لعبة الأمم

برنامج حواري أسبوعي يرصد القضايا والملفات السياسية الساخنة أو الباردة الإقليمية والدولية من منظار جيو - سياسي. يقارب ما تفرضه الجغرافيا بكل عناصرها من متغيرات في تحديد السياسات العامة للدول وبالتالي في رسم الاستراتيجيات السياسية والامنية والعسكرية.

السودان انتفاضة داخلية أم مؤامرة خارجية؟

لماذا تحولت المطالب الاقتصادية والاجتماعية في السودان إلى المطالبة برحيل الرئيس عمر حسن البشير؟ من هي القـوى الخارجية التي يتهمها البشير بالمؤامرة ضد بلاده؟ أين هي الدول العربية الغنية التي وقف البشير معها ؟ لماذا لا تساعده اقتصادياً؟ وهل لزيارة الرئيس السوداني إلى سوريا علاقة بتسريع الخطـوات في الداخل ضده؟

 

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". ما كاد (السودان) يبدأ في الخروج من عين العاصفة الأميركية بعد سنواتٍ على انفصال جنوبه الغنيّ حتّى انتفض سودانيون في العاصمة (الخرطوم) ومناطق مُختلِفة من البلاد. بدأت التظاهرات برفعِ شعاراتٍ اقتصادية ومعيشية واجتماعيّة ثمّ سُرعان ما تحوّلت إلى مطالِب سياسية وصلت إلى حدّ المُطالبة برحيل الرئيس "عُمر حسن البشير". ألِفنا في الوطن العربي مثل هذه المشاهِد منذُ ما وُصِفَ بـ "الربيع العربي"، بذلك انقسم الناس بين قائِلٍ أنّ ما يحدُث في (السودان) هو مطالِب شعبيّة مُحِقّة وبين متبنٍّ لرأي "البشير" من أنّ في الأمرِ مؤامرة خارجيّة. هؤلاء قاموا اليوم بتظاهرة كبيرة مؤيِّدة لـ "البشير" قابلتها تظاهرة أُخرى. وفيما بقي الجيش مؤيداً للدولة بقيادة "البشير" دعونا نطرح الأسئِلة التالية في هذه الحلقة، من هي أولاً الجهات التي تتظاهر؟ هلّ كلّها تنطلِق من مطالِب معيشية؟ أم ثمّة أيضاً تصفية لحسابات سياسية داخليّة؟ لماذا وقعت الاحتجاجات بعد أيام قليلة على عودة "الصادق المهدي" إلى (السودان) بعدما كان قد غاب عنه منذ بداية العام عقِبَ اتهام السلطات له بمُحاولة قلب النظام بالقوة وهو ما يُحاكِم عليه القانون السوداني بالإعدام. لماذا انفجر الوضع في (السودان) بعد أسابيع قليلة على تسريباتٍ إسرائيلية تؤكِّد قرب زيارة "نتنياهو" إلى (الخرطوم)، وهو ما نفته بشدّة السُلطات السودانية؟ لماذا انفجر الوضع بعد أقلّ من أُسبوع على زيارة الرئيس "البشير" إلى (دمشق)؟ من الذي غضِبَ من "البشير" في الأشهُر القليلة الماضية حين منحت (تركيا) حقّ استغلال جزيرة "سواكن" الهامة؟ أين هي حدود الصراع السعودي الإماراتي من جهة والقطري التُركي من جهة ثانية عبر (السودان)؟ ماذا تُريد (أميركا) حالياً من الرئيس "عُمر حسن البشير"؟ هلّ لما يحصل علاقة بصفقة القرن المشؤومة؟ أم فعلاً كلّ ما يحصل هو نتيجة مطالب داخليّة؟ وللإجابة على كلّ هذه الأسئِلة يُسعدني أن أستضيف في حلقة اليوم كلّاً من السفير الفرنسي السابق في (السودان) السيّد "ميشال ريمبو"، وهو كاتب له كتاب مهم عن (السودان)، أهلاً وسهلاً بك سعادة السفير. معنا أيضاً الدكتور "عُبيد الله محمّد عبيد الله"، وزير الدولة السابق في الخارجية وقيادي في "المؤتمر الوطني" من (الخرطوم)، أهلاً وسهلاً بك. ومن (لندن) معنا الدكتور "محمّد الأنصاري" ممثل "حزب الأُمّة" القومي في (بريطانيا)، رئيس الحزب في (بريطانيا)، أهلاً وسهلاً بك. ومعنا من (القاهرة) ضيفنا الدائِم حين يتعلّق الأمر بـ (أفريقيا) الدكتور "هاني رسلان" رئيس "وحدة (السودان) وحوض النيل" في "مركز الأهرام". سعيد بوجودكم معنا وسنبدأ هذه الحلقة إن شاء الله بعد لحظات

المحور الأول

سامي كليب: أهلاً بكم جميعاً أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" وأهلاً بضيوفي الكرام. فقط في بداية هذه الحلقة اسمحوا لي أن أتوجّه بالتعازي لعائِلة القيادي السابق رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي في (لبنان) السيّد "جبران عريجي" الذي توفّى الليلة، رحمة الله عليه وكلّ التعازي لعائِلته. لنستمع أولاً أعزّائي المُشاهدين إلى ما قاله الرئيس "عُمر حسن البشير" اليوم في تجمُّع كبير في (الخرطوم)

عمر حسن البشير – الرئيس السوداني: إدارة السلطة هي قرار الشعب السوداني، قراركم أنتم من خلال صناديق الاقتراع في انتخابات حرّة نزيهة، من يحكم (السودان) هو أمر يرجع إلى الشعب السوداني ويختاره الشعب السوداني، والذي يختاره الشعب السوداني نأتي به ونحييه فوراً. حاربونا، غزونا، قصفونا في الداخل في (الخرطوم)، حاصرونا اقتصادياً، حاربونا اقتصادياً، دخلوا من أجل تركيع (السودان) و(السودان) لن يركع إلّا إلى لله سبحانه وتعالى. يريدون أن يُركِعونا، يريدوننا أن نخسر أنفسنا، يريدون أن يُذِلّونا بالدولارات والقمح وغيره

سامي كليب: يعني واضح أنّ الرئيس "عُمر حسن البشير" يتوجّه إلى الخارِج، يعتبر أنّ في الأمر مؤامرة ولافت كلامه، ليس فقط عن الغزو والقصف ولكن أيضاً عمّن يُريد تركيع (السودان) بالدولار والقمح كما يقول. دكتور "عُبيد الله محمّد عُبيد الله"، معالي وزير الدولة السابق في الخارجية والقيادي في "المؤتمر الوطني"، مَن يعني الرئيس "عُمر حسن البشير"، لكيلا نبقى في الألغاز، مَن هي الأطراف التي لم يُسمِّها عملياً؟

عبيد الله محمّد عبيد الله: بسم الله الرحمَن الرحيم، شكراً أخي العزيز ودعني اُرحِّب أيضاً وأضمّ صوتي إلى صوت قناة "الميادين" بالإخوة الضيوف الكرام الدكتور "هاني رسلان" والأخ الدكتور "عُمر الأنصاري" والسيّد السفير "ميشال". ما من شكّ طبعاً، (السودان) ظلّ في السنوات الأخيرة تحديداً يواجه الكثير من التحديات الاقتصادية والسياسية وربما كذلك الأمنية. الذين يعرِفون (السودان) جيداً ويُتابعون تطوّرات الأحداث فيه يُدرِكون هذه المعلومة تماماً. ظلّ (السودان) لفترة طويلة جداً يُجابه هذه التحديات في البحث عن حلول واقعيّة لمثل هذه المُشكلات السياسية والاقتصادية والأمنية. وكذلك، لعلّنا جميعاً نُدرِك أنّ هنالِك الكثير من الإشكاليات التي ظلّ (السودان) يُعاني منها أمنياً، ظلّت هنالِك جيوب كثيرة جداً وهنالِك دوائِر دعني أُسمّيها أجنبية بصورةٍ أو أُخرى تلعب دوراً في تحريك هذه المُشكلات تماماً وخلق البؤر والفِتَن لـ (السودان)، وليست مُشكلة جنوب (السودان)عنّا ببعيدة، الذي انفصل عن (السودان) واستغلّ لذاتِه قبل سنوات مضت. كلّ العالم يُتابِع هذه المسألة عن قرب، وعندما يصف فخامة الرئيس "عُمر البشير" ما يجري في (السودان) بأنّ هنالِك، نعم

سامي كليب: آسف لمُقاطعتك      

عبيد الله محمّد عبيد الله: عندما يصف فخامة الرئيس المُشير "عُمر حسن أحمد

سامي كليب: آسف لمُقاطعتك، فقط لكي يفهم المُشاهِد العربي خصوصاً أنّ قلوب العرب اليوم على (السودان) كما كانت على دُوَل أُخرى عاشت في الواقع ما يحصل الآن في (السودان). يعني حضرتك أيضاً، يبدو أنك لا تريد أن تقول مَن هي هذه الدول. حين نتحدّث عن دول خارِجية هلّ هذا يعني (أميركا)، هلّ يعني (إسرائيل)، هلّ يعني دول عربية مُعيّنة؟ هلّ يُشير إلى تغيُّر مناخ عربي - عربي مُعيّن حيال (السودان) الآن؟ لذلك طرحت عليك السؤال وأتمنّى عليك أن تقول لنا مَن يعني في هذا الكلام

عبيد الله محمّد عبيد الله: قطعاً أخي، ليس هنالك ما يمنع من أن نُسمّي الأشياء بمسمّياتها تماماً وليس في ذلك مانعٌ قطعاً. أنا أستطيع أنّ أقول إنّ (السودان) ظلّ يواجِه مثل هذه التحديات ومثل هذه المؤامرات الخارجية لفترةٍ طويلة، وربما منذ الاستقلال حتّى يومنا هذا. وعندما أشرت إلى مُشكلة الجنوب لأنني أعتقد أنّها كانت صنيعة غربيّة تماماً شهد عليها الكثير من مراكز الدراسات والبحوث بل والغربيين أنفُسهم، وفي هذا يُمكن أن أقول إنّ الولايات المتحدة الأميركية على وجه التحديد ظلّت لسنواتٍ طوال تدعم وبقوّة شديدة الحركة الشعبية المُتمرِّدة في جنوب (السودان) وظلّت تمدّها بالمؤن والمُعينات العسكرية وفي التدريب لأفرادها العسكريين وغير ذلك، وظلّت تُلوِّح بين الحين والآخر بضرورة أن تجد لجنوب (السودان) استقلالاً تاماً عن بقيّة (السودان)، وهكذا تصاعدت الحرب الأهلية في جنوب (السودان) إلى أن انتهت بانفصال الجنوب عن (السودان) وقيام دولة الآن في جنوب (السودان) وهي الأُخرى لم تنجو من مثل هذه الإشكاليات الأهلية حيثُ دارت فيها الكثير من الحروب. أنا أقول أنّ هنالِك مؤامرات لا شكّ في ذلك، هنالِك تدخلات خارجية وهنالِك دوائِر أجنبية لها مصلحة في أن يظلّ (السودان) في حال عدم استقرار وأن يظلّ في حال نزاعات داخلية مُستمرّة لأنهم يُدرِكون جيداً أنّ (السودان) دولة لديها الكثير جداً من الموارِد ودولة لديها الكثير من الممتلكات إذا ما تمّ استغلالها وتوظيفها بالطريقة السليمة والصحيحة يُمكن لـ (السودان) أن يُصبِح في مصاف الدول الكُبرى والمُتقدّمة إن شاء الله

سامي كليب: حسناً. دكتور "محمّد الأنصاري"، واضح أنّ ميل الدولة السودانية برئاسة الرئيس "عُمر حسن البشير" إلى تحميل المسؤولية في الدرجة الأولى إلى الخارِج حتّى ولو أنّ "البشير" تحدّث أيضاً عن هموم الداخل ووعَدَ بتطوّرات اقتصادية قد تحصل قريباً إن شاء الله. ما هي قراءة حضرتك، قراءة حزبك للذي حصل؟

محمّد الأنصاري: في البدء أتقدّم لكم مُجدّداً بالشُكر على هذه الاستضافة

سامي كليب: أهلاً بك

محمّد الأنصاري: وأُرحِّب بضيوفك الكرام ومشاهديك الكرام

سامي كليب: أهلاً بك

محمّد الأنصاري: بالنسبة للأوضاع في (السودان) حالياً، طبعاً الأوضاع متأزّمة جداً جداً، وفي ما يتعلّق في سؤالك وحتّى أستفيد من الفُرصة المُتاحة، لا توجد أيّة أياد خارِجية في الوضع الحالي في (السودان)، والوضع الحالي في (السودان) مُفتَعل من قِبَل الحكومة السودانية لأنّ الحكومة السودانية لديها عدد كبير جداً جداً ورصيد كبير من نقض المواثيق والعهود في التواصل مع أبناء الشعب السوداني. بالنسبة لما يتعلّق في انفصال الجنوب، أيضاً ليس هناك أياد خارِجية في هذا الأمر، هو سوء إدارة وسوء تخطيط من قِبَل "حزب المؤتمر الوطني"، فهو كان حريصاً على فصل الجنوب، ونَشَط تيار كبير داخل "المؤتمر الوطني" يقوده "الطيِّب مُصطفى" وهو خال الرئيس "عُمر البشير" وهو كان يدعو للانفصال وعمِلَ لهذا الأمر في همّة كبيرة وفي النهاية للأسف تمكّن من تحقيق فصل جنوب (السودان). في ما يتعلّق في الحركة الشعبية فهي كانت حزباً سودانياً أصيلاً لديه مطالِب مشروعة وهي المواطنة والحقوق المتساوية، وهم ينادون بأبسط مقومات للإنسان في بلاده والدكتور "جون" قال أنّه كان أحد القادة  

سامي كليب: لو سمحت لي دكتور "محمّد"، دكتور محمّد إسمح لي بمقاطعتك، سنعود إلى مسألة الجنوب وهلّ كان هناك تدخُّل إسرائيلي أو غير إسرائيلي في ذلك بعد الموجز مُباشرةً. ولكن الآن كمدخل، الذي يحدُث في (السودان) حالياً واضِح أنّ هناك قاعِدة اقتصادية أو أسباباً اقتصادية خلفه، ولكن طبعاً الدولة تُحمِّل المسؤولية الأولى برئاسة الرئيس "البشير" للخارِج. هلّ يُمكن أن تقول لنا ما هي الأسباب الداخلية ولو بشكلٍ مُختَصر؟

محمّد الأنصاري: بالنسبة للأسباب الخارجية هي شمّاعة دائِماً يلجأ إليها الحزب الحاكم في تعليق فشله في إدارة الدولة، فمنذ وصولهم للسلطة عبر انقلاب عسكري في عام 1989 قالوا بأنّ (أميركا) و(روسيا) غداً عذابهما، فهذا كان أول تدويل للمُشكلة السودانية وإدخال محاوِر أصلاً غير موجودة في الصراع السوداني. في ما يتعلّق في المُشكلة الحاليّة فإنها مُفتعلة أيضاً من حزب "المؤتمر الوطني" في إدارة البلاد، فالمواطن يُعاني من الأشياء البسيطة مثل الخُبز والطعام والصحّة والتعليم والخدمات الأساسية، فكلّ هذه الأشياء في مقدور الدولة توفيرها إذا كانت دولة غير فاسِدة وتدعم بشفافية وتدير أمور البلاد وموارِدها بنهجٍ وطني وديمقراطي، ولكن للأسف، الحركة الإسلامية في (السودان) فشلت فشلاً ذريعاً وهي من أكثر الأحزاب السودانية التي وجدت فُرصة في حُكم البلاد. فمنذ الاستقلال لم يتمكّن الشخص السوداني أو "الحزب السوداني الوطني" أو أيّة مجموعة سودانية بالانفراد بالسُلطة لمدة ثلاثين عاماً، فهذه فرصة ذهبية لكن للأسف أضاعتها "الحركة الإسلامية في السودان" في خلافات شخصية وانقلبوا على الدكتور "حسن التُرابي" وبعدها انفردوا بالسلطة وأصبح الفساد يضرُب كلّ موارِد البلاد. ولذلك أنا لا أعتقد أنّ ما يحدث في (السودان) فيه أياد خارِجية أو أي ٍ من الدول أو أيٍّ من الأطراف لديها مصلحة حقيقية في عدم الاستقرار في (السودان)، ولكن لديهم مصلحة حقيقية في الاستمرار في السُلطة وهم الحزب الحاكم. فلذلك هم حريصون على الاستمرار في السُلطة غصباً عن الشعب السوداني حتّى ولو كلّفَ ذلك قتل آلاف المتظاهرين وكلّفَ ذلك تبديد ما تبقّى من موارِد البلاد وبيع أراضي البلاد وغيرها من الأشياء

سامي كليب: حسناً. استمعنا أعزّائي المُشاهدين إلى وجهتيّ نظر، وِجهة نظر الدولة بقيادة الرئيس "عُمر حسن البشير" تتحدّث عن أنّ أبرز ما يحصل هو بموجب مؤامرة خارجية ورأي آخر من الأحزاب المُعارِضة تقول لا، المُشكلة هي في الداخل والمُشكلة مع النظام الحالي. لكي نوسِّع النقاش أكثر، اسمحوا لي فقط أن نرى ما هي أبرز مطالِب "الجبهة الوطنية للتغيير" قرأها "عبد القادر إبراهيم" رئيس حزب "الشرق" السوداني بشكلٍ سريع

عبد القادر إبراهيم: تشكيل مجلِس سيادة انتقالي يقوم بتولّي أعمال السيادة، تشكيل حكومة انتقالية تجمع ما بين الكفاءات والتمثيل السياسي من دون مُحاصصة، حلّ المجلس الوطني ومجلِس الولايات وتعيين مجلِس وطني توافقي من مئة عضو، إعادة هيكلة الحُكم الولائي والمحلّي وفق مكوّنات الحوار الوطني، اتخاذ إجراءات وتدابير اقتصادية عاجلة، بسط الحريات العامة واستعادة الديمقراطية، استغلال القضاء وسيادة حكم القانون، دعم القوات النظامية ورفع قُدرتها القتالية والنأي بها عن الاستقطاب السياسي لضمان حركتها وماهيّتها للقيام بمهامها الدستورية

سامي كليب: حسناً، واضحة هذه المطالب. قبل أن أسأل سعادة السفير "ميشال ريمبو"، وهو طبعاً خبير جداً في شأن (السودان) وعنده كتاب قيِّم جداً كتبه في العام 2012 وأعاد كتابته وإضافة أجزاء إليه وسيخرُج قريباً إلى الأسواق. ولكن قبل أن أتوجّه إليك سعادة السفير، إسمح لي أيضاً أن أمرّ إلى وجهة نظر مصرية من خبير قي شؤون (السودان) و(أفريقيا) الدكتور "هاني رسلان" رئيس "وحدة السودان وحوض النيل" في "مركز الأهرام". دكتور "هاني"، حضرتك كنت قبل أيام تقول إنّ الموقف غامِض وقد يحدُث سقوط غير مُنظّم للنظام السوداني، مواقف المُعارضة باهتة ولا يبدو لها أيّ تأثير في توجيه الأحداث. هلّ ما زلت عند رأيك؟

هاني رسلان: نعم، دوّنت هذا الرأي في الأيام الأولى للانتفاضة السودانية لكن بعد ذلك تطوّرت الأحداث وأصبح هناك نوع من التنسيق بين القوى السياسية المُعارِضة وبين تجمُّع المهنيين الذي يُسيِّر الآن المواكب التي تُطالب بتنحّي الرئيس "البشير" وآخرها كان اليوم في مدينة (أم دُرمان) في اتجاه البرلمان السوداني لتسليم مُذكّرة في هذا المعنى. في الحقيقة، الأزمة في (السودان) هي أزمة داخلية بامتياز لأنّ شرارة الأحداث انطلقت بسبب النقص الكارِثي في الخُبز وفي الوقود، ولكن أيضاً كان هناك اختناق سياسي لأنّ السُلطة مُحتَكرة من قِبَل حزب "المؤتمر الوطني" الحاكم، والتسويات والحوار الوطني وغيرها من التحرّكات السياسية التي تقوم ثبتَ في اليقين أنّها مُجرّد مناورات محدودة لاستيعاب المُعارضين وشق صفوفهم ووضعهم في مواقع هامشية وشكلية والاحتفاظ بجوهر السُلطة. لكن في نهاية المطاف المواطن السوداني تعنيه الخدمات الأساسية التي أصبحت في غير متناول النسبة الأكبر من السودانيين، وليس هناك فشل أكبر من هذا

سامي كليب: أوكي

هاني رسلان: يعني ثلاثون عاماً في السُلطة ثمّ ينتهي الأمر في صعوبة شديدة في الحصول على الخبز وعلى الوقود

سامي كليب: سعادة السفير "ميشال ريمبو" حضرتك منذ بداية الأحداث في (السودان) لا بلّ قبل الكثير من المُحلّلين والمُعلّقين العرب كنت تضع الإصبع على عاملين، الأميركي والإسرائيلي وأضفت إليهما عاملاً آخر هم الإنجيليون كما تقول. حين تُشاهِد (السودان) اليوم هلّ تعتقد أنّ ما يحصل هو شأنٌ داخلي فقط فعلاً؟

ميشال ريمبو: لا طبعاً، أولاً شكراً دكتور "سامي"   وقناة "الميادين" لاستضافتي، وكلّ عام وأنتم وجميع المُشاهدين الكرام بخير

سامي كليب: وأنتم بخير سعادة السفير

ميشال ريمبو: في المقام الأول، أنا أُريد أن أذكُر مثلاً الحركة المطلبية المعيشية في (السودان)، طبعاً لها أسباب داخلية من دون شك ولكن هناك أسباب خارجية كثيرة وتدخلات أجنبية أكثر من الأسباب الداخلية. بالنسبة للأسباب الداخلية فرضاً، بعض العوامل وأسباب الشكوى وأسباب التذمّر الأسباب الاقتصادية في المقام الأول. الأزمة الاقتصادية طبعاً تأتي في إطار مرّ السنوات على انفصال (السودان) بين الجنوب وبين الشمال والخسارة في العائِد النفطي نتيجةً للتقسيم ولانفصال الجنوب والعقوبات أيضاً، العقوبات الأميركية والغربيّة التي ما زالت موجودة ضدّ (السودان). بعد ذلك، هناك نقص في المواد الغذائية والأساسية المختلفة، في الوقود والنقود والسيولة المالية وكلّ هذا مُرتبِط بالاقتصاد المتدهوِر منذ سنوات. في ما بعد وفي الأخير المُغامرات العسكرية للحكومة السودانية خاصةً في (اليمن)، أظنّ أنّ شعبية الحكومة تأثرت كثيراً في الاتجاه السلبي يعني المغامرة السودانية، المُشاركة السودانية في حرب (السعودية) ضدّ الشعب اليمني، فهذا يعني مؤسِف. بعد ذلك، أظنّ أن هناك أيضاً الملل والاستياء من الشعب السوداني بحيث ضعُفت ثروته بعد ثلاثين سنة، بعد الانقلاب العسكري قبل ثلاثين سنة، ثلاثون سنة في الحُكم مدة طويلة وأيّ حُكم في الدنيا يتعب الشعب منه في كلّ الأحوال. لكن بخلاف الأسباب الداخلية أظنّ أنّ هناك أكثر بكثير، على مستوى أكبر بكثير من الأسباب الداخلية هي التدخلات الأجنبية. فحين نرى ونسمع الشعارات المُستعملة في إطار هذه الحركة المطلبية المعيشية والاحتجاجية في (السودان) ضدّ نظام الرئيس البشير، نسمع فقط "نريد إسقاط النظام" و"تنحية الرئيس" وحتى تسمية التظاهرات مثلاً "جمعة الخبز" و "الحريّة" و"الغضب" و"التغيير" وكلّ الأساليب ونمط التكتيكات واللغة والكلام المُستعمَل وفي الأخصّ استعمال وسائِل التواصُل الاجتماعي في تطوُّر الأحداث، هذا كلّه يُذكّرنا بشيء سمِعناه ورأيناه في وقتٍ مُبكِر

سامي كليب: في (سوريا) وغيرها

ميشال ريمبو: في (سوريا) وفي دول أُخرى                          

سامي كليب: سعادة السفير بعد الفاصل لو سمحت لي، على كلّ حال لك كتاب أيضاً مهم جداً عن (سوريا)، وكنت من أجرأ الناس الذين كتبوا عمّا حصلَ في (سوريا) منذ البداية حتّى اليوم. دقائِق قليلة أعزّائي المُشاهدين وضيوفي الكرام ونعود لنُكمِل هذا النقاش بعد أن استمعنا إلى وجهات النظر جميعها

المحور الثاني

سامي كليب: هذه أعزّائي المُشاهدين التظاهرات في الداخل وفي خارِج (السودان) على مدى الأيام القليلة الماضية والتي وصل البعض منها إلى حدّ المُطالبة برحيل الرئيس السوداني "عُمر حسن البشير" بينما الدولة بقيادة "البشير" تقول أنّ هناك مؤامرة ولاعبين خارجيين. أعود وأُرحِّب بسعادة السفير الفرنسي السابق في (السودان) "ميشال ريمبو"، بالدكتور "عبيد الله محمّد عبيد الله" وزير الدولة السابق في الخارِجية وقيادي في المؤتمر الوطني في (السودان)، والدكتور "محمّد الأنصاري" ممثل حزب الأُمّة القومي من (بريطانيا) والدكتور "هاني رسلان" رئيس وِحدة "(السودان) وحوض النيل" في مركز "الأهرام" في (القاهِرة). حسب الوضع الاقتصادي أعزّائي المُشاهدين وضيوفي الكرام، وأرجو أن تُصحّحوا لي إذا كان هناك أي خطأ. حسب البنك الدولي: الديون الخارجية لـ (السودان) بلغت 54 مليار دولار منها 85 في المئة متأخّرات، بينما "مُعتزّ موسى" رئيس مجلِس الوزراء السوداني يقول إنّ الدَين الخارجي وصَلَ إلى 56 مليار دولار

- بلغت المُستحقات لصندوق النقد الدولي ملياري دولار

- إنّ نِسَب الديون الخارجية أعلى من الحدود الاسترشادية حيثُ بلغت 166 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي

- العقوبات الأميركية أنهكت (السودان) كما قال السفير "ريمبو"، عجز في الموازنة. الزراعة والصناعة شهِدتا نمواً سلبياً، المصارِف السودانية مشلولة عملياً حيال استقبال أو إرسال أيّة تحويلات مصرفية

- عجز الميزان التجاري بلغَ في العام الماضي أكثر من ستّة مليارات دولار

- نزاعات مُستمرّة في (دارفور) وجنوب (كوردوفان) وجنوب (النيل الأزرق) وغيرها تجعل سبعين في المئة من موازنة الدولة تذهب إلى الأمن

سامي كليب: لذلك ربّما ورغم كلّ التقارُب الذي حصل في الآونة الأخيرة بين (أميركا) بين (السودان) ورفع جزء من هذه العقوبات، إلّا أنّ الرئيس "عُمَر حسن البشير" وكأنّه عاد يوجِّه أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة الأميركية وإلى دول خارِجية لم يُسمِّها ولكنّها شبه معروفة الآن. نستمع إلى الرئيس "عُمر حسن البشير" وماذا يقول عن المؤامرة الخارجية ونعود إليكم

عمر حسن البشير – الرئيس السوداني: ظلّ التآمر يتواصل يا جماعة، وكان من الممكن أن نمشي في الطريق السهل والقريب وأن نبيع استقلالنا وكرامتنا وقرارنا بقليل من الدولارات. لا نلعب اليوم مع أناس من دون توجيهات من الخارِج، من السفارات أو من وكالات أنباء أو من مُخابرات خارجية. قمنا بدراسة وحدّدنا الحدّ الأدنى للأجور وأنه يُمكن زيادة الرواتب ووضعنا برنامجاً لزيادات الرواتب ستبدأ من هذا الشهر وليس الشهر الذي يليه

سامي كليب: معالي الوزير الدكتور "عُبيد الله"، الآن وكأنّ أصابع الاتهام تتوجّه مُجدداً من (السودان) إلى الولايات المتحدة الأميركية وكان حصل تقارب في السنوات القليلة الماضية بوساطة سعودية خصوصاً بعد أن دعم (السودان) (السعودية) في الحرب في (اليمن). ما الذي دعا (أميركا) الآن، إذا كنتم تتحدّثون عن وضع خارِجي، للقيام بخطوة ضدّ الرئيس "البشير" وما هي دلائِل ذلك مثلاً في الداخل؟ ما هي الدلائِل لديكم عن وجود مؤامرة خارجية أو عوامل خارجية؟

عبيد الله محمّد عبيد الله: نعم. أولاً يا أخي دعني أقول إنّ الاحتجاجات الأخيرة التي ظهرت في (السودان) هي احتجاجات مطلبيّة وتجد تفهّماً كبيراً من قِبَل الحكومة السودانية وليس هنالِك مسؤول أيّاً كان مستواه في (السودان) ينكر أنّ هذه الاحتجاجات هي احتجاجات موضوعية في بدايتها حيثُ ظهر العديد من الشباب من فئة عُمريّة معروفة وهي غير مُسيّسة في طبيعة الحال، بدأوا يحتجّون طبعاً على الضائِقة المعيشية التي اشتدّت في الفترة الأخيرة نتيجةً لإشكاليّات واجهت الشعب السوداني في معاشه في ما يتعلّق بتوفُّر الخبز. صحيح أنّ هنالك نقصاً في القمح وهنالك أيضاً نقص في كميات الوقود التي كانت تنساب بصورة طبيعية إلى (السودان)، وهنالك مُشكلة سيولة أيضاً كانت في المصارف. هنالِك جهود طبعاً منفصلة تبذلها الحكومة ولا تزال لتجاوز هذه الأزمة وقد بشّرَت بالعديد من السياسات في الأسابيع المُقبلة لتجاوز هذه المُشكلة، وهذه المُشكلة تجد تفهّماً حقيقياً ولا ينكرها أحد في أيّة حال من الأحوال ولكن للأسف الشديد هذه التظاهرات الاحتجاجية بدأت تأخُذ منحىً غريباً بعض الشيء إذ تدخّلت مجموعات كثيرة جداً وحاولت أن تقوم بعمليات التخريب وعمليات ما يُسمّى بالعُنف الثوري وأحرقت العديد من المرافق الحكومية والمحلّات التجارية وامتدّت الأيادي أيضاً حتّى إلى سرِقة العديد من الممتلكات الخاصّة للمواطنين وغيرها. في طبيعة الحال كان لا بدّ من أن تكون الحكومة حاضرة لحماية هذه الممتلكات العامة والخاصة في أقلّ قدرٍ ممكن من التدخّل بحيث ألّا تستخدِم أيّة قوّة مُفرِطة في ذلك، ولكن مع هذا سقطَ العديد من أبناء (السودان)، حوالى تسعة عشر قتيلاً نترحّم على أرواحهم ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبّلهم

سامي كليب: بالنسبة لـ (أميركا)

عبيد الله محمّد عبيد الله: هذه الاحتجاجات لم يُنكرها أحد من المسؤولين السودانيين وهي احتجاجات تجد تفهّماً وهي طبيعية جداً، ولكنني أريد أن أقول أنّ هنالِك حقيقةً مُحاولات لتوسيع حجم هذه الاحتجاجات وهنالِك دوائِر أجنبية وخارجية، وأنا مُصرّ على تسميتها لأنّ هنالِك دوائِر أجنبية وخارِجية. مَن يا تُرى يقوم بتوفير الدعم اللوجستي والدعم حتّى الإعلامي لمثل هذه الأحداث؟          أنا الآن أُشاهد تضخيماً مبالغاً فيه من قِبَل بعض القنوات الدولية لما يجري في (السودان)، وهنالِك أيضاً تناول للأخبار في طريقة تفتقد إلى المصداقية وتفتقد إلى المهنيّة إلى حدٍّ كبير جداً، وهذا كلّه لا يخدِم الغرض في (السودان) ونحن نعلم تماماً أن هنالك جهات في الشتات، ونحن نعلم تماماً أنّ هنالك جهات لها مصلحة في أن يظلّ (السودان) في حال عدم استقرار متتالية. لا أحد يستطيع أن ينكر أن الغربيين أو الكثير من الدول ظلّت تتدخّل في صورة أو أُخرى في بلادنا

سامي كليب: معالي الوزير، سيادة الوزير إذا كنت تسمعني، أعطنا دليلاً واحداً غير الإعلام، أعطنا دليلاً أنه فعلاً هناك تدخّلات خارِجية لكي يُصدِّق المواطن العربي أو السوداني الذي يُشاهدك الآن وأنا أُفسِح لك المجال لكي تقول لنا، هلّ فعلاً هناك مؤامرة خارجية، إذاً كيف تبدو؟ بخلاف الإعلام

عبيد الله محمّد عبيد الله: يا أخي دعني أقول، أنا أشكرك على هذا السؤال لكن أنا أتصوّر أنّ المواطن العربي واعٍ في درجة كبيرة جداً إلى ما يجري في (السودان) وما يجري في المنطقة والإقليم كافةً. الدول التي تريد عدم الاستقرار في (السودان) سواء كانت (إسرائيل) أو الولايات المتحدة الأميركية لم تُخفِ هذه النوايا في أية حال من الأحوال وإنّما أعلنت عنها مراراً في أكثر من مُناسبة. هلّ هنالك أحد يستطيع أن ينكر أنّ (إسرائيل) أعلنت أكثر من مرّة أنّ (السودان) يجب أن يكون مجموعة دويلات مقسّمة ومجموعة دويلات متعدّدة في جنوب (السودان) وفي (دارفور) وفي جنوب (كوردوفان) وفي (النيل الأزرق) وفي شرق (السودان)؟ أُعلِم ذلك منذ سنوات خلت وهي خطّة مرسومة، ويُعمل الآن

سامي كليب: حسناً، للأسف انقطع الاتصال ربّما بسبب أوضاع (السودان) الداخليّة. سنعود إليك معالي الوزير لكي نفهم أكثر أيضاً وجهة نظر الدولة السودانية. حسناً، دكتور "محمّد الأنصاري"، تحدّث معالي الوزير عن الولايات المتحدة الأميركية وسمّى بالإسم الآن (إسرائيل). دعني أقول لك بعض المعلومات التي ورَدت في الأسابيع والأيام القليلة الماضية:

- تقول القناة الإسرائيلية العاشرة قبل أقلّ من شهرين إنّ مسؤولاً خاصاً من الخارجية الإسرائيلية إسمه "بروس كاشدان" اجتمعَ قبل سنة مع مجموعة من المسؤولين السودانيين على رأسهم أحد المُقرّبين من رئيس جهاز الاستخبارات السوداني في حينه "محمّد عطا"

- عُقِدَ الاجتماع في مكتب رجل أعمال تُركي

 

مُقرّب من الرئيس "البشير" طُرِحت فيه احتمالات مُساعدة (إسرائيل) لـ (السودان) في مجالات الاقتصاد والصحّة والزراعة

- في العام 2016 نشرَ "باراك رايفيد" وهو أحد كبار مُحلّلي "هآرتس" أنّ مُساعِد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية "توم شانون" سمِعَ من مُضيفيه الإسرائيليين التأكيد على أهمية تقديم مُساعدات لـ (السودان) الذي ليس فقط قطعَ علاقاته مع (إيران) بل يمنع تهريب الصواريخ إلى قطاع (غزّة) أيضاً

سامي كليب: هنا السؤال، (إسرائيل) هلّ لها دور اليوم في (السودان)؟ أنا عملياً لا أُصدِّق كثيراً الإعلام الإسرائيلي ولكنّهم يذكرون وقائِع عملياً. دكتور "الأنصاري" 

محمّد الأنصاري: حسناً، مشكورون مُجدّداً. بالنسبة لـ (إسرائيل) لا أعتقد أنّ لها أيّ دور في ما يجري في (السودان) حالياً كما ذكرت آنفاً. الحكومة السودانية لديها جهود كبيرة ولديها مراكز دراسات وجّهت لها بعض التوصيات لإقامة علاقات مع (إسرائيل) والحكومة السودانية كانت ساعية سعياً حثيثاً في توطيد علاقاتها مع دولة (إسرائيل) ولكن للأسف عدم المُمانعة في إقامة علاقات ما بين (السودان) و(إسرائيل) لم يأتِ من الحكومة السودانية ولكن أتى من دولة (إسرائيل). فحسب مُتابعتي وحسب ما يصدُر في الإعلام من مسؤولين حكوميين في عدم وجود مانع من إقامة علاقات مع (إسرائيل) وأنّ (إسرائيل) دولة أصبحت واقعاً وهناك عدد من المسؤولين السودانيين قاموا بزيارات سريّة ولكن (إسرائيل) كانت تتحفّظ بعض الشيء في إقامة علاقات مع (السودان). فحسب وجهة نظري، الحكومة السودانية هي التي كانت حريصة على إقامة علاقات مع (إسرائيل) ولكن المُمانعة لم تأتِ منها

سامي كليب: دكتور "الأنصاري" إسمح لي، لأن هذا كلام دقيق وخطير. تتحدّث عن أنّ مسؤولين سودانيين ذهبوا إلى (إسرائيل) سرّاً وتقول أنّ (إسرائيل) ليست هي التي كانت مُتحمِّسة لإقامة العلاقات وإنّما (السودان) وأن الممانعة جاءت من قِبَل (إسرائيل). هلّ لديك دليل على هذا الكلام؟

محمّد الأنصاري: الدليل هو ما صرّح به المسؤولون السودانيون في أنّ (إسرائيل) أصبحت واقعاً ويتبارون في ما يُسمّونه في (السودان) بـ "المجلس الوطني" وهو حسبما عُرِف في أنّ الناس الذين يأتون إلى "المجلِس الوطني" يجب أن يكونوا منتخبين ولكن هذا لم يحدُث في (السودان)، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من الوزراء كانوا يُدافعون عن العلاقات وهذا الشيء ليس سرّاً وإنما موجود في دوائِر "المجلِس الوطني" وموجود في تصريحات عدد كبير جداً من المسؤولين السودانيين. ولكن (إسرائيل) أصبحت تُستَخدَم ذريعة في الفشل الذي تواجهه الحكومة السودانية. وعندما قامت الثورة في (السودان) في التاسع عشر من ديسمبر/ كانون الأول صرّح عدد كبير من المسؤولين السودانيين بأنّ حركة "عبد الواحد" حصلت على تمويل من (إسرائيل)، فحضر "عبد الواحد" ونفى هذا الأمر، وحركة تحرير "عبد الواحد" بالنسبة لي وبالنسبة لنا هي ذات مصداقية أكثر من الحكومة، وفي نفس الوقت هناك مجموعة أُخرى داخل الحكومة اتّهمت الولايات المتحدة الأميركية، وهناك مجموعة اتهمت دول "الترويكا" وهناك مجموعة اتهمت بأن عدداً من دول الاتحاد الأفريقي يشعرون أنّ "البشير" أصبح يُشكِّلُ خطراً عليهم. فلذلك، أيضاً وجهة النظر الحكومية في ما يتعلّق في التدخلات الأجنبية ومُحاولة تغيير الحُكم في (السودان) ليست ملتصقة مع ما يقوله المسؤولون الحكوميون، لذلك، أعتقد أنّ الحكومة السودانية يجب عليها أن تتفق على رواية واحدة بدل أن تخرُج في كلّ يوم برواية مختلفة، هذا شيء أحدثَ تشويشاً كبيراً جداً داخل عضويّة الحزب الحاكم. أيضاً في ما يتعلق بما ذكره الأخ الوزير

سامي كليب: دكتور "الأنصاري" لو سمحت لي، لكي نمرّ على الضيوف الآخرين، ولكن الموقف الرسمي السوداني حتّى الآن في لسان الرئيس

محمّد الأنصاري: هناك نُقطة مهمة

سامي كليب: إسمح لي

محمّد الأنصاري: إذا سمحت لي

سامي كليب: سأسمح لك. ولكن الموقف الرسمي السوداني بقيادة الرئيس "عُمر حسن البشير" حتّى الآن يقول: "نحن ضُغِطَ علينا كثيراً من قِبَل (أميركا) ومن قِبَل (إسرائيل) ومن قِبَل دول عربيّة ولكننا لن نُطبِّع مع (إسرائيل) ولن نُقيِم أية علاقة مع (إسرائيل)، هذا موقف مُعلَن وليس مخفياً

محمّد الأنصاري: هذ موقف مُعلَن لأنّه يلتصق مع الشعور العام العربي ولكن المواقف الحقيقية لتي تُدار من خلف الطاولات وخلف المكاتب الحكومية مختلِفة. لذلك أنا أرى بأنّ الحكومة لديها مساع حثيثة كانت سابقاً في إقامة علاقات مع (إسرائيل) ولكن هذه الفُرصة التي سعت إليها سعياً حثيثاً لو تأتي بنتيجة

سامي كليب: حسناً. دكتور "الأنصاري" إسمح لي بسؤال شخصي لك لأنني فهمت أنّك تؤيِّد أو قريب جداً من السيّد "عبد الواحد" وتنفي أن تكون له علاقة مُباشَرة مع (إسرائيل) رغم كلّ الروايات الأُخرى. هلّ حضرتك مع فتح علاقة مع (إسرائيل)؟ مع إقامة علاقة سودانية إسرائيلية؟ هلّ حضرتك لو دُعيت إلى (إسرائيل) تذهب مثلاً؟

محمّد الأنصاري: كلا، لا لا. أنا لست مع إقامة علاقات مع (إسرائيل)، أنا أعتبر بأنّ قضيّة (فلسطين) هي قضيّة تهمّ كلّ المُجتمع العربي وتهمّ العالم وأعتبرها إحدى الثوابت التي يجب على (السودان) أن يستخدمها في علاقاته الخارجية وفي مُجمل علاقاته المستقبلية

سامي كليب: حسناً، دكتور "الأنصاري" إسمح لي، سأعود إليك. سأعود إليك لو سمحت لي بعد لحظات لكيلا نتأخّر كثيراً على الضيوف الآخرين، لا بأس إسمح لي. دكتور "هاني" في كتاب "كرناج" أو "مذابح" لمؤلِّفه "بيار بيون" وهو كاتب تحقيقات فرنسي مشهور يقول:

- حين كنت أقوم بتحقيقي حول المذابِح اكتشفت أنّ (أفريقيا) مُهمّة جداً لـ (إسرائيل) بل أنّها كانت مسألة حياة أو موت، و(إسرائيل) تعتبر (السودان) إحدى الدول الأكثر خطورة من حيث المساحة والخيرات الباطنية

- (إسرائيل) تعقُد تحالفاً دائِرياً مع دول الجوار السوداني خصوصاً (أثيوبيا) و(أريتريا) و(أوغندا) بهدف تطويق (السودان) والبدء في تقطيع أوصاله                 

 - منذ العام 1956 بدأت (إسرائيل) بتشجيع حركة "أنيانيا" حتّى عام 1972، وبعد ظهور الجيش الشعبي لتحرير (السودان) بقيادة "جون غارانغ". دعمت (إسرائيل) منذ البداية "غارانغ" بالسلاح والمستشارين

- (إسرائيل) شجّعت في البداية على انفصال جنوب (السودان) وستُشجِّع على التمرُّد في (دارفور)، و(السودان) هو البلد الأكبر مساحةً في كلّ (أفريقيا) والعالم العربي بحيث تصل هذه المساحة إلى أكثر من مليونيّ كيلومتر مُربّع

- بالنسبة إلى (أميركا)، (السودان) مهمّ جداً خصوصاً أنّه يُجاور عشر دول مهمّة وثرواته مهمّة وهناك قلق من ميوله الإسلامية، لذلك عَمَلت مع دول الجوار على مُحاولة قلب النظام فيه

- بعد وصول "بيل كلينتون" إلى الرئاسة الأميركية تشكّلت جبهة مُعادية للإسلاموية وأبدت "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية الأميركية السابقة اهتماماً خاصاً في دور (السودان) في الصراع الشرق أوسطي وتساءلت عن أهميّة قلب نظام "البشير"

- إنّ الجمعيّات التي قامت في (أميركا) مثل Save Darfur وغيرها كانت مُخطّطة ومُنظّمة من لوبيّات تدفع المال وتُحرِّك الناس للضغط على صانعي القرار، وهي مراكز ضغط معروفة بدعمها أيضاً لـ (إسرائيل)

سامي كليب: حين نتحدّث عن دور (إسرائيل) نُلاحِظ أنّ ضيفنا من (لندن) الدكتور "محمّد الأنصاري" يقول أنّه لا علاقة لـ (إسرائيل) في كلّ ما يجري. هلّ توافق على ذلك؟ 

هاني رسلان: نعم، أوافق على ذلك لأنّ ما ذُكِر أو ما تفضّلت حضرتك بذِكره قبل قليل هو من الزمن الماضي

سامي كليب: نعم

هاني رسلان: يعني نحن شاهدنا قبل فترة وجيزة، حينما كان يتمّ الإعداد لما يُسمّى الحوار الوطني في (السودان)، نوقِشت قضيّة العلاقة مع (إسرائيل) في هذا الحوار على نطاق واسِع وظهرت في الإعلام في آراء مُختلِفة وكان الغرض من ذلك هو نزع فكرة الـ Taboo من هذه العلاقة وتعويد الرأي العام السوداني على أنّ هذا الأمر قابل للنقاش وقابل للأخذ والردّ كخطوة أوليّة تمهيدية. وأيضاً رُفِعَ جواز السفر السوداني، كان عليه صالِح للسفر إلى كلّ دول العالم ما عدا (إسرائيل)، رُفِعَ هذا الاستثناء. ونحن نعرِف أيضاً أنّه في عام 2017 الولايات المتحدة الأميركية رفعَت العقوبات الاقتصادية عن (السودان) وكانت آنذاك حملة هائِلة في الإعلام السوداني على أنّ رفع هذه العقوبات هو بداية تدفّق النمو والخيرات والثروات على (السودان) ولكن ما حدث هو العكس. الآن، إذا كنّا نتحدّث عن الاحتجاجات التي تدور في داخل (السودان)، هذه تدور في العاصمة وفي مدن في الشمال وفي الشرق وفي الوسط وفي (كوردوفان) وغيرها، وليس هناك دولة أو عُنصر خارِجي يستطيع دفع كلّ هؤلاء المواطنين للخروج إلى الشوارِع. والأزمة الاقتصادية، إذا كان جوهر الخروج هو مطلبي لكن الأزمة الاقتصادية لا يُمكن فصلها عن الأوضاع السياسية لأنها هي التي تسبّبت في تدهور الأوضاع إلى هذا المُستوى

سامي كليب: دكتور "هاني" لو سمحت لي، طبعاً حضرتك تقول هذا الكلام في السابق لكن لا بدّ من الإشارة إليه. مثلاً مُحاضرة الرئيس السابق لجهاز المُخابرات الإسرائيلي "الشاباك" "آفي دختر"، وحضرتك قرأت هذه المُحاضرة في عام 2008، يقول: 

- (السودان) شكّل بموارِده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه دولة إقليمية قوية منافِسة لـ (مصر) و(العراق) و(السعودية)

- (السودان) شكّلَ عُمقاً استراتيجياً لـ (مصر) وكان لا بدّ من أن نعمَل على إضعاف (السودان) وانتزاع المُبادرة منه وأقدمنا على إنتاج وتصعيد بؤرة (دارفور) لمنع (السودان) من إيجاد الوقت لتعظيم قُدراته

- نجحت استراتيجيتنا التي تُرجِمت على أرض الجنوب سابقاً وفي غربه حالياً في تغيير مجرى الأوضاع

- ستنتهي الصراعات الحالية في (السودان) عاجلاً أم آجلاً بتقسيمه إلى كيانات

سامي كليب: حين نقول، هذا من الماضي يعني هذا المشروع الإسرائيلي انتهى؟ صرنا أمام حال جديدة مثلاً الآن؟

هاني رسلان: لم أقصد ذلك، ولكن إذا كنّا نتحدّث عن الاحتجاجات الحاليّة، أزمة (دارفور)، وأنا تحدّثت عن هذه الأزمة باستفاضة لأوقات طويلة

سامي كليب: صحيح

هاني رسلان: هذا الكلام كان صحيحاً. لكن أيضاً الحكومة السودانية والنظام الحالي يتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية في تفاقُم هذه المسألة لأنّه لو استطاع أن يُدير حواراً حقيقياً في الداخل لكان من المُمكن نزع فتيل هذه الأزمات ، ولكنّه لا يُريد أن يُفرِّط في أيّ قدرٍ من السُلطة. يجب ألّا ننسى أيضاً أنّ النظام السوداني يُعدِّل سياساته باستمرار. معروف أنّ الحركة الإسلامية والجبهة القوميّة، وهما في الأساس "إخوان مُسلمين"، براغماتيين للغاية، وهذه البراغماتية زادت من حدود البراغماتية إلى مُستوى الانتهازية لأنهما يُقيمان علاقات مع (إيران) ثمّ يقطعانها فجأة لكي يتّجها إلى (السعودية) ثمّ ينقلبان إلى (تركيا) وقبل ذلك كانا مع (قطر) ويتودّدان إلى الولايات المتحدة. التطبيع مع الولايات المتحدة كان هدفاً أساسياً للسياسة الخارِجية السودانية لسنوات طويلة وما زال. العلاقة مع (إسرائيل)، (إسرائيل) ساعدت في رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية عن (السودان). فحينما أتحدّث عن الماضي لا أتحدّث عن الاستراتيجية ولكن أتحدّث عن مسار الأحداث في اللحظة الحالية

سامي كليب: أوكي، ممتاز. سعادة السفير "ميشال ريمبو"، ما تفضل به الدكتور "هاني" وما تفضّل به ضيفنا من (لندن) الدكتور "محمّد الأنصاري" يختلِف تماماً مع وجهة نظرِك التي تقول إنّ العامل الخارجي الأميركي الإسرائيلي أساسي في الوضع الداخلي في (السودان). ما هي مُبرراتك لقول هذا الكلام؟ خصوصاً أنّ في كتابك، وأنا أُريد أن أُشير إلى الكتاب وأن نراه على الشاشة لو سمحتُم، في كتابك المُعنوَن باسم "السودان في كلّ أحواله" تقول مثل هذا الكلام. تفضل. نستمع إليك سعادة السفير، دور (إسرائيل) و(أميركا)                

ميشال ريمبو: (إسرائيل) و(أميركا)

سامي كليب: نعم. لأنّ حضرتك في كتابك تُشير دائِماً إلى هذين الدورين والآن موقفك يختلِف تماماً مع ما يقوله الدكتور "هاني" من (مصر) والدكتور "الأنصاري" من (لندن) اللذان يؤكّدان أن ما يجري هو شأن داخلي وأنّ (إسرائيل) تغيّرت عن السابق وتغيّر الوضع الداخلي وما عُدنا نتحدّث عن خلاف جدّي سوداني إسرائيلي إذا صحّ التعبير

ميشال ريمبو: أظن أنّه، على كلّ حال هذا كلّه الذي رأيناه وسمعناه يحمل الماركة المُسجّلة لما يُسمّى ثورة "الربيع العربي" المزعومة والملعونة، ولكن باختصار أظن أنّ الأسباب الخارجية والتدخّلات الأجنبية لعِبت كما هو معروف، إذا رجعنا إلى أيام انفصال الجنوب عن الشمال قبل ثماني سنوات فرضاً في عام 2011، نجد أنّ (إسرائيل) والولايات المتحدة الأميركية لعبتا دوراً كبيراً في هذا الانفصال. في عملية السلام بين الحكومة وحركة التمرّد الجنوبية لعِبت (إسرائيل) و(أميركا) دوراً كبيراً وفوق العادي في هذا الانفصال، وذلك بتشجيع وتأييد كلّ شيء، تحديداً التمرّد والتعرّض للحكومة، ولكن هذا الدور معروف جداً. بالنسبة لـ (إسرائيل) يُمكن أن نرجع إلى أوقات الاستقلال في الستينات فرضاً حين انطلق نوع من التعاون بين الـ S.P.L.N. العائد للحركة الأولى ألـ "أنيانيا" وبين الحكومة الإسرائيلية وفق القصص والاعتراف للجنرال "جوزيف لاغو" الذي كان رئيس التمرّد الأوّل "أنيانيا"، الحركة الأولى "أنيانيا" في التسعينات، الذي سافر إلى (إسرائيل) في الخفاء ولكن أبدى التعهّد العسكري بين (إسرائيل) وبين التمرُّد الجنوبي

سامي كليب: سعادة السفير "ريمبو"، لو سمحت لي. هذا كما يقول الدكتور "رسلان" من (مصر)، هذا تاريخي، يعني هذا في تاريخ انفصال (السودان) وقفت (إسرائيل) وهذه لديها قراءات كثيرة والبعض يقول أنّها دعمت وأيّدت وسلّحت الجنوب لكي ينفصِل والبعض يقول لا، "جون غارينغ" كان قومياً وعروبياً وأفريقياً ولم يشأ في الواقع الانفصال. لكن بغضّ النظر عن هذا، نحن نتحدّث اليوم. اليوم، هلّ تشعُر بأنّ هناك تدخُّلاً خارِجياً جدّياً أميركياً إسرائيلياً عربياً مُعيَّناً؟ مثلاً في الاحتجاجات التي نراها؟ في الوضع الاقتصادي المُتدهوِر الذي نراه؟

ميشال ريمبو: أيوه، أنا متأكِّد من التدخل الخارجي في (السودان) في الوقت الحاضر وفي الظروف الحالية. المشكلة أنّ السياسة الخارجية لـ (السودان) للرئيس "عُمر البشير"، أظنّ أنّه منذ بداية الأزمة ومنذ عام 2011 راهنَ على الجواد الخاسر في كلّ المناسبات. في البداية سعى إلى دعم من "الإخوان المُسلمين" المصريين أيّام الرئيس "مُرسي" لكنّه فشِلَ في ما بعد. بعد ذلك أتجه إلى البحث الدائِم من (قطر) و(تركيا) بسبب طبعاً نظام "الإخوان المُسلمين" الحاكم في (قطر) والنظام الحاكم أو الحزب الحاكم في (السودان)، وفي ما بعد قُطِعت العلاقات مع (إيران) وبعدها اتجه إلى (السعودية) وكان الشرط الأساسي إقامة علاقات طيّبة بين (السعودية) وبين (السودان) بعد طبعاً مقاطعة (إيران). في ما بعد، بعد فشل العلاقات وحتّى المُغامرات العسكرية السودانية تأييداً لـ (السعودية) في حرب (اليمن) وفي غيره، راحَ الرئيس "البشير" إلى البحث وسعى إلى الداخل من (أميركا) و(إسرائيل) ولكنه فشل. وفي الفترة الأخيرة طبعاً ترك كلّ هذه الطرُق وهذه الأساليب ووسائِل التعاون واتجه إلى (موسكو)، لجأ إلى الدعم الروسي في آخر فترة. أظنّ أنه كان هناك مشروع على كلّ حال في الفترة الأخيرة وأن أحد المسؤولين الإسرائيليين على مستوى كان من المُفتَرض أن يزور (السودان) ولكن أُلغِيَت الزيارة بسبب ذهاب "البشير" إلى (موسكو)، وأظنّ أنّ زيارة "البشير" إلى (سوريا) شكلت تحولّاً كبيراً، نقطة تحوُّل في السياسة الخارجية السودانيّة تجاه (سوريا) وتجاه الدول العربية. ذهب إلى (دمشق) ودعا في شكلٍ من الأشكال الرئيس "الأسد" إلى العودة إلى "الجامعة العربية"

سامي كليب: صحيح

ميشال ريمبو: لا أدري إن كان الناطق الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولكنه كان ينسِّق على أية حال. أظنّ أنه بعد زيارة رئيس مجلِس الوزراء السوداني إلى (موسكو) في الأخصّ كان هناك مشروع لحدوث تقرُّب. أنا متأكِّد مئة في المئة وأنا أذكُر حينما كنتُ سفيراً في (السودان) سمعت أحد المسؤولين المعروفين لكنني لا أذكُر إسمه، قال لي: الولايات المتحدة تتحرّش كثيراً في اتجاه (السودان) ويُحدِثون لنا العديد من المشاكل في كلّ الميادين، ولكن نعرِف ما هو لازم ولا بدّ من القيام به إذا أردنا تهدئة الوضع والعلاقات بين

سامي كليب: (إسرائيل) و(السودان). سعادة السفير، يعني باختصار، قال لك المسؤول السوداني الكبير الذي لم تعُد تذكر إسمه: أميركا تضغط علينا كثيراً لكي نُقيم علاقات مع (إسرائيل) لكي تهدأ الأوضاع عندنا. أنت نسيت إسمه وأنا سأُذكِّركَ باسمه وهو "غازي صلاح الدين العَتَباني"

ميشال ريمبو: أيوه  

سامي كليب: الذي كان نائِباً للرئيس السوداني والآن انتقل إلى المُعارضة. وهنا سأعود إلى الدكتور "عُبيد الله محمّد عبيد الله" وزير الدولة السابق في الخارجية والقيادي في المؤتمر. دكتور "عُبيد الله"، الآن تحدّثنا عن مواضيع كثيرة في الواقع وأُريد أن أُعطيك المجال لكي تُجيب عليها واحِدة بعد الأُخرى. أولاً هناك مسؤولون كبار كانوا مع السُلطة وكانوا إلى جانب الرئيس "البشير"، نذكُر الدكتور "صلاح الدين العتباني" وهو من خيرة السياسيين السودانيين والآن صارَ في المُعارضة مع الجبهة الوطنية للتغيير. أيضاً مثلاً بعض الوزراء السابقين، "مبارك الفاضل". لماذا هؤلاء يخرجون عن السُلطة التي كان على الأقل "صلاح الدين" إلى جانبها و "مُبارك" كان وزيراً. الأمر الآخر، تحدّثنا عن (إسرائيل)، هلّ (السودان) فعلاً عُرِضَ عليه فتح علاقة مع (إسرائيل) وبسبب عدم فتح هذه العلاقة توتّر الوضع الداخلي؟ وما هي مواقف الدول الأُخرى العربيّة، أتحدّث عن (السعودية)، عن (قطر)، وعن (الإمارات) وموقفكم من (تركيا)؟ هلّ العلاقة مع (تركيا) وإعطاؤها حق استخدام جزيرة "سواكن" أيضاً لعِبَ دوراً في تأجيج بعض الدول العربية ضدّكم؟ سألتك عن كلّ هذه الأسئلة لكي تجمُل لنا العناصر الخارجية، تفضل

عبيد الله محمّد عبيد الله: نعم. أولاً سأبدأ بآخِر سؤال. أنا أودّ أن أقول أنّ أيّ حديث عن تقارُب بين (السودان) و(إسرائيل) في السنوات الأخيرة أو في السنوات التي سبقت هو حديث مجافٍ تماماً للحقيقة. نحن نسمع كما يسمع الكثيرون أنّ هنالِك مسؤولين وأنّ هنالِكَ ُمُحاولات للتطبيع مع (إسرائيل) وأنّ هنالِك مُحاولات للتقرُّب من (إسرائيل) وما إلى ذلك. ولكن يبدو أنّها مُجرّد شائعات يُراد منها إحراج النظام القائِم الآن في (السودان) وكذلك إحراج الحركة الإسلامية القائِمة الآن في (السودان) والداعِمة لهذا النظام. أرجو أن أؤكِّد تماماً أنّ (السودان) لم يُقِم أيّة علاقة مع (إسرائيل) ولم يزُر أيٍ من المسؤولين السودانيين (إسرائيل) على الإطلاق وهذا محطّ افتراء تماماً ولا أساس له من الصحة. نحن نعلَم جيداً أنّ (إسرائيل) لديها مُخططات معلومة وهي مكشوفة وقد أعلَنت عنها مراراً وتكراراً، إنّها تستهدِف (السودان) تماماً لأسباب كثيرة متعلِقة بموقعه، متعلِّقة بمعتقدِه، متعلِّقة بوضعه الجُغرافي كبوّابة حقيقية لـ (أفريقيا)، متعلّقة في الممانعة نفسها. ظلّ (السودان) لفترة طويلة جداً يقاوم بشدّة ويُمانِع عملية التطبيع والتقرُّب إلى (إسرائيل) منذ أمدٍ بعيد، ونحن نذكُر مؤتمر اللاءات الثلاث في (الخرطوم)، لا للتطبيع ولا للتحاور مع (إسرائيل) ولا للتفاوُض مع (إسرائيل) وغيرها

سامي كليب: حسناً، هذا بالنسبة لـ (إسرائيل)، أوكي                                                                                    

عبيد الله محمّد عبيد الله: الآن وقبل سنوات قليلة جداً، "آفي دختر" الذي ذكرته هذا وضعَ خطة أعلَن عنها بوضوح شديد. أنا أستغرِب جداً، عندما يأتي باحِث أو مُتحدّث أو سياسي ويُنكِر أنّ ليس لـ (إسرائيل) أيّ مُخطّط يستهدِف (السودان) مثلاً، هذا مدعاة للضحك والسُخرية صراحةً يعني، هذا أمر معروف لعامة الناس في الشارع العربي والإسلامي كله

سامي كليب: دكتور "عُبيد الله"، أوكي، بالنسبة للنقاط، أوكي ممتاز، وصلت الرسالة والرئيس "البشير" قال لا علاقات ولا تطبيع مع (إسرائيل). بالنسبة للدول الأُخرى، الآن ذهب الرئيس "عُمر حسن البشير" إلى (سوريا) وطُرِحَت أسئِلة كثيرة. هلّ جاء في تنسيق مع المملكة العربية السعودية وهي حليفته وهو حليفها في الحرب في (اليمن) مثلاً؟ هلّ جاء في غطاء عربي أم هو خرَجَ عن هذا الغطاء بعد التقارب مع (روسيا) وبعد التقارُب مع (سوريا) وسوف يعود للتحالُف مع (إيران) رغم قطع العلاقات بين الجانبين. يعني، هلّ لهذا الأمر علاقة أيضاً بما يحصل الآن؟

عبيد الله محمّد عبيد الله: لا، هو طبعاً، يعني أنا أعتقد أنّ (السودان) طبعاً هو دولة ذات سيادة، دولة لديها أهداف في سياستها الخارجية واضِحة ومعلومة وتعمل على تنفيذها. (السودان) يمتلِك الإرادة تماماً ويمتلِك القرار السياسي أيضاً تماماً حتّى على الصعيد الخارِجي، وبالتالي أيّ حديث لربط ما يقوم به (السودان) في الشأن الخارِجي بسياسة دولة أُخرى أو في توجُّه دولة أُخرى، أعتقد أنّ في ذلك انتقاصاً من حقّ (السودان). (السودان) له مُطلَق الحريّة في أن يتّخِذ سياسته الخارجية بما يشاء وفي الطريقة التي تخدِم مصالِحه. بالنسبة لـ (سوريا) على وجهٍ أخصّ، (السودان) لم يقف في يوم من الأيام ضدّ (سوريا) على الإطلاق بل ظلّ (السودان) دوماً وأبداً يدعو إلى الوصول إلى تسوية سياسية، ظلّ (السودان) دائِماً وأبداً يدعو إلى الحلّ السلمي في (سوريا)، ظلّ (السودان) دائِماً وأبداً حتّى في المحافل الإقليمية والدولية ومن بينها "جامعة الدول العربية"، وقد تشرّفت بأن أحضر مجموعة من الاجتماعات كنّا ننادي فيها بالصوت العالي في ضرورة أن ننحاز إلى الحلّ السِلمي بالنسبة للمُشكلة السورية لأنه ليس في مصلحة الشعب السوري قاطبة أن تتصاعد الأحداث في أية حال من الأحوال

سامي كليب: دكتور، معالي الوزير، الآن جيّد أنه ذهب الرئيس "عُمر حسن البشير" إلى (سوريا) وحصل اتفاق وقال: "لا حلّ سياسي من دون الرئيس الأسد"، ولكن هذا لم يكُن موقفه في بداية الأزمة السوريّة بل على العكس، هو حتّى وصل به الأمر إلى القول: " أنا أستطيع أن أُرسِل جيشاً من (السودان) إلى (سوريا)"، وكان ضدّ الرئيس "بشّار الأسد. ثمّ في ما بعد بدأ يتغيّر الوضع، لذلك الآن طُرِحَ السؤال، هلّ المجيء، ونحن حين نقول هلّ نسّق مع الدول العربية الأُخرى؟ لأنه لا يُمكِن لعاقل أن يُفكِّر أنّ الرئيس السوداني، مع احترامي جداً لاستقلال (السودان) وسيادة (السودان)، وهذا بلد نُحِبّه، ولكن هلّ يُمكن أن يأتي إلى (سوريا) من دون التنسيق أو ن دون التشاور مع (السعودية) مثلاً؟

عبيد الله محمّد عبيد الله: لا يا أخي، أنا أعتقد أنّ (السودان) كما أسلفت يستطيع أن يتعامل مع هذه القضايا في عقلٍ منفتِحٍ جداً، وأنا أقول وأُكرّر أنّ (السودان) ظلّ يُنادي في عملية الحلّ السلمي والتسوية السلمية للقضية السورية في وقتٍ مُبكِّر جداً، منذ بداية هذه المُشكلة، وبالتالي زيارة الرئيس "البشير" إلى (سوريا) تأتي في هذا الإطار تماماً وهو دور أعتقد إلى حدٍ كبير إيجابي جداً

سامي كليب: بالنسبة للدول الأُخرى

عبيد الله محمّد عبيد الله: هناك عدّة دول عربية تدعم هذا الاتجاه وربما أيضاً الكثير من المحافل الإقليمية

سامي كليب: تقول هناك الكثير من الدول العربية التي تدعم هذا الاتجاه، هلّ يُمكن أن نفهم منك أيضاً أنّ (السعودية) موافِقة أو تدعم هذا الاتجاه؟ هذه الخطوة؟

عبيد الله محمّد عبيد الله: هذا شأن سعودي وأنا لستُ معنياً به في طبيعة الحال لكنني أقول إنّ الحلّ السلمي هو إرادة الآن متوافرة لعدد كبير جداً من البلدان العربية الشعوب العربية كذلك والإسلامية، في أن القضية السورية يجب أن تتّجه في اتجاه آخر مُغايِر لعملية التصعيد العسكري والمواجهة المُسلّحة والاشتباك لأنه ثبُت بما لا يدعم أيّ شك أنّ هذا الاتجاه لن يقود إلى حلّ ولن يؤدّي إلى نهاية مُرضية بالنسبة للجميع وبالتالي لا بدّ من البحث عن طريق وعن مخرج آخر يؤدّي إلى تسوية المُشكلة بطريقةٍ تُرضي الأطراف جميعها

سامي كليب: أوكي، لكيلا نذهب كثيراً في اتجاه المسألة السورية على أهميتها، وأنا سألتك لأنّ ثمة من يقول ربما أن بعض الدول العربية غضِبَت من هذا الذهاب وهي ساهمت في تحريك الشارع السوداني. بشكلٍ سريع لأنه يجب أن أمرّ على ضيوفي الآخرين لو سمحت دكتور، هلّ علاقتكم بـ (السعودية) و(قطر) و(تركيا) هي العلاقة الجيّدة مع الثلاثة؟ أو الآن هناك تغيير في موقف بعض هذه الدول حيالكم طبعاً؟ وليس (تركيا)، (تركيا) معكم، ولكن بين (السعودية) وبين (قطر) هلّ أنتم أقرب الآن إلى إحدى هذه الدول؟ هلّ لواحِدة من هذه الدول دور في ما يحصل في الداخل؟

عبيد الله محمّد عبيد الله: (السودان) حريص جداً على إقامة علاقة متوازنة جداً مع كلّ الأشقاء ومع كلّ دول الجوار أيّاً كان موقعها أو بُعدها الجغرافي من (السودان) بما في ذلك (السعودية) و(قطر) و(تركيا). لا يستطيع (السودان) ولم نقُل في أيّة حال من الأحوال إنّ (تركيا) أو (قطر) أو (السعودية) هي الأقرب، ولكن في طبيعة الحال هنالِك مُستوى من مستويات التنسيق مع أيٍّ من هذه الدول يختلِف من دولة إلى أُخرى، حسب الملفّات التي تجمع بيننا وبين هذه الدول، وأيضاً يتحكّم في ذلك الكثير من القضايا والموضوعات محلّ الاهتمام المُشترَك بين (السودان) وبين هذه الدول. ولكن أستطيع أن أقول إنّ (السودان) يتمتّع بعلاقة مُستقرّة جداً مع مجموعة من الدول الأشقاء وعلى رأسها (قطر) و(تركيا) و(السعودية)

سامي كليب: ممتاز، أوكي، ممتاز. دكتور "هاني" قبل أن أعود إلى ضيفنا في (لندن) وسعادة السفير الفرنسي. طبعاً يتحدّث ممثل حزب "المؤتمر" الوزير السابق الدكتور "عُبيد الله" عن أنه لا دولة عربية، لا (السعودية) ولا (قطر) ولا أيّة دولة إقليمية تركية لها علاقة بما يحصل في الداخل. هلّ يُمكن أن تقول لنا رأيكَ في مواقف هذه الدول الآن من (السودان)؟ هلّ في رأيك الرئيس "البشير" ذهب وحصلَ على رضى هذه الدول العربية حين ذهب إلى (سوريا) مثلاً؟ أو أنه تأثّر البعض وربما ساهمَ في تحريك الداخل؟

هاني رسلان: حكاية أنّ هذه الدول تُحرِّك الداخل السوداني أجد أنها ليست مسألة جيّدة في حق الشعب السوداني. الشعب السوداني له تاريخ في الانتفاضات والشعب له ثقافة خاصة ومُسيّس في أغلبه. فكونه يُحرَّك من قِبَل هذه الدولة أو تلك لمُجرّد غضب هذه الدولة من الرئيس السوداني أو غيره، أعتقد أنّ هذا أمر يحمِل الكثير من المُبالغة

سامي كليب: أوكي

هاني رسلان: لكن في ما يتعلّق بالزيارة إلى (سوريا)، في الأغلب هذا مرتبط بتوجّه الرئيس السوداني إلى الروس، إلى (روسيا) في التحديد. وأعتقد أيضاً أنّ هذا لا يجد ممانعة سواء في (السعودية) أو في (الإمارات)، و(الإمارات) عقِب ذلك افتتحت سفارة لها أو أعادت فتح سفارتها في (دمشق) بما يعني أنّها أيضاً تسير في نفس الخطّ، فليس في الضرورة أن يكون هناك تشاور مُسبَق لكن من الإطار العام يُمكن أن نُخمِّن أن هذا لن يكون خلافاً كبيراً

سامي كليب: دكتور "هاني" حضرتك قلت سابقاً أنّه كفى الرئيس السوداني ثلاثين عاماً في السُلطة وأن الوضع الداخلي، حتّى سعادة السفير الفرنسي يقول إنّ الشعب ربما تعِبَ. الرئيس السوداني قال اليوم بشكلٍ واضح أنه، إذا كان البعض يتحدّث عن عسكري في مكانه فليأتِ شخص يلبس الكاكي وأهلاً وسهلاً به، وتحدّث عن تناوب السلطة. لكن في المقابل حضرتك تقول إنّ المُعارضة لا تستطيع في وضعها الحالي أن تفعل شيئاً، وأنا ذكرت بعض الأسماء التي كانت مع الدولة وخرجت عن الدولة. كيف تتوقّع تطوُّر الوضع في الأسابيع القليلة المُقبلة؟ هلّ استعاد الرئيس السوداني السيطرة على الوضع في رأيك؟ بشكلٍ سريع لو سمحت

هاني رسلان: لا أعتقد أنه استعاد السيطرة، على العكس، الاحتجاجات تتزايد وتتعمّق أكثر. لكن الحال العامة في (السودان) هي توازن الضعف. النظام في الوقت الحالي يُعاني من الضعف الكبير، وأيضاً المُعارضة نتيجة ثلاثين سنة من استهدافها من قِبَل النظام وبثّ الانشقاقات فيها وغير ذلك هي أيضاً ضعيفة. لا بدّ من مرحلة انتقالية وبشكلٍ مُنظّم، وأعتقد أنّ إشارة الرئيس "البشير" إلى أنه لا يُمانع في تسليم السُلطة إلى عسكري، تحمل في ثناياها أن هذا الاحتمال وارِد على الأقل وإلّا ما كان قد ذكره بنفسه

سامي كليب: أوكي. سؤال أخير لك دكتور "محمّد الأنصاري" لو سمحت، آسف لأنه انتهى الوقت. بشكلٍ سريع لو سمحت لي، هلّ الجبهة الوطنية للتغيير الآن صارت تُمثِّل المُعارضة؟ هلّ حضرتك تشعُر أنّها تُمثِّلك؟

محمّد الأنصاري: بالنسبة للمعارضة السودانية، هي معارضة قوية وجاهِزة لحُكم (السودان) ولديها رصيد كبير جداً من الاتفاقات المُشتركة منذ تكوين التجمّع الوطني الديمقراطي مروراً باتفاق (أسمرا) للقضايا المصيرية وبعدها تكوين "الجبهة الوطنية" وبعدها تكوين "نداء السودان"، والآن المُعارضة السودانية جميعها تعمل وفق أجندة واضحة، لديها برنامج متكامل لحُكم (السودان)، كيف يُحكم (السودان)

سامي كليب: تحت لواء "الجبهة الوطنية"؟

محمّد الأنصاري: الجبهة الوطنية هي إحدى الفصائِل التي كانت مُشارِكة في الحكومة وخرجت منها، وأنا أعتبر هذا موقف إيجابي وأدعو جميع الأحزاب الوطنية التي شاركت في حكومة الوِحدة الوطنية أن تنفُض يدها من هذا النظام لأنّه مُلطّخ بدماء أبناء الشعب السوداني وفي قتل الكثير من أبنائه وفصلَ الجنوب وشرّد وخلق المشكلة في (دارفور)

سامي كليب: ولكن الجيش لا يزال إلى جانب رئيس الدولة، إلى جانب الرئيس "البشير"؟ الجيش

محمّد الأنصاري: أيضاً الجيش لديه دور وطني يجب أن يقوم به، يجب ألّا ينحاز لأيٍّ من الأحزاب أو لأية حكومة، ولكن حكومة المؤتمر الوطني عندما أتت إلى السلطة خلقت سياسة تُسمّى سياسة التمكين، فهي سيّست الجيش السوداني وأحالت عدداً كبيراً من الضباط الوطنيين إلى الصالِح العام، فهذا شيء يترتّب عليه أن يفقد الجيش السوداني جزءاً من مهنيته، ولكن نحن ما زلنا حريصين على أن يقوم الجيش السوداني بالدور المنوط به، وما زال لدينا أمل كبير في أن يقوم الجيش السوداني بعمل يحفظ ويؤمّن البلاد من الإشارات التي يُمكن أن تحدُث

سامي كليب: شكراً جزيلاً لك، على كلّ حال اتجاه أكبر أن الوضع الداخلي أو ما حصل هو شؤون داخلية، الدولة تقول إنّها مؤامرة خارجية. في الواقع ما تعلّمناه في السنوات الثماني الماضية أو التسع الماضية أعزّائي المُشاهدين يُشير إلى أنه صحّ هناك مطالِب داخلية ولكن يجب أن ننتبه لأنّ المؤامرات الخارجية كبيرة حتّى ولو لم نشعُر بها. إلى اللقاء إن شاء الله في حلقة مُقبلة مع تمنياتنا لـ (السودان) بأن يستعيد عافيته وأن يعود أفضل مما كان. إلى اللقاء في الأُسبوع المقبل إن شاء الله مع حلقة مقبلة من "لعبة الأمم"