حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

باسل قس نصر الله - مستشار مفتي سوريا

 

محمّد علوش: برغم كلّ محاولات تطييف الحرب في سوريا دينياً، ظلّت العلاقات الإسلامية المسيحية عصيّة على الاهتزاز. سبع سنواتٍ مضت على اندلاع تلك الحرب، ولم نشهد حادثة واحدة تهدّد بجدية طبيعة تلك العلاقات. أدرك السوريون، مسلمون ومسيحيون، أنّ الصراع لا ناقة للأديان فيه ولا جَمَل. هو صراعٌ سياسيّ يستهدف شكل الحكم ومكانة سوريا ودورها في الإقليم.

في حلقة اليوم، نتساءل عمّا حصّن الطوائف الدينية في سوريا خلال الحرب، نسأل عن دور المؤسّسات الدينية في حماية تلك العلاقات، وعن التهديدات التي تطاول المكوّنات الدينية للمجتمعات العربية، ولا سيما المسيحية منها، بعد ما حدث مع مسيحيي العراق وأزيدييه. نسأل عن دور مسيحيي الشرق في بناء الأوطان ورؤيتهم للعالم العربي.

للنقاش معنا ضيف حوار الساعة باسل قس نصر الله مستشار مفتي سوريا. فأهلاً ومرحباً بكم.

 

(فاصل)

 

محمّد علوش: حيّاكم الله، وأهلاً بكم مشاهدينا، ونرحّب بضيفنا. أهلاً وسهلاً بك أستاذ باسل.

قبل أيام، كان لديكم مؤتمر في فرنسا بدعوة من وزارة الخارجية الفرنسية، أو بالتعاون معها، حول الأخطار التي تهدّد المسيحيين في الشرق.

بداية، لماذا هذه الدعوة من الجانب الفرنسي؟ هل لها دلالة سياسية؟

 

باسل قس نصر الله: أولاً هي ليست دعوة تماماً صافية من الجانب الفرنسي. هناك التنسيقية الفرنسية لمسيحيي الشرق الذين في خطر. هم يكتبونها التنسيقية الفرنسية لمسيحيي الشرق، في الكتابة الفرنسية en danger، بخطر، بالتعاون مع بلدية إيل دو فرانس، بالتعاون مع وزارة الخارجية الفرنسية التي أرسلت كلّ المترجمين وسهّلت الكثير من الأمور بالنسبة للوفود. التنسيقية هي من السوريين واللبنانيين ومختلف البلدان ومن مختلف الطوائف، ليسوا مسيحيين فقط، لكن هناك قناعة لدى الجميع.

 

محمّد علوش: التنسيقية لأناس من أصول عربية تقصد؟

 

باسل قس نصر الله: كلهم أصول عربية.

 

محمّد علوش: ومشرقية.

 

باسل قس نصر الله: لا، أصول عربية.

 

محمّد علوش: عربية فقط.

 

باسل قس نصر الله: اهتمامهم اليوم أنّ البلاد العربية من دون مسيحيين، هناك خلل سيكون، خلل ديموغرافي.

 

محمّد علوش: لماذا تكون الدعوة في فرنسا ولا تكون في بلد عربي كون هؤلاء هم عرب؟

 

باسل قس نصر الله: لأنّ هذه التنسيقية وهؤلاء الأشخاص هم كلّهم مقيمون في فرنسا، لذلك جاءت من فرنسا، ولهم علاقات في فرنسا، وحضر معنا وزير الدولة لشؤون الخارجية الفرنسي، وجاء القاضي، لا أذكر إسمه، قاضي الإرهاب في المحاكم الفرنسية، وتحدّث مطوّلاً عن محاكمة داعش. لذلك جاءت في فرنسا، لكن ليست فرنسا بعيدة حسب ما، بعد المؤتمر اجتمعت مع شخصيات سياسية عالية المستوى، ليست بعيدة فرنسا عن تغيير موقفها، بقي علينا أن نرى ماء الوجه.

 

محمّد علوش: تقصد الموقف السياسي من الأحداث في سوريا؟

 

باسل قس نصر الله: طبعاً، هناك أشخاص على مستوى عالٍ، رؤساء أحزاب، شخصيات سياسية اعتبارية، مقتنعون تماماً أنه يجب أن يكون الفرنسيون على علاقة حسنة بسوريا، وتحدّث معي أحد رؤساء الأحزاب أنه كان من الخطأ إغلاق السفارة الفرنسية في سوريا، قد يكون العكس هو الصحيح، عندما يكونون في سوريا يمكن أن يكونوا ضاغطين أكثر، يمكن أن يكونوا وسطاء أكثر. الآن فرنسا أخذت دوراً فشلت فيه، وعندما كنّا في فرنسا، وفرنسا ساعدت كثيراً في الشمال السوري، تمّ إحراق العَلم الفرنسي، وهذا أمر ساعدني أكثر على.

 

محمّد علوش: الإضاءة على الدور الفرنسي في سوريا.

 

باسل قس نصر الله: إبداء رأيي الصريح أنّ الفرنسيين كانوا مخطئين في خلال علاقتهم مع سوريا، أنا رجل درست وأتكلّم الفرنسية، لذلك أحزن تماماً عندما أرى فرنسا، وهذا ما نقلته للجميع، أحزن تماماً عندما أرى فرنسا تنسحب من سوريا وتنسحب من المناطق العربية المحيطة.

 

محمّد علوش: تقصد كنفوذ ثقافي؟

 

باسل قس نصر الله: ثقافي وسياسي وكل شيء.

 

محمّد علوش: لأنها كانت موجودة عسكرياً. أكيد أنت لا تدعم حضورها العسكري.

 

باسل قس نصر الله: أنظر، لا شكّ نحن ضدّ الاستعمار الفرنسي، هذا أمر نحن ضدّه، لكن الثقافة الفرنسية، لا يجب أن ننكر أنّ الفرنسيين أعطونا ثقافة جيّدة، وساهموا أكثر، واليوم الكثير من الشعوب، السوريون، مع أنّ فرنسا حكمت 25 سنة، تعلّموا اللغة الفرنسية، بينما العثمانيون حكموا 400 سنة، ترى القليلين يتكلّمون اللغة التركية اليوم، وهذا أمر إيجابي كان لفرنسا. أنا كنت أعتقد وأنصح جازماً أن تعود فرنسا إلى لعب دورها، في موقف ورقة واضحة وصريحة.

 

محمّد علوش: هل هو عبر أساليب ناعمة، يمكن القول إنّ فرنسا تعود عن طريق هذه المؤتمرات، طالما أنّه حتى سابقاً في موضوع الاستعمار الفرنسي وغيره، كان مرتبطاً بحماية بين قوسين، مزدوجين، ما يسمّونه الأقليات المسيحية، وهي مكوّنات حقيقية في المجتمعات العربية وليست أقلّية؟

 

باسل قس نصر الله: جاء الفرنسيون بحجّة أنهم جاؤوا لحماية المسيحيين. لا ننكر تماماً أنّ الجنرال غورو عندما دخل إلى دمشق، قام شخصان، ليسا مسيحيين، قام شخصان بإبدال أحصنة الجنرال غورو، وحملا مكان الأحصنة، حملا العربة وجرّاها. إذاً الخيانة ليست مرتبطة بطائفة أو شيء.

 

محمّد علوش: لا شكّ في الموضوع.

 

باسل قس نصر الله: المسيحيون وطنيون، وهم الذين حاربوا أكثر من غيرهم، حاربوا الفرنسيين، مع الفرنسيين في الموضوع الثقافي ولكنهم حاربوا، ولا يجب أن ننسى فارس الخوري. فارس الخوري حوكِم أيام فرنسا.

 

محمّد علوش: لا شكّ طبعاً، للمسيحيين دور كبير، حتى في البُعد الثقافي، حتى لهم دور وفضل في اللغة العربية، تعرف حضرتك المعاجم الحديثة أنشئت.

في هذا المؤتمر الذي حضرتم فيه، أبرز ما تمخّض عنه من توصيات، وكيف تنعكس أو كيف كان الحدث السوري حاضراً فيه؟

 

باسل قس نصر الله: هناك بيان وُزّع علينا قبل المؤتمر بفترة، واجتمعنا قبل المؤتمر بيوم وقرأناه، اختلفت أنا مع بعض الجهات الموفدة من خارج سوريا ولبنان، وقرّرت أن أنسحب.

 

محمّد علوش: من المؤتمر؟

 

باسل قس نصر الله: من المؤتمر لأنني لن أوقّع على الإعلان، وهناك شخصيات أيضاً اعتقدت أنّها لن توقّع ثم وقّعت وهلمّ جرّاً. احتججت على موضوع معيّن، وهو أنّهم قدّموا الشكر لشيخ الأزهر الإمام الأكبر.

 

محمّد علوش: أحمد الطيب.

 

باسل قس نصر الله: أحمد الطيب مع احترامي له.

 

محمّد علوش: كان موجوداً؟

 

باسل قس نصر الله: لا، كان موفداً عنه عميد كلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر، موفداً عن الجامعة وعن الإمام، مع احترامي وتقديري، لكنّ سوريا ولبنان، بلاد الشام، كانت سبّاقة، سبقت كثيراً هذا الموقف المتأخّر من مصر، أنه أراد أن يقرّر ويستبدل كلمة الأقليات بكلمة المواطنين، هناك الكثير من الشيوخ في سوريا ولبنان وهذه المنطقة، بلاد الشام، منذ سنوات طويلة، أنا حملت رسائل من سماحة مفتي سوريا الشيخ أحمد حسون في العام 2007، وجئت إلى هنا، وأرسلت وقدّمت رسائل، كان آنذاك البطريرك صفير، ثمّ منذ عامين أو ثلاثة، منذ عامين ربما قدّمت التهنئة أيضاً بالأعياد للبطاركة كلهم، وكلهم أجابوا بالشكر لسماحة المفتي. إذاً موضوع الإخاء وهذا الموضوع ليس متعلقاً فقط بالإمام الأكبر.

 

محمّد علوش: وليس جديداً.

 

باسل قس نصر الله: لذلك احتججت، إما أن يوضع شكر للجميع أو أن يُسحَب، ثمّ هناك رؤى معينة، أننا نريد ألا نخسر الأزهر، وهذه خطوة جيّدة جداً يجب ألا ننكرها، من موفد الأزهر عندما تكلّم عن داعش وقال، هم مجرمون، أي أصرّ، طبعاً كانت هناك خلافات لفظية، فوقّعنا على البيان وكان بياناً جميلاً جداً، ولديّ نسخة موجودة عنه.

 

محمّد علوش: أبرز ما تمخّض عنه البيان لجهة الهدف الذي أنشئ من أجله؟

 

باسل قس نصر الله: الهدف الأول دعم المسيحيين للبقاء في المنطقة.

 

محمّد علوش: كيف؟

 

باسل قس نصر الله: أولاً، احتجّوا على كلّ الأعمال التي قامت بها داعش والجماعات المتطرّفة بحق المسيحيين.

 

محمّد علوش: عِلماً أنّ الضرر لحق بالجميع.

 

باسل قس نصر الله: المسيحيون والمكوّنات الأخرى، حتى لا نقول، تكلّمنا طويلاً عن كلمة أقليات، وأصرّينا على كلمة مكوّنات ونسيج.

 

محمّد علوش: جميل.

 

باسل قس نصر الله: هذه أول نقطة، على الأقل نقطة جيّدة جداً، لذلك اعتبرنا أنّ البيان كان إيجابياً بالدعم الأدبي على الأقل، الدعم الأدبي، طبعاً لسنا نحن أصحاب قرار، ولكن نطالب وننقل ونتمنّى ونرجو من المرجعيات السياسية صاحبة القرار التنفيذي أن تتبنّى هذا الموضوع، وأظنّ أنّ الدولة الفرنسية تبنّت اليوم هذا الأمر.

 

محمد علوش: المؤتمر تحت أيّ عنوان عُقد؟

 

باسل قس نصر الله: هذا المؤتمر هو المسيحيون والمسلمون: دعم كامل للمسيحيين في الشرق.

 

محمّد علوش: المسيحيون والمسلمون: دعم كامل للمسيحيين في الشرق.

 

باسل قس نصر الله: ليس المسلمون فقط، المسيحيون هم نسيج في المجتمع السوري وفي المجتمع اللبناني وفي المجتمع المصري، لا يجب أن نقول أنّهم أقلّية أو أنهم.

 

محمّد علوش: واضح.

 

باسل قس نصر الله: للأسف الحرب السورية في الفترة الماضية أثّرت كثيراً على القرار المسيحي، وأصبح المسيحي يشعر.

 

محمّد علوش: كيف؟

 

باسل قس نصر الله: أصبح المسيحي يشعر أنه مُبعَد، أنه لا يريد، أنه غير مطروح، يجب أن نتذكّر قول مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك 2004 أنّ المسيحيين هم أصحاب جديرون بهذه الأرض، وأنهم أصبحوا مهمَّشين، أصبحوا يشعرون بأنهم مهمَّشون، وهذا ما أرادت تماماً أن تعكسه القيادات الإسلامية، بدءاً من سماحة مفتي سوريا الشيخ أحمد بدر الدين حسون، والشيخ الدكتور محمود عكام مفتي حلب والمشايخ الآخرين أصحاب الفكر الإسلامي الصحيح. أنا لا أؤمن بوجود إسلام متطرّف وإسلام معتدل، أؤمن بوجود إسلام، إما أن نفهمه أو لا نفهمه، الآيات الواضحة في الإسلام هي واضحة تماماً، وتقول "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". فإذاً من هذا المبدأ، سماحة المفتي العام، طبعاً هذا الكلام ليس جديداً، لا أتكلّم أنا بالكلمة، منذ 15 يوماً بالضبط تمّ تدشين كنيسة فُجّرت من قِبَل داعش، أخذوا منطقة أخرى، وبنوها، وسماحة المفتي العام قام تماماً بتهنئة وتقديم التهنئة للمسيحيين في مدينة حلب داخل الكنيسة، كنت أنا معه.

 

محمّد علوش: هل يُعتبَر هذا أمراً غريباً؟

 

باسل قس نصر الله: ليس غريباً، لكن لذلك لا أتكلّم من بعد، لا أتكلم بأمور نظرية، ما أتكلّم به اليوم، نتكلّم نحن به منذ 20 عاماً.

 

محمّد علوش: حضرتك مستشار طبعاً، حضرتك مسيحي المُعتقد والانتماء، وأنت مستشار لمفتي سوريا.

 

باسل قس نصر الله: وأنا الحال الشاذة ربما في العالم.

 

محمّد علوش: في العالم العربي.

 

باسل قس نصر الله: ليس في العالم العربي فقط، ربما في العالم كله، لا يوجد غيري.

 

محمّد علوش: ما الأسباب التي حملت المفتي على أن يجعل له مستشاراً من غير ديانته؟

 

باسل قس نصر الله: المفتي دائماً يقول، أنا مفتي سوريا ولست مفتياً للمسلمين، ثمّ أنا.

 

محمّد علوش: هناك مستشارون آخرون من غير ديانات؟

 

باسل قس نصر الله: كنت بدأت معه كمستشار لشؤون العلاقات الإسلامية المسيحية، ثمّ أصبحت الآن أكتب، أوقّع كمستشار مفتي سوريا. طبعاً لا يستشيرني بأمور إسلامية وهو أعلم بها، لكن هناك كثير من الأمور الإسلامية التي يحترم أيضاً رأيي بها.

 

محمّد علوش: الاستشارة تكون في العلاقات مع المسيحيين؟

 

باسل قس نصر الله: الأكثر في العلاقات مع المسيحيين، ولكن كثير من الأمور أنا توجّهت.

 

محمّد علوش: كيفية توجيه الخطاب إلى المسيحيين.

 

باسل قس نصر الله: في كثير من الأمور، وجّهت أيضاً الأقسام السياسية، بالإسلام.

 

محمّد علوش: طبعاً لدينا تقرير نريد أخذه، لكن يهمّني أن أعرف إلى أي حد تعتبر هذه التجربة ناجحة، يمكن أن تُعمَّم كنموذج في العالم العربي.

 

باسل قس نصر الله: النجاح هو، بما أنّني أنا أحضر هكذا، أحضر أيضاً أعياد مولد نبوي، وترى المشايخ يحيطون بي، إذاً أنا لست حالة في المجتمع السوري، حالة غريبة، أنا مقبول من الشارع السوري، من المسلمين قبل المسيحيين، فهذا يعني أنّ.

 

محمّد علوش: لا، نحن نسأل، أن يكون لمفتٍ وهو صفة رسمية دينية، مستشار من غير ديانته، إلى أيّ حدّ تعتبَر بعد خبرة من حضرتك، تُعتبَر تجربة ناجحة ويمكن أن تُعمَّم في العالم العربي؟

 

باسل قس نصر الله: الرسول عليه الصلاة والسلام عندما أراد الهجرة، بمَن استعان؟ استعان بشخصٍ نصرانيّ، مسيحيّ، أوصله إلى الغار، وعاد إلى مكّة، ارتاحوا يومين أو ثلاثة، ثم عاد ليأخذه.

 

محمّد علوش: غار في الطريق.

 

باسل قس نصر الله: كما قال سماحته لكثير من الناس، أنا لم أغدَر بباسل ولا طُعِنت من قبله، الحمد لله، هذا شيء مهمّ، لم أغدر ولم أطعن به، أنا مستشار المفتي، حتى لا يقولوا لي إنني مستشار استُخدِمت وقت الأزمة، أنا منذ عام 2006، أرسل لي كتاباً، وأنا غير موظف، لست موظفاً في وزارة الأوقاف، أعمل تطوّعاً مع سماحته لأنني مقتنع بفكر سماحته النيّر.

 

محمّد علوش: قبل التقرير أيضاً، تقييم حضرتك لدور المسيحيين، رغم أنّه كانت هناك محاولات لتطييف الأزمة في سوريا وجعلها وكأنّها حرب دينية، كيف كان أداء المسيحيين السوريين؟

 

باسل قس نصر الله: المسيحي السوري أول شيء يقول هو سوري قبل أن يكون مسيحياً.

 

محمّد علوش: تماماً.

 

باسل قس نصر الله: هذا قول مقطوع، مبتوت به، نحن سوريون قبل أن نكون مسيحيين. الأزمة وقعت علينا أجمعين، الأزمة، أزمة المياه والمازوت والتدفئة والكهرباء، وكل شيء، ونأسف أنّ هناك الكثير من الدول يتنادون على المسيحية ويتخوّفون عليها، وفي المقابل لا يفهمون أن المسيحي هو نسيج في المجتمع، خيط، في القماش، فعندما هذا الخيط يتخلخل، لا نستطيع أن نقول إننا سندعم هذا الخيط فقط، والمحيط لن ندعمه، هذا خطأ. اجتمعت مع منظمتين كبيرتين في فرنسا حول دعم مسيحيي الشرق، إضافة إلى المنظمة التي عقدت المؤتمر، وكان كلامي واضحاً، إذا أردتم أن تدعموا مسيحيي الشرق عليكم أن تدعموا المجتمع السوري، من غير المقبول أنّ جامعاتنا، أنا من مدينة حلب، جامعة حلب ومشافي حلب مُنعت عليها المياه وكذا وكذا، والعِلم، نحن اليوم العلِم حتى مُنِع عن طلبتنا، والطالب المسيحي يدخل إلى الجامعة مثله مثل غيره.

 

محمّد علوش: وتبقى الأزمة السياسية الضاغطة والمؤثّرة والتي يقول البعض إنها تريد إعادة هندسة الواقع السوري دينياً وأيضاً ثقافياً.

في الوطن السورية عنوان اللجنة الدستورية الخروج الصعب من كتابة مازن بلال. نشاهد معاً.

 

الوطن السورية: اللجنة الدستورية.. الخروج الصعب، مازن بلال

بحسب تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فإن اللجنة الدستورية اكتملت بعد الاتفاق على "الثلث" الخاص بالمجتمع المدني، في وقتٍ تحدّث فيه المبعوث الدولي لسوريا، ستيفان دي ميستورا، عن أنه سيبحث مع الدول الضامنة هذه اللجنة في مطلع الأسبوع، وتبدو هذه التطوّرات بدايةً جديدةً لاستئناف مسار سوتشي الذي رفضته الولايات المتحدة، وباتت ترى تصوّرات الحل من خلال الصراع مع روسيا بالدرجة الأولى، وتطويق إيران وعزلها بالكامل عن شرق شواطئ المتوسط، فاللجنة الدستورية على المستوى الدولي لا تمثل حلاً واضحاً، وتشبه مسار آستانة عموماً الذي فرض حلولاً على الأرض من دون أن يمثّل مخرجاً نهائياً للأزمة السورية.

بالنسبة إلى موسكو، فإن اكتمال اللجنة الدستورية يمثل تهيأة لبيئة خاصة بالحل السورية، وحتى لو كان جنيف في النهاية نقطة الالتقاء الدولي فإن روسيا ترى في تراكم الحلول السياسية جزءاً من تسهيل الحل السياسي عموماً.

ضمن هذا الاحتمال فإن الولايات المتحدة تتعامل مع شرقي الفرات كنقطة ارتكاز يمكن من خلالها فرض توازنها الخاص، ليس عبر الضغط على الحلّ السياسيّ بل أيضاً لدفع تركيا إلى أداء دور مختلف داخل التفاوض السياسي مع إيران وروسيا، ويبدو أن واشنطن تدير اللعبة مع أنقرة على نحوٍ مختلفٍ نظراً إلى حساسية الوضع التركي، فهي لا تسعى إلى قلب تحالفاتها مع موسكو بقدر التأثير في مواقفها لرسم التوازن بشكل يعرقل مهمّات موسكو الدولية لا الإقليمية، فالموقف التركي بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو "كبح" التحرّك الروسي دولياً عبر إبقاء نقاط التوتّر المشتعلة.

 

محمّد علوش: البعض يقول أستاذ باسل، أنّ في الحال السورية، هناك محاولة دولية، نحن نسأل، نفترض، إذا كان صحيحاً، هناك محاولة دولية كما حصل في العراق وسابقاً في لبنان، عندما تدخّل المجتمع الدولي لحلّ الأزمة داخلياً، كان هناك توجّه نحو تطييف الدستور، بمعنى وكأنه خلق كوتات محدّدة لكل طائفة محدّدة، تطييف المجتمع.

هل هذا موجود في الحالة

 السورية؟

 

باسل قس نصر الله: بشكل غير رسمي.

 

محمّد علوش: غير رسمي؟

 

باسل قس نصر الله: مثلاً، مع احترامي، إذا المسيحيون في أوقات الانتخابات رشّحوا أشخاصاً، إذا لم تكن الكتلة الأكبر التي هي كتلة حزب البعث العربي السوري، أنا لا أنتمي إلى أيّ حزب سياسي، إذا لم تختر هي، لا يستطيع أن يخرق أي مسيحي. عادة يأخذون ثلاثة أو أربعة نسبة وتناسباً في المجتمع السوري. نحاول دائماً أن تكون التغطية شاملة. هذا مقبول نوعاً ما، وإنما أنا أطمع أنّ المسلم ينتخبنا، ولا يجب أن ينتخبني البعثي أو الموجّه فلان أو فلان، أن ينتخبني المسلم. عندما قال لي أحد المشايخ إنّه يريد، هو الشيخ، رجل العِلم، يريد إلغاء مادة أن يكون رئيس الجمهورية مسلماً، فقلت له هل معقول، أنت مسلم، شيخ، أجابني، إذا أنا وصلني واحد، نعدّد المسيحيين في سوريا اليوم خمسة في المئة، أربعة في المئة، إذا وصل مسيحي انتخبه المسلمون يا أخي، وحصل على ستين في المئة، أتدلّل عليه إذا جاءني شخص مثل فارس الخوري ليحكمني، فكان كلامه صادقاً. أنا أتمنّى صادقاً أن ينتخبني المسلمون وليس فقط المسيحيون، من هذا المنطق أنا أتكلّم. البارحة مثلاً، اليوم أقرأ أخي مازن بلال رائع جداً، البارحة وقّعوا القانون 390 للدفاع عن الشرق، للدفاع عن مسيحية الشرق، واشنطن تتعامل كالتالي، قال لي البروفسور كامل أبو جابر، كان وزير خارجية الأردن سابقاً، الأسبق، وكان رئيس الوفد الأردني الفلسطيني  إلى مؤتمر مدريد، رجل كبير في العمر، وجّه له الله الخير، قال لي إنّ أميركا تلعب بعشر أوراق، كل واحد يعتقد أنّ الورقة الرابحة معه، ثمّ تخرج الورقة الرقم 11، اليوم الرئيس الأميركي، البارحة وقّع بياناً، ووقف خلفه المطارنة والكهنة وصفّقوا له، منذ أربعة أشهر، منذ أربعة أشهر بالضبط، جاء إلى سوريا رئيس أكبر رهبنة كاثوليكية في العالم وهي الرهبنة الساليزيانية، إذا لن أقول هي أكبر، هي من الكبريات، الرهبنة الساليزيانية، وهو خليفة دون بوسكو العاشر، الخليفة العاشر. جاء إلى حلب وجاء إلى دمشق، وهو يزور كل الرعايا في العالم، وهو إسباني أظنّ، قدّم طلب فيزا لأميركا رُفِض، لا لشيء إلا لأنه جاء إلى سوريا. إذاً ليس الموضوع أنّهم يريدون الدفاع عن مسيحيي سوريا، إنهم يريدون إبادة سوريا، فقط، لا أكثر ولا أقلّ.

 

محمّد علوش: استهداف لدور سوريا تقصد.

 

باسل قس نصر الله: فقط، يتكلّمون أن الرئيس السوري تجاوز الدستور، حكم، هذه ثالث ولاية، في العصر الأميركي، رئيس الولايات المتحدة يحكم مرتين، لكن في العهد الأميركي الحديث، في العصر الحديث، قبل الحرب العالمية الثانية، روزفلت حكم، ليس ولايتين وحتى ثالث، بل رابع ولاية، حكم رابع ولاية، 83 يوماً وهو مشلول ومات. إذاً الشعب عندما يرى أنّ الصلاحية، أنّ من مصالحه الشخصية أن يبقى هذا أو يبقى ذاك، الشعب السوري يقرّر، نحن دعوا الشعب السوري يقرّر هو مَن الذي يحكمه، نحن موافقون، نغيّر، نبدّل، مع الديمقراطية.

 

محمّد علوش: هذا موقف حضرتك، البعض يقول ربما لأنك تنتمي أو قريب، بحكم عملك أيضاً، قريب أو مؤيّد للدولة السورية، للنظام الحاكم حالياً في سوريا. ماذا عن الآخرين؟ هل الولايات المتحدة الأميركية أو الاتحاد الأوروبي أو دول أخرى تحاول أن تلعب ورقة التطييف مع بعض هؤلاء الذين ربما يُصنَّفون ضمن خانة المعارضة؟

 

باسل قس نصر الله: اليوم تراجع الدور الفرنسي والدور البريطاني لصالح الأميركان، هناك الدور الروسي في المقابل، لذلك عندما سئلت متى تحلّ الأزمة السورية، أجبت عندما يتفقون نتفق. اليوم إذا لم يتّفق الأميركيون والروس لن نتفق، لن نصل إلى حلول.

 

محمّد علوش: كمجتمع سوري تقصد؟

 

باسل قس نصر الله: كمجتمع سوري، نحن ليس لدينا كمسيحيين، ليس لدى المسيحيين مشكلة مع المسلمين، هم لديهم مشكلة مع المتأسلمين، "قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ"، ليست لدينا مشكلة مع المؤمنين في الإسلام، إنما مشكلتنا مع المسلمين الذين لم يصلوا إلى مرحلة الإيمان الحق. هذه هي مشكلتنا. أما أنهم يريدون تجييش المواضيع إلى طوائف، أوروبا لا تعطيك مطلقاً أية فيزا، أميركا وأوروبا، لأي مواطن سوري، مطران، كاهن، بطريرك، هم يتباكون على مسيحيي الشرق، أنا دخلت إلى باريس بجواز السفر اليوناني.

 

محمّد علوش: تحمل حضرتك الجنسية اليونانية أيضاً.

 

باسل قس نصر الله: نعم، المطارنة والكهنة والبطاركة الكاثوليك لديهم كلهم جوازات سفر بابوية لكي يغادروا ويسافروا. خلال سفري أنا، عفواً، عندما كنت مسافراً، هناك شخص من الرهبنة الساليزيانية، سألته إلى أين أنت مسافر أبونا، قال لي أنا إلى أميركا لكن هلكوني، قلت له خيراً، قال لي في جواز السفر السوري لم يعطوني مع أنني كل سنة أسافر، قال لي الآن وضعوا لي تأشيرة على جواز السفر الفاتيكاني. أين محبة المسيحيين والغيرة عليهم؟

 

محمّد علوش: قبل أن أذهب إلى فاصل، إذا كنت حضرتك ممثلاً رسمياً بصفتك مستشاراً للمفتي، ممثلاً رسمياً له في هذا المؤتمر، وأنت لم يكن مسموحاً لك أن تدخل بجواز سفر سوري، كيف قبلت أن تدخل بجواز سفر غير سوري وأنت تمثل جهة دينية رسمية؟

 

باسل قس نصر الله: أنا دائماً آتي، أخرج من سوريا، حتى بالجواز اليوناني، لأنه على الحدود اللبنانية أيضاً، للأسف تعاملهم مع السوريين تعامل سيّىء، هناك تعامل، وأنا أقدّر وأشكر، من لا يشكر الناس لا يشكر له، أشكر كلّ الذين تحمّلوا العبء السوري، نحن نعرف، وهذا الموضوع لن يُحَلّ إلا بحلّ الموضوع السوري بالكامل، حتى اللاجئين، آتي إلى هنا من يوم يومي، منذ زمن، وليس من اليوم، أنا دائماً سفري بالجواز اليوناني.

 

محمّد علوش: وهذا ما تمّ. سنكمل في ملفات أخرى، لا سيما في ما يتعلق بمسيحيي الشرق بشكل عام، عموماً، وكيف يمكن الحفاظ على لحمة المجتمعات العربية بين مكوّناتها المختلفة

بعد الفاصل مشاهدينا، أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمّد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة.

صحيفة رأي اليوم الإلكترونية تعنون دعوة غريبة من البرلمان العربي لإعادة سوريا إلى الجامعة والعمل العربي المشترك، من توقيع عبد الباري عطوان. نشاهد معاً.

 

رأي اليوم: دَعوةٌ غَريبةٌ مِن "البَرلمان العربيّ" لإعادَة سوريا إلى الجامِعة والعَمل العربيّ المُشتَرك، عبد الباري عطوان

يُعَدّ "البَرلمان العربيّ" تجميعاً "غَيرَ مُتجانسٍ" لأعضاءٍ مِن "برلماناتٍ" عربيّة أغلبيّتها السَّاحِقة غير مُنتَخَبة، وتُمَثِّل حُكوماتها الأوتوقراطيّة، وحتماً لا تمثل شُعوبها، وحالُه حال الجامِعة العربيّة ومُؤسَّساتِها ومُوظَّفيها كِباراً وصِغارا.ً

ما ذكّرنا بهذا "البرلمان العربي"، هو البَيان "المُغَمغَم" الذي صَدَر عنه يوم أمس (أي البرلمان) ويتضَمَّن دعوةً للجامعة العربيّة وأمينها العام للتَّحرُّك فَوْراً لإعادَة سوريا إلى العَمل العربيّ المُشتَرك بعد تجميد عُضويّتها في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2011.

لا نَعتقِد أنّ هَذهِ "الصَّحوة" المُفاجِئة جاءَت بمَحضِ الصُّدفَة، بل أدرَكت أنّ مَشروعَها في تَغييرِ النِّظام في دِمشق، وتَفتيت الدَّولة السوريّة، في إطار مُخطَّطٍ أميركيٍّ، قد فَشِل.

الدَّعوة لاستعادَة سوريا مكانَتها في الجامِعة العربيّة جاءَت ليسَ حِرصاً عليها، وإنّما لإنقاذِ العَمل العربيّ المُشتَرك "المُهَلهل"، وإضفاء طابَع وطنيّ عُروبيّ عليه، بعدما فَشِلتْ، بَل وانهَزمت كُل المَشاريع البَديلة الأُخرَى المَدعومة أميركيّاً وإسرائيليّاً، وللتَّغطيةِ على أعمالِ التَّطبيع المُتسارعةِ مع دولة الاحتِلال.

التَّوقيت لافِتٌ أيضاً، فهَذهِ الدَّعوة تأتِي في وَقتٍ تَنْهَمِك فيه الدول الغربيّة في إعادَة ترميم سَفاراتها في دِمشق، تَمهيداً لإعادَة فتحها واستعادَة العَلاقات الدِّبلوماسيّة مع الدولة السوريّة.

عَودةُ سوريا إلى الجامعة إذا جرت، يَجِب ألا تكون مَجّانيّة، ومُتَسرِّعة، فجُرح "إهانَة" الخُروج، أو الإخراج، ما زالَ طَريّاً نازِفاً ومُؤلِماً، والمَطلوب ما هو أكثر مِن اعتِذار، وأكثَر مِن تَعويضٍ ماليٍّ، ولا نَعتقِد أنّ هَذهِ الحَقائِق تَغيب عَن ذِهن الدولة السوريّة وشَعبِها وقِيادَتها.

 

محمّد علوش: نعود إلى ضيفنا في الاستوديو الأستاذ باسل قس نصر الله مستشار مفتي سوريا.

تعقيباً على ما جاء في مقالة الأستاذ عبد الباري عطوان في ما يتعلّق بدعوة البرلمان العربي لإعادة سوريا إلى حضن الجامعة العربية، وأيضاً إعادة إعمار سوريا عربياً، كيف تقرأون؟ معروفة سوريا تاريخياً، حتى على صعيد الثقافة، بالغنى العروبيّ، دائماً ما حتى في المناهج التربوية تركّز على مفهوم العروبة، أي تأتي العروبة مُرادفة، نسمع أحياناً أصواتاً داخل سوريا، تقول إننا نحن اليوم جزء من سوريا ولسنا جزءاً من العرب، أنّ سوريا تاريخياً كانت حضارة مختلفة إلى حدٍ ما.

تقديرك، إلى أيّ حدّ هذا الموقف العربي أثّر على ثقافة السوريين في ما يتعلق بالانتماء العربي؟

 

باسل قس نصر الله: دفع السوريين وبلاد الشام، بلاد الشام حتى لا نغبن أحداً، في فترة حكم العثمانيين، وعُلّقت مشانق، هل سمعت مشنقة معلّقة في السعودية من العثمانيين؟ لا، فقط في سوريا، فقط في لبنان. العروبة بنيت هنا. اليوم المسيحيون أو المسلمون العرب الذين نادوا بالعروبة، بدأوا من هنا، فلذلك كان قرار الجامعة العربية، قرار إخراج سوريا، هذا قرار أنا أعتبره قراراً اعتباطياً. اليوم يريدون العودة، لأنه غير ممكن السلام أن يُحَلّ كما كان الرئيس حافظ الأسد يقول، وأنا أكرّر، لست بعثياً، ولا أنتمي إلى أيّة جهة في الدولة، ولا تقل، ألمحت أنني مع النظام، لا.

 

محمّد علوش: لا، أقصد في الموقف السياسي، أنّك مؤيّد للدولة.

 

باسل قس نصر الله: كان يقول من غير الممكن أن يحدث سلام من دون سوريا، من دون سوريا لا يحدث سلام، ومن دون سوريا لا نستطيع أن نتكلّم عن قومية عربية. اليوم، إذا حذفنا سوريا من الخارطة العربية، سيخرج هناك الجزائريون ليقولوا نحن بربر، ويخرج المصريون ليقولوا نحن فراعنة، وتخرج دعوات أخرى، وهلم جراً. سوريا هي دولة عربية، وأنا مصرّ على أن يكون لنا علاقات طيّبة وإيجابية مع كلّ البلدان العربية، وأيضاً، ولكن هذه المرّة تعلّمنا من دروسنا السابقة، يجب أن نكون واضحين، ليس فقط تقبيل لحى، لا، هذه المرّة يجب أن نكون واضحين فيها.

 

محمّد علوش: كيف يعني؟

 

باسل قس نصر الله: يعني أن نبني علاقاتنا بشكل مصالح مشتركة، نبني مصالح متكاملة، علاقتنا مع لبنان اليوم ليست جيّدة، سيّئة، وهذا الأمر يحزنني، يحزنني تماماً. أنا أتفهّم تماماً كم يعاني اللبنانيون.

 

محمّد علوش: مع أنّ لبنان يحتضن مليون ونصف مليون سوري رغم الاقتصاد الضاغط عليه، الوضع الاقتصادي.

 

باسل قس نصر الله: كم يعاني اللبنانيون، أحترم اللبنانيين، كم يعانون اليوم من الأشخاص، أحترمهم، ولكن ليس في الإمكان غير ما كان، الناس عندما تهاجر، وعندما تحدث غوغاء وكذا، إلى أقرب الناس لهم، وأقرب الناس كان لبنان، وتحمّل لبنان الكثير، لا يجب أن ننكر ذلك، وأنا أحيّي كلّ، حتى الأعداء والذين يهاجمون سوريا، أشكرهم، لا يجب أن ننكر هذا، وأنا على قناعة تامة أنّ أيّ حل بالنسبة إلى اللاجئين السوريين الموجودين في لبنان، عند إيجاد حل سياسي لا حل عسكري، اليوم هناك مناطق تحرّرت، هناك حلول سياسية يجب أن تكون، عودتهم تصبح ميسّرة تماماً ويخفّ الضغط على لبنان. أنا أرى أنّهم بوجودهم هنا يخلقون نوعاً من النعرة، ونوعاً من الأذى النفسي من قِبَل اللبنانيين تجاه السوريين، ألمسه تماماً، ألمسه تماماً.

 

محمّد علوش: في الداخل السوري، إلى أي حدّ الآن يُعتبَر الوضع الأمني جيّداً لصالح المسيحيين في المناطق التي كانت سابقاً تحت سيطرة؟

 

باسل قس نصر الله: لا تكلّمني عن مصالح مناطق المسيحيين، كلّ سوريا هي مناطق لكل الناس، عندما أراد الكاثوليكوس كاريكين الثاني، أرمينيا، أن ينزل إلى سوريا، كانت لا توجد إلا طائرات أرمنية تأتي إلى مدينة حلب.

 

محمّد علوش: هذا خلال الحرب تقصد؟

 

باسل قس نصر الله: قبل الحرب.

 

محمّد علوش: قبل الحرب.

 

باسل قس نصر الله: جاء من جاء، وقال لا، أبداً، لا يجب أن ينزل، نحن من طرف آخر، تعرف الأرمن منقسمين، هناك جواب واضح وجيد، سوريا، كل سوريا هي كل الناس، ليست لطائفة أو لفئة، وأنا أقول، عندما تريد أن تكلّمني عن المسيحيين السوريين، وضعهم، مثلهم مثل كل المسلمين. يسألونني في الغرب عن المطارنة، هل تعرف أنني الوحيد، أولاً عندما ناديت، وبطلب من سماحة مفتي سوريا ومفتي حلب، أن أطالب بعودة المطرانين، والبحث عن الطرق البديلة، من طالبني؟ من طلب منّي؟ المفتي، بعدها طلب المطارنة أن نطالب أيضاً بإعادتهم، لم يذكرهم أحد غير المفتي. هكذا نحن تربيّنا وهكذا عشنا. أنا أحمل الجنسية الأجنبية، وعُرضت عليّ عروض مغرية لأغادر فقط أن أخرج من سوريا. أين تريدني أن أذهب؟ أنا شوارع بلادي تعرفني، أرصفتها تعرفني، أزهارها تعرفني، أطفالها يعرفونني، باعتها يعرفونني. كيف تريدني أن أخرج؟ لماذا؟ إلى بلاد لا أعرف أحداً فيها؟ إلى بلاد لا تعرف من أنا؟ اليوم أنا كثير من السوريين الذين هاجروا في بلاد المغترب، ولأكون أكثر دقّة، غالبيتهم من المسيحيين، لا يعرفهم أحد، وهم يعيشون فقط يومهم بيومهم.

 

محمّد علوش: تتواصل مع بعضهم؟

 

باسل قس نصر الله: الكثير.

 

محمّد علوش: كيف يجدون الوضع خارج سوريا؟

 

باسل قس نصر الله: مأساوي، لا أحد يعرفهم، لا أحد يهتمّ بهم، هم يشعرون أنّهم يعيشون فقط كرقم، كعدد، بينما هم محترمون. أنا أستغرب أنّ إنساناً كان هنا مهندساً، أن يقبل أن يعمل في أميركا أو في أوروبا في مجمعات كبيرة، يملأ الأماكن الفارغ في المجمع. سوريا قدّمت له الاحترام، سوريا علّمته ودرّسته وطبّبته، أنا درست ولم أكلّف أهلي خلال خمس سنوات جامعة أكثر من عشرة آلاف ليرة.

 

محمّد علوش: ما الذي كان يمكن له أن يفعل، وكان مهدَّداً أمنياً على سبيل المثال؟ هل هذا يطعن في عروبته أو وطنيته؟

 

باسل قس نصر الله: لا، أنا أقدّر كلّ واحد، لكن درجت العادة لدينا أن الكثيرين ذهبوا، ويقولون إنهم ذهبوا من أجل الأولاد، هناك الدراسة، هناك الحياة، لأجل الأولاد. أنا تربّيت في مدينة حلب. ماذا ينقصني؟ هل ينقصني شيء؟ لا الثقافة ولا العِلم، لا ينقصني. أمّك اليوم قد لا تكون أجمل النساء، لدينا المطران ناوفيطوس إدلبي رحمه الله في حلب، يقول أمّي قد لا تكون أجمل النساء ولا أذكى النساء، ولكنني أحبّها لأنّها أمّي. أنا اليوم سوريا قد لا تكون أجمل النساء، يمكن أن نقضيها في باريس، باريس جميلة، أثينا من أروع ما يكون، وأنا أيضاً أحمل جنسيتها ولا أعرف لغتها، ولكن أنا يا أخي لا أعرف، لا أشعر أنني أنتمي إلى هذا المجتمع، هنا أشعر أنني أنتمي إلى هذا المجتمع. هذا الأمر مهمّ.

 

محمّد علوش: طبعاً العلاقات مع بقية مسيحيي الشرق كيف يمكن توصيفها الآن، انطلاقاً من هذا المؤتمر ومن مؤتمرات أخرى، ولقاءات عادة ما تكون لدراسة أوضاعهم، ونحن نعلم، طبعاً الجميع يعلم أنه في العراق كان الوضع مأسوياً جداً، تمّ تهجير مسيحيين، خفّت أعدادهم بشكل كبير جداً، إضافة إلى طوائف أخرى من غير المسلمين؟

 

باسل قس نصر الله: نابوليون بونابرت عندما نزل إلى الإسكندرية، ورأى كنائس كبيرة، لمَن هذه الكنيسة، قالوا لكذا، ولمَن هذه الكنيسة، قالوا لكذا، وطوائف شرقية، كلها في أوروبا لا يوجد، قال لهم إن مسيحيي الشرق سيأتي عليهم يوم ليصبحوا خيالة مآتة، وخيالة مآتي هو الرجل من خشب يضعونه في الزرع، نعم، نحن اليوم سنصبح خيالة مآتة إذا لم يدافع عني أخي المسلم، ليس أخي المسيحي. بعض رجال الدين المسيحي شحذوا علينا في أوروبا، شحذوا، جمعوا أموالاً وأتوا، لا نعرف المال الذي أتى، ولا شيء، شحذوا علينا، وهذا ما قلته أيضاً في المؤتمرات وفي الخلوات الجانبية مع معاونين ومسؤولين سياسيين. نحن ليست مشكلتنا مطلقاً مع المجتمع السوري، مطلقاً، ليس مع المسلم ولا مع الأزيدي، ما تبقى منهم، قليلاً، وليس مع الشيعي أو السنّي، ولا نفهم بهذه الأمور. أنا اليوم جاءني صديقي، وهو أعرفه ويعرفني منذ 52 سنة في المدرسة، أنا لم أسأل إن كان مسلماً لأحبه وإن كان غير مسلم حتى لا أحبه، لا، هذا هو رفيقي، هكذا تربّينا. عندما كانوا ينادون علينا بالإسم، ينادون بإسم مثلا كذا، باسل كذا، أحمد ألف، فكان لدى.

 

محمّد علوش: هل الحرب عزّزت، أو لنفترض كما تقول حضرتك إنه لم يكن موجوداً، لكن هل الحرب الآن، رغم كل ما حصل، هل عزّزت من اللحمة الوطنية، أم فجّرت أيضاً صراع الهويات داخلياً، وإن كان كامناً؟

 

باسل قس نصر الله: أنا أرى أنها في هذه الأثناء عزّزت اللحمة الوطنية تماماً، تماماً.

 

محمد علوش: كيف يمكن لك أن تبرهن على ذلك؟

 

باسل قس نصر الله: دائماً خلال الأزمات، تُصنَع اللحمة الوطنية، هناك من يخلق اللحمة الوطنية لغايات لنفسه، كما حدث في الأرجنتين، عندما خلقوا حرب الفوكلاند، لأجل، فقط لأجل إيجاد لحمة وطنية، خرج راؤول الفونسين ورفض الإعفاء، كان هدفهم إيجابياً. اللحمة الوطنية اليوم إيجابية. متى كنّا نعيّد، كمسيحيين نحن اليوم نعيّد في عيد الميلاد وعيد الفصح، أصبحوا حتى في عيد البربارة إخوتي المسلمون المشايخ يهنئونني بعيد البربارة، ونحن في عمرنا لم نكن نعيّد بعضنا في عيد البربارة. إذاً باتت هناك ردّة فعل قوية، أننا أخوة، أننا وطنيون، أننا كذا، هذا الأمر مهمّ. يجب أن يهتم المجتمع السوري بذلك، هناك الآن موجود في المجتمع السوري دكاكين سياسية، دكاكين سياسية، هذه الدكاكين السياسية توزّع شهادات البراءة والوطنية على هذا الشخص وذاك، وهناك فارق بين الوطنية والوطنجية. أنا وطني، أحب وطني، ولست وطنجياً، لا أستغلّ هذا الوطن لمآرب شخصية.

 

محمّد علوش: جميل. في الميادين نت، عنوان تحرّكات واشنطن في سوريا الأهداف والغايات، لأمجد إسماعيل آغا يسلّط فيه الضوء على الأهداف الأميركية في الشمال السوري. نشاهد معاً.

 

الميادين نت: تحرّكات واشنطن في سوريا... الأهداف والغايات، أمجد إسماعيل آغا

الحديث عن قواتٍ عربيّةٍ سعوديّةٍ وإماراتيّةٍ تشارك الكرد معركتهم الأخيرة ضدّ تنظيم "داعش" الإرهابيّ شرق الفرات، يصبّ مباشرةً في الهدف الأميركيّ الرامي إلى زعزعة مفاعيل الانتصار السوري وتقويضها. لكن الواضح أن واشنطن لا تريد للحل السياسي في سوريا أن يأخذ مجراه، فواشنطن تُدرِك بأن الحل السياسي سيُجبرها على الخروج من سوريا ذليلة. لذلك وجدت في القوات العربية ضالّتها، فهي من ناحيةٍ تكون قد خلقت فوضى جديدةً في بنية الجسد العربيّ المُهترئ أصلاً، وخاصة أنّ هذه القوات لم تدخل الجغرافية السورية بموافقةٍ من دمشق.

تزويد سوريا بصواريخ S-300 الدفاعية، ومنظومة الحرب الإلكترونية (كراسوخا – Krasukha)، إضافة إلى تزويد الصين بمقاتلات SU-35 الروسية ومنظومات S-400 الصاروخية، يضاف إلى ذلك اشتراك القوات الصينية بمناورات فوستوك 2018، والقرار الروسي والصيني بالتخلّي عن الاعتماد على الدولار الأميركي في التعاملات الاقتصادية كافة، كل هذه الإجراءات تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشك، بأن روسيا والصين ماضيتان في كبح حماقات الإدارة الأميركية.

 ضمن قراءة المُعطيات السابقة، يمكننا القول بأن هذه التطوّرات الدراماتيكية في الشرق الأوسط، جاءت نتيجة الوقائع والمُعطيات التي فرضها الميدان السوري ونتائجه السياسية والعسكرية. وعليه، فإن الإدارة الأميركية تسعى إلى إشعال المزيد من الحرائق في المنطقة، وهي اعتمدت حُزمة من الاستراتيجيات المُفعَمة بالمخاطر والتي من الممكن أن تشعل شرارة نار هائلة في الشرق الأوسط.

 

محمّد علوش: طبعاً بقي لدينا دقيقتان، بقيت دقيقتان أستاذ باسل، نريد أن نختم بها انطلاقاً من وحي المقالة، وهو أنّ الحضور الأميركي في سوريا بشكل عام كان منذ بداية الأزمة وحتى اللحظة، ما الدرس الذي يمكن أن يُقال أنه على السوريين وغير السوريين الاستفادة منه من تعاطي الولايات المتحدة الأميركية مع قضايا المنطقة، خاصة أنها ترفع شعارات حقوق الإنسان وحماية بين قوسين أيضاً المكوّنات والأقليات المذهبية والطائفية؟

 

باسل قس نصر الله: أميركا أول دولة اعترفت بوجود مسلّحين في سوريا، وهي كانت لا تعترف، عندما قُتل إبن سماحة المفتي رحمه الله سارية، فأقام عزاء في دمشق، وفي دمشق جاء سفراء الدول التي الآن خرجت، سفير تركيا وسفير أميركا وفرنسا وكذا، وكانت هذه المواضيع يقوم بها، ينسّق معه سفير المفوضية الأوروبية آنذاك فاسيليس بونتو سوغلو، فاسيليس هو يوناني، وباسيل يعني، وأنا باسل وتسميتي باسيل، وكنّا متقاربين تماماً، فقال لي سيأتي فلان، هل هناك مانع، وهو السفير روبرت فورد، قلت له لا مانع، لكن قبل كل شيء، وجّهوا رسالة، وبعد ذلك يجتمعون ويقدّمون التعازي لسماحة المفتي في دمشق. قدّم لي رسالة باللغة العربية، عادة يقدّمونها باللغة الإنكليزية أو الفرنسية وهي رسمية وتقدّم ترجمة غير رسمية، هنا قدّمها باللغة العربية ووقّع عليها، إذاً رسمية، وقال لنا إنا بلغنا نبأ قتل، ليس استشهاد، إبنكم سارية بجماعات مسلحة، وهو أول اعتراف بالجماعات المسلّحة، أول اعتراف، إننا نرفض هذا الاستهداف. أين هو الآن؟ أين هذا الموقف الذي ولِد من ذلك الوقت إلى اليوم؟ اختفى. نحن لسنا ضد الأميركيين ولسنا ضد الفرنسيين، أنا هكذا أتوقّع، ولسنا ضد أيّ إنسان يعمل ضمن المصالح السورية، لكن أن يعمل خارج المصالح السورية، هذا أمر نرفضه.

 

محمّد علوش: كل الشكر والتقدير لك الأستاذ باسل قس نصر الله، مستشار مفتي سوريا، شكراً على حضورك معنا.

 

باسل قس نصر الله: أهلاً وسهلاً.

 

محمّد علوش: ونشكر لكم مشاهدينا حُسن المتابعة. وإلى اللقاء.