حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

عبد الله سلاّم الحكيمي - الوزير المفوض في الديوان العام لوزارة الخارجية اليمنية

 

وفا سرايا: مسار طويل اتّخذته الأحداث في اليمن والمأساة الإنسانية التي بدأت منذ أربع سنوات.

خرقها فعلياً بصيص ضوء محادثات استوكهولم في آخر النفق المظلم، من خلال ما جرى التوصل إليه بشأن الحديدة وتبادل الأسرى ليبقى الامتحان الحقيقي في تنفيذ الاتفاقين المُبرمين.

فيما يترنّح وقف إطلاق النار في الحديدة على وقع الغارات الجوية المُكثفة والتصعيد العسكري للتحالف السعودي.

وهنا تطرح الكثير من الأسئلة عن مدى التقاط أطراف النزاع للحظات المهمة في البحث عن نهايات للحرب.

ماذا عن مساهمة العزلة الدولية، والضغوط على السعودية وحلفائها في التوصّل إلى اتفاق لتسود لغة الواقع والتسويات؟

وهل باتت القناعة راسخة لدى الأميركيين والسعوديين بأنّ مسارات الحرب تمضي من فشل محدود إلى فشل بلا حدود؟

هل هذه الخطوة تمهّد لحل سياسي ينهي مُعاناة اليمنيين؟

ماذا عن الأسباب والخلفيات لترحيل ملفيّ تعز ومطار صنعاء إلى الجولات اللاحقة؟

وكيف يفسّر اتخاذ الكونغريس قرارين مهمين؟

الأول إدانة بن سلمان لقتله الصحافي خاشقجي والثاني وقف الدعم العسكري الأميركي للتحالف السعودي في حربه على اليمن.

في الوقت الذي كان فيه انطونيو غوتارش يعلن من السويد عن اتفاق أوليّ بين طرفيّ الصراع اليمني.

عن تطوّرات الملف اليمني وما جرى التوصّل إليه في محادثات السويد، وعن مدى القدرة على تطبيقه في الواقع الميداني.

هي أسئلة كثيرة نطرحها اليوم على ضيفنا في حوار الساعة السفير في وزارة الخارجية اليمنية عبد الله سلام الحكيمي؟

أهلاّ بكم إلى حوار الساعة.

 

فاصل

 

وفا سرايا: صباح الخير أستاذ الحكيمي وأهلاً وسهلاً بك على شاشة الميادين، وصباح الخير مشاهدينا الكرام.

هل نحن أمام مرحلة جديدة من خلال اتفاق استوكهولم؟ وهل هذه خطوة بالفعل لحل سياسي شامل؟ نظرة تقيمية إذا أمكن لهذا الاتفاق؟

 

عبد الله الحكيمي: صباح النور، وتحية لكم، ولقناة الميادين، وللمشاهدين الكرام.

لا شك أنّ ما تمّ في استوكهولم يعتبر اختراقاُ نوعياً، وإن كان محدوداً، لكنه يمثل اختلافاً عن مسار المفاوضات التي دامت لسنوات ماضية، وذلك لتغيّر منهجية إدارة المفاوضات، حيث كانت المفاوضات في الماضي تدور بمنهجية خاطئة، وربما كان هناك تعمّد لإطالة أمد الحرب عن طريق هذه المنهجية الخاطئة التي كانت تقوم على إدارة المفاوضات بين طرفين أحدهما يسمّى أو يُطلق عليه الشرعية، والآخر كان يُطلق عليه بأنه مُضاد للشرعية.

وكان حتى المبعوث الأممي السابق يتحدّى مشاعر الشعب في صنعاء وهو يصرّح في صنعاء بأن الأمم المتحدة لا تعترف إلا بواحد أحد وهو عبد ربه منصور هادي فقط.

هذا كان يسيء للطرف الآخر، لكن مع مجيء مبعوث الأمم الجديد السيّد مارتن غريفث تغيّرت منهجية المفاوضات، فصار التعامل من قِبَل المبعوث الجديد تعاوناً أو تنسيقاً أو تشاوراً متوازناً بين الطرفين اللذين يشكّلان طرفيّ الأزمة. من هنا، حصل الاختراق في استوكهولم نتيجة لهذا التغيير في المنهجية طبعا هو تغيّر بسيط لكنه.

 

وفا سرايا: ولكن هل هذا الخرق هو تمّ بسبب شخصية المبعوث الأممي مع وصول مارتن غريفث؟ أم أن هناك تغيّرات إقليمية دولية انطلاقاً من الضغوط أو العزلة التي عرفت بالعزلة الدولية تجاه السعودية التي رضخت الأطراف المتحالفة معها باليمن؟ أتحدّث عن حكومة هادي بالقبول باتفاق استوكهولم والقبول أيضاً بشرعية الطرف الآخر وفد صنعاء.

 

عبد الله الحكيمي: قطعاً ليست عائدة إلى قرار شخصي للمبعوث الأممي ولكن المبعوث الأممي يمثل عادة أو ينفّذ إطاراً عاماً يُرسم له من مجلس الأمن الدولي. عادة كل مبعوث خاص للأمم المتحدة يتحرّك وفقاً لأجندة محدّدة يقوم هو بتنفيذها، لكن لا شك بأن هذا التغيّر الإيجابي الذي حصل يعود إلى متغيّرات إقليمية ودولية كبيرة، من أبرزها أنّ تحالف العدوان السعودي الإماراتي على اليمن، والحصار الظالم الذي خلق أسوأ كارثة إنسانية في التاريخ المعاصر، ولم يستطع أن يحقّق اختراقاً عسكرياً ليحسم الأمر وفقاً للحرب.

كان هناك ضغوط والرأي العام بدأ يتحرّك، وخاصةً بعدما وظّفت العملية البشعة التي اغتيل بها خاشقجي، والطريقة التي نادراً ما نسمع بها. وقد وظّفت باتجاه ضغوط متزايدة على السعودية لتنهي هذه الحرب العبثيّة التي راح ضحيّتها عشرات آلاف المدنيين والأبرياء، ودمّرت كل البنى التحتية على تواضعها في اليمن.

وأعتقد أنّ تحرّك البرلمانات الأوروبية والغربية، والأميركية حتى الكونغرس، الاتحاد الأوروبي والدول الغربية عموماً. للأسف الشديد التهديد بوقف مبيعات الأسلحة لتحالف العدوان على اليمن، وهذا الإجراء لم يستثن للأسف الشديد.

وفا سرايا: أستاذ عبد الله إسمح لي، أن أناقش تفاصيل هذه الأزمة لأنها كثيرة ومتشعّبة، وفيما ذلك تغيّر وجهة النظر الدولية في أوروبا، وما جرى في حادثة خاشقجي، وإظهار ما قام به التحالف السعودي بحق الشعب اليمني وصولاً إلى ما أقرّه الكونغرس.

لكن قبل، هل يمكن الحديث عن نجاح هذا الاتفاق على ما يعلو من صوت للمدافع في الحديدة وبدء تطبيق الاتفاق صباح الثلاثاء، وهذا الاتفاق مرتبط بمدى تطبيقه على أرض الواقع؟

عبد الله الحكيمي: نعم سيّدتي، هو في الحقيقة نلاحظ هذه المرة فارقاً ملموساً على مسار الاتفاقات التي تمّ اتخاذها عما سبقها، لأنه كما نعلم أعلنت هدنات كثيرة في الماضي، لكنّها كانت على الورق ولم تنفّذ على أرض الواقع بدليل استمرار الغارات الجوية السعودية، واستمرار الهجمات البحرية ليس على الحديدة فقط وإنّما على عموم الجبهات على الساحل اليمني.

لكن ما يميّز هذه المرة أنّ هناك إجراءات عملية سوف تتّخذ، ومن ضمنها تشكيل فريق دولي للمراقبة والتفتيش، ولتحديد من هو الطرف الذي يخرق الهدنة المتّبعة والمتّفق عليها، ويشرف على إعادة الانتشار بالنسبة لقوات الطرفين، وتطبيع الأجواء في مدينة الحديدة، وموانئ الحديدة كمرحلة أولى تنتهي بالمرحلة الثانية على عموم محافظات الحديدة. وهذا بالنسبة للاتفاقات الأخرى والتي سنخوض فيها، ولماذا تعرقلت في ما يخصّ تعز وصنعاء؟ هذه سنخوض فيها.

وفا سرايا: سنخوض فيها بالتأكيد.

لكن إسمح لنا أستاذ عبد الله بأن نذهب، ونحن نتحدّث عمّا تمّ التوصّل إليه في استوكهولم، وهذا الخرق الحقيقي منذ أربع سنوات والاتفاق الأوليّ، تحديداً حول الحديدة وتبادل الأسرى إلى هذا المقال في الشرق الأوسط للأستاذ غسان شربل: اليمن ونافذة استوكهولم، وبعده نتابع النقاش.

 

الشرق الأوسط: اليمن ونافذة ستوكهولم/ غسّان شربل

 

لا يحقّ لليمني، إلى أية جهة انتمى، أن يغلق النافذة التي فتحها اتفاق ستوكهولم لتمكين اليمن من استعادة سلامه. في إضاعة الفرصة مجازفة لن تؤدّي إلا إلى تعميق الخسائر ومضاعفة الأخطار المُحدقة بهذا البلد ومواطنيه. والدروس تفيد أنّه من الصعب إرغام الشعوب على إقامة السلام إن لم تتخذ قرارها في هذا الاتجاه. يستطيع العالم محاصرة النار المشتعلة في أحد المسارح. يستطيع أيضاً فرض وقف إطلاق النار. لكنّ السلم يبقى صناعة داخلية أولاً وأخيراً. وحصانة أيّ بلد تبدأ من قرار أبنائه  العيش معاً ودفع الأثمان التي يرتّبها هذا القرار.

لهذه الأسباب يبدو اتفاق ستوكهولم فرصة يرتكب اليمنيون خطأ فادحاً إذا تسبّبوا بإضاعتها لاعتبارات غير يمنية. وفرصة لالتقاط الأنفاس والتفكيرجدياً في خطوات ملموسة للخروج من الحرب تحت سقف القانون ليمن يتعايش مع جيرانه وفق مبادئ الأخوّة وحُسن الجوار واحترام المواثيق الدولية. كانت المحطة السويدية فرصة لانطلاق القطار. يرتكب الحوثيون خطأً فادحاً إن تعمّدوا القفز منه.

حدث مهم آخر واكب المحطة اليمنية في السويد وهو حدث انطلق من شعور الدول المُشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن بأنّ عليها المبادرة إلى رعاية مصالحها، وعدم ترك شؤون هذا الممر المائي الحيوي بانتظار مبادرات الكبار وترتيباتهم وتجاذباتهم.

يخسر كثيراً مَن يضيّع فرصة السلام في اليمن، وفرصة الاستقرار والازدهار في البحر الأحمر.

 

وفا سرايا: سعادة السفير، مَن يستطيع إفشال هذا الاتفاق، أو تقويضه؟ وهل توجد أطراف خسرت في هذه المفاوضات؟ لأنّه يُحكى عن بعض الأطراف التي تريد الاستمرار بالعمليات العسكرية، ما يسمّى بالقوى السلفية المدعومة من الإمارات، والمعروفة بألوية العمالقة، وكذلك ألوية الجمهورية.

عبد الله الحكيمي: هناك نقطة أردت أن أوضحها، أنّه من الظلم القول أنّ مأساة اليمن ترجع إلى اليمنيين، وبالتالي أنّ حلّها يعود إليهم. صحيح أن اليمنيين طرف، لكن المشكلة الكبرى في ما حدث في اليمن هو التدخّل العسكري المباشر العدواني، والحرب التي شنّت على اليمن من قبل تحالف عربي مدعومٍ من قوى الدولية، من الغرب عموماً، من أميركا والغرب. وهذا ما فاقم الوضع، وخلق المأساة. هذه النقطة يجب أخذها بالاعتبار، ولو كان الأمر اقتصر على اليمنيين لكانت المسألة حلّت خلال أيام، أو بالكثير خلال أسابيع.

وفا سرايا: هل هو نزاع إقليمي أكثر منه يمني؟ هل هو صراع إقليمي على أرض يمنية؟

عبد الله الحكيمي: هو صراع إقليمي ودولي أيضاً، لأن القوى الإقليمية التي تبنّت إعلان الحرب. ما يسمّى بالتحالف العربي هو في الحقيقة ضمن إدارة أميركية بريطانية فرنسية ألمانية، ومن خلال إدارة غرف العمليات، والتزويد بالأسلحة، وتشغيل الأسلحة، وتزويد الطيران بالوقود في الجو. وإذا أردنا الدّقة ينطبق عليها حرب محلية، لكنّها حرب إقليمية بالأساس ودولية.

فبالتالي، لا بدّ من أجل حلّ هذه القضية أن تتوافر هذه العوامل الثلاثة لإيجاد حل. لكن من هي القوى التي تعرقل الوصول إلى حل. الواقع وخلال أربع سنوات من الحرب، هناك قوى لها مصالح هائلة جداً من استمرار الحرب، وهذه القوى لا تريد أن توقف الحرب لأنها تشكّلت لها مصالح خيالية من استمرار الحرب، وبخاصة بالنسبة للجانب السعودي والإماراتي بسبب صفقات الأسلحة والعمولات، وأيضاً ما يُسمّى بالمعونة الإنسانية والتي يُحكى عنها، وحتى الحلفاء الذين قاتلوا مع العدوان السعودي كانوا يصرّحون علناً في مقابلاتهم أنّ هذه الإغاثة لم تصل. وبالتالي هناك كارثة فساد في السعودية والجانب اليمني للتصرّف بهذه المساعدات والتي كانت بالمليارات، لكنها لم تصل. أين تذهب؟ هناك شرق أفريقيا.

هذه القوى طبعاً مؤثّرة على القرار، وخاصة في السعودية، وبالنسبة لليمنيين الذين يمثّلهم عبد ربه منصور هادي لهم مصلحتهم، وقد كوّنوا ثروات هائلة. في الجانب الآخر، القوى المسلّحة التي تشكّلت وسلّحت تسليحاً لأول مرة في اليمن بالدبابات والمصفّحات والصواريخ والمدفعية، ويُكال لها الأموال الهائلة. هذه الجماعات المسلّحة ومن بينها المتطرّفون، القاعدة وداعش وفي العلن وأنصار الشريعة وتحت مختلف المسمّيات، وأصبحت للقوى السلفية ألوية كما يقولون. لأول مرة تنشأ مليشيات مسلّحة تسليحاً ثقيلاً وبتمويل من التحالف العربي المدعوم غربياً وأميركياً، وهذا أدّى إلى انهيار الدولة في اليمن.

وفا سرايا: هل أفهم منك سعادة السفير أنّ القوى التي أشرت كالقوى السلفية، أو ما سمّي بالقوى الشمالية المشتّتة التي أعيد تجميعها باسم ألوية الجمهورية، هل هذه أكثر الأطراف المتضررة أي أكثر من قوات هادي من هذا الاتفاق؟

عبد الله الحكيمي: الكل متضرّر حتى في ما يتعلّق بقوى الجمهورية، هذه قوى جديدة، والتنافس الذي حصل في ما بينهم أضعف موقفهم، ولا يزال التنافس. لكن جماعة هادي وهذه القوى تتحرّك ضمن توجيهات التحالف العربي الذي يدير الحرب. لنأخذ جماعة ما يسمّى بالشرعية ، فقد تكوّنت لديهم من الفساد مصالح مالية هائلة جداً.

القوى السياسية التي تحارب مع تحالف العدوان وميليشيات هذه القوى أصبح لديها بنوك وموارد مالية هائلة، وتدير استثمارات هائلة، بالإضافة إلى تشكيلات عسكرية بنتها على وقع هذه الحرب. وأنا لا أبرّئ الأطراف في الجانب الآخر، فهم ليسوا ملائكة، إنما هم بشر. ولكن حجم الفساد أقل من الطرف الآخر بسبب محدودية الإمكانات التي يحصلون عليها، وبالتالي من حيث الحجم أقل.

وفا سرايا: هل حقّق وفد صنعاء مكسباً كبيراً من خلال اعتراف القوى الدولية والأمم المتحدة والمجتمع الدولي بشرعية الوفد؟ أما في الجولات السابقة، فكان الاعتراف فقط بهادي. أتحدّث بميزان الربح والخسارة السياسي.

عبد الله الحكيمي: نعم سيّدتي، الواقع أنّه يسجّل لأنصار الله وحلفائهم، وأقصد أنصار الله والمؤتمر الشعبي العام.

وفا سرايا: أو ما سمّي بوفد صنعاء

عبد الله الحكيمي: وفد صنعاء طبعاً، لا شك يسجّل له رؤيته الواقعية السياسية التي استطاعت أن تقنع المحيط الدولي بوجاهة منطقها عن طريق المبادرات التي اتخذتها، وإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد أكثر من مرة، ولم يستجب الطرف الآخر.

الطريقة التي تم التعاطي مع المبعوث الدولي والمبادرات، لو لاحظتم مبادرة كيري والتوقيع عليها من طرف واحد. هذا أدّى من خلال مجمل هذه المبادرات أنّها شكّلت لدى المجتمع الدولي انطباعاً عاماً أنّ هذه القوّة قوّة مسؤولة، وليست كما يشاع أنهم متمرّدون وانقلابيون. استطاعوا أن يكسبوا الجولة عن طريق المبادرات السياسية الإيجابية التي سعت بأقصى ما تستطيع إلى وضع حد لهذه المأساة مما أكسبهم احتراماً من القوى الدولية التي تناصبهم العداء.

وفا سرايا: أستاذ عبد الله، إذا ما فنّدنا هذا الاتفاق تحديداً ف يما يتعلّف بملفيّ تبادل الأسرى والحديدة. برأيك، فيما كان يخطط  للحديدة وأعلن عنه في 13 حزيران الماضي عند بدء هذه الحرب وكان يتوقع لها أن تفوز القوى التي تسمّى بالشرعية، وكان الحديث أنها تستطيع الاستيلاء على الحديدة في بضعة أيام. وأتت النتائج معاكسة تماماً لهذا التوقّع، وما وضع للعملية العسكرية.

هل يعتبر الفشل الكبير السبب الرئيسي لتحييد الحديدة؟ بينما تم ترحيل بنود أساسية لمطار صنعاء.

ولماذا تعز؟ لأنكم أشرتم بإحدى التغريدات أن التحالف السعودي والإماراتي لا يقبل بفتح كل المعابر.

عبد الله الحكيمي: بالنسبة للحديدة ليست المرة الأولى التي تهاجم فيها، إنما هذه المرة الثالثة، والزحف نحوها عسكرياً لإخضاعها من البر والبحر والجو. جرت طوال الأشهر الماضية، وكل العام الماضي محاولات للسيطرة العسكرية، وقد رصدت لهذه العملية حشود عسكرية ضخمة جداً مع دعم لوجستي شاركت فيها قوى دولية كبرى، وأقصد الأميركيين والفرنسيين تحديداً. باعتراف الفرنسيين أنهم شاركوا في إحدى جولاتها.

لماذا الحديدة؟ لماذا الساحل الغربي؟

الهدف كان السيطرة على الحديدة بكاملها، وشريط الحديدة الساحلي كلّه امتداداً إلى ميدي وبهذا يكملون السيطرة على سواحل اليمن كلها. الهدف كان خنق الداخل الهائل سكانياً، الهضبة الشمالية وامتدادتها إلى الجنوب. وهذا ما يصعب المأساة الإنسانية، فيحقّقون هدفاً عسكرياً، وقد حاولوا من خلال قطع المرّتبات خلال عامين ونصف العام تقريباً. وكذلك المجاعة والحصار، وضرب وسائل النقل العامة التي تنقل المواد الغذائية اليمنية وهي منتجات محلية، بالإضافة إلى عرقلة وصول الغذاء. هذا العقاب الجماعي الرهيب لشعب بكامله لم يستطع أن يحقّق شيئاً.

هذه الاتفاقيات اضطروا لها اضطراراً، لأن المؤشّرات كلها عند القوى الدولية التي تشرف على مسار الأحداث أولاً بأول أنّ الاستمرار بالهجوم العسكري ليس له طائل، ولم يستطع أن يحقّق أية نتيجة، وبالتالي آن الآوان لتقف هذه الحرب.

وفا سرايا: لكن لماذا اختيار المخرج عبر الحديدة؟ لماذا ليس عبر تعز؟

عبد الله الحكيمي: تقصدين المخرج من إحداث حسم عسكري؟

وفا سرايا: صحيح

عبد الله الحكيمي: لأنّ الحديدة الشريان الوحيد الذي يغذّي أكثر 15 مليون نسمة بالمواد الغذائية التي تستطيع أن تنفذ من ميناء الحديدة المحاصرة أساساً من قبل أربع سنوات. ولهذا كان الخنق من أجل السيطرة على الساحل الغربي بما فيه موانئ الحديدة، وهذا يخنق الكتلة البشرية الهائلة التي تعتمد على هذا المنفذ الحيوي لاعتباره هو أكبر ميناء في اليمن، وله إمكانات استيعاب أكثر من الموانئ الأخرى.

والموانئ في عدن وحضرموت لم تشغل بما فيه الكفاية للتخفيف من حدّة المعاناة الإنسانية، فتصعيدها كان مقصوداً لتحقيق أهداف عسكرية. هذا الإشكال الأكبر بالنسبة للحديدة، لكنهم لم يستطيعوا أن ينجحوا، فخضعوا للاتفاق الذي تم بالنسبة للحديدة.

وفا سرايا: ولكن أستاذ عبد الله قبل أن نذهب إلى فاصل، بأقل من دقيقة، برأيكم لماذا منذ ليل الجمعة وحتى اليوم كان هناك تصعيد عسكري كبير من قِبَل التحالف السعودي، مع أنّ يوجد اتفاق بالتوصل إلى وقف إطلاق النار في الحديدة؟ ما الهدف برأيكم؟

عبد الله الحكيمي:  هناك ضغوط دولية كبيرة من قِبَل أميركا والدول الغربية، وكذلك قرارات الكونغرس حول إدانة وليّ العهد السعودي في مقتل خاشقجي، ووقف الدعم العسكري لما يحصل في اليمن من قبل أميركا. كل هذه الأمور أدّت للضغط على السعودية، وأنّه ليس هناك جدوى من استمرار الحرب، وأنّ على السعودية أن تختار المسار السياسي للخروج من هذه الأزمة، أو لإخراج السعودية من هذا المستنقع، هذا هو الذي حصل، وبالتالي الآن لم يعلن عن وقف إطلاق النار انتظاراً لتشكيل فريق المراقبة الدولية الذي يشرف على وقف إطلاق النار.

وفا سرايا: آخر المُعطيات تشير أنّه في صباح الإثنين يمكن التوصّل إلى اتفاق من قِبَل الطرفين لوقف إطلاق النار، وبانتظار الساعات المقبلة التي تثبت نجاعة ونجاح هذا الاتفاق، ومدى قدرة تطبيقه على أرض الواقع.

سوف نتابع مناقشة هذه الإرادة الدولية التي تغيّرت، وما سيتم التصويت عليه في مجلس الأمن غداً بمشروع قرار بريطاني حول اليمن يستند إلى ما تمّ الاتفاق عليه في محادثات ستوكهولم.

لكن إسمح لنا أستاذ عبد الله أن نتوقّف مع فاصل قصير، وبعدها نعود لاستكمال حوار الساعة.

 

 

"فاصل"

 

وفا سرايا: من جديد أهلاً بكم في الجزء الثاني من حوار الساعة، ونناقش فيها تطوّرات الملف اليمني مع السيّد عبد الله سلام الحكيمي.

لكن قبل استئناف الحوار، نبقى مع هذا المقال من الثورة اليمنية: مفاوضات ستوكهولم والفشل الذي مُنيَ به تحالف العدوان السعودي.

 

الثورة اليمنية: مفاوضات ستوكهولم والفشل الذي مُنيَ به تحالف العدوان السعودي.

 

سياسة النفاق للولايات المتحدة التي ظهرت في محادثات السلام التي عقدت في السويد، جذبت الكثير من المراقبين السياسيين، خاصّةً أنّ واشنطن قدّمت الكثير من الدعمين العسكري واللوجستي لقوات العدوان السعودي للاستمرار في جرائمه الوحشية في اليمن.

إنّ نتائج المفاوضات التي عقدت في السويد، أكّدت للعالم أجمع شرعية وجهة نظر حركة أنصار الله ومواقفها، وأكّدت أيضاً أنّ الأزمة اليمنية لن تحلّ إلا بحل سياسي، وهذا الأمر يعدّ انتصاراً لحركة أنصار الله، وفي الوقت نفسه، تعدّ ققية ميناء الحديدة القضية الأكثر أهمية التي نوقشت في مفاوضات السويد، حيث أكّد البيان الختامي لهذه المفاوضات ضرورة تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في هذه المحافظة، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى اليمن عن طريق ميناء الحديدة، وهذا الأمر يعدّ ضربة قاضية أخرى تلقّاها العدوان السعودي، وأجبرته على إنهاء حصاره الاقتصادي الجائر على اليمن. هذا الاتفاق يعدّ انتصاراً سياسياً لحركة أنصار الله، لأنّ المرتزقة السعوديين كانوا يقولون في الماضي إنّ أعضاء هذه الحركة هم الإنقلابيون، لكن الآن، عندما تدعو الأمم المتحدة حركة أنصار الله إلى الحوار، فإنّها علامة مهمّة على الاعتراف بممثل يمثّل جزءاً كبيراً من الشعب اليمني، ويسيطر على الكثير من المراكز الاستراتيجية في هذا البلد. وإذا ما فشلت هذه المفاوضات، فإنّ العدوان السعودي سيكون هو المسؤول عن ذلك.

وفا سرايا: أستاذ عبد الله سأنطلق ممّا جاء في المقال، هل يعتبر هذا انتصاراً بالنسبة لوفد صنعاء؟ وقد انتزع اعترافاً لما يمثّله أنصار الله في اليمن، بالمقابل هناك فشل لفرض الشروط التي أرادها تحالف العدوان لمدّة أربع سنوات؟

عبد الله الحكيمي: حركة أنصار الله نظّمت ضدّها حملة افتراءات كبيرة جداً على أنّهم إنقلابيون وكهنوتيون وظالمون ومجوس. هذه الحركة أثبتت بشكل قاطع أنّها تعاملت برقيّ في الملف السياسي في التفاوض، والمحادثات جزء مما يدور. وهناك على هامش طاولة المفاوضات لقاءات تحصل مع ممثلين لقوى دولية وإقليمية، وهذه المحادثات هي التي تعكس نفسها على طاولة المفاوضات.

أعتقد أنّ الوفد المقابل - وفد حكومة هادي- لم يكن موفّقاً، وظلّ يعزف على نفس المعزوفة التي كانت عند بداية العدوان مثال الشرعية والانقلاب والتسليم، ولم يخرج عن هذه الصيغ على الإطلاق، حتى في مفاوضات ستوكهولم. وهذا في الحقيقة أدّى إلى شعور المجتمع الدولي بالملل لأنه غير قادر على طرح البدائل، والمفاوضات تعكس نتائج الميدان في نهاية الأمر. لكن لا بدّ للمفاوض من أن تكون لديه القدرة على التجاوب، ويطرح بدائل عند الوصول إلى طرق مسدودة.

وفا سرايا: لكن أستاذ عبد الله أنت أشرت إلى نقطة أودّ الإشارة إليها، هل يمتلك وفد هادي انتصارات على الأرض ليفرضها على طاولة المفاوضات بعيداً عن اللغة التي استخدمها وشكلت عاملاً سلبياً بالإضافة إلى تعاطيه مع الأطراف الدولية وقد انتقلوا من فشل محدود إلى فشل لا محدود في عدة جبهات ولا أتحدّث هنا عن الحديدة بل تعز وعدن والعاصمة صنعاء؟

عبد الله الحكيمي: بالنسبة لوفد ما يسمّى الشرعية، ممثّل حكومة هادي ليس لديه قوّة ذاتية حتى نستطيع تقييمه بالنسبة إلى ما حقّقه أو لم يحقّقه، وهو رديف للسعودية والإمارات اللتين تقودان التحالف العربي ضد اليمن، وأوراقه التي يلعب بها هي أوراق تحالف العدوان وما يحقّقه من تدمير وقتل.

مشكلة وفد الرياض أو هادي أنّه عدّة أطراف، وعدّة قرارات وخيارات، ولم يتوحّد لديهم القرار السياسي إلا بإملاءات سعودية إماراتية. في حين أنّ ميزة الوفد الوطني هي امتلاكه لقوّة واحدة، وقرارواحد، وتحرّك واحد، ورؤية واحدة، وأساليب عمل واحدة، وبالتالي استطاع أن يحقّق هذه الانتصارات الدبلوماسية، وقد افتقدها الطرف الآخر الذي يردّد ما يقال له من تحالف العدوان أنّ أنصار الله انقلابيون، ويجب أن يعود الأمر كما كان، بالرغم أنّ هذا الموضوع شأن آخر، وبخاصة أنّه لم يحدث انقلاب.

وفا سرايا: ألا يمكن توسيع الإطار أكثر بإملاءات وضغوطات دولية؟ لا بدّ من الإشارة إلى أنّه في الوقت الذي يعلن فيه غريفث عن التوصل إلى اتفاق أولي بين الأطراف المتنازعة في ستوكهولم، كان هناك قراران من الكونغرس وهما كالتالي: إدانة بن سلمان في مقتل الصحافي خاشقجي، والأهمّ وقف الدعم العسكري الأميركي للتحالف السعودي في حربه على اليمن.

كيف نقرأ ذلك؟

عبد الله الحكيمي: هذه قراءة تدل على وجود متغيّرات كبيرة وجوهرية، وليست عابرة. والحكومة السعودية في اعتقادي أدركت هذه المتغيّرات التي ستردّ عليها بشكل سلبي وخطير، وبخاصة أن هناك صراعاً مؤسّساتي في الولايات المتحدة ما بين عدّة أطراف مثل الكونغرس والإدارة والبنتاغون والمخابرات.

السعودية أدركت أنّ الأمور لا تسير في صالحها على المدى المستقبلي أو المنظور. لا شك أنّ السعودية بدأت تغيّر في سلوكها، وسياستها في المنطقة والإقليم شيئاً فشيئاً، وأعتقد أنّ زيارة الرئيس السوداني أمس إلى سوريا كانت تحمل رسالة من السعودية كنوع من المراجعات للسياسة السعودية المدمرّة التي اتخذتها.

مشكلة السعودية أنّها كانت تقوم بدور أكبر من قدرتها، وقوّتها الذاتية من أجل لعب دور إقليمي وأكثر من إقليمي. فمقوّمات الدور السعودي إذا ما تمّت مقارنتها بمصر الخمسينيات والستينات والسبعينات، أو حتى للدول التي هي أقل من مصر، كانت لهم مقوّمات الدور مثل القوّة البشرية والعسكرية والعلمية والاقتصادية. بالنسبة للسعودية، ليس لديها اقتصاد وطني منتج، بل لديها اقتصاد ريعي يعتمد على دخل البترول، الذي إذا انهارت أسعاره خلال أشهر انهارت معها الميزانية السعودية. وبالتالي فإنّ المال لم يصنع دولة في أية حال من الأحوال.

وفا سرايا: وهناك بعض التنازلات بحسب ما يُحكى، وهناك حصار للسعودية وعزلة بسبب ما خسرته من الحرب على اليمن، وقد أشرت إلى زيارة الرئيس السوداني إلى سوريا.

هل دفعتهم الخسارة في اليمن إلى تقديم تنازلات في ما يخصّ الأزمة السورية؟ أو ما يُحكى عن صفقة القرن والخوف من تمرير المزيد من التنازلات بحق القضية الفلسطينية بسبب ما خسرته السعودية في حربها في اليمن وسوريا؟

عبد الله الحكيمي: السعودية تحاول أن تتلافى بعضاً من نتائج السياسة غير الواقعية، وغير العلمية، والهوجاء التي كلّفت السعودية كثيراً على مدى الثلاثة العقود الماضية في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان، وهذه السياسة طبعاً جعلت السعودية تندفع من حيث أرادت أو لم ترد إلى اتخاذ خيارات ليست في صالحها. وقضية التقارب مع الكيان الصهيوني، والعمل لتنفيذ صفقة القرن، ما هي مصلحة السعودية من ذلك؟ ليس هناك مصلحة.

والسعودية لا تستطيع القيام بدور بهذه الضخامة إلا على حساب استنزافها، وهذا ما يضعفها، ويفقد خواصها. هذه قضية السعودية في أنّها لم تدرك حجم قوّتها، فتتصرّف وفقاً لهذا الحجم. الآن السعودية تتخبّط، وبالنسبة لليمن لا بدّ لها من أن تنهي الحرب، وتسحب قواتها من اليمن. لكنّ اليمن يحتاج إلى وقت لمعالجة آثار هذه الحرب لأنّهم خلّفوا لنا عشرات الميليشيات المسلحة تسليحاً ثقيلاً، ومجموعة من القوى المصلحية، وكذلك الفساد وتجارة المخدّرات، والانهيار الاقتصادي. الدولة منهارة. كيف نستطيع لملمة الدولة المنهارة ومؤسّساتها؟

وفا سرايا: أشرت أستاذ عبد الله إلى دور لما أسميته بالميليشيات، وكان هناك تقرير لأسوشيتد برس يوضح  بشكل مفصّل أنّ هناك الكثير من الأسلحة مستورَدة من الولايات المتّحدة وبريطانيا وهي بحوزة مليشيات تابعة للقاعدة. وهنا خطر التمدّد لهذه الحرب طيلة أربع سنوات في ما يخصّ داعش في اليمن.

إلى أيّ مدى كان هذا عاملاً سلبياً لتعزيز قوّة ونفوذ هذه التنظيمات الإرهابية؟

عبد الله الحكيمي: وقد آلت هذه الأسلحة إلى الجماعات الإرهابية بالفعل، وكلّ تسليحها غربي. في الواقع أنّ هذه الدول الغربية ليست في معزل عن معرفة ما يدور، وهي شريكة في هذا القرار، فمنذ بداية الحرب فإنّ الخبراء العسكريين الغربيين كان يديرون غرفة العمليات، وكانت المؤتمرات الصحفية لهذه القوى المفرطة في التطرّف تنقل في وسائل إعلامهم، وكانت ترحّب بتحالف العدوان، وتعلن الحرب إلى جانبها ضد المجوس والفرس بحسب ما يقولون.

وقد عرف الغرب أنّ إغراق اليمن بالمجموعات التكفيرية الإرهابية بالإضافة إلى مجموعات التجارة بالمخدّرات والفساد السياسي والإداري والمالي، كل ذلك سيجعل اليمن غابة من الأسلحة والتوتّرات ما يؤدّي إلى انهيار الدولة. وترسل شرورها إلى منطقة الجوار الإقليمي وما هو أبعد من ذلك. ولهذا هم يريدون إعادة ضبط الإيقاع في اليمن، وأميركا تريد إيجاد صيغة سياسية، وحتى قرار مجلس الأمن في ما يخصّ اقتراح بريطانيا تم إرجاؤه كأسلوب من أساليب الضغط على المتفاوضين.

وفا سرايا: أريد أن أناقش هذه النقطة أستاذ عبد الله في ما يخصّ تصويت مجلس الأمن على مشروع قرار بريطاني يكرّس تفاهمات السويد وستوكهولم.

لكن سنذهب إلى مقتطف من الأخبار اللبنانية في ما يتعلّق بهذه المحادثات، وما تمّ التوصّل إليه، والارتياح في صنعاء والانزعاج لدى الأطراف الأخرى، للأستاذ لقمان عبد الله، ونعود لمتابعة النقاش.

 

الأخبار اللبنانية: ارتياحٌ في صنعاء، وانزعاج لدى الأطراف الأخرى/ لقمان عبد الله

 

لقيَ اتفاق الحديدة لوقف إطلاق النار ارتياحاً واضحاً في صنعاء، فيما تبدي القوى المحلية التابعة للتحالف انزعاجاً كبيراً، وتظهر تصرّفات تلك القوى أنّها ستحاول تعطيل الاتفاق بأيّ شكل. إلى جانب ذلك، لا تزال طائرات دول التحالف تغير على مواقع في الحديدة، سقط خلالها أول أمس خمسة ضحايا مدنيين، جرّاء عشرات الغارات على أطراف المدينة.

من المتوقّع أن يجري التصويت في اليومين المقبلين على مشروع القرار البريطاني في مجلس الأمن، ومن المتوقّع أن يضاف إلى المشروع المذكور، اتفاق السويد بين الأطراف اليمنية. تتعرّض اتفاقية السويد بشأن الحديدة لاختبار حقيقي، إذ أنّ (الشرعية) الذي وقع الاتفاق غير منسجم، ويمثّل أطرافاً وجهات متعدّدة، بعضها متضرّر من الاتفاق، ويعمل على تقويضه، فضلاً عن عدم الاعتراف به في الأساس. وترى هذه الأطراف أنّ الاتفاق فرضه المجتمع الدولي عليها، فيما تفضل هي الاستمرار في العمليات العسكرية.

المسؤولون في دولة الإمارات والسعودية، رحّبوا بحذر باتفاق السويد، إلا أنّ النخب القريبة من دوائر القرار، التي يسمح لها بالتعليق على الأحداث، لا تعكس رأي الموقف الرسمي، بحيث لم تبد ارتياحاً، وأظهرت تحفظاً كبيراً على مجمل المفاوضات، واصفين إيّاها بالعبثية. كذلك رأوا أنّ الاتفاق قدّم تنازلاً مهماً لصنعاء.

الأكاديمي عبد الخالق عبد الله، المقرّب من وليّ العهد في أبو ظبي، قال في تغريدة إنّ اتفاق اليمن هو اتفاق المضغوطين.

 

وفا سرايا: ننطلق من العبارة الأخيرة: اتفاق المضغوطين. فالتصويت على المشروع البريطاني الذي يستند إلى اتفاقات السويد.

هل هذا يأتي في إطار الإجماع الدولي، وسقوط الأوراق بالنسبة للتحالف الأميركي السعودي وما أراد تحقيقه طيلة أربع سنوات؟ وهذا انتصار سياسي ودبلوماسي حقّقه وفد صنعاء استناداً إلى أرضية الواقع  الميداني.

 

عبد الله الحكيمي: دعيني أبدأ من المضغوطين، وهذا تعبير دقيق. التحالف الذي تقوده السعودية وقع بين مطرقةٍ وسندان، مطرقة الصمود الأسطوري للجيش واللجان الشعبية الذي قاوم حربه وعدوانه، وبين القوى التي يعتمد عليها، وهي القوى المحلية التي أدارت الأمور بما يكفل مرواحة الوضع، أي لا سلم ولا حرب، وهذا من أجل استمرار الاستنزاف المالي، وهذا من أجل توضيح كلمة المضغوطين.

بالنسبة لقرار مجلس الأمن الدولي، فإنّ إرجاءه كان أسلوباً من أساليب الضغط، بمعنى أنّ إذا لم ينتج من محادثات استوكهولم إنجاز لا بأس به، فإنّ قرار مجلس سيكون له صوغ آخر.

أهمية مسودة القرار البريطاني الذي سيصوّت عليه غداً على ما يبدو أنّه لأول مرّة تقريباً سيشير إلى الأطراف الخارجية ودورها ويطالبها بعدم وضع العراقيل أمام التسوية السياسية. طبعاً، هذا له إشارات كثيرة وهي أنّ الولايات المتحدة ومعها بريطانيا تريد أن تدير التسوية السياسية القادمة من خلال المفاوضات التي ستستمر في يناير وما بعد يناير، لكي تحصل منها سياسياً على نصيب الأسد، فيكون لها نصيب كبير من الكعكة، بحيث يكون القرار السياسي في يد قوى محسوبة على أميركا وبريطانيا، وإن كانت تموّل من السعودية والإمارات مالياً. لكن الثمرة تقطفها أميركا كما هي عادةً في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وفا سرايا: لكن هل يسمح لها ذلك؟ وهي في الميزان الرابح أم الخاسر؟

عبد الله الحكيمي: هنا أقصد أميركا ومعها حلفاؤها المقرّبون، وهناك مشاكل تدور في فرنسا وفي بلجيكا. وكل طرف في المفاوضات يحاول أن يحصل على أقصى ما يمكن أن يحصل عليه في ظل توازن بين القوى الموجودة. لكن هناك قوّتان رئيستان كطرفين في الأزمة أنصار الله والمؤتمر الشعبي العام، والطرف الآخر حكومة هادي والمجموعة كلها، وهي أحزاب اللقاء المشترك السابقة. إذا أرادوا أن يطبّقوا المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية فهي في الحقيقة الحوار كان بين أحزاب، ليس بين سلطة وطرف آخر.

لكن الخطأ في المفاوضات السابقة أصرّوا أنه يجب أن تكون بين حكومة أسموها شرعية وبين متمرّدين، وقد قالوها بهذه الصياغة( متمرّدون على الشرعية). وكل الحوارات التي دارت منذ 2011 في موفينبك وغيره، والذين وقّعوا على المبادرة وآلياتها التنفيذية، والذين قاموا بالمخرجات الوطني كانوا أحزاباً، وليست حكومة، وهنا الخطأ، ولعلّه كان مقصوداً بحيث يؤدّي إلى إرباك المشهد، وإطالة أمد الحرب حتى يتمّ الاحتواء المزدوج للأطراف.

وفا سرايا: أستاذ عبد الله، وبشكل سريع، إذا نجح تطبيق الاتفاق صباح الغد، وأوقف إطلاق النار في الحديدة وتمّ إطلاق الأسرى كما ورد في استوكهولم. ماذا بعد ولو بأقلّ من ثلاثين ثانية؟

عبد الله الحكيمي: بالنسبة للأسرى يكاد الملف يكون منتهياً، بالرغم من أنّ هناك قتلاً للأسرى وهم أحياء، وفيه بيع أسرى للسعودية والإمارات، لكنّ الملف في طريقه إلى الانتهاء. القضية الجوهرية هي تعز، لماذا أصرّوا على عدم البتّ في ما يخص تعز؟ لأنّ تعز جغرافياً هي فاصلة ما بين خطوط إمداد بين قوات التحالف العربي التي تقاتل على الحدود وبين الساحل في الحديدة.

وفا سرايا: الممتد من باب المندب إلى الحديدة.

عبد الله الحكيمي: من باب المندب تعز إلى حيس، والساحل الغربي يمتد إلى ميدي وأبين، لكن هم عرقلوا الحل في تعز، بالرغم أنّه متيّسر، ويحصل وقف إطلاق كامل في المحافظة.

وفا سرايا: ماذا بعد؟ هل نحن أمام حلّ سياسي شامل أستاذ عبد الله؟ الوقت انتهى لو سمحت

عبد الله الحكيمي: لو وافقوا على حل في تعز لحوصرت قواتهم في الحديدة. أعتقد أنّ الحل قادم، ولا شكّ في ذلك، لأنّه لا بديل غير ذلك، وهذا ما يأتي بعد قرار مجلس الأمن الدولي الذي سيقرّغداً أو بعد غد. بالنسبة للاتفاقيات الأخرى تعز ستكون آخر المطاف، لأنهم يحتاجون لها كمرور قوّاتهم وإمدادتهم اللوجستية إلى الساحل الغربي.

وفا سرايا: وهذا ما قلته أنّ تعز يراد منها أن تبقى بؤرة فوضى في القتال، ومعبراً للتحالف.

على كل الأحوال، للأسف انتهى الوقت معك سعادة السفير في وزارة الخارجية اليمنية الأستاذ عبد الله سلام الحكيمي، مرّحب بك دائماً على شاشة الميادين، شكراً جزيلاً لك.

والشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكارم على طيب متابعة حلقة اليوم من حوار الساعة.

في أمان الله.