما بنينا بحيرة قطّينة وتم تجفيف المستنقعات على أرض حمص على محيط التل الأثري بدأت تتهيّأ الظروف لتطوير مدينة من عصر روماني وبعد ذلك أصبحت مدينة عالمية وخرج منها الأباطرة.

غسان الشامي: هي عاصمة سوريا الثانية أحياناً، كانت تنتقل العاصمة من أفاميا أحياناً إلى إميسا وحمص، ولكن هذه المدينة صدّرت أسرة عظيمة شمسي غرام وعبادة الشمس التي انتقلت إلى روما، هل هذه الفترة في مدينة حمص لها آثار أم أن كل هذه الفترة انتقلت إلى روما؟

مأمون عبد الكريم: في القرن الثاني عندما تزوّجت جوليا دومنا من الحاكم والقائد الروماني سيبتيموس سيفيروس الذي أصبح إمبراطوراً في ما بعد وأرسلوا الأباطرة، ونحن هنا نتحدّث من 193 حتى 235، وفي رسالة الدكتوراه أتحدّث عن القرن الأول قبل الميلاد. درسنا بتمعّن جميع النصوص اللاتينية واليونانية العائدة إلى تلك الفترة التي تثبت أن أسرة شمسي غرام وإبنه جمبليك كان لهما دور مفصلي في نهاية الدولة السلوقية، الملوك السلوقيون كانوا يعيّنون الأباطرة لكن مركز حكمهم كان في مدينة الرستن ولم تكن في حمص، وهم يسمّون إيميزنيان أي حمصيين ولكن كلمة المدينة غير موجودة. هذه الأمور دفعتني لإعادة دراسة هذه الفرضيات وطرح فرضيات جديدة وتعديل فرضية العالم المؤسّس للآثار الكلاسيكية في المشرق هنري سيريغ الذي قال إن تاريخ تدمر يُختصر بثلاث حُقب: فترة ظلماء في العصر الهلنستي، فترة الازدهار في العصر الروماني وفترة الظلام مرة أخرى في العصر البيزنطي مرتبطة بمدينة تدمر، تدمر وحمص لم تكونا موجودتين، تدمر كانت موجودة في العصر الروماني ومزدهرة وحمص مزدهرة، عادت تدمر إلى الانحطاط في العصر البيزنطي وحمص دخلت، فقلت أن هناك ظروفاً استثنائية أخرى مرتبطة بالظروف الطبيعية المتمثلة بوجود المستنقعات على أرض المدينة، هذه الفرضية الجديدة التي طرحتها والمختلفة عن كل الفرضيات السابقة.

غسان الشامي: إسمح لي أن أذهب وإياك إلى العصور الكلاسيكية وأنت بحثت في هذا الأمر وتحديداً أسألك عن ميزات العمارة السورية في العصور الكلاسيكية؟

مأمون عبد الكريم: هناك خلط دائماً لدى الباحثين عندما يقولون آثاراً رومانية وآثاراً بيزنطية، هي عمارة سوريّة، السوريون هم مَن بنوا تلك العمارة.

غسان الشامي: أنت تعتمد أيضاً على ما قاله هوارد كروسبي بتلر، هو قال في غروب القرن الرابع أنه كان هناك فن سوري وطني واضح.

مأمون عبد الكريم: هذا الفن السوري في القرن الرابع هو وليد فن سوري يعود إلى مئات السنين، ما كان موجوداً في ماري وإيبلا وأوغاريت وكل المواقع الأثرية وحتى وصلنا إلى هذه المرحلة ، هم سوريون لكن إسم العصر هو الذي كان يتغيّر، العصر الهلنستي كان نسبة إلى الحكم الموجود أو سيطرة الامبراطورية التي كانت تتغيّر عبر العصور لكن السوريين بقيوا، مثلاً عندما تذهب إلى المدن الميتة أو القرى الأثرية في شمال سوريا تجد أخطاءً إملائية في كتابة أسمائهم باللغة اليونانية، كانوا آراميين سريان.

غسان الشامي: وإلى جانب كل كتابة باليونانية هناك كتابات بالسريانية عمل عليها بنتس.

مأمون عبد الكريم: صحيح، جميع كتابات تدمر تدمرية. إذاً المعمار السوري هو الذي كان له دور في خلق معادلات جديدة، جمالية الفن السوري في العصور الكلاسيكية كيف كانت؟ استطاع أن يحتفظ بتراثه العريق الموروث القديم وأن يفهم المعادلات الجديدة. كان معمارياً منفتحاً على الثقافة العالمية، كان يستطيع أن يفهم المعادلات المعمارية الموجودة في الغرب. عندما تذهب إلى قصر إبن وردان مثلاً، طرح سيريل مانغو الكثير من الأفكار، قال هذا المعماري هو سوري، بنى هذا المبنى بمعادلات سورية لكنه كان يفهم ما يجري في إسطنبول في القسطنطينية آنذاك، إذاً المعماري السوري أبدع.

غسان الشامي: هذا يدفعنا إلى الكلام عن العمارة السورية خلال الفترة البيزنطية. 

مأمون عبد الكريم: نعم هو عمارة سوريّة بحتة، عُد إلى معبد بل الذي دمّره داعش تجد خلطاً غريباً عجيباً بين العمارة الكلاسيكية من خلال الواجهات وبعض الأعمدة وبعض أنواع الزخارف، وفي الوقت نفسه تجد كل العناصر السورية المشرقية المحلية موجودة. هناك عملية تزواج ما بين الفن السوري المحلي وفهم المعادلات الوافدة ولكن بقيت بقالبها السوري الأصيل.

غسان الشامي: إذا حاولنا أن نوضحها بالصورة، هناك عمود إيوني وعمود دوري بمعنى أن هذه الأعمدة هي طرز قادمة ولكن التيجان حيث هناك تاج كورنثي، كيف استخدم السوريون عقلهم الخاص في إعادة سريَنة هذه التيجان؟

مأمون عبد الكريم: أعطيك مثالاً واضحاً، إذهب إلى بيت من بيوت الرويحة أو الجرادة أو أيّ مكان تجد حوالى أكثر من 20 تاجاً وعموداً، كل عمود له شكل مختلف وإضافات مختلفة. إذاً كانت هناك معادلات وطرز ابتُدعت في اليونان القديمة بين القرن الرابع الخامس والسادس قبل الميلاد بين الدوري والإيوني والكورنثي. الطرز انتقلت إلى روما وعندما أتت إلى سوريا في بعض النقاط كانوا يحتفظون بنفس المقاييس لكننا خرجنا من الكلاسيكية الغربية ودخلنا في نوع من الأصالة السورية وأصبح المعمار السوري يبتدع معادلات جديدة من ناحية الطول والعرض وشكل العمود، مثلاً أنا اكتشفت تاج عمود استثنائياً في سرجيلا في البيت التاسع عام 1997، تاج غريب عجيب عبارة عن تاج كورنثي ولكن عليه أفاعٍ، وهذا الشي لم يكن موجوداً في أي مكان. عندما تذهب إلى قلعة سمعان تجد الروح من بعيد، تيجان كورنثية لكننا نسمّي تلك التيجان بالأوراق الملتفّة مع الريح، من أجمل التيجان التي ظهرت في العصور القديمة.

غسان الشامي: ورق الأكانتس أو الخرشوف بالعربية. 

مأمون عبد الكريم: نعم، ملتفّة مع الريح، إبداعات سوريّة جميلة جداً. إذاً كانت هناك حضارة عريقة موجودة وهنا أتحدّث عن سوريا بمفهومها الواسع أي فلسطين والأردن ولبنان وكل المنطقة، كانت هنالك معادلات مشتركة وثقافة وحضارة استمرت عبر العصور وحتى في العصور الإسلامية لم نكن جاهلين بالمعادلات المعمارية، بالعكس الحضارة كانت مستمرة والعمارة والفن كان لهما دور مفصلي في كل زمان ومكان.    

غسان الشامي: هناك أمر عملتَ عليه أيضاً هو عن الأسوار، أسوار المدن السورية، الأسوار سيّدي مفهوم حمائي عسكري، كتابك عنها ما بين العصر الهلنستي والفتح البيزنطي، هذه الأسوار هل هي تقليد أم هي نوع من الاختراع لحماية المدن التي كانت معرّضة للغزوات دائماً؟ 

مأمون عبد الكريم: مفهوم الأسوار في الشرق القديم كانت موجودة في المدن مثل ماري وإيبلا، مفهوم لم يكن إبداعياً في العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية لكن الحاجة هي التي كانت تفرض نفسها. في العصر الهلنستي كانت السياسات المعتمدة في أغلب المدن هي سياسات دفاعية بمعنى أن كل مدينة تحمي نفسها وكانت توضع لها أسوار متينة. أغلب المدن السورية الرئيسة كانت لها هذا المجال، عندما وصلنا إلى العصر الروماني ظهر مفهوم جديد وهو المفهوم الموجود حالياً، مفهوم الحدود، تقوية الحدود من خلال التحصينات ووضع الفرق العسكرية وبالتالي المدينة تتحرّر وترتاح. إذا حدث أي هجوم من الشرق باتجاه سوريا مثلاً فهناك فرق عسكرية ستدافع عن هذه الحدود المشتركة، حدود بدأت من أيام تراجان، كانت هجومية ضد الامبراطورية البارثية ولاحقاً الساسانية ودُعمت في عصر ديوقلسيان في القرن الثالث حيث أصبحت دفاعية. 

غسان الشامي: ديوقلسيان الذي أعاد تقسيم سوريا ومدّ الفيارومانا.

مأمون عبد الكريم: الكثير من المشاريع المهمة حوالى العام 285 في أواخر القرن الثالث الميلادي. تبدأ الحدود بشكل خط مائل من بصرى إلى أقصى القامشلي ومدينة دارة الموجودة بجوار نصيبين. تقوية المدن الموجودة على الحدود بأسوارها وما بين المدن كانت هناك محطات تدعيم. إذاً لم تعد بعض المدن تحتاج إلى مزيد من  التقوية في العصر الروماني، في العصر البيزنطي عدنا إلى مفهوم العصر الهلنستي، مرة أخرى زادت النكبات، زادت الهجمات من الدولة البارثية التي أصبحت ساسانية في ما بعد في العصر البيزنطي. إذاً بدأنا دعم الأسوار، تاريخ الأسوار هو تاريخ لا يمكن أن نعطيه صورة واحدة، هناك ثلاث صوَر، صورة في العصر الهلنستي في الثلاثة القرون الأولى قبل الميلاد، الثلاثة القرون الميلادية الأولى لها وضعها وثلاثة قرون ما قبل الإسلام أي في العصر البيزنطي لها تاريخ آخر بتقنياتها الجميلة، بأبراجها المختلفة تعطي صورة مرة أخرى عن القوة العقلانية للمعماريين في بناء الأسوار بسوريا.

غسان الشامي: سأختم معك بسؤال أنا معني به كثيراً كما أعرف أنك معني به، كيف يمكننا أن نجعل الآثار موضع حب لدى الناس، حب من منطلق هويّاتي وطني؟ وكيف يمكن أن نحوّل الآثار إلى تربية؟ 

مأمون عبد الكريم: في الحقيقة هذا أصعب سؤال، لا يمكن أن نجد حلاً إلا بالطفولة، قلتها دائماً وأكرّرها لا يمكن أن تطلب من رجل أن يحب الآثار مثل طفل تمّت تربيته على محبّة الآثار على غرار ما هو موجود في الغرب. للأسف في وطننا العربي بشكل عام وليس فقط في سوريا لا نهتم بهذه القضية على الطريقة الغربية، كيف يبدأون بزيارات الأطفال بطريقة صحيحة، إدخال أساتذة يدرّسون هذه المادة في المنهاج التعليمي. عندما يكون لديّ أستاذ رائع خرّيج آثار ويفهم الآثار وأنا طفل أذهب معه إلى معبد من المعابد ويشرح لي فهو يختلف عن أيّ أستاذ عادي يشرح لي عن هذا المعبد، سيخلق انطباعاً جميلاً. قلت مراراً وتكراراً يجب ألا ننتظر أن يصبح كل إنسان آثارياً أو عالماً للآثار، قد يكون وزيراً وقد يكون رئيس بلدية وقد يكون محافظاً، فلنترك في قلبه وأحاسيسه نوعاً من الجمالية والمحبة للتراث وللهوية من خلال التراث الموجود في بلدنا. هذا الشيء من خلال المشاريع المستقبلية سيجعل هذا الإنسان حساساً وصلباً في حماية التراث، وفي نفس الوقت لسنا ضد الاستفادة من التراث لأنني مقتنع أن البترول سينتهي، الغاز سينتهي، كل شي سينتهي وتبقى السياحة الثقافية عنواناً دائماً للاقتصاد ومحرّكاً اقتصادياً للأجيال. علينا أن نكون حساسين ما بين الاستخدام الاقتصادي وما بين حماية الهوية الثقافية التي تجمعنا وفخورين بهذه الهوية أمام العالم.

غسان الشامي: أشكرك سيّدي. أعزائي صحيح أن استعادة الآثار السورية المنهوبة تحتاج إلى زمن طويل، هل توافقني على ذلك؟  

مأمون عبد الكريم: نعم.

غسان الشامي: لكن حمايتها يجب أن تظل هاجساً مياوماً، فاللصوص كثيرون وتجّار الآثار يعسكرون على التخوم في الدول المجاورة لالتقاط أية قطعة أثرية. أشكر الدكتور مأمون عبد الكريم على حضوره في أجراس المشرق، أشكر زملائي الذين قرعوا معي أجراس التاريخ من دمشق: جهاد نخلة، هشام الهاشم، جمال حيدر، أحمد دغيم، شكراً لمتابعتكم، من متحف دمشق، من دمشق سلام عليكم وسلام لكم، شكراً سيّدي. 

مأمون عبد الكريم: شكراً.