لعبة الأمم

برنامج حواري أسبوعي يرصد القضايا والملفات السياسية الساخنة أو الباردة الإقليمية والدولية من منظار جيو - سياسي. يقارب ما تفرضه الجغرافيا بكل عناصرها من متغيرات في تحديد السياسات العامة للدول وبالتالي في رسم الاستراتيجيات السياسية والامنية والعسكرية.

أطفال داعش.. أي مصير؟

يسمّون أشبال الخلافة، بعضهم تعلّم القتل والذبح والاغتصاب، بعضهم الآخر وُلد في مناطق الإرهاب، وغُسلت أدمغته... أي مصير لهؤلاء الأطفال بعد اندحار الإرهاب؟ هل يمكن معالجتهم نفسياً وإعادتهم إلى مجتمعهم، أم أنهم صاروا خلايا نائمة مخيفة وخطيرة؟

 

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". وسط الدمار والخراب اللذين لحِقا بعددٍ من الدول العربية تحت شعار الربيع العربي ثمّة قضيّة إنسانية واجتماعية وسياسية وأمنية وأخلاقية خطيرة وُلِدت من رحمِ هذا الخراب ولا تزالُ قليلة التناول عبر إعلامنا العربي. هي قضيّة من يُسمّون "أبناء الخلافة" أو "أشبال الخلافة" أو "أطفال داعش". بعضُ هؤلاء سيقَ إلى جبهات القتال بتأثيراتٍ من أهلِهم الذين جذبتهم شعارات "داعش"، وبعضهم تأثَّرَ مُباشرةً بالدعاية الداعِشيّة عبر وسائِل التواصل الاجتماعي التي تحوّلَ مُعظمها في مُجتمعاتنا إلى وسائِل تباغُض وتقاتُل وتشاتُم وتنافُر اجتماعي، وبعضهم الآخر وُلِدَ في الجبهات من زيجاتٍ آنيّة غريبة أو من عمليّات اغتصابٍ وسبيٍ وغيرهما. أين هم الآن هؤلاء الأطفال؟ كم عددهم؟ ما هي جنسيّاتهم؟ هلّ يختبئ جزء منهم في مكانٍ ما استعداداً لتنفيذ ما تعلّمه من وسائِل التفجير والقتل والذبح وغيرها؟ هلّ صارَ بعضُهم ضحايا لنظرة المُجتمع إليهم لأنهم ولدوا في ظروفِ العار كما تقول بعض الدراسات؟ ثمّ ماذا عن الأوضاع النفسية لمثلِ هؤلاء الأطفال؟ من يهتمّ بهم في مُجتمعاتنا المُدمَّرة التي تُغالِب الموت يومياً كي تنهض من تحت غبار المعارِك والإرهاب؟ إنهم باختصار ضحيّة لعبة أُمم أرادت لوطننا العربي أن يعود إلى مجاهِل التاريخ ليُنجِبَ أطفالاً مُشرّدين على قارعات الطُرُق أو قتلى في المعارِك أو حاملين بصمات ذلٍّ ليسوا في الأصلِ مسؤولين عنه. دعونا نسأل سؤال الأمل كما في كلّ حلقة من برنامجنا، هلّ إمكانية استيعاب أطفال "داعش" والتنظيمات المُماثلة لا تزالُ قائِمةً وكيف؟ لعلّنا سنجِدُ بعض الأمل في إجابات ضيوفنا وهُم نخبة من أهل الاختصاص في هذا المجال. يُسعدني أن أستضيف "نيكيتا مالِك" وهي مُديرة مركز دراسات التطرُّف والإرهاب وكاتبة لها العديد من المؤلّفات حولَ هذا الموضوع، ستكون معنا بعد قليل من (لندن). وهنا أُرحِّب شديد الترحيب بالدكتورة "بهاء يحيى"، أُستاذة نفسية، معالِجة نفسية وعُضو في جمعية العناية بأطفال الحروب، أهلاً وسهلاً بكِ دكتورة

بهاء يحيى: أهلاً بكم

سامي كليب: أيضاً أُرحّب شديد الترحيب بالدكتور "كمال الجفا"، وهو باحث سوري مُتخصص في الشؤون السياسية والعسكرية وخبير في مُعسكرات "أشبال الخلافة" والتنظيمات الإرهابية، أهلاً وسهلاً بك، جئتنا مشكوراً من (سوريا)

كمال الجفا: أهلاً وسهلاً

سامي كليب: ومن (دمشق) معنا الدكتور "بسّام حايِك" المدير العام للهيئة العامّة في مُستشفى "ابن خلدون" للأمراض النفسيّة والعقليّة في (حلب) وقد عمِلَ حثيثاً على إعادة تأهيل أطفال الإرهاب جاءنا مشكوراً من (حلب) إلى (دمشق) لكي يكون معنا في هذه الحلقة، أهلاً وسهلاً بك. أهلاً بكم جميعاً أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

المحور الأوّل

سامي كليب: أهلاً وسهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين وأهلاً بضيوفي الكرام. دكتورة "بهاء"، في عادة البرنامج نبدأ مع السيّدات عادة، والسيّدة "نيكيتا" متأخّرة قليلاً، سنبدأ معكِ طبعاً ويُشرّفني ذلك

بهاء يحيى: تفضّل

سامي كليب: الوضع النفسي للأطفال، أطفال الحروب في شكلٍ عام، يكون خطيراً فكيفما إذا ما تدرّبوا هم أيضاً على القتل ولم يتعرّضوا فقط للقتل؟ هلّ من وسائِل مُعالجَة لهذا الأمر عندنا في الدول العربيّة؟

بهاء يحيى: نعم. بدايةً دعونا نتكلّم عن الأطفال في شكلٍ عام قبل أن يكونوا أطفال حروب. عندما نتحدث عن أطفال وعن طفل، أنا أُريد أن أؤمِّن لهذا الطفل، أنا مسؤولة عن ولادته كأهل، بيئة سليمة مُعافاة أمنياً ونفسياً وعاطفياً ومادياً لكي يربى في شكلٍ سليم ويصِل إلى أن يُصير راشد سويّ في المُجتمع. عندما أتحدّث عن أطفال حروب، إن كانوا أطفالاً عاشوا في أجواء حرب هو شيء وعندي ردود فعل عليه، وإذا كانوا أطفالاً مارسوا عملية الحروب بضغطٍ أو في طبيعة انتمائهم لهذه البيئة التي تفرِض عليهم المُشاركة في العمليّات الحربية هو أيضاً أمرٌ آخر. يعني المُعاناة وطريقة الحياة تكون مُختلِفة. الأطفال الذين يُعانون من ضغوطات الحرب مثلما عندنا، نحن في بلدنا (لبنان) عشنا سنوات طويلة من الحرب وأطفالنا عاشوا هذه الضغوطات وعاشوا نتائِجها من تهجير ومن قصف ومن حرب

سامي كليب: حالياً للأسف هناك دول عربية كثيرة هكذا، من (العراق) إلى (ليبيا) إلى (اليمن) إلى (سوريا)  

بهاء يحيى: صحيح، صحيح. لربما عملنا كان نتيجة ضغوطات الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على بلدنا، هؤلاء الأطفال طبعاً لهم حلّ ولا شيء مُستحيل وبالتالي كلّما كان التدخّل مبكراً مع هؤلاء الأطفال لمُعالجتهم في طُرُق مُختلفة على الصعيد النفسي والدعم النفسي – الاجتماعي ممكن، من خلال المدارِس

سامي كليب: ولكن لا بدّ من المُعالجة أليس كذلك دكتورة؟

بهاء يحي: حسب وطـأة الصدمة، حسب الصدمات التي تعرّض لها في الحرب

سامي كليب: حسناً، نحن على كلّ حال في هذه الحلقة سنتحدّث عن ماهية الأمراض أو الانعكاسات النفسيّة للذين يتعرّضون للحروب أو الذين يُشارِكون في هذه الحروب ونرى

بهاء يحيى: صحّ

سامي كليب: هلّ ثمة إمكانية للمُعالجة؟ لأن الكثير على ما أعتقد من المُشاهدين لا يعرِفون في الواقع وربما عندهم أبناء يتعرّضون لذلك ولا يعرِفون كيف ينقِذونهم. دكتور "كمال"، سعيد أن تكون معنا في هذه الحلقة، ونحن سنعتمِد كثيراً على معلوماتِك وخبرتِك كمُتخصّص في هذا الشأن. هلّ توجد إحصاءات دقيقة عن عدد الأطفال الذين تربّوا أو عاشوا في كنف "داعش" أو التنظيمات الإرهابية في (العراق) و(سوريا)؟

كمال الجفا: صحيح. منذ بداية الحرب على (سوريا) لم يقتصِر تدريب الأطفال على "داعش". في بداية العام 2011، عندما بدأت الحرب أو عمليّات التخطيط للحرب على (سوريا) كانت الجوامِع هي الانطلاق وكانت عمليات التحريض الديني هي القاعدة التي انطلقت منها كلّ عمليّات التأهيل والتدريب النفسي لهؤلاء الأطفال. لذلك عندنا في مُحافظة (إدلِب)، في بداية عام 2013، أُنشئ أوّل مُعسكر على يدّ "عبد الله المحيسني" ضمّ أربعمئة طفل تحت إسم "دُعاة الجهاد"  

سامي كليب: "عبد الله المُحيسني" السعودي

كمال الجفا: "عبد الله" السعودي. إذاً في بداية الأزمة السورية وحتّى قبل تمدّد "داعش" وقبل سيطرته على مناطق في (سوريا) أو (العراق) بدأت مُعسكرات الأطفال في مُحافظة (إدلب)، في المناطق الشمالية

سامي كليب: كم طفل في البداية؟

كمال الجفا: أوّل مُعسكَر ضمّ أربعمئة طفل وأسّسه "عبد الله المحيسني" في العام 2013 تحت ما يُسمّى "دعاة الجهاد"، هذه جاءت قبل حملة "أنفر" وهي الحملة الكبيرة التي قام بها "عبد الله المُحيسني" بعد سقوط مدينة (إدلب) والتحضير العسكري الكبير الذي تمّ ما قبل عمليّة (حلب) الكُبرى أو ما يُسمّى "ملحمة حلب الكُبرى"، هنا بدأ "عبد الله المحيسني" يرافقه عدد كبير من رجال الدين السعوديين بجولات شملت كلّ المُدن والقُرى في محافظتي (إدلب) و(حلب) وشمال (حلب) والمناطق التي كانت خارِج سلطة الدولة السورية. المعلومات المؤكّدة لدينا أنّ هناك خمسة عشر ألف طفل تمّ ضمّهم خلال عام واحد إلى هذه المُعسكرات تحت مُسمّيات عدّة، تحت إغراءات متعدّدة

سامي كليب: في (سوريا) فقط

كمال الجفا: أنا أقصد في مُحافظات (إدلب) وحلب وجنوب وشمال (حماة) قبل ما يُسمّى "معركة حلب الكُبرى". هذا هو العدد الموثّق لدينا

سامي كليب: يعني اليوم هناك تقريباً في (سوريا) أكثر من خمسة عشر ألف إلى عشرين ألفاً، أطفال فقط؟

كمال الجفا: عمليّة التدريب لا تقتصر في المُعسكرات على فقط ما يُسمّى "الشباب". "داعش" هو الذي أسقطَ السِنّ، يعني دخَلَ في المُحرّمات وبدأ في التدريب في عُمر الخمس سنوات. لكن ما يُسمّى "جبهة النُصرة" والفصائِل المُتشدّدة وحتّى المحسوبة مُعارضات مُعتدلة كان لديها في (سوريا) فقط أحد عشر معسكراً لتدريب الأطفال، وبدأوا السنّ في الثامنة في عملية تأهيل نفسي

سامي كليب: إلى أيّ عُمر يعني؟

كمال الجفا: حتّى عُمر السادسة عشر

سامي كليب: السادسة عشر. دكتورة في السادسة عشر لا يزال يُعتبر طفلاً؟

بهاء يحيى: وفق شرعة حقوق الإنسان لحدّ عُمر الثامنة عشر يُعتبر طفلاً ويُعامَل كطفل قانونياً

سامي كليب: لحد الثامنة عشر

بهاء يحيى: نعم

سامي كليب: إذاً دكتور "كمال" أفهم منك أنّ في (سوريا) عند التنظيمات الإرهابية أو الجهادية أو المُسلّحين ولا أعرِف ما إسمهم يوجد تقريباً خمسة عشر ألف طفل تدرّبوا؟

كمال الجفا: في العام 2015 فقط لكن أنا أقول لك، مُعظم التنظيمات على كافّة تشكيلاتها، مما يُسمّى بدايةً "جيش حرّ" حتّى ما يُسمّى "داعش" و"النصرة" والآن "هيئة تحرير الشام". والآن المُعسكرات الأساسية التي يتواجد فيها الأطفال تقيمها وتُشرِف عليها ثلاثة أو أربعة تنظيمات أساسية هي "جبهة النُصرة" و "حرّاس الدين" و"جبهة نصرة الإسلام" و"الحزب الإسلامي التُركستاني" مع مكوّناته من الفصائِل الجهادية غير السورية التي تتمركز والتي تتموضع الآن في منطقة "خفض التوتّر" التي أُقرّت وفشِلَ تطبيقها حتّى الآن ما بين (روسيا) و(تركيا)

سامي كليب: على ماذا كانوا يتدرّب هؤلاء الأطفال في شكلٍ عام؟

كمال الجفا: عمليّات التأهيل والتدريب كانت متدرِّجة، تبدأ بدروس دينية، ثم اليوم عملياً في البداية غسل الأدمِغة، ثمّ مُشاهدة أفلام العُنف، هذا لدى "داعش"، والقتل والاغتصاب. الأطفال من ذوي البُنية القوية يتمّ تدريبهم على حمل السلاح، تبدأ من حمل سلاح "الكلاشينكوف" الخفيف ثم تتصاعد، وتتم عمليات الفصل التدريجي لهؤلاء الأطفال حسب قُدرة كلّ طفل على التأقلم مع السلاح الذي يعمل به

سامي كليب: حتّى ولو كان عُمره أحد عشر عاماً

كمال الجفا: إذا كانت لديه بُنية جسدية، ثمّ تبدأ عمليات الاقتحام وعمليّات انتحارية وهمية. بعد عمليات التحضير النفسي العالي والعقائِدي الديني لاختيار الانغماسيين والانتحاريين تبدأ هذه المرحلة الأُخرى. لدينا بعض الوثائِق عن أنّ التدريب على عمليات القتل والذبح للأطفال كانت تتم على مُعتقلين بشكلٍ حيّ، Live ولم تكن تتم في شكلٍ عفوي أو في شكلٍ نظري، كانت تتمّ في شكلٍ فعلي وهي عمليات تدريب على قتل مُعتقلِين وأسرى، خاصّةً لدى "داعش"

سامي كليب: حسناً، أُرحِّب بالسيّدة "نيكيتا مالك" وهي مُديرة "مركز دراسات التطرّف والإرهاب"، كاتبة، كتبت العديد من الكُتب والدراسات المُهمّة جداً في الواقع حول هذه المسألة، ونحن طبعاً كدول عربية نشكرها لأنّها أضاءت على مسائِل دقيقة جداً بالأرقام والوثائِق ونشرت في المُجتمعات الغربية هذه المعلومات التي ربّما دفعت بعض الضمير العالمي لأن يصحو على هول ما شاهدنا وشاهدت. أهلاً وسهلاً بك سيّدة "نيكيتا" في هذا البرنامج "لعبة الأُمم". أُريد أن أسألكِ، وأنا كنت أتوقّع في الواقع أن تكوني حضرتكِ أكبر بكثير في العُمر، لا زلتِ شابة فأهلاً وسهلاً بكِ. لماذا اهتممت في هذا الموضوع وأنتِ في مُقتبل الشباب؟ ما الذي دفعكِ للاهتمام في هذه المسألة عملياً؟ مسألة الإرهاب والأطفال ووضعتِ كتباً ودراسات؟                             

نيكيتا مالِك: صراحةً لا أعتقد أنّ للعُمر أهميّة خاصّة في هذا الموضوع، فقد تحدّثتُ منذ قليل عن أهمية تسليط الضوء على هذه القضايا على مُستوى المجتمعات الغربيّة، ويوجد سببان لطرحِ هذه المواضيع على مُستوى المُجتمعات الغربية. فكما نعرِف، منظّمة كمُنظّمة "الدولة الإسلامية" كانت تستهدِف جهات وأفراداً، منهم أفراد غربيون وأُسَر غربيّة. لدينا ثمانية أولاد بريطانيين انتقلوا من المملكة المتّحدة للانضمام إلى صفوف "داعش" في (العراق) و(سوريا)، وبعض هؤلاء قد ذهبوا إلى هناك وحيدين وآخرون كانوا مرافقين لأُسرتِهم، وبالتالي نتحدّث عن وضعٍ معقّد حيث الأولاد يتركون بلداناً لا يواجهون فيها الكثير من المشاكل ومع ذلك ينضمّون لإيديولوجيّة سياسية في منطقة حرب. أمّا السبب الثاني الذي حدا بي لطرح هذه المسائِل هو أننا بالطبع نشهد على وجود مناطق نزاعيّة مثل (سوريا) و(العراق) وبلدان مُجاورة كـ (الأُردن) حيثُ يخضع ويتعرّض الأطفال لاختطاف، بالتالي أكثريّة الأطفال الذين يُشكِّلون جزءاً من هؤلاء الجنود المُقاتلين والأطفال الجنود لصالِح "داعِش والنصرة" يُختطفون من المُخيّمات، من أوساط الأطفال الآخرين، وكُثرٌ يحصلون على أجرٍ ما وبالتالي هؤلاء الأطفال الذين يقومون بأعمالٍ عنيفة يجري تطويعهم عبر هذه المنظّمات لأنّ لا خيار آخر لهم ويُقدَّم لهم شعورٌ بالأمن، كذلك خدمات تعليمية مستنِدة بشكلٍ أساسي إلى الإيديولوجية الدينية كما ذُكِرَ آنفاً في هذا البرنامج وكذلك بداعي فقدان الأمن. أتحدّث عن فئتين من الأولاد إذاً، أولاد ينتقلون من مُجتمعات غربيّة إلى هذه البلدان وآخرون يُختطفون في الشرق الأوسط

سامي كليب: حسناً. سيّدة "نيكيتا" كان الدكتور "كمال"، وهو متخصّص مثل حضرتكِ في شؤون الإرهاب وفي هؤلاء الأطفال، تحدّث فقط في (سوريا) حتّى العام 2015 عن أربعة عشر ألف أو خمسة عشر ألف طفل كانوا يتدرّبون في مُخيّمات الإرهاب عند "داعش"، عند "النُصرة" والآخرين أيضاً. لكن الأرقام التي قرأتها فيما تفضّلتِ به سابقاً، في البرامج، في الكُتب، في الدراسات، لم تكن تتحدّث عن أكثر من خمسة آلاف طفل. هلّ لدينا معلومات دقيقة عن عدد الأطفال في (العراق) و(سوريا) الذين ذهبوا في اتجاه الإرهاب وعاشوا في كنَف الإرهاب؟

نيكيتا مالِك: في الواقع من شبه المُستحيل بالنسبة إلينا أن نُحدّد هذا الرقم. نحن نستنِد فقط إلى أرقام الأُمم المتّحدة وأرقام جهات أُممية قصدت هذه المُخيّمات وتقابلت مع الأطفال الجنود، ولدينا فكرة عمومية عن الأولاد الذين تعرضوا إلى شرّ النزاع في (سوريا) و(العراق)، وكُثُر قد استهدفتهم الدولة الاسلاميّة. وكما ذكرتم سابقاً في هذا البرنامج، أنا أعتقد أنّ هذا الرقم يصل إلى حتّى أكثر من خمسة عشر ألفاُ. فصراحةً نحن لا نملِك إحصاءات دقيقة حول هذا الموضوع، وأنا أستنِد فقط للافتراض الشخصي لكن أعتقد أنّ الرقم هو أكبر بكثير من الرقم المُبيّن في التقارير، ولن نعرِفُ حقاً حقيقة الأمر إلى أن يضمحِلّ النزاع أو يبدأ الناس في تقديم طلبات اللجوء أو الحصول على وثائِق رسمية وسنعرِف حينها الرقم الدقيق، وحتى عندها قد لا نعرِف الرقم الدقيق لأنّ كُثُراً من هؤلاء الأطفال قد دُرّبوا على الكذب ولا يريدون للسلطات أن تعرِف أنهم كانوا جزءاً من "النصرة أو داعش" لأنهم سيخضعون لوصمةٍ اجتماعية في حال عرِف الناس أنهم كانوا جزءاً من منظّمة إرهابية

سامي كليب: أثارت السيّدة "نيكيتا مالِك" مسألة مهمة جداً في الواقع حول الكذب الذي يتدرّب عليه الأطفال، وهذا في الواقع أعزّائي المُشاهدين الذي يثير الخوف الآن والقلق، أنّ من تدرّب على السلاح وعلى الذبح وعلى القتل ويستطيع أن يكذِب يُمكن أن يمُرّ في أيّ مُجتمع ويعيش فيه حتّى يحين الوقت، ربما يُستخدَم لعمليّات إرهابية لاحقاً. في دراسة للمركز الدولي لدراسات التطرُّف في (لندن) وشاركت فيه السيّدة "نيكيتا"، يقول: بعد دراسة لحالات أربعين ألفاً من الرعايا الأجانب الذين انضمّوا إلى التنظيم في (العراق) و(سوريا) منذ أن تأسس في نيسان/ أبريل 2013، ما نسبته ثلاثة عشر في المئة من أصل 41,490 مواطناً أجنبياً أو 4,761 مواطناً أجنبياً في التنظيم كنّ من النساء، و4,440 آخرون كانوا من القاصرين أو ما نسبته 12 في المئة. رقم خطير في الواقع، 730 طفلاً على الأقلّ ولدوا داخل الخلافة لأباء أجانِب، وهذه أيضاً مأساة أُخرى. حسناً، دكتور "بسّام حايك" حضرتك مدير عام الهيئة العامة لمُستشفى "إبن خلدون" للأمراض النفسية والعقليّة في (حلب)، وقد عمِلت في الواقع على هذا الواقع المأساوي، هلّ يُمكن أن تذكُر لنا حالة صعبة جداً شاهدتها بأُمّ العين؟

بسّام حايك: طبعاً، نحن كنّا في عين العاصفة. مدينة (حلب) تعرّضت بشكلٍ كبير ومباشر لغزو "داعش". طبعاً "داعش" كمُنظّمة هُلامية فكرية كان انتشارها سريعاً وهي مبنية على عقيدة الرعب. طبعاً نحن خبِرنا الحالات النفسيّة من الحالات الخفيفة إلى الحالات الشديدة. ما كانت تتميّز به "داعش"، يعني نحن اليوم لنقُل مثلاً قبل يومين فقط من إعداد هذه الحلقة كنتُ مع طفلة عُمرها فقط سبع سنوات، عُمر الطفلة فقط سبع سنوات، حضرت إليّ في العيادة في قصد محاولات انتحار متكرّرة. هذه البنت ما زالت تحت خوف "داعش" إلى اللحظة الحاليّة. يعني نحن يجب أن نُميِّز بين شيئين، الأطفال الذين عاشوا في كنف "داعش" والأطفال الذين درّبتهم "داعش". الأطفال الذين درّبتهم "داعش" كانت أعدادهم كبيرة وعمِلت معهم في شكلٍ مُباشر. الأطفال في (سوريا) ما زالوا يعانون اليوم وسيُعانون في المُستقبل. يعني هناك بعض الردود النفسية التي ستظهر لاحقاً عندما تتكوّن النفسيّة بشكلٍ كامل. الحالات التي تتعرض منها "داعش" أمراض كثيرة، يعني "اضطراب الكرب الحاد"، "اضطراب الشدة النفسية"، حالات شديدة. تصوّر أنّ الأطفال يعيشون في براثن الإدمان، يعيشون في براثن الاكتئاب الشديد، مُحاولات انتحار متكرّرة، عدم نشوء علاقات واضحة وتشوُّه جميع المفاهيم والقِيَم. دائماً ما نُعاني، عندما نذكُر طفلة في عمر السبع سنوات لا ننسى الأطفال اليافعين بين أعمار الإحدى عشرة والخمس عشرة سنة، دائِماً ما يلجأون إلى العُنف. يعني العُنف انتشر في شكلٍ كبير في المُجتمعات التي سيطرت عليها "داعش"، تعامُل شديد، اعتداء على الآباء، اعتداء على المُقدّسات، اعتداء على كلّ شيء عزيز. يمكن للطفل في ثورة الغضب والجنون، خصوصاً ممن تركتهم "داعش" وكانوا في أماكِن معيّنة حساسة في التنظيم، طبعاً الحالات كثيرة. إذا أردتم، يمكن أن نذكُر في العامين الماضيين نحن تعاملنا مع 2,846 طفلاً ذكراً وتعاملنا مع 1,215 طفلة كانوا تحت سيطرة "داعش"، في أعراض وأمراض نفسية من اضطراب الكرب واضطراب الشدة النفسية والهلع. طبعاً لدينا 198 طفلاً كانوا تدربوا في مُعسكرات "داعش". هناك 71 طفلة تدرّبن في مُعسكرات "داعش"، طبعاً هؤلاء تخلّى عنهم التنظيم. التنظيم في بنيته الهرمية من ثلاثة مستويات، عندما يتعب على شخص ويستطيع تملّكه سينقله معه أينما يذهب وسيجنّده وسيتركه كخلايا نائِمة

سامي كليب: دكتور، بعد الموجز سوف نناقش بالتفصيل ما هي هذه الأمراض بالضبط، هلّ يُمكن مُعالجتها؟ وسنعرِض لبعض الأطفال الذين تعرّضوا لذلك، أجرينا بعض المُقابلات مع عدد منهم. ولكن في شكلٍ عام، قبل أن نتوقف مع الموجز سؤال سريع دكتور. هؤلاء الأطفال الآن موجودون عند أهلِهم أو في أماكن خاصّة لإنقاذهم مما عاشوه ومما تعرّضوا له ومما تدرّبوا عليه؟

بسّام حايك: طبعاً هناك نوعان، أطفال مع أهاليهم ومع ذويهم عندما لا يشكلون خطراً على المُجتمع. عندما يُشكِّل هذا الطفل خطراً على نفسه أو المُجتمع سيتم حجزه في مأوى طبي احترازي لكيلا يُشكِّلُ خطراً على نفسه وعلى المُجتمع

سامي كليب: حسناً. لحظات أعزّائي المُشاهدين وسوف نواصل تقديم هذه الحلقة، سترون كم أن المشاهِد مُهمّة وخطيرة. طبعاً سنحمِل الأمل، أنه هلّ يُمكن مُعالجة هؤلاء؟ وأتصوّر أنه يُمكن المُعالجة مع الوقت. لحظات ونعود إليكم. إن وجدتم هذه الحلقة مهمة لكم كما هي لنا ابقوا معنا

المحور الثاني:             

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين". في الواقع أنا حزين وسعيد فيها، حزين لأنّ هناك وضعاً مأساوياً لأطفال تدرّبوا عند التنظيمات الإرهابية ويعيشون ظروفاً صعبة وربما يُصبحون خطرين على المُجتمع، وسعيد لأنّ معي في هذه الحلقة نُخبة من أهل الاختصاص الذين سيقولون لنا ما هو واقع الحال وكيف ستتطوّر هذه الحال. أعود وأُرحِّب بالدكتورة "بهاء يحيى"، طبيبة نفسية وعضو في جمعية العناية بأطفال الحروب، هنا في الاستديو. السيّدة "نيكيتا مالِك" وهي مُديرة مركز دراسات التطرّف والإرهاب وكاتبة مُهمّة ومُحترمة في هذا المجال، معنا من (لندن). الدكتور "كمال الجفا"، باحث سوري متخصّص في الشؤون السياسية والعسكرية، خبير في مُعسكرات أشبال الخلافة والتنظيمات الإرهابية وفقَ ما اتّضح في القسم الأول من هذه الحلقة، ومن (دمشق) جاءنا من (حلب) مشكوراً الدكتور "بسّام حايِك" مدير عام الهيئة العامّة لمُستشفى بن خلدون" للأمراض النفسية والعقليّة في (حلب). دعونا في القسم الثاني نُشاهِد "أحمد" و"محمود" وهما شقيقان سوريّان عانا من تنظيم "داعش" وكانا مُعتقلين لرفضهما الانخراط في مُعسكرات التدريب الخاصّة بـ "داعش"

أحمد: كنّا نعيش بسلام، دخلت "داعش" على "دير الزور" وحدثت المشاكل، وصاروا يجندون الشباب الصغار والكبار، ولم يعد أحد يجرؤ على الخروج إلى الشارع أو أي مكان. طلبوا منّي أن أنخرِط معهم وأنا رفضت فأخذوني وبقيت مسجوناً عندهم لعدّة أشهُر. مكثنا في مكان كلّه تعذيب وبرد، وفي نفس المكان وإلى جانبنا كان هناك مُعسكر؛ كنّا في الليل نسمع الرصاص وإطلاق النار وكان المعسكر مليئاً بالأولاد الصغار الذين جنّدوهم وأعمارهم كانت تتراوح بين العشر سنوات والاثنتا عشرة سنة. كانوا يعلّمونهم كيف يضربون بالبندقية وجاؤوا لهم بألعاب مجسّمة، هي لعبة ويأتي المدرب بساطور ويعلِّم الولد كيف يقطع رأس اللعبة، هذه كلّها حضرناها نحن. أتى أمنيون من "داعش" وحقّقوا معي في عدم رغبتي في الالتحاق بهم، فقلت لهم "لا أريد أن أصير مع "داعش"، فجاء أحدهم وضربني على يدي هنا وكسرها، ضربني بالمهدّة. بعد أن انتهى أدخل فتيلاً في يدي هنا وأشعلها فحرقها. في الآخِر أقاموا محكمة وقالوا لي: "أنت منفي من (دير الزور) ومن المناطق التي تُسيطر عليها الدولة الإسلامية". ذهبت إلى (دير الزور) لعند والدي، ذهب إلى هناك فوجدت أبي قد ذهب ووجدت أنهم قتلوا أخي وكسروا رأسه لأنه رفض أن يصير معهم

محمود: كنّا نمكث في (دير الزور)، دخلوا "داعش" وحاصروا (دير الزور) كلّها، أخذوا أخي الكبير إلى السجن وبعدها قطعوا رأسه، وبعد ذلك جاء أخي فأخذوه إلى السجن وصاروا يحقّقون معه، وبعدها خرج أخي من السجن وجاء وأخذني أنا وأبي وذهبنا من (الرقّة) إلى (خربة الجوز) وعبرنا إلى (تركيا). أُصِبت في رجلي بشظيّة هنا

سامي كليب: دكتورة "بهاء"، الذي شاهد الموت، يعني يتحدّثان عن قتل شقيقهما وذبحه وقطع رأسِه، أو تدرّب في مخيّم إرهاب، ما هي الأمراض المُحتَملة لوضع أطفال من هذه الأعمار مثلاً؟

بهاء يحيى: طبعاً، هؤلاء الأطفال أيضاً، وأحب أن أًركّز على أنهم في طور النموّ، يعني جهازهم الجسدي والنفسي لا يزال يتطوّر، وعندما يُعايشون هكذا حالات عُنفيّة قويّة جداً أكيد ستُشكِّل صدمة عليهم وخاصةً عندما يكون الأذى، يعني كِلا هذين الولدين تعنّفا جسدياً إضافةً إلى أنّ الأب قُتِل والأخ انكسرت يده، يعني هما عُنِّفا وشاهدا العُنف على المُقرّبين لهما، يعني أقرب الأشخاص إلى الطفل هم أهله، الأُمّ والأب. عندما يشهد الطفل على مقتل الأهل هذا يُشكِّل صدمة قوية جداً له. الآن نحن نقول أنّه ما من شيء، أكيد كلّه يتعالَج، لكن الصدمات صعبة جداً على الأطفال وتترُك أثرها على مدى بعيد

سامي كليب: ما هي الآثار أولاً قبل المُعالجة؟ ما هي الآثار التي يُمكن أن نراها عند هؤلاء الأطفال؟

بهاء يحيى: عند الأطفال كثيراً، أولاً نتحدّث عن الـ P.T.S.D.، اضطرابات ما بعد الصدمة. هؤلاء تعرّضوا لصدمة والأعراض يُمكن أن تكون واسعة، نحن نقول مروحة الأعراض واسعة جداً منها أولاً على الصعيد الجسدي، إمّا امتناع عن الأكل، امتناع عن النوم، أو بالعكس شهيّة زائِدة ويريدون أن يملأوا هذا الخوف بالأكل، حركة زائِدة، عدوانية، اكتئاب. أحياناً عندما نكون مع أعمار أقرب إلى المُراهقة، الثانية أو الثالثة عشر وما فوق، أنا أخاف أيضاً أن نصل إلى الانتحار. عند الأطفال صعب الانتحار، فهذه الأعراض طبعاً لا أُريد أن أتحدّث إذا كنّا نُعنى بالأطفال، في المدارس يحدث عندنا تدهوُر في النتائِج المدرسية، شرود أثناء الصفّ، القلق، فقدان متعة العيش

سامي كليب: ولكن لاحظتِ دكتورة "بهاء"، هذه مهمة فقدان متعة العيش، هي ربما الأخطر لأنّ الدكتور "بسام" ذكر حالات انتحار تحصل أو مُحاولات انتحار عملياً

بهاء يحيى: صحّ

سامي كليب: ولكي يُقدِم الطفل على الانتحار يجب أن يكون تحت ضغطٍ نفسيّ هائِل لأنّه بشكلٍ عام يُحبّ الحياة

بهاء يحي: صحيح. لماذا أشرت إلى مرحلة المُراهقة؟ مرحلة المُراهِقة في حدّ ذاتها حرِجة وفيها مآزِم كثيرة والمراهق يسأل نفسه تساؤلات عديدة، فكيف إذا كان يعيش تحت ضغط، يعيش في مُعسكر وتُفرَض عليه قضايا، وهو أيضاً يريد أن يتماهى مع الراشدين. لماذا يحب المراهقون حمل الأسلِحة ويتشجعون أو يقبلون؟ لأن المراهق يقول: "والله أنا أُصبِح كبيراً مثل ذاك المقاتل"، فيجِد فيها دغدغة لنرجسيّته نوعاً ما. لكن من جهة أُخرى، الذين يرفضون ولا يرغبون ولا يُسمح لهم أن يُعبِّروا عن رفضهم، لا يسمح لهم، وإذا رفضوا ولا يريدون يُقتلون أو يتأذّون جسدياً. فيقول لك: "ما الحلّ"؟ من دون أن يكون عندهم أزمات ضاغِطة إلى هذا الحدّ، المراهقون في هذه المرحلة العمرية، الثانية أو الثالثة عشر، عندهم تفكير في الانتحار. الأفكار الانتحارية أو مُحاولات الانتحار تجدها عند المراهقين بين مزدوجين السليمين، فكم بالحري عند المراهقين الذين يتعرّضون لضغوطات عسكرية تُهدّد حياتهم الماديّة الوجودية؟ ممكن لهذا أن يُسهِّل لهم الاقدام على عمليّة الانتحار، هذا الذي يُخيف عند المُراهقين أكثر من عند الأطفال، ولكن كلّ مظاهِر اضطرابات ما بعد الصدمة نُلاحظها وأحياناً قد تطول وأحيانا تستغرِق سنوات. لكن لحُسن الحظّ العِلم يُساعِد كثيراً لنتمكن من أن نتلقّف هؤلاء الأطفال ونتمكن من مساعدتهم قدر الإمكان

سامي كليب: هذا هو بالضبط أعزّائي المُشاهدين جوهر هذه الحلقة لأنّ هناك دولاً عاشت وتعيش حروباً ولا تُفكِّر في النهاية بأن تؤسّس مثلاً جمعيّات للطبّ النفسي، للمُعالجة النفسية، وأن تكون هناك مجموعات كبيرة من ذوي الاختصاص لكي يتعاملوا مع الدول الخارِجة من الحروب. لأنّ ما بعد الحروب قد يكون أسوأ وأصعب من الحرب

بهاء يحيى: صحيح

سامي كليب: دكتور "كمال"، خلال دراستك لنماذِج هؤلاء الأطفال، هلّ هناك بيئة اجتماعية مُعيّنة؟ هلّ هناك جنسيّات مُعيّنة؟ هلّ يختلِف طفل مثلاً جاء من دولة غربية عن طفل جاء من ريف عربي، من ريف (سوريا) أو ريف (العراق)؟ هلّ هم فقراء، عائِلاتهم فقراء مثلاً؟

كمال الجفا: صحيح، في المجمل. قبل أن أُجيب على السؤال أريد أن أقول لك أنّ المشكلة الحقيقية في (سوريا) في رأيي لم تبدأ بعد. المُشكلة الحقيقيّة اليوم هي في المناطق التي تحتلّها "جبهة النصرة" في ما يُسمّى محافظة (إدلب) الخاضعة للسيطرة التركية. عندنا ثمانية وعشرون ألفاً من المدنيين والمُقاتلين وأبنائهم خرجوا من أحياء (حلب) الشرقية في العام 2016. عندنا إثنان وسبعون ألف مُقاتل تمّ ترحيلهم بموجب التسويات خلال ثلاث سنوات من الأزمة، وأنت تعلم، ابتداءً من (الغوطة الشرقية) إلى (درعا) إلى (حمص)، هؤلاء كلّهم رفضوا التسويات وعندهم أطفال في أعداد كبيرة وكلّ واحد منهم متزوّج إثنتين وثلاث. عندنا عدد المقاتلين غير السوريين، الأجانب، خمسة وثلاثون ألفاً وهذا في اعتراف حتّى

سامي كليب: كم ألف؟

كمال الجفا: خمسة وثلاثون ألفاً ما بين عائِلات ومُقاتلين. عندنا أبناء المُخيّمات الذين يعيشون على الحدود التركية السورية منذ بداية عام 2012، منذ أن بدأت (تركيا) تفتح هذه الحدود، هؤلاء كلّهم أطفالهم لا يعيشون حياة طبيعية ويخضعون للضغوطات المالية ويخضعون لابتزاز الفصائِل المُسلّحة ويرتبط عندهم موضوع المعونات والرواتب في موضوع إرسال الأطفال. عندنا أيضاً أبناء مدينة (إدلب) الباقين والذين أصبحوا أقليّة اليوم، والذي لا زال، أريد أن أقول لك، عندنا ثمانمئة مدرسة تُديرها الدولة السورية في مُحافظة (إدلب) وفيها 250 ألف طفل. وهنا أنا أُريد أن أوجِّه رسالة أن تكون العين والعناية لهذه المدراس. لأنك أنت في هذا المُجتمع الكبير، عندما تكون الدولة قادرة على أن تُصبِّر وتصبُر وتفتح وتستمرّ وتُعطي رواتب لـ ثمانمئة مدرسة بمدرّسيها لتدريس 250 ألف طفل إذا نحن عندنا كارِثة اجتماعية مستقبلية، تمكّنّا من المُحافظة عليها حتّى الآن، لكن في ما بعد. لذلك، ستجد أنّ الرافضين للتسوية عندك مشكلة كبيرة في أبنائهم، المُعسكرات التي يُقيمها "الحزب الإسلامي التركستاني" في المنطقة الممتدّة من (خربة الجوز) وصولاً إلى (باب الهوا)، كلّ هذه المنطقة، هذه مُصيبة لأنّ هؤلاء مُغلقين وحتّى يُضيفون لهم ما يُسمّى كل ما هناك من مقاتلين وعائِلاتهم من منظومة "الاتحاد السوفياتي" السابق وما يُسمّى الدول التي تُدين بالولاء للعثمانيّة، أيضاً هنا عندنا مشكلة. عندنا مُشكلة كما قلت لك، أبناء مدينة (إدلب) بعضهم لا زال يحمل السلاح، لذلك عندك كمّ مُختلَط، شيء كارثي فعلاً كارثي وليس هي مسؤولية الدولة السورية وحدها لتحمل هذا الهمّ الكبير

سامي كليب: دكتور "كمال"، كلّ ما تتفضّل به مُهمّ، فلنعد إلى السؤال، من أيّة بيئة هؤلاء الأطفال؟ هلّ من بيئة فقراء عملياً وربما فرِحوا أنه صار عندهم أكل أكثر وصار عند الفرد منهم قوّة شخصية وصار يستطيع أن

كمال الجفا: عندك جزءان، الجزء الذي كان في "داعش" والجزء التابع للتنظيمات المُسلّحة. "داعش" بمُجرّد دخوله إلى بعض المناطق واحتلالها كان يُقفِل المدارس ويضغط على الناس ويقطع المعونات ويُقفل المحلّات، هذا ضغط سيؤدّي في النتيجة إلى احتياج الأب والأُمّ للبحث عن أكل وشُرب. في عمليّة البحث عن الأكل والشرب وعمليّة اللجوء الإجبارية القسرية لمراكز تنظيمات الإغاثة لـ "داعش" كانت تتم المُفاوضة على الأطفال بالنسبة للذهاب إلى المُعسكرات وعلى الصبايا من أجل تزويجهنّ لما يُسمّى المُقاتلين المُجاهدين، الأمر يختلِف. إذا جئنا إلى مُحافظة (إدلب)، نجد أن التنظيمات اعتمدت على البيئات الفقيرة واعتمدت على الإغراءات المالية التي كانت تحملها معها نقداً.  في كلّ الحملات الدعويّة التي قام بها رجال الدين السعوديين وعلى رأسهم "عبد الله المحيسني" أو " أبو يقظان المصري" كانوا في البداية يخطبون للتحريض الطائِفي في طريقة تعتمد على تخويف الناس من الجيش السوري، تعتمد على أنّ الطفل سيكون شفيعاً لوالديه يوم القيامة، لذلك بعد انتهاء هذه التجمعات الدعويّة والدينية والتحريضية كان يتم فرز الأطفال وكان يُعطى مبالِغ مالية تتراوح بين خمسمئة وألف دولار لكلّ أب يُسلِّم كلّ طفل من أولاده

سامي كليب: أوكي. مهمّ كلّ التخويف والتهليل والإغراء، ولكن أيضاً هناك إقناع. وهنا سأعود وأتوجّه إلى السيّدة "نيكيتا مالِك". سيّدة "نيكيتا"، حضرتكِ درستِ هذه الحالات، الآن يتفضل الدكتور "كمال" ويتحدّث عن خمسةٍ وثلاثين ألف أجنبي بين مُقاتِل وعائِلات المُقاتلين جاؤوا إلى (سوريا) وأيضاً ذهبوا إلى (العراق) وإلى دول أُخرى. الآن حين يعودون عملياً إلى بلادهم، هؤلاء جذبتهم الدعاية الدينية وإقامة الخلافة. سيعودون إلى بلادهم لكن هل سيكونون خطرين؟ أم هناك مُعسكرات الآن ومُستشفيات ومُعالجات نفسيّة تواكبهم؟

نيكيتا مالِك: في الواقع هذه المؤسّسات نعمل حالياً على تطويرها وإعدادها نظراً لوجود عدد كبير من المُقاتلين الذين تركوا البلدان الغربية وهُم يحملون جوازات هذه البلدان. هذه مُعضِلة حقيقية ترتبط كذلك بالراشدين الذين انضمّوا إلى هذه المُنظّمات، وفي هذه الطريقة قاموا بارتكاب فعلِ إرهابٍ في حقّ هذه البُلدان. بالتالي، عندما كان يرحل أحدهم عن (المملكة المتحدة) كان يرتكبُ فِعل خيانة في حقّ (المملكة المتحدة) من خلال الانضمام إلى مجموعة كـ "داعش"، وبالتالي هؤلاء قد قاموا باتخاذ خيار هو الانضمام إلى هذه المنظمات وتعرّضوا للتدريب وكذلك تعرّضوا لدرجاتٍ متطرِّفة من العُنف وقد تتلمذوا في طريقةٍ إيديولوجية واستراتيجية وبالتالي يجدُر بنا ألّا ننظُرَ فقط في برامج إعادة التأهيل ونزعِ فتيلِ التطرّف. ولدينا في هذا البلد برنامج جديد إسمه "برنامج المُساعدة وفكّ الارتباط" وهو إلزاميّ في الواقع لهؤلاء المُقاتلين. لكن دوماً لا بدّ كذلك من وضعهم في السجن إن كنّا نتحدث عن رجال أو نساء بالنسبة إلى الجرائِم التي ارتكبوها وأوّلها الانضمام إلى مُنظّمة إرهابية. وعندما نتحدث عن الأطفال، هذه الفِئة مُختلِفة بعض الشيء لأنّ الولد أو الطفل ربّما لم تكُن لديه قوّة أو قُدرة اتخاذ القرار، وربما أخذه أهله إلى هذه المنظمات الإرهابية ولدينا الكثير من الحالات حيثُ جرى توقيف عائِلات بأسرها عند الحدود وكانت تسعى إلى الانضمام إلى التنظيمات الإرهابية في (العراق) و(سوريا). هؤلاء الأطفال في حاجة إلى رعاية متخصّصة وكذلك مساعٍ متخصّصة لفكّ الارتباط ونزع الأفكار الأُصولية. فهؤلاء قد تمّت تلمذتهم على أنّ الدولة الإسلامية هي الدولة الأسمى والمُتقدِّمة بناءً على إملاءات أهلِهم وفد جرى كذلك إعدادهم على هذه الأفكار، وهي أفكار مفادها أنّ (المملكة المتحدة) مليئة بالكُفّار ويجدُر بهم ألّا يعيشوا هنا وبالتالي هم في حاجة إلى عناية ورعاية متخصّصة إلى حدٍّ بعيد، وربّما نحن ما زلنا فقط في بداية هذه المساعي، نتحدّث عن أولادٍ أيضاً ربما ولدوا في كنفِ الدولة الإسلامية لأهالٍ بريطانيين لا يحملون الجوازات البريطانية ومع ذلك نحن مسؤولون تجاههم

سامي كليب: حضرتكِ تتحدّثين طبعاً عن المُعالجة الأمنية في الدرجة الأولى لأنّ هؤلاء كما تتفضلين ارتكبوا عمليّات إرهاب ويعودون إلى بلادهم، لن يعودوا مُرفّهين وسيدخلون إلى السجون وسوف يُعاقبون. نحن هنا نتحدّث عن الأطفال سيّدة "نيكيتا"، وأنا أودّ أن أسألكِ لأنّ من غُسِلَ دماغه بأفكار دينية عملياً ينبغي أن نُعيد غسل هذا الدماغ بأفكار أُخرى. ما الذي دفعَ هؤلاء الأطفال في رأيكِ، أو الإرهابيين في شكلٍ عام إلى تبنّي أفكار جديدة وهم يعيشون في مجتمعات غربية عملياً مُرفّهة في شكلٍ عام. أسأل هذا السؤال لأنه تبيّن من خلال الدراسات أنهم ليسوا جميعاً فقراء وليسوا جميعاً من الجهَلة، هناك ستّون في المئة مهندسون عملياً ممن يعملون مع التنظيمات الإرهابية وأوضاعهم الماليّة جيدة في شكلٍ عام. السؤال عن المُعالجة هو حولَ هذا الأمر، هؤلاء سيعودون، هل سيبقون خطرين في مُجتمعاتهم أم هناك أساليب للمُعالجة كما تتفضلين؟ وأنا سمعت شيئاً مهماً تتفضلين به هو "مركز المُساعدة وفكّ الارتباط". كيف يتمّ ذلك؟

نيكيتا مالِك: في حال الأطفال، أوّل ما يجب أن نتذكّره هو أنّ جميع الأولاد يكونون ضحايا في هذه الحالات، فربّما تعرّضوا لغسلِ دماغ أو لاستغلال أو قال لهم أهاليهم أو أشخاص يثقون بهم أنّ هذا هو القرار الصحيح أُسوةً بالقصص التي عرضتموها والكثير من القصص المروِّعة لأولادٍ تعرّضوا لهذه الأوضاع والظروف والتعذيب ولا يملكون خياراً آخر. بالتالي، وأخذاً بذلك في الاعتبار، نتحدث أيضاً عن بلدان غربية وأشخاص انتقلوا منها للانضمام إلى منظمات إرهابية ويُمكن تصنيفهم في فئتين بحسب الفئة العُمرية. نتحدث بدايةً عن فِئة الأولاد حتّى سنّ الثانية عشر والثالثة عشر من العُمر، هؤلاء لم يكن لديهم أيّ دور أو أيّة إمكانية للمُشاركة في القرار فأهاليهم قد استهلكوا البروباغندا الخاصّة بالدولة الإسلامية وقرأوا الكثير من المجالات والقراءات والمنشورات عبر الإنترنت وكلّ هذه الأفكار قد أفهمتهم أنّ الطريق المُثلى لتربية أولادهم هي في الخلافة، وبالتالي أخذوا أولادهم من (المملكة المتحدة) للانضمام إلى الخلافة وتحدّثوا هنا عن أُسرٍ كبيرة فيها ستة أو سبعة أولاد أُخذوا جميعاً للانضمام إلى صفوف الخلافة أو "داعش". وبالتالي أتحدّث عن ظروف فريدة من نوعها ومُحدّدة. لكن في الفئة العُمرية الأكبر بين الثالثة عشر والثامنة عشر من العُمر، بعض الأولاد قد قرروا وبطريقة مُستقلّة أن ينضمّوا إلى "داعش" وقد قاموا بالبحوث الخاصّة بهم عبر الإنترنت وتحدّثوا إلى أصدقائِهم الراغبين كذلك في الانضمام إلى الدولة الإسلامية، وقد عرِفنا كذلك في بعض الحالات مجموعة من فتياتٍ متعدّدات، خمس فتيات ربما، انضمت إلى هذه المجموعات. تحدثت أيضاً عن خلفية الفقر ولكن في بعض الحالات الفقر لا يُشكِّلُ عاملاً. تحدثتُ عن بناتٍ مُثقفات ويُبلينَ بلاءً حسناً في المدرسة وهنّ يسعين لبلورة وتجسيد الصورة التي قُدِّمت لهن عن الإسلام، وبالتالي من خلال التصفحّ عبر الإنترنت بدلَ الوصول إلى أئِمة ومجموعات مشروعة يصلون إلى مجموعاتٍ أُسوة بالمجموعة الإسلامية والمنظمة الإسلامية، وتُخبرهم هذه المجموعات أنّ المُسلِم الحقيقي ليسَ على صورة هؤلاء الموجودين في الغرب بل هو على صورة من ينضمّ للخلافة الإسلامية. لذلك قرروا الانضمام إلى "داعش"، وبالتالي نحاول أن نُعيد دمجهم عند عودتهم وأن نُدرِّبهم على أنّ هذه الأفكار خاطِئة هو أمرٌ صعب. وبالطبع لا بدّ من أن نعمل مع أئِمة وشيوخ شرعيين لديهم الفِهم الحقيقي حول ماهيّة المُسلِم الفِعليّ وأن نؤمّن لهؤلاء الأشخاص تدريباً شخصياً، من شخصٍ لآخر، لكي نعمل معهم على تقبّل الأفكار الحقيقية للإسلام من دون أن ننتهِج أيّديولوجيات عنفية، وبالتالي هذا ما يتمحور حوله هذا البرنامج وهو يتعلّق كذلك أو يُشرِكُ مجموعة كبيرة من الأخصّائيين الموهوبين الذين يُكرّسون الوقت المطلوب لتغيير عقليّة بعض الأفراد الذين غرقوا في الراديكالية

سامي كليب: أوكي. أنصحكم أعزّائي المُشاهدين، لمَن يقرأ الإنكليزية، شاهدوا الكتابين للسيّدة "نيكيتا" على الشاشة، وأنا أتمنّى على السيّدة "نيكيتا" وعلى مَن يُشاهِد هذا البرنامج أن نعمل سوياً على ترجمة هذه الكُتب لأنّ فيها الكثير من المعلومات. لا أدري إذا كان الدكتور "كمال" قد قرأهما، فيهما الكثير من المعلومات والوثائِق حول الأطفال خصوصاً في كتابها "أطفال الدولة الإسلامية" The Children of The Islamic State. الآن، في الحديث عن هذه المواضيع دعونا نُشاهِد، قبل أن نعود إليكِ دكتورة حول الوضع النفسي ونذهب إلى الدكتور "بسام "، دعونا نُشاهِد بعض التدريبات إذا أمكن على الشاشة بشكلٍ سريع وكيف كانت تحصل، خصوصاً أنّ بين يداي أعزّائي المُشاهدين برامج للمدارِس في الواقع، ونُشاهِد فيها أنّه بدل أن يكون هناك كما نُشاهِد في كُتب الأطفال حيوانات صغيرة وقصصاً جميلة، سلاح وساطور وكلاشينكوف ودبابة، هذه صوَر للأطفال 

كمال الجفا: في الصف الأول الابتدائي أيضاً، صفّ أول إبتدائي  

سامي كليب: الصف الأول إبتدائي هذه الصوَر؟

كمال الجفا: أجل، الأول إبتدائي

بهاء يحي: بداية تعلّم الجمع

كمال الجفا: بداية الجمع والطرح والتعرُّف على الأشياء الحسيّة

سامي كليب: يعني يجمع قنابل مثلاً؟ كم قنبلة؟

كمال الجفا: قنبلة نعم، أول شيء يجمعه الطفل بدل أن تقول له كم مصاصة أو تفاحة، تجد في الكتب كم بارودة وكم طلقة وكم رصاصة للأسف يعني

سامي كليب: وكم دبابة، هذه أربع دبابات، يجمع أربع دبابات وخمس عشرة قنبلة

كمال الجفا: وهذا المنهج في (سوريا) و(العراق) وليس فقط في (سوريا)، في كامل مناطق سيطرة الدولة الإسلامية

سامي كليب: في (سوريا) و(العراق)؟

كمال الجفا: في (سوريا) والعراق) أُقِرَّ البرنامج

سامي كليب: وهذه مناهِج جديدة عند الدولة الإسلامية

كمال الجفا: جديدة نعم

سامي كليب: حسناً، دكتور "بسام" تحدّثنا قبل قليل عن الحالات التي كنتُم تُشاهدونها وصعوبة ذلك. أُريد أن أسألك، هلّ نجحتُم حتّى الآن في مُعالجة حال مُعيّنة أو حالات مُعينة نهائياً خرجوا من أجواء الإرهاب التي عاشوها مثلاً؟

بسّام حايك: بالتأكيد. تمّ التعامل مع الحالات في شكلٍ مباشر. الحالات تتراوح بين الشدّة والخفّة. طبعاً "داعش" كتنظيم استخباراتي، يُمكن أن ألخِّص الموضوع استطراداً لما سبق، هو يعمل بحرفيّة عالية، هو لا يختار أيّ طفل بل يُخضِع الأطفال إلى معايير ومقاييس أميركية مباشرة أعدّتها الـ C.I.A.، "ديفيد كوبلر" و"جيرالد بوست" هم من أعدّوا هذه المقاييس، موجودة المقاييس على الإنترنت ونحن نستعملها لكشف المرضى ذوي الاضطرابات الشخصية. عندما يكون المريض إنساناً طبيعياً، مُجرّد استقطاب بسيط لـ "داعش"، كان التعامل معه سهلاً جداً وفق علاج سلوكي معرِفي، علاج في خطّ الزمن، أساليب علاجية سهلة. عندما يكون المريض من ذوي شخصيّة خاصّة مثل "اضطراب الشخصيّة الحديّة" أو "اضطراب الشخصية المُضادة للمُجتمع" غالباً ما يكون العلاج صعباً جداً. في المرضى العاديين الذين لم يتعرضوا لحرب يكون العلاج صعباً فكيف في حال مَن تعرّض لغسل دماغ؟ طبعاً موضوع غسل الدماغ هو موضوع داِئم الذِكر في ما يتعلّق بتنظيم "القاعدة" وفرع "داعش"، هناك مؤسّسات كاملة في (أفغانستان) تقوم بالتدريب بشكلٍ مُباشر لكيفية غسل الدماغ وكيفية مُقاومة غسل الدماغ. طبعاً، نحن في (سوريا) في شكلٍ عام لدينا برنامج متكامل من وزارة الصحّة وقمنا بتأهيل عدد كبير من الأشخاص حتّى نستطيع التعامُل بشكلٍ مُباشر. الحالات التي شَفيت هي حالات متوسّطة الشدّة، الحالات الشديدة عندما تحمل خطراً على النفس أو على المُجتمع يتمّ التعامل معها بحَذَر، يتمّ التعامل معها في مأوى وبشكلٍ مُباشر ويتمّ التعامل معها وفقَ برامج علاجية ودوائية، يعني نحن عند الأطفال دائماً نبتعِد عن الأدوية

سامي كليب: دكتور "بسام" عفواً اعذرني على المُقاطعة، هلّ من بعض الأطفال الذين جاؤوا إليك أو جيء بهم إليك منهم من قتَلَ وذبَح مثلاً، شاهدته حضرتك واستطعت أن تطلِع على وضعه النفسي مثلاً؟

بسّام حايك: طبعاً، حالات الأطفال الذين قاموا بالقتل، طفل يقوم بهذا الموضوع ليس في نفس الدافع الذي يقوم به الآخرون. الطفل يقوم بذلك في دافع نفسي مُختلِف. طبعاً هناك بعض الحالات التي قامت بالقتل أو الاعتداء الجنسي. أحياناً الطفل يُزيّن له الاعتداء الجنسي بشكلٍ مُباشَر أو القتل حتّى بشكلٍ مُباشَر، طبعاً العلاج يخضع لعدة مراحل منها إزالة التعريض، منها العلاج في عدة أنواع متكاملة من علاجات السلوك المعروفة. هناك حالات قامت بالقتل نعم، كما تعلم عندما يتمّ القبض عليهم يتمّ التعامل معهم في شكل حذِر جداً. هناك بعض الحالات جاءت بنفسها بعد التسوية، وتعرِف أنّ الدولة السورية تعاملت مع الموضوع بشكلٍ مُختلِف، فبعد التسوية هناك حالات تعاملنا معها. طبعاً نحن ما زلنا حذرين، ما زلنا ننتبه إلى الحالات الخطِرة على نفسها وعلى المُجتمع، أمّا الحالات التي تماثلت للشفاء فما زالت تُعالَج بشكلٍ متابع. نعود للذِكر إنّ الأدوية لا تُفضَّل عند الأطفال لكن للأسف نضطرّ لاستعمالها في بعض الحالات خصوصاً عندما يكون الطفل كما أسلفت السيّدة الفاضلة

سامي كليب: مضطرِب

بسّام حايك: بين عمر الرابعة عشر إلى خمس عشرة سنة، هنا يحمل خطورة كبيرة على آخرين وليس فقط على نفسه. طبعاً نذكُر حالات كثيرة خصوصاً في ريف (حلب) الشرقي، يعني في مدينة (لباب) تعرّض الأطفال لسيطرة مُباشرة لـ "داعش". في مدينة (الرقة) أيضاً كان هناك عدد كبير من الأطفال طبعاً. تعرفون أنّ مدينة (الرقّة) تقع جغرافياً في ارتباط جغرافي مُباشَر مع (حلب)

سامي كليب: صحيح

بسّام حايك: شاهدنا عدداً كبيراً من مدينة (الرقة) ومن مدينة

سامي كليب: دكتور "بسام"، الآن هذا جديد عليكم كأطباء، على المُجتمع السوري، على المُجتمع العراقي أيضاً، عملية أولاد يغتصبون، يقتلون، يذبحون. من أين لكم الخبرة الجديدة؟ هلّ تستعينون؟ هلّ هناك مُساعدة دولية لكم؟ هلّ ثمة أطباء يأتون ويُساعدونكم؟ يعني على ما تعتمدون في المُعالجة؟ كيف نعرِف أنّ هذه المُعالجة صحيحة أم لا عملياً؟

بسّام حايك: طبعاً، طبعاً.  موضوع "التدريب" منذ بداية عام 2012 وقبل نشوء "داعش" تنبّهنا في شكلٍ مباشر لما سيحدُث. القصّة التي تحدث في (سوريا) حدثت قبلاً في (العراق)، حدثت قبلاً في (أفغانستان). الجنود الأميركيون أنفسهم تعرّضوا لهذا المرض، هو شُخِّصَ بشكلٍ أساسي لدى الجنود الأميركيين في (العراق). طبعاً هناك مراجِع عالمية، ومسألة وجود طبيب غير سوري لنقُل كانت المسألة جداً حساسة، الطبيب غير السوري لم يستطع التواصل في نفس اللغة ونفس المفهوم المُجتمعي للمرضى. ما فعلناه هو تدريب الأطباء وتدريب المُرشدين والمُعالجين النفسيين والاجتماعيين عبر برنامج متكامل أُقيم بالتعاون بين وزارة الصحة السورية وبين منظمة الصحّة العالمية، طبعاً بمُشاركة خبرات عالمية تمّ التدريب في (بيروت) وفي (اللاذقية) وفي (دمشق)، وتدرّبَ حوالى سبعين معالجاً نفسياً على مُستوى (سوريا). طبعاً العدد لا يُعتَبَر كافياً، ما نحتاجه هو أكبر من هذا العدد بكثير لكن ما نبدأ العمل به، دائِماً نحن نختار الحالات الأشد والأخطر. الحالات الأخفّ يُمكن التعامل معها بشكلٍ مُختلِف

سامي كليب: حسناً. دعونا نرى ضيوفي الكرام فيديو نشرته "داعش" للأطفال مُنفّذي هجمات "غروزني" و"شالي". صورة للطفل الانتحاري "أبو خطّاب الأنصاري"، طفلٌ وإسمه "أبو خطّاب الأنصاري"، الذي فجّرَ نفسه في حاجز لوحدات الحماية الكردية وهو من ضمن مجموعة ضمّت اثني عشر يافعاً فجّروا أنفسهم خلال شهر واحد فقط في (الحسكة)، ونحن حريصون في هذا البرنامج أعزّائي المُشاهدين ألّا نُظهِر لا دماءً ولا قتلاً ولا ذبحاً، وأنا أدعو كلّ وسائِل الإعلام ألّا تُظهِر أطفالاً في الواقع لا يقتلون ولا قتلى لأنّ هذا مُخالِف لشُرعة الإعلام في العالم. نشاهدهم وأعود إليكِ دكتورة. يعني دكتورة "بهاء" ونحن نُشاهِد هؤلاء الأطفال، طفل اعتاد على القتل فرِح أنّه صار بطلاً عملياً أو اعتاد على الاغتصاب وربما أحبّ الممارسة الجنسية، هلّ يُمكن أن يعود إلى طبيعته في مُجتمع عادي ويعيش حياة عادية أو خلص يعني، وصل دماغه، خصوصاً حسبما فهمت وحضرتكِ خبيرة في هذا المجال، في عمر معيّن ما يدخُل في الدماغ صعب أن يخرُج

بهاء يحي: حرِج

سامي كليب: حرِج

بهاء يحي: يعني مرحلة عُمريّة حرِجة. صراحةً ما شاهدناه من أطفال، أجل يلعبون في المُسدّسات والكلاشينكوف

كمال الجفا: يتدرّبون، ذخيرة حيّة 

بهاء يحي: وفي الوسائِل الحربيّة وبالتالي نعم، مثلما قلنا في جانب منها تم غسل الدماغ ونريد أن نقوم في إطارٍ مُعاكس بغسل دماغ آخر معاكِس كي نتمكن من مُساعدة هؤلاء الأطفال. طبعاً كما قال الدكتور، هناك حالات حادة وهناك حالات أقلّ حدّة. الحالات الأقلّ حدّة، الذي شاهد والذي مارس والذي حضرتك قلت أنّه قتل أو قطع رأساً ولم نُشاهده على التلفزيون. هذا المُعاش الذي عاشه صعب جداً، تمرّس على هذا الشيء، يومياً ربما يُدرّب على القيام بهذا العمل

سامي كليب: ربما قتل أكثر من عشرة

بهاء يحي: صحيح. فهذا حتّى أُعيده إلى الحياة الطفولية الطبيعية أكيد سيأخذ مدى زمنياً أطول، سيأخُذ علاجات متعدّدة أكثر، وقد ننجح وقد لا ننجح. نحن في طور التجربة معه

سامي كليب: قد لا ننجح

بهاء يحي: نعم، قد لا ننجح، حسب بنيته، هناك تركيبة شخصية أيضاً، يعني ترجع إلى شخصيته وإلى أهله ووعيه الفردي ووعيه الجماعي، كلّ هذا يلعب دوراً في تركيبة الشخصية وليس فقط الحدث الذي يُعاش، الحدث مع الشخصية. لكن نحن نقول في عِلمنا إن عِلم النفس تطوّرَ كثيراً وحضرتك أشرت فعلاً إلى أنّ على هذه الدول مهام كبيرة، (سوريا) و(العراق)، لإعادة بلسمة جراح هؤلاء الأطفال وإعادتهم إلى الحياة الطبيعية. العمل ليس سهلاً أبداً

سامي كليب: هلّ لدينا في الدول العربية خُبرات كافية؟ أم من الأفضل في هكذا حالات بعد الحروب أن نلجأ إلى دول غربية ومؤسّسات أهم ربما عالجت في شكلٍ أعمق؟

بهاء يحيى: نعم. هل في إمكاني التحدّث قليلاً عن تجربتنا؟

سامي كليب: نعم، بالتأكيد

بهاء يحيى: تجربتنا اللبنانية، نحن اختصاصيون في علم النفس وعندنا معالجون وعندنا أطباء. في سنة 1996، وقت عناقيد الغضب لمن يذكُر، المجزرة التي اقتُرِفَت من قِبَل العدوّ الإسرائيلي، قامت الحكومة الفرنسية عبر دائِرة الشؤون الإنسانية بفتح مستوصفات للصحّة النفسية في جنوب (لبنان)، في (صور) و(النبطية) لمتابعة ضحايا "عناقيد الغضب". كانت فعلاً أوّل مراكِز تُعنى بالصحّة النفسية، نتحدث تقريباً منذ أكثر من عشرين سنة. منذ أكثر من عشرين سنة صراحةً موضوع الصحّة النفسية كان هناك إغفال عنه، لكن خلال هذين العقدين تطوّرت الأمور كثيراً، وهذا لصالِح العِلم ولصالِح هؤلاء الأطفال لكي نتمكّن من الإحاطة بهم. السؤال الآن، هلّ الخبراء يكونون من أهل البلد؟ أكيد أفضل، وأنا أُشدِّد على الذي قاله الدكتور أيضاً، لأنّ طبيب البلد أو مُعالِج البلد يعرِف في الخلفيّة، في النفسية، في اللغة، في التاريخ، في الماورائيات، في التقاليد، هذه كلّها تُساعِد أكثر على هذا الشيء

سامي كليب: صحيح، حتّى في العاطفة يعني

بهاء يحي: هذا لا يعني، وأنا أقول لك أننا نحن عندما أتينا وفتحنا هذه المُستوصفات كان معنا خُبراء نفسيون، معالجون وأطباء نفسيون أشرفوا على العمل وفي ما بعد تُرِكت لنا المهام وصار عندنا مراكِز كثيرة في (لبنان) تُعنى في الصحة النفسية، وهذا سيصير على نطاق أوسع بكثير في (سوريا) و(العراق)

سامي كليب: حضرتكِ دكتورة "بهاء" عُضوة في جمعية العناية بأطفال الحروب، وطبعاً درستِ في الغرب ومُعالِجة نفسية، طبيبة نفسية وأُستاذة في الجامعة. أُريد أن أسألكِ، هلّ من الأفضل أن يبقى الولد الذي قتل واغتصب وذبح مع أهلِه ويُعالَج؟ أم من الأفضل فصله عن الأهل ووضعه في ربما مُعسكرات، مُخيمات، مدارِس مُعيّنة؟

بهاء يحي: نعم. دكتور "سامي"، ربما حضرتك تعرِف أنّه الآن هناك جدل لربما لا يزال سرّياً في (فرنسا)، أنّ هؤلاء العائِلات أو الأطفال الذين قاموا بالعمليات الحربيّة في (سوريا) و(العراق)، الآن جدياً هناك جدل عليهم، هلّ نستقبلهم ونُعيدهم ونعيِّشهم، يعني نقبل بهم أم لا نقبل؟ هناك فريق يقول، وهناك خلاف، خلافات جوهرية. هناك فريق يقول، طالما هؤلاء أن آباءهم كانوا يقومون بالعمليات العسكرية، الأُمّ والأب وليس فقط الأب، الأُمّ والأب

سامي كليب: صحيح

بهاء يحي: فهناك رأي أن نأخذهم وتستقبلهم عائِلات وتؤمِّن لهم الحُضن الراعي على الصعيد الأمان النفسي لهم، وفي الوقت نفسه يُتابَعون نفسياً. يعني هناك علاجات نفسية

سامي كليب: لكن يجب أن نوفِّر عائِلات، يعني حضرتكِ لو جيء بولد وقيل لكِ أنّ هذا ذبح واغتصب من الصعب أن تستقبلينه في بيتِك

بهاء يحيى: يجب أن يُشتغل على هذا الإطار. هناك مراكِز قالت الدكتورة، مراكز إيواء، وكذلك قال الدكتور. هناك مراكز، ويجب أن تُستحدث في المُستشفيات وفي مراكز الشؤون الاجتماعية، تُستحدَث مؤسّسات عن جد للعناية بهؤلاء ولتوجيه الدعم، إذا كان الأهلُ موجودين. هناك أهل أكيد والأمر حسب الحالات، الحالات الخاصة جداً والفردية. أصلاً في كلّ الحالات النفسية، لا يُمكننا أن نُعمِّم، كلّ حال من اللازم أن تُدرَس بذاتها، لأنّ هناك تفاصيل الحدث وهناك التاريخية الشخصية

سامي كليب: يعني نحن في حاجة دكتورة "بهاء" إلى مئات لا بل آلاف الأطباء النفسيين والمُعالجين عملياً في هذه الحال بعد الحروب

بهاء يحي: أكيد، تحدّث عن سبعين معالِجاً والعدد ضئيل جداً

سامي كليب: ضئيل جداً صحيح

بهاء يحي: ضئيل جداً لهذا البلد الطويل العريض، (سوريا) الذي كلّ مُدنِه تعرّضت لعمليات تدمير وقتل وبشاعات إذا أردنا أن نقول. يعني نحن في (لبنان) صار عندنا أكثر من هذا العدد ونُخرِّج أعداداً من المُعالجين. لكن أنا أُحبّ أن أُنوِّه إلى مسألة صغيرة. حضرتك قلت عنّي طبيبة نفسية، أنا مُعالِجة. الطبيب يصف الدواء وأنا لا أصف الدواء

سامي كليب: مُعالِجة نفسية

بهاء يحيى: وهنا مسألة مهمة جداً وهي التنسيق ما بين الإثنين. بعض الحالات تحتاج إلى دواء، خاصةً كما أشار، أن بعض المُراهقين الذين هم ضدّ المُجتمع من الممكن أن يقدموا على إيذاء أنفسهم أو الآخرين، هؤلاء بالضرورة يجب إعطاؤهم دواء، وفي المُقابل متابعة نفسية

سامي كليب: معالجة نفسيّة، صحيح

بهاء يحيى: الأمر والله صعب، وما بعد الحرب ليس كما أثناء الحرب. يعني العمل يجب أن يكون دؤوباً جداً ويجب أن يحتوي على صبر وطول بال

سامي كليب: على كلّ حال دكتورة "بهاء"، ليس لأنكِ معنا ولكن أنا أشهد لأننا درسنا سوياً في (فرنسا)، دكتورة "بهاء" من أشطر المُعالِجات النفسيات وفعلاً تابعت الكثير من الأطفال وهي من أشطر الأساتذة لذلك أنا أنصح بالاعتماد عليها

بهاء يحي: شكراً لك دكتور "سامي"

سامي كليب: إذا كان عندكِ وقت يعني، أتمنّى. حسناً، لو سمحت دكتور "كمال"، الآن هناك عمليّة الأطفال وغسل الأدمِغة. يبدو أنّه ليس في الصُدفة تركيز التنظيمات الإرهابية على الأطفال، وكأنّهم كانوا يُحضّرون لسنوات وعقود طويلة والتأسيس مع الأطفال لأنّ ذهنهم، دماغهم يكون صافياً ويُمكن إدخال أيّة أفكار فيها، ويكبر الطفل مع هذه الأفكار ويُصبحون أكثر خطورة عملياً

كمال الجفا: ما هي سياسة تنظيم مُحدّد؟ هذا مسؤول عنه تنظيم الجهاد العالمي، في اليوم الذي بدأ في عملية الإعداد النفسي وبدأ من تعليم القرآن الكريم، أنا أعجبتني كلمة قالتها الضيفة من (لندن)

سامي كليب: السيّدة "نيكيتا"

كمال الجفا: قالت: "يجب أن نعود إلى رجال الدين"

سامي كليب: صحّ

كمال الجفا: المُشكلة الأساسية عندنا هي من الجوامع، من رجال الدين. تسلسل التعلّم لدى الأطفال متشابه عند كلّ التنظيمات سواء "جبهة النصرة" أو فصائِل ما يُسمّى "الجيش الحرّ" في بداية الأزمة، ولم تكن كلّ هذه الفصائِل المتشدّدة، هو الجامع وهو رجُل الدين

سامي كليب: دكتور "كمال"، لكي أُعيد وأُحدّد سؤالي، هلّ تبنّي الأطفال وتدريبهم على الإرهاب كان مقصوداً؟ لأنّ الطفل ربما السيطرة عليه أسهل من الكبار؟

كمال الجفا: هو يحتاج إلى عمليات تجديد دماء وعمليات مدّ المجموعات الجهادية بشكلٍ كبير، لاحظنا أنّ "داعش" خفّض السنّ كما قلنا في بداية الحلقة للمتدرّبين ليُعوِّض الخسائِر الكبيرة، ثانياً باقي الفصائِل هي لعمليات تطوير وتأهيل ما هو موضوع جهاد عالمي. حتّى اليوم، عندما تقوم الولايات المتحدة بعمليّة نقل مُقاتلين سواء إلى (سيناء) أو إلى (أفغانستان) أو إلى شمال (أفريقيا) لوقف التمدّد الصيني الهادئ، إذا هناك منظومة عالمية تشهد على هذا الشيء. أطفال "عبد الله المُحيسني" الذين أسّسهم في بداية 2013 هم اليوم قوّات النخبة، ما يُسمّى "العصائِب الحمراء" المتمركزة وهي القوة الضارِبة اليوم التي تريد أن تتصدّى للجيش السوري في أيّة عملية عسكرية. إذاً يقطفون نتاج هذا العمل الكبير الذي استمرّ منذ خمس سنوات، الذي دخل وكان عمره عشرة صار في السادسة عشر وسبعة عشر، والذي كان في الثانية عشر صار في العشرين، هؤلاء طليعة مُقاتِلة سواء عمليات انغماسيه أو عمليات انتحارية، إذاً هم اشتغلوا عليهم ليكون لهم شأن كبير ليس فقط في (سوريا) أو (العراق) بل في أيّ مكان تتوجّه فيه سياسة الدول الكُبرى لفتح نزاعات وحروب إقليمية كما حدث في (سوريا) و(العراق)

سامي كليب: صحيح

كمال الجفا: ليس الوضع مقتصراً على (سوريا)، تفضّل

سامي كليب: سيّدة "نيكيتا" اسمحي لي أن أسألك سؤالاً ربما تعرِفين عنه أكثر منّا أو ربما أقلّ لا أدري. الآن جرى التركيز على الأطفال عبر برامج هادفة مدروسة جداً، مُخطّطة جداً، لغسل الأدمِغة في الغرب. جرى ذلك عبر وسائِل التواصل الاجتماعي، وحضرتكِ درستِ ظاهرة الإرهاب والأطفال عملياً. كيف كان يُسمح لكلّ هذه البرامج والمشاهِد أن تمرّ عبر وسائِل التواصل الاجتماعي من دون إلغائها، بينما إذا رأينا أنّ أيّ رأي يُخالِف السياسة الداخلية لأيّ مُحرِّك في وسائِل التواصل الاجتماعي يُغلَق فوراً أو تُغلق فوراً الصفحة. الآن لو دخلنا إلى وسائِل التواصل الاجتماعي نستطيع أن نرى مثلاً فتى من "داعش" أو من "النُصرة" أو من أيّ تنظيم إرهابي يذبح عملياً أو يحرُق، ما الذي يسمح بذلك؟ لأنّ هناك شكوكاً، واسمحي لي بالسؤال، عند الكثير من الدول العربية، وكأنه كانت هناك مُساعدة لهؤلاء لكي يُسيطروا ويربحوا الحروب في دول يُراد تدميرها مثلاً

نيكيتا مالِك: أعتقد أنّ شركات التواصل الاجتماعي باتت أفضل أداءً اليوم عمّا كانت عليه منذ سنوات في ما يتعلّق بحذف المُحتوى العنفي والمرتبِط بالمنظمات الإرهابية ويتطلّب ذلك جهداً مُنسّقاً على مُستوى شركات التكنولوجيا هذه، وبالتالي نختلِف في الرأي صراحةً. الآن لو دخلت إلى "فيس بوك" وبحثت عن أيّ مقطعٍ مرتبِط بالدولة الإسلامية أو بأيّة موادٍ تدعو للكراهية ربما ضدّ المُسلمين أو مجموعات أُخرى سيكون من الأصعب عليكَ أن تجد هذه المواد مما كانت الحال عليه منذ ثلاث سنوات وذلك يرتبط بمسعى شركات مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا المسعى لم يكن غائِباً في داعي الصدفة في الماضي لكنّ هذه الشركات كانت في أيامها الأولى. ولا بدّ من أن نقول إنّ الدولة الإسلامية كانت المُنظّمة الإرهابية الأولى التي تُطلِق حملة بروباغاندا فعلية وتُنتِج الفيديوهات المنمّقة وتُضيف هذه المُحتويات المُدققة إسوةً بأفضل المجلات، والصحف كانت تُغطّي هذه المواد لأنها لم تكن تشهد على أيّ شيءٍ كهذا في السابق، وكانت القاعِدة تقوم بذلك إلى حدٍّ ما من خلال مجالاتها الخاصة لكن لم ترتق إلى مُستوى الدولة الإسلامية على صعيد البروباغندا، وهذه المُنظمة قد شكّلت إلهاماً لمجموعاتٍ أُخرى تُطلِق حملاتها البروباغندا وقامت بذلك من خلال تطويع عدد من الغربيين الأخصّائيين، ولقد رأينا الكثير من الفيديوهات التي تُروِّج مثلاً للنظام الطبّي للدولة الإسلامية وكيف أنّ النظام الطبّي مجّاني ورائِع بالنسبة إلى أهل الخلافة، وهذا يستند إلى نظام الصحة العامة في (المملكة المتحدة)، هو في الواقع جهادي بريطاني انضمّ للدولة الإسلامية وقام بإنتاج هذه المواد. نتحدّث عن مُحتوى لم يكن موجوداً في السابق وبات متاحاً عبر منصّات في الإنترنت ولم يكن لدينا فكرة عن كيفية إدارة وتنظيم هذا المُحتوى منذ ثلاث سنوات، والشركات لم تكن تعرِف ما هي حدود مسؤولياتها بالنسبة إلى المُحتوى. واليوم، المحتوى الذي يُسمح به مثلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي في (بريطانيا) كان مُختلِفاً عمّا كان مسموحاً عبر المنصات في (لبنان) و(إسرائيل)، واليوم بتنا نرى أكثر كم أنّ هذه المواد تُشكِل جدلية وإشكالية حقيقية. وهذه المواد كانت مُتاحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي فضلاً عن وجود مواد كانت تُنتج خصيصاً للأطفال أُسوةً بالرسوم المتحركة التي تُنتِجها الدولة الإسلامية والموجّهة كذلك للأطفال وفيديوهات في نُظُم شأن التعليم والتربية في الدولة الإسلامية، وكم أنّ الأُسَر كانت سعيدة في كنف الخلافة. كلّ هذه المواد كانت تُنشَر ولكن الآن، بفضل اللوائِح والأنظِمة التي تفرِضها الحكومات وكذلك الرقابة التي تفرِضها شركات التكنولوجيا تمّ التخلّص من كلّ هذه المواد وبات من الأصعب جداً العثور عليها. والشركات مثلاً اليوم، في حال دخلت إلى موقع "غوغل" وكتبت، "أُريد أن أنضمّ إلى داعش"، بالطبع لن أرى أيّ بروباغاندا خاصّة بالدولة الإسلامية بل سأرى في المراتب الأولى حملة تُبيِّن لي أنّ الانضمام إلى منظمة كهذه هو أمرٌ سيّئ. بالتالي هذا الأمر تطلّب وقتاً طويلاً بالطبع، ثلاث سنوات، لنصل إلى هذا الوضع، فنحن بكلّ بساطة لم نواجه يوماً أيّة منظّمة كهذه في الماضي

سامي كليب: أوكي، على كلّ حال أعزّائي المُشاهدين، تدريب الأولاد تجنيد الأولاد ليس جديداً، ليس حُكراً على الدول العربية، تحدّثنا عن (أفغانستان)، حتّى في التاريخ الحديث، الحرب العالمية، في الجيش النازي عند "هتلر"، عند "موسوليني"، عند الدكتاتوريات الكبيرة كان هناك تدريب أطفال وغسل أدمغة أطفال، وعلى ما يبدو هذه دراسة في الواقع كان قد تُعِبَ عليها كما يُقال

كمال الجفا: صحّ

سامي كليب: أودّ أن أسألك دكتور "كمال" قبل أن نُشاهِد الأطفال مرة ثانية، هلّ الطرف الآخر الذي كان يُقاتل الإرهاب مثلاً مثل الجيش السوري أو "حزب الله" أو المُقاتلون التابعون لـ (إيران)، هلّ عندهم أطفال أيضاً؟ هل لجأوا إلى الأطفال؟

كمال الجفا: لا، الجيش السوري عنده قوانين، الحدّ الأدنى للالتحاق بالجيش السوري هو ثماني عشرة سنة. حتى الشباب الذين كنوا يقاتلون في "حزب الله" هم فوق سنّ الثماني عشرة. يعني نحن لم نرَ أطفالاً، وأنت تعرِف في (لبنان) إن كان نُقِل جريح أو مستشهِد طفل من "حزب الله". حتّى بقية الفصائِل من المُستشارين الإيرانيين أكيد لا، حتّى أعمارهم فوق الأربعين والخمسين، وحتّى القوات الروسية الحليفة لا يوجد عندها دون الثمانية عشر. إذاً هنا أنت تتحدّث عن دولة مؤسّسات ويعمل معها بعض الفصائِل. أريد أن أقول لك شيئاً، هناك بعض الفصائِل أو مناطق الدفاع المحلّي، عندما كانت تتعرّض مدينة (حلب) لهجمات كان يذهب "أولاد الحارة"، يعني أنا أب إذا كنت أحمل بندقية أُحضِر إبني الذي هو في عمر الخامسة عشر أو السادسة عشر ليحضر لي الأكل أو يساعدني، طبعاً هذه الحالات أنا شاهدتها في مدينة (حلب) وهُم أساساً "أولاد الحارة". بعض القرى التي تعرّضت لعمليات اجتياح كبير جداً كان هناك بعض الأطفال يُدافعون مع آبائِهم. إذاً وصلنا نحن إلى مرحلة حماية ودفاع ذاتي أدّت إلى أنه حتّى في قُرى الجنوب كما رأيت أنت، كانت عمليات الانتقام من ريف (السويداء) الشرقي، كانت عمليات انتقام من أطفال على أنهم كانوا يُقاتلون مع أهاليهم

سامي كليب: أطفال تحت سنّ العاشرة في (العراق) و(سوريا) يصفون لنا ما عاشوه خلال سيطرة تنظيم "داعش" على المناطق التي عاشوا فيها

طفل 1: كنا نقف أنا وأبي في المحلّ وذهب أبي إلى الصلاة وأنا كنت أقف مع إبن عمّي، جاؤوا هؤلاء الله لا يوفّقهم، جاؤوا إلينا وصاروا يضربونا لأنني لم أذهب إلى الجامع. كنّا نذهب إلى المدرسة فيأتون ويضربوننا، لا يتركونا نذهب، يضربوننا ويعاقبوننا

طفلة 1: فرضوا عليّ الحجاب وقالوا لي: "عليكِ أن تتحجّبي" وأبي لم يكن هنا. فقلت لهم: "لا أُريد أن أتحجّب"، فقالوا لي: "لا، عليكِ أن تتحجّبي أو نأخذ جدّكِ وليّ أمرِك"، فقلت لهم "لا أُريد أن أتحجّب"، فقالوا لي: "إمّا نعاقبكِ أو تتحجّبين"، فتحجّبت ورددت عليهم. حرمونا من التعليم

سامي كليب: "أمّ بشّار" أيضاً من أرياف (حلب) تُحدّثنا عن إبنها الذي انخرطَ مع تنظيم "داعش" بعد أن جنّده جدّه ومات في إحدى المعارِك، وهنا أُريد أن أُذكِّر أيضاً بما ركّز عليه أيضاً الدكتور "كمال"، أنه لا يقتصر الأمر على "داعش"، مُعظم التنظيمات الإرهابية كانت تُجنِّد الأطفال

أُمّ بشّار: جاء إلى هنا في ملابس أفغانية ويلبس طاقيتهم الأفغانية أثناء مجيئه. جاء ووقف أين؟ عند الزفت ولم يكن يجرؤ أن يأتي إليّ البيت لأنه متلثِّم، وكانت أخته الصغيرة هذه بالكاد تمشي وأخذ يقول لها، "تعالي يا "سجا" لعندي، تعالي لعندي" وذهبت لعنده. فقلت له "تعال إلى هنا، تعال. أين كنت؟" قال: "إذا قلت لك سيأتي أبي ويقتلني"، فقلت له: "لا لن يقتلك، إحكي لي أين كنت ومن أخذك؟". صار يحكي لي، " من دزّك؟"، قال: "قلت لجدّي وذهبت، ألم يقل لكم جدّي أنني ذهبت؟"، قلت له: "جدّك يقول: اذهبي وابحثي عن إبنك ومن دلّه، جدّك دزّك؟ جدّك ورّطك في هذه الشغلة؟ فقال لي: "أنتِ لا علاقة لك". قال لي: يأتون ويُدرسوننا، يعطونا درسا، يعطونا حبوب أولاً، في البداية يعطونهم حبوب". قلت له: "والحبوب ماذا تفعل؟"، قال لي: "لا أدري، شربناها ونمنا وعدنا جلسنا"، ولا أعرِف كيف يعني. يحبسونهم مثل الحبس أو السجن، يعطونهم دروساً ويعودون يدخلونهم، وعليهم حراسة. يوم الذي ذهب قال " في خاطرك يا أمّي"، هذه أول مرة يذهب ويقول لي " في خاطرك" وكانت آخر مرة، بعد تلك المرة لم أستطع أن أراه وذهب، بعد أربعة أيام عيّدنا، وإلّا جاءنا خبره، مقتولاً

سامي كليب: لا بدّ من أن نوجِّه تحية أيضاً إلى المنظمات الدولية التي تعمل على إنقاذ هؤلاء الأطفال، نستمع بشكلٍ سريع إلى الدكتور "أدهم رشاد إسماعيل" ممثل منظمة الصحة العالمية في (العراق) يتحدث عن الأمراض التي تُصيب أيضاً الأطفال، منظمة الصحة العالمية واليونيسف وغيرهما وخصوصاً الصليب الأحمر أيضاً نشروا الكثير من الدراسات والوثائِق حول هذه المواضيع 

أدهم رشاد إسماعيل: صدر تقرير في سنة 2001 من منظمة الصحة العالمية، والتقرير قال أنّ حوالى عشرين في المئة من الأطفال والبالغين، بالذات الأطفال ما دون الأربع عشرة سنة، عشرين في المئة منهم يعانون من أمراض نفسية. خمسون في المئة من الحالات ما دون سن الأربع عشرة سنة ، وطبعاً هذا كلّه في الظروف العادية فما بالك في ظروف الحرب! ما نعرِفه جيداً أنه عالمياً نتيجة الحروب، حوالى عشرة في المئة من الناس الذين يتعرّضون لحروب يُصابون بأمراض نفسية وعشرة في المئة آخرون عندهم بعض الاضطرابات النفسية التي تعيقهم عن أداء العمل بصورة فعّالة. يمكنني أن أقول أن بعض الأبحاث التي تقول أنّ هناك علاقة شديدة ما بين الضغوط التي يتعرّض لها الأطفال وما بين الإعاقات التي تحصل في ما بعد، يعني تجد الطفل مثلاً عنده إعاقة مُعينة ذهنية أو ما إلى ذلك، إعاقة تُعيقه عن أداء العمل، واكتشفوا، وأشير هنا إلى شبه رسم بياني يتعلق بالتناسُب الطردي في هذه العلاقة من ضمن الأبحاث التي قمنا بها

سامي كليب: شكراً لضيوفي الكرام، انتهت هذه الحلقة. دكتورة "بهاء" فقط أُريد أن أسألكِ، قلتِ شيئاً أخافني قليلاً في الواقع، أنّ إمكانية المُعالجة قائِمة ولكن إمكانية عدم النجاح في المُعالجة قائِمة أيضاً. نسبة المُعالجة النهائية لهؤلاء الأطفال تصل إلى كمّ تقريباً، 70 في المئة؟ 80 في المئة؟

بهاء يحيى: لا، نريد أن ننهي الحلقة بتفاؤل كما قلت وأمل

سامي كليب: صحيح

بهاء يحيى: نحن هنا إذا تحّدثنا عن أطفال، نركز كثيراً في علمنا وخبرتنا العيادة على شيء إسمه المرونة النفسيّة Resilience. هذه نشتغل عليها جدياً لأنهم إلى هذا الحد لا يزالون طيعين ويُمكنني أن أؤثِّر بهم، فالعلاجات المُستخدمة يُمكن أن تفيد، وأنا لا أتحدّث عن سنوات طويلة، لكن هناك حالات تتطلّب ستة أشهُر لتنتهي من "اضطراب الصدمة" الذي يعيشها الطفل

سامي كليب: وممكن على مدى أطول

بهاء يحيى: وهناك حالات تتطلّب سنتين أو ثلاث أو أكثر

سامي كليب: ويُعالج

بهاء يحيى: معالجة وقد تتنوّع العلاجات

سامي كليب: أوكي. إذا الأمل قائِم. شكراً للسيّدة "نيكيتا مالِك" وأُذكّر أنّ عندها كتابان مهمان جداً لمن يودّ قراءتهما، نُشاهِد الكتابين على الشاشة. أيضاً شكراً للدكتورة "بهاء يحيى"، من يود التواصل مع الدكتورة "بهاء" لسؤال حول هذه المواضيع، [email protected]  أو "أروباز" للفرنسيين @ هوت ميل دوت كوم، سنشاهِد ذلك على الشاشة. دكتور "كمال" أشكرك جزيل الشُكر أيضاً والدكتور "بسام حايك" من (حلب) جاءنا إلى (دمشق) ألف شكر لك دكتور "كمال الجفا"، شكراً لك. للدكتور "كمال الجفا" أيضاً الكثير من الدراسات في الواقع حول هذه المواضيع وعنده Social Media ناشط فيها، وسائِل تواصل اجتماعي. إلى اللقاء أعزّائي المُشاهدين في حلقة مقبلة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين". شكراً جزيلاً لكم