أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

مناهج وسياسات التعليم في الوطن العربي

على رغم أن مفردة العلم ورد في القرآن الكريم عشرات المرات , لكن المسلمين هم أبعد الناس عن العلم , بل على العكس أدمنوا الخرافة و الدجل و قراءة الرمل و الورق ...و ما زال التعليم الإبتدائي و المتوسط و الثانوي و الجامعي , التعليم العلمي و الإنساني و الشرعي يعاني من معضلات قل نظيرها إنعكس سلبا على واقع المجتمعات العربية و تخلفها الفظيع عن الركب الحضاري.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم.

التعليم وما أدراك ما التعليم. هو عامل النهوض وسبب الانبعاث الحضاريّ، والضمانة الأساس للخروج من دائرة التخلّف إلى دوائر التقدّم والازدهار والتفوّق.

وممّا قاله أفلاطون "لا تربّ الأطفال على التعلّم بالقوّة والقسوة بل قدّم لهم الوسائل التعليمية المسلّية التي تناسب عقولهم، وسوف تلاحظ إصراراً غريباً منهم على التعلّم". أما نيلسون مانديلا فيقول، "التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم".

وعلى الرغم من أنّ مفردة العلم وردت في القرآن الكريم عشرات المرّات، إلا أنّ المسلمين هم أبعد الناس عن العلم، بل على العكس، أدمنوا الخرافة والدجل وقراءة الرمل والورق.

وما زال التعليم الإبتدائي والمتوسّط والثانوي والجامعي والتعليم العلمي والإنساني والشرعي يعاني من معضلاتٍ قلّ نظيرها، انعكس سلباً على واقع المجتمعات العربية وتخلّفها الفظيع عن الرَكب الحضاري.

وقد أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة إحصاءاتٍ تؤكّد أنّ الدول العربية تنفق أقلّ من إثنين بالمئة فقط من ناتجها المحلي على التعليم والبحث العلميّ، وهذا يُعَدّ رقماً ضئيلاً جداً بجانب ما تنفقه الدول المتقدّمة التي تنفق أكثر من 10 بالمئة من ناتجها على العلم والبحث العلميّ. وتؤكد هذه الأرقام الفجوة الكبيرة بين الدول العربية والأوروبية.

التعليم في الوطن العربي يبدأ من الأسرة، فيجب على الأسرة أن تغرس في أبنائها أهمية التعليم والمدرسة، كما أنّ المدرسة في المراحل الإبتدائية لها دورٌ كبيرٌ أيضاً في نفس الاتجاه. وتفشل المدرسة نظراً لعدم امتلاكها لأساليب تعليميّة فعّالة، فهي تعتمد أساليب تلقينيّة أحادية البُعد، منزوعة عن سياق الحياة الحقيقي، لا تخاطب اهتمامات التلاميذ الحقيقية.

سأل أحد الصحافيين مؤسّس سنغافورة لي كوان، ما الفرق بين سنغافورة وبقية الدول الآسيوية، فقال نحن نبني المكتبات وهم يكتبون المعابد، ونصرف موارد الدولة على التعليم وهم يصرفونها على السلاح. لقد حوّلنا طبقة المعلمين إلى طبقةٍ أولى، صرفنا على المعلمين حتى باتوا الطبقة الأولى والنخبة الأولى في المجتمع.

والسؤال كيف هو واقع الأساتذة والمعلمين في الوطن العربي؟ إذا تظاهر هؤلاء للمطالبة برفع أجورهم يُصفَعون من قِبَل الشرطة ورجال الأمن، وكثيراً ما تتّجه مؤسّساتنا الحكومية لحلّ مشكلاتها بالاستعانة ببيوت الخبرة العالمية، وتضع الخطط بناءً على توصياتها، مع أنّ تلك البيوت تستهلك كثيراً من الوقت في محاولة إدراك خصائص مجتمعنا.

ومع ذلك، لا تفلح في تصوّر حاجاتنا، علماً أنّ بعض المؤسّسات الغربية يهمّها تدمير التعليم في الوطن العربي. وهنا أدعو العرب إلى قراءة تجربة دانلوب في مصر، والذي كلّفه كرومر بوضع خطّةٍ لتدمير التعليم في مصر، فتسبّب في نكبة اللغة العربية والأزهر الشريف واضطهاد معلمي اللغة العربية، وبالمقابل نشر الإنكليزية وأسس لجيل أنكلوسكسوني. وقال دانلوب إنّ إنكلترا لا تريد نشر التعليم العالي في مصر، وإنها لا تريد إلا إعداداً من الجماهير تعدّ طبقة الأفندية ليشغلوا الوظائف الثانوية في الحكومة، وأن المصريين لا يصلحون للعلوم العالية، وأن زيادة التعليم تصرف عن فلاحة الأرض وتعود على مصر بالإفلاس.

مناهج وسياسات التعليم في الوطن العربي عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الأستاذ عبد القادر فضيل المسؤول عن لجان التأليف المدرسي والبحث التربوي، والأستاذ المشارك في معهد اللغة والأدب العربي، ومن تونس الحبيبة الدكتور علي العشي مدير قسم أصول الدين في المعهد العالي لأصول الدين في جامعة الزيتونة.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

كتاب "أزمة التعليم وسؤال الإصلاح" - المؤلّف نور الدين الملاخ:

في الفصل الأول يعرض الكاتب سياق مسلسل إصلاح التعليم في العالم العربي وذلك باستقرائه لتقارير دولية تطرح السؤال وتملي التوجّه، وبتحليل لتقارير عربية تخلص إلى تنفيذ الإملاء وشق المسار وفق الوجهة المحدّدة سلفاً.

أما الفصل الثاني فهو يعرّي الواقع المرير لمنظومة التعليم في العالم العربي، ويكشف حقيقة إصلاح التعليم الذي يفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة، بينما الفصل الثالث يضع مشروع إصلاح التعليم في بلده المغرب تحت المجهر، ليخلص إلى أنّ مشاريع الإصلاح في المغرب تنخرط في المنظومة العامة التي يعيشها الوطن العربي عموماً، القاسم المشترك بينها الفشل والبوار، بينما الفصل الأخير يطرح فيه الكاتب السؤال الآتي: ما العمل من أجل إصلاح حقيقي لأزمة التعليم؟ وما هي شروط الإصلاح؟ وما هو منطلق الإصلاح؟

ما هو التغيير المطلوب؟ وما هي المعايير والمقاييس التي ينبغي أن تستند إليها عملية التغيير التعليمي؟ ولمصلحة مَن تتم محاولات تغيير مناهج التعليم في الدول العربية والإسلامية؟ ولسائلٍ أن يسأل أيضاً، لماذا البدء بوضع التعليم في سياقه العالمي عوضاً عن البدء بالمعطيات الموضوعية للواقع التربوي المعيش.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي العشي، السؤال لماذا كان التعليم في العالم العربي دون المستوى المطلوب، وبدل أن يفضي إلى صناعة نهضةٍ وحضارةٍ وتنميةٍ حقيقيّة، كان التخلّف سيّد الموقف؟

لماذا ظلّ التعليم يتأرجح من الابتدائي إلى المتوسّط إلى الإعدادي إلى الثانوي ثم إلى الجامعي بكل شقوقه؟

 

علي العشي: مرحباً الأستاذ الدكتور يحيى أبو زكريا. أرحّب بكم.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

 

علي العشي: ومرحباً بكل مشاهديكم الكرام. مرحباً بالدكتور عبد القادر من الجزائر. سعيدٌ أن أشارككم في هذا البرنامج، وأشير إلى أنّ استطلاعات الرأي حقيقة كلّها تؤكّد، والدراسات والأبحاث كلها تؤكّد، بما تفضلتم به من هذا الانحدار الذي وصل إليه التعليم وواقع التعليم في الوطن العربي. أحسب أنّ الأمر يحتاج إلى دراسات جادة، وإلى أن تلتقي الناس لتعرف ما مكمن الداء.

في الحقيقة التشخيص هذا أصبح لا يختلف عليه إثنان، بقيت المعالجات، ما زال هناك عرج حقيقي دكتور في موضوع المعالجات، للأسف خطة وراء خطة وراء خطة للإصلاح، ولكن هذا الإصلاح على رغم كثرة برامج الإصلاح التي نشهدها في دول شتّى من عالمنا العربي، إلى درجة أن كل وزير أحياناً لا يأتي إلا وهو يحمل معه مشروعاً للإصلاح، وربما تستهوينا في بلاد العرب ما أطلق عليه البدايات الصفرية، بمعنى أن كل واحد يريد أن ينطلق من الصفر، وكأنّ لا شيء أُنجِز من قبله، وهذا إشكال آخر بمعنى موضوع الاستمرارية. هذه للأسف غائبة عندنا، والمشروعات التي تقوم على الاستئناف، استئناف الأدوار العلمية والحضارية التي قام بها السابقون غائبة تكاد تكون تماماً. ولهذا ما رأينا مشروعاً للإصلاح أثمر للأسف في بلادنا.

اليوم عندما نستعرض كما تفضلت سيادتك، الـ 500 جامعة الأولى في العالم، لا نكاد نجد جامعة عربية بينها إلا إذا كانت هناك جامعة يتيمة، فهي في ذيل القائمة ودول كثيرة خارجة عن التصنيف للأسف. أنا أقول أستاذنا أول سبب باعتقادي وأراه سبباً جوهرياً هو موضوع التعليم. ما زلنا خاضعين للغات، ما زالت بلداننا العربية خاضعة للغات أجنبية، غير قادرة على التخلّص منها، ومفروضة علينا فرضاً.

أتحدّث مثلاً عن بلادي، عن تونس. للأسف اللغة الفرنسية هي اللغة السائدة بكل أنواع العلوم، ولا يوجد علم يُدرَّس في بلادنا إلا باللغة الفرنسية. بلا شك اليوم عندما نأتي ونجري إحصاءات لخمسة آلاف صفر نالها تلاميذ البكالوريا في الامتحانات الماضية، خمسة آلاف صفر في اللغة الفرنسية، هذا مؤشّر خطير على رفض هؤلاء للغة. اليوم اللغة أساسية في تركيز الهوية وفي ترسيخ الهوية لأي شعب.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، نقولها بكلّ صراحة، إنّ دوائر القرار أو إنّ شخصيات كبيرة في دوائر التعليم العربيّ عملت على تدمير اللغة العربية وتهجينها، وإلحاق الأذى بها تمكيناً للغة الفرنسية أو للغة الإنكليزية، وحتى الإسرائيلية للأسف الشديد. دعني أنتقل إلى الجزائر استكمالاً للمحور عينه ثمّ أعود إليك.

أستاذ عبد القادر فضيل من الجزائر الحبيبة، مَن يتحمّل مسؤولية إخفاق التعليم في الوطن العربي؟

 

عبد القادر فضيل: إن مسؤولية إخفاق الوضع التعليمي ترجع إلى السياسة التي توجّهه، وإلى مسؤوليّة الدولة التي قد تتخلّى في كثيرٍ من الأحيان عن هذه المسؤولية. لذا قلت إنّ تنظيم التعليم والتربية هو سياسة أمّة، وليست سياسة قطاع ومسؤولية دولة وليست مسؤولية وزير، لكن الخطأ الذي نقع فيه أننا نترك المسؤولية للوزير، هو الذي يحدّد ما يريد ويقرّر ما يرى، وهذا هو الذي أوقعنا في الإشكال، لأنّ التربية، قلت هي سياسة أمّة، وعندما أقول سياسة أمّة، ينبغي أن تكون السياسة هي المسؤولة.

وعندما أقول السياسة، أعني أنّ هناك هيئة عليا، المفروض ان تكون هذه الهيئة العليا، وهي تابعة للدولة أو تابعة للأمّة، تكون هي المسؤولة عن تحديد وجهة السياسة، وتحديد وجهة السياسة ينبغي ألا تتدخّل فيها الوزارة وحدها. الوزارة هي مجرّد هيئة للتفكير والتنفيذ، وليست لوضع السياسة. ومع الأسف إننا عندما يعيَّن وزير، فهو الذي يتولّى تحديد هذه السياسة.

فمثلاً عندما نتحدّث عن التعليم، في التعليم ينبغي أن توجّهه سياسة الأمّة، وسياسة الأمّة هي التي تقول ما ينبغي أن يعرَّب وما ينبغي، ونحن مع الأسف في الجزائر مثلاً، عندنا التعليم الإبتدائي والتعليم المتوسّط والتعليم الثانوي يسير بالعربيّ، ولكن التعليم العالي لا يزال ينهج، يرشح لتعليم الفرنسية، وقلنا أكثر من مرّة إنّ التعليم العالي ينبغي أن يكون بلغة البلد، ومع الأسف أنّ مسؤولينا لا يزالون يتردّدون في اتخاذ هذا القرار، ونتمنّى أن نتفاهم خصوصاً عندما تكون أقطار المغرب العربيّ تتوافق مع بعضها البعض، فينبغي أن يكون الموقف جماعياً، المغرب العربي ينبغي أن يتّخذ هذا الموقف.

فالتعليم الأساسي الذي كنا سائرين عليه، هو الذي يوجّه الأمّة إلى اللغة التي نريدها، ومع الأسف أن المشكلة الآن لا يزال فيها اضطراب، والسبب هو الإخفاق، لأنّ ما يقال، وعندنا مثلاً أنّ وزارة التربية تقول إنّ المشكلة التي يعانيها التعليم العالي هي أن التلاميذ يخفقون عندما يصلون إلى التعليم العالي، والإخفاق عندهم سببه هو التعليم، أي أنّ التلاميذ تعلّموا بالعربيّة، وعندما وصلوا إلى التعليم العالي، فُرِض عليهم أن يتعلّموا بالفرنسية، ولذلك أصبحوا يخفقون، ونحن نقول لماذا لا يكون العكس.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عبد القادر، الإشكال ليس في التعريف، الإشكال في المسارات التربوية، في الخطط الموضوعة؟

 

عبد القادر فضيل: لا، هم يقولون هذا، هم يتعلّلون فيقولون إن السبب الذي جعل التلاميذ لا ينجحون في سنة أولى جامعة، سببه أنّهم تعلّموا بالعربية، والآن يتعلّمون بالفرنسية، فنحن نقول لهم إن السبب هو أنّ الفرنسية التي تعلّموها مدّة عشر سنوات، لماذا لا تجعلهم ينجحون في الجامعة، فإذاً فالخطة هي الفاشلة، أي خطة التعليم هي التي أفشلت هذا الموضوع. فهمتني؟

 

يحيى أبو زكريا: نعم، أرجو أن تبقى معي أستاذ عبد القادر.

دكتور علي، أتذكّر مقولة لجان بول سارتر يتحدّث عن الحضارة الغربية. يقول في ما مضى كنا نبعث الدبابات إلى العالم الثالث، فتسحق القرار السياسي وتستعبد الجغرفيا العربية والإسلامية. اليوم ننتقي الأذكياء من العالم العربي، نكوّنهم في السوربون، ويتشبّعون بالثقافة الفرنكوفونية ويعودون رسل حضارتنا إلى بلادهم، فيكرّسون التبعية للقرار الغربيّ، ويجرّون الجغرافيا العربية لصالح دوائر الغرب، دوائر الاستكبار.

تجيبني لكن بُعيد الفاصل دكتور علي.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

"مستقبل التعليم العربي بين الكارثة والأمل" - الدكتور محسن خضر:

يستعرض هذا الكتاب ضرورة الانتقال من الإصلاح السياسي إلى الإصلاح التربوي، حيث تفرّد القطب الأميركي بالمقدرات العالمية من دون منازع. ويشرح الكتاب التعليم من المنظور الثقافي والعولمي، وضرورة تجديد النظام التربوي العربيّ، واستجابة التربية العربية لتحوّلات الهوية الثقافية وأزمات الجامعات العربية في عصر العولمة ورؤى التعليم ما قبل الجامعة ومفهوم فلسفة التعليم الأساسيّ، ومكانة المعلّم في المجتمع العربي.

والكتاب لا يتوقّف عند مرحلة دقّ ناقوس الخطر بشأن مستقبل التعليم، ويرسم ويناقش ما يجب أن تكون عليه الآفاق الجديدة لمستقبل المجتمع العربي المعاصر. ويشير المؤلّف إلى أن الخطاب الرسمي العربي للإصلاح التربوي الصادر في إعلان القاهرة عن المؤتمر العربي الإقليمي للتعليم عام 2004 بحضور وزراء التعليم، لا يعني أكثر من تعديلات وتجديدات جزئية وفنية محكومةٍ بالنظرة الوظيفية التي ترفض الاعتراف بالحاجة إلى تغييرٍ جذريٍ في النَسق.

ويؤكّد المؤلّف أنّ أزمة اللغة العربية المعاصرة هي أزمة الهوية القومية في الوقت نفسه، وأنّ اللغة العربية هي من أكثر الميادين خطراً وشأناً، ففيها الخصوصية القومية والوحدة الثقافية والتراث والاستمرارية الثقافية وحيوية الفكر العلمي والإبداع الأدبي والمُعتَقد الديني.

 

 

المحور الثاني

 

"التعليم العالي في الوطن العربي: الطريق إلى المستقبل" للدكتور علي أحمد مدكور:

يوضح هذا الكتاب أنّ العالم العربيّ، رغم الطفرة الكمية في التعليم، يعاني من اضطرابٍ في الدماغ المُغذّي للعملية التربوية بأكملها، ونعني بذلك الفلسفة الاجتماعية والفلسفة التربوية المُنبثقة عنها، وبالتالي فهو يعاني من اضطرابٍ في السياسات التعليمية عموماً، وفي سياسات التعليم العالي على وجه الخصوص، ومن ثمّ في الاستراتيجيات والخطط والبرامج.

وبما أننا لا يمكن أن نواجه الثورة المعرفية والتكنولوجية وتحديات المستقبل في القرن الحادي والعشرين ونحن في هذه الحال، فلا بدّ من إعادة النظر في الأمر كله ابتداءً بالفسفة التربوية والسياسات التعليمية وإعادة النظر في هيكل النظام التعليمي وإقامته على مفهوم الشجرة التعليمية بدلاً من مفهوم السلّم التعليمي، وإعادة النظر بالتالي في أهداف التعليم العالي والجامعي، وفي سياسة القبول والالتحاق به، وفي تنوّع البنى والأشكال الخاصة به، وفي تعدّد نقاط الدخول إليه والخروج منه وتعدّد نقاط العبور بين أنواعه.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع سياسات ومناهج التعليم في العالم العربيّ، وسبب إخفاق التعليم وتراجع التعليم في الوطن العربي.

دكتور علي، طبعاً سنخصّص حلقات كثيرة لمظلومية اللغة العربية في أوطاننا، ومن قتل ويُقتل، ومن ذبح ويُذبح، ومن ألغى اللغة العربيّة بشكلٍ كامل في أوطاننا. هذا موضوع طويل، وموضوع لا يُسكَت عنه نهائياً.

لكن كما قال الأستاذ عبد القادر فضيل، كأنّ صُنّاع القرار التربوي سواء في الجزائر أو في غيرها، يهمّهم أن يذبحوا التعليم من الوريد إلى الوريد. أنت تكوّن باللغة العربية من التعليم الأساسي إلى الثانوي، يصل الطالب إلى الجامعة ليدرس مناهج باللغة الفرنسية، وبالتالي يتدكدك ويترك مقاعد الجامعة إلى الأعمال الحرّة أو إلى البطالة، لأنّ معظم خرّيجي الجامعات مستقبلهم، مصيرهم البطالة المؤكّدة واليقينية.

تفضّل دكتور علي.

 

علي العشي: شكراً دكتور. حقيقة الحلقة مهمة جداً، هذه الحلقة حول هذا الموضوع. كل الدراسات اليوم تقول وتؤكّد بوضوح وبما لا يحتمل أي تأويل، أنّ العالم العربي يعيش أسوأ مراحله الحضارية أقول، هذه أسوأ مراحل حضارية يعيشها العالم العربي والوطن العربي في ما يتعلق بمسألة التعليم، وعلى جميع الأصعدة للأسف.

حينما نتحدّث عن سبب رئيسي، لا يوجد سبب واحد إنما تعدّدت الأسباب، هناك إشكالية أولاً التعريب التي ذكرتها واليوم يضحكون منا، وهناك خمس نقاط سأذكرها، الأولى مسألة التعريب. عندي بعض الطلبة درّستهم من الصين. يضحكون حينما يعرفون أننا مثلاً نتعاطى الطب وندرّس الطب والهندسة بلغة غير لغتنا، في الصين تدرَّس بالصينية، في ألمانيا بالألمانية، في فرنسا بالفرنسية، في اليابان باليابانية. في كل دولة لها لغتها.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

علي العشي: ولما تكون يوماً ما حاجز اللغة، دولة الكيان الصهيوني تدرّس بالعبرية، وأنت تعلم، واقعنا اليوم للأسف، نكبتنا في أن الطفل لا يستطيع أن يعرف هذه القضايا بغير لغته التي تربّى عليها. لغة العِلم ينبغي أن تكون اللغة العربية وهي لغة ليست عاجزة عن القيام بهذه المهمّة، إلا في أذهان الذين يريدون تأكيد هذا العجز.

والقضية الثانية، هناك تساؤلات حول برامج الإصلاح التربوي. هل هناك رؤية حقيقية لهذه الإصلاحات؟ أنا أخشى من أنّ ثاني مشكلة بعد التعليم هي انعدام الرؤية، وثالث مشكلة انعدام رؤية تحقّق هوية. بدل أن يتم تأصيل الناشئة بالهوية العربية الإسلامية، اليوم تأصيل الناشئة ليكونوا نسخة طبق الأصل من أبناء الغرب، ولكنّنا، ما الذي جرى في هذه النقطة دكتور؟ جرى لنا أشبه ما يكون بقصة بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيّب صالح. نهاية الرواية كما تعلم سيادتكم، انتهت بأنّ هذا البطل غرق في منتصف النيل.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

علي العشي: لم يستطِع العودة إلى جذوره، إلى الضفة الجنوبية للنيل، ولم يستطِع أيضاً المضيّ للضفة الأخرى للنيل، فغرق في وسطه، لأنه لا استطاع العودة إلى هويته وجذوره ولم يستطع اللحاق بهوية أخرى لا تنسجم أبداً مع رؤيته.

القضية الثانية المركزية، وأعتبرها أيضاً مهمة، انعدام الاستراتيجية، لماذا؟ لماذا الإصلاح وفق هذا المنهج أو ذاك المنهج؟ ما الاستراتيجية؟ ما الحاجة إلى أن يتعلّموا هذا الاختصاص أو ذاك الاختصاص؟ للأسف تكدّس الخرّيجون في جامعاتنا العربية وكلهم يعيشون نوعاً من البطالة بسبب انعدام رؤية حقيقية واستراتيجية حقيقية للحاجة التي نريدها من هؤلاء الخرّيجين.

النقطة الأخيرة هي انعدام التحدّي. هذه هي الحقيقة أريد أن تسمح لي. اليوم هناك حديث مثلاً على أنّ بعض الجامعات السعودية تتصدّر المشهد في الجامعات العربية، وبعضها حظيَ بالأرقام الأولى عالمياً. لكن ماذا أقول أنا؟ أقول نعم، هذا موجود بسبب الجانب المادي والرفاه المادي، ونجحوا ربما في بناء جامعات بمقاييس دقيقة ودقيقة جداً، واستفادوا من المال، لكن هل حقّقت اليوم، خرّيجو الجامعات الخليجية وهي تتصدّر المراتب، هل حقّقت تنمية حقيقية وانعداماً للتبعية التي تفضلتم بها؟

هل حقّق ذلك التعليم؟ أبداً، ما زال يعرج. وهذا ناتج من ماذا؟ ناتج من انعدام التحدّي. نحن كنا صغاراً دكتور، كان ثمّة تحدٍ، ربما البعض تحدّي الفقر والبأس الاجتماعي يدفعه ليدرس، ولكن اليوم هذا الخرّيج في دول الخليج يعتبر أنه مجرّد حصوله على شهادة سيكون له أعظم المراكز.

معناها لم يعد ذاك التحدّي موجوداً الحقيقة، ولهذا انعدام التحدّي أيضاً في الرؤية التعليمية في بلداننا أدى إلى هذا البؤس الذي آل إليه وعظ التعليم العربي في وطننا العربي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، بالنسبة للإحصاءات لا توجد أية جامعة عربية في قائمة الجامعات الأولى عالمياً. على العكس، الجامعة العبرية في صدارة الجامعات العالمية. وللأسف الشديد رغم أن بعض المنظّرين تحدّثوا عن التعليم العالي المتوسّط، الثانوي، الإبتدائي في العالم العربي، أذكر كتاب "أزمة التعليم وسؤال الإصلاح" لنور الدين الملاح، "مستقبل التعليم العربي بين الكارثة والأمل" للدكتور محسن خضر، "قضية التخلّف العلمي والتقني في العالم الإسلامي المعاصر" للدكتور زغلول النجار، "التعليم العالي في الوطن العربي الطريق إلى المستقبل"، للدكتور علي أحمد مدكور.

طبعاً كلّ هؤلاء المُنظّرين أشاروا إلى وجود ثغرات بل انكسارات بل انهيارات في التعليم، لكنّ مسؤولينا سامحهم الله لا يدركون أن التعليم مرتبط بالأمن القومي، وفي النهاية هم الذين تسبّبوا في نكبة الهوية وانكسار المجتمع وبروز، في الجزائر عندنا صراع بين الفرنكوفونيين والمُعرّبين. كان الفرنكوفوني الذي يتمتّع بثقافة فرنسية يُعيّن في دوائر الخارجية، أما المُعرّب فيبعثونه إلى تندوف ليدرس اللغة العربية.

وهنا أعود أستاذ عبد القادر، للأسف الجزائر استقلت سنة 1962 وكان هناك قرار في مجلس الشعب بحضور أحمد بن بلة رحمة الله عليه لتعريب التعليم. ومنذ ذلك الوقت والتعريب يحارَب في الجزائر. يا أخي أبناء فرنسا ما زالوا في الجزائر؟ من عنده مشكلة مع اللغة العربية في الجزائر؟

 

عبد القادر فضيل: المشكلة هي أن بعض المخلّفات تعمل عملها، ولهذا أنا أتحدّث عن المُهتمين بالتربية، وعن القائمين بالتربية، عليهم أن يصرخوا ويصرّحوا بأفكارهم، ويواجهوا المسؤولين في بعض الأمور. لهذا أنا قلت في الكلمة السابقة بأنني تحدّثت في قناةٍ معيّنة وفي صفحاتٍ معيّنة، بأنّ الدولة قد تخلّت عن مسؤوليتها في مجال التربية، وتركت الأمر إلى الوزير أو إلى الوزيرة المسؤولة عن التربية. لهذا أنا ما أطالب به، هو أن يجتمع المربّون في الأقطار الأربعة أو الخمسة، مثلما فعلوا في الستّينات، عندما حدّدوا هيئة مغاربيّة لضبط الرصيد اللغويّ، والعمل على توحيد المناهج، الآن يمكن لنا أن نتكلّم عن تعريب التعليم، بل وعن تعريب المحيط، لأنّ المحيط أيضاً ينبغي أن يُعرَّب، وعندما أقول المحيط، المحيط المنظور والمحيط الذي يجري في مستوى التصريحات أو المسؤولين.

إذاً المشكلة التي نخافها أو الآن نراها، هي أنّهم لم يكتفوا بسدّ الخطوات، أو بسدّ الباب أمام التعريب. هم الآن يفعلون في مجال سياسة التعليم، يحاولون أن يجرّدوا الطرائق التعليمية من الأهمية التي ينبغي أن تكون عليها، فالتعليم الآن يسعون من خلاله إلى أن يكون تعليماً يكتفي بتعلّم وسائل التعلّم وأدوات المعرفة، ويريدون أن يتخلّى التعليم عن مهمّته الأساسيّة التي هي صناعة الإنسان وبناء الفكر وتحديد الوجهة الحضاريّة التي ينبغي أن يحقّقها التعليم.

هذا ما يريدون أن يجرّدوا التعليم منه، فلهذا قلت، ينبغي أن نتحرّك في مستوى المغرب العربيّ، أن نتحرّك نحن كمسؤولين، ونندّد ببعض القرارات أو ببعض السياسات التي نراها تحرّف التعليم وتحرّف وجهته، ونطالب بأن يكون للتعليم هيئة سياسيّة توجّهه وتحدّد أفكاره، وليس الإصلاح، لأنني أنا دائماً أتحدّث وأندّد بأنّ هذا لا نسمّيه إصلاحاً، انما هو إفساد، لأنه عندما نقول الإصلاح، ينبغي أن يكون هناك وضع فاسد نحاول إصلاحه، ولكن ما يتمّ، ليس هناك وضع فاسد، وإنما هم يحاولون الإصلاح، أنّهم يريدون أن يغيّروا في الطرائق، ويغيّروا في الوجهة السياسية، ويغيّروا في المضمون التعليميّ، ويغيّروا الخطة، وهذه الجوانب كلها تفسد التعليم، وتفسد الوجهة التي ينبغي أن يسير فيها التعليم، لأننا عندما نتصفّح مثلاً السياسات التعليمية، نلتقي مع الأهداف، نجد أن الأهداف فضفاضة، والأهداف عالية، ولكن ما ينفَّذ منها لا يلتقي مع هذه الأهداف، أو لا يطبّق هذه الأهداف.

 

يحيى أبو زكريا: والدليل على ذلك أستاذ عبد القادر، هو هذه الانهيارات الكبرى التي يقرّ بها وزراء التعليم في المؤتمرات، ولعلّ مؤتمر التعليم في القاهرة أقرّ بوجود كارثة كبرى في التعليم العربي.

وللأسف، فأنا أتذكّر الجنرال لاكوست عندما كان يغادر الجزائر، عقد مؤتمراً صحافياً، سأله صحافي فرنسي، قال له يا حضرة الجنرال لماذا انهزمتم في الجزائر، قال وماذا أفعل إذا كان القرآن أقوى من فرنسا في الجزائر. وللأسف الشديد بعد الاستقلال، تمّ التخلّي عن منهج القرآن وعن اللغة العربية، رغم أنّ بعض وزراء التعليم العالي كانوا معرَّبين، مثل أحمد طالب الإبراهيمي. أنا لا أفهم كيف وزير معرّب لا يكرّس التعريب في وزارته؟

 دكتور علي، واحدة من الإشكالات الكبرى أيضاً، طبعاً نحن سنخصّص حلقات للتلقين الببغائي، نحن نخرّج ببغوات ولا نخرّج عقلاء منظّرين، مفكّرين، لا نحرّك العقل الباطن والعقل البارز، لا نكوّن عقلاً رياضياً. بعض المدارس للأسف الشديد تجبر الطلاب على تلقّي عشرة دروس في اليوم، تاريخ، جغرافية، رياضيات، آداب، تربية وطنية، الله أعلم ماذا يخرج في نهاية المطاف.

هناك ظاهرة أخرى اليوم. جاءت الجامعة الأميركية طبعاً سابقاً إلى بلادنا، السوربون صار موجوداً في العالم العربي، جورج تاون وتجد الطلاب يتقاتلون للدخول إلى هذه الجامعات الغربية. هذا الغربي جاء إلى بلادك وأذلّ تعليمك وقال لك تعليمك هشّ وفتح لك جامعة غربية، والعجيب أن الطالب العربي عندما يقدّم سيرته الذاتية إذا كان خرّيج الجامعة اللبنانية لا أحد يأخذه، خرّيج الجامعة الأميركية تعال، خرّيج السوربون تعال، وأنتجنا جيلاً منحطاً منبطحاً منكسراً للأسف الشديد لا يعبد إلا الغرب.

 

علي العشي: أكيد دكتور، وكيف لا تكون هذه التبعية التي أشرتم إليها، والواقع ما نشهده اليوم من هيمنة النظام السياسي في ما يتعلق بالتعليم في وطننا العربي، هيمنة أنظمة سياسية لها ارتباط وثيق وولاءات خارجية على حساب الوطن وعلى حساب الهوية وعلى حساب التعريب، بحيث أننا نعتبر يا أخي أنّ من أعظم الجرائم التي ارتكبتها النخبة، وأنا أسمّي بعضها للأسف نكبة وليست نخبة في بلادنا العربية، أعظم جريمة هي جريمة منع التعريب في التعليم الذي أدّى إلى جريمة بحق أجيال من التلاميذ والطلبة الذين غادروا مقاعد الدراسة ربما في مراحل مبكّرة جداً، بسبب قضية اللغة.

الأمر الآخر هو كيف لا تكون هذه حالنا دكتور، واليوم تنفق ميزانيات الوطن العربي على الأسلحة وعلى وزارات الداخلية، من دون أن تنفق على البحث العلمي. اليوم الإحصاءات تؤكّد أنّ ما تنجزه الجامعات العربية لا يتجاوز، هو بين الصفر والصفر فاصل 3 ممّا تنجزه الجامعات، هذه النسبة المئوية التي تنجزها الجامعات العربية بالمقارنة مع ما تنجزه الجامعات العالمية. هذا واقع مزرٍ، ولا يمكن لأمّة أن تنهض ولا يمكن لأمّة أن تعود إلى موقعها الحضاري الذي كانت فيه من دون بحث علمي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، للإشارة فقط، يذهب مهندس نفط من تونس، من الجزائر، إلى الكويت أو السعودية أو قطر يعطونه 3000 دولار، يأتي خبير أميركي، مهندس نفط بنفس المواصفات، يأخذ تقريباً 30000 دولار، وهذه أرقام واقعية.

نحن نذلّ أنفسنا، نحن نحب الانكسار والتبعية للغرب. لله ذرّ إبن خلدون، نحن مولعون بتقليد الغرب للأسف الشديد.

 

علي العشي: للأسف هذا جانب تفضّلتم به، وأنا الآن أنظر في أجور المعلمين والمربّين في بلادنا العربية والإسلامية، هي أدنى الأجور يا دكتور. كيف لمعلّمٍ لا يؤدّي أجره لعيشٍ كريم، أن يتخرّج على يديه أناس يعيشون معنى الكرامة ومعنى الرفعة، وهو لا يشعر بها، فهو يلاحق لقمة عيشه صباحاً مساء؟ اليوم المعلم في اليابان يتقاضى راتباً أعلى من وزير، ولهذا استطاعوا أن ينشئوا منظومة تعليمية وتربوية نهضت بأممهم.

 

يحيى أبو زكريا: وفي سنغافورة أيضاً دكتور علي.

 

علي العشي: نعم. اليوم سيّدي للأسف، أيضاً قضية أخرى لعلّها تحتاج إلى دراسة مستقلة وحلقة مستقلّة، هي ما تعيشه الأمّة من حال تآكل، من حال احتراب داخليّ، لا نلتفت إلى بلدٍ من بلادنا العربيّة التي نعشقها ونحبّها، إلا ونرى حالاً من التفتّت والتشرذم والاحتراب الداخليّ، هذا بلا شكّ أدّى إلى انهيار التعليم، ومزيد من انهيارات التعليم التي جعلتنا في منخفض حضاريّ، لا أدري متى يمكن الخروج منه وكيف يمكن الخروج منه، وبغير إصلاح حقيقي للتعليم، وبغير نهضة علمية حقيقية، تصل إلى مكامن الداء، ونعتبر من مكامن الداء العودة، ضرورة العودة للهوية، ضرورة أننا نعم، ننفتح على الآخر، ولكن لا نذوب في الآخر، لا نفقد أصالتنا وهويّتنا.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، أحسنت. دكتور علي، طبعاً أترحّم على الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي، وهذه مشكلاتنا، يتحدّث عن مشاكل التعليم والثقافة والأفكار في العالم العربي والإسلامي، وأشير إلى كتاب الأستاذ المفكّر الجزائري مالك إبن نبي، في كتابه "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي".

أستاذ عبد القادر، الطريق إلى الحضارة يبدأ بالتعليم، الطريق إلى النهضة يبدأ بالاستثمار في الإنسان. عندما تقوم دول بذبح التعليم وقتل التعليم، وعندما تقوم هذه الدول بإنتاج أجيال فرنكوفونية، أنكلوسكسونية، والله عندما أجول في الخليج لا أسمع أشخاصاً يتكلّمون اللغة العربية، الأطفال من الحضانة يتكلّمون الإنكليزية.

في الجزائر الجيل يتكلّم اللغة الفرنسية، في تونس، في المغرب، في موريتانيا، نحن ذاهبون إلى التلاشي على صعيد الهوية.

متى يُعاد الاعتبار للتعليم؟

 

عبد القادر فضيل: منذ سنوات، كنت في التعليم، مسؤولاً في التعليم، تأتيني رسالة من وزير الخارجية الجزائري، رسالة كلّها بالفرنسية، والرسالة هذه موضوعها البحث عن التعليم في الجهة الغربيّة، فعندما أمسكت القلم، رددت هذه الرسالة، وقلت له إنني أرد هذه الرسالة، وأطلب منكم ألا تكتبوا إلا باللغة الرسميّة. يردّ على الرسالة ثانية، ويرسلها إلى الوزير، ويطلب منه بأن يجيبه عمّا طلب، فحوّلها الوزير إليّ، وكتبت رسالة أخرى ورددت فيها بالعبارات التالية: إنّكم ملتم إلى الحديث باللغة الفرنسيّة، وأنتم تعلمون مسبقاً بأنّ إجابتنا الثانية ستكون الرفض، فماذا سيفعل، فرفض المراسلة.

إذاً فلهذا فالمشكلة عندنا، هي أننا نتعاون، ونصرخ، وليس أننا ننتظر، فالانتظار لا يأتي بشيء، فالحديث باللغة الأجنبية أصبح منتشراً.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عبد القادر، ذكّرتني بمذكّرات شارل ديغول، مذكّراته بعنوان الأمل. يقول وهو يغادر الجزائر، لقد تركنا في الجزائر بذوراً ستينع بعيد حين، وهذه بذور ديغول هي التي راسلتك، وطلبت منك فرنَسة التعليم. وما أكثر البذور الاستعمارية في بلادنا، وما أكثر البذور الانكلوسكسونية والفرنكوفونية والموالية للاستعمار في بلادنا.

الأستاذ الفاضل عبد القادر فضيل من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك. الدكتور علي العشي شكراً جزيلاً لك، كنت معنا من تونس الحبيبة.

مشاهدينا حسبنا الله ونِعم الوكيل، ثمّ عندما يتظاهر الأساتذة للمطالبة بالأجور وتحسينها، يُصفَعون ويُضرَبون، وقد يُسجَنون.

هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

 

"قضية التخلّف العلمي والتقني في العالم الإسلامي المُعاصر" - تأليف الدكتور زغلول النجار:

يناقش هذا الكتاب قضية التخلّف العلمي والتقني في العالم الإسلامي المُعاصر، ويحذّر من الاستمرار في هذا التخلّف مع التقدّم المذهل للدول الصناعية الكبرى في هذين المجالين، وهو تقدّم محفوف بالمخاطر لمصاحبته بانحسار ديني وأخلاقي وسلوكي مدمّر.

وتكفي في ذلك الإشارة إلى تكدس أسلحة الدمار الشامل وتلوّث البيئة والاستنزاف المخيف لثروات الأرض ومحاولات الهيمنة المُتجبّرة على دول العالم الثالث وفي زمرتها غالبية الدول المسلمة.

والبديل المطلوب هو تقدّم علمي وتقني مُصاحب بالتزام ديني وأخلاقي وسلوكي يكون الضابط لعدم استخدام معطيات العلوم والتقنية في أعمال التخريب والهدم التي يعاني منها عالم اليوم، وهذا البديل لا يقدّمه إلا الإسلام العظيم.