محمد مهدي شريعتمدار - المستشار الإيراني في لبنان

 

محمد علوش: في الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية في إيران ما الذي تغيّر في مواقف قادتها بين الأمس واليوم، بين خطابهم وسلوكيّاتهم حين كانوا ملاحَقين ومعتقَلين إبان حكم الشاه، وبين خطابهم وسلوكياتهم بعد وصولهم إلى السلطة؟

"إن مع الصبر نصراً" عنوان كتاب يؤرّخ لحقبة شديدة الحساسية في تاريخ إيران، كتابٌ يضمّ بين دفّتيه مذكرات مرشد الثورة الإسلامية السيّد علي خامنئي، من بيت علم طابعه الفقر والتواضع والتديّن إلى شابٍ مطارَدٍ ومعتقل بتهمة التآمر.

عن رحلة العذاب خارج السجون وعن رحلة التعذيب داخل الزنازين، عن عشق اللغة العربية والتفاعل مع القضية الفلسطينية، عن الحزن على سيّد قطب، والحزن على قاتله جمال عبد الناصر، يسرد السيّد خامنئي سيرته الذاتية، كيف نكّل محمّد رضا شاه بهلوي بالعلماء وتنكّر لثقافة البلاد الإسلامية، وكيف تمكّن علماء الدين من قيادة ثورةٍ تكلّلت تضحياتها بالنجاح.

حول مذكرات السيّد خامنئي نحاور المستشار الثقافي الإيراني في لبنان الأستاذ محمّد مهدي شريعت مدار.

 

(فاصل)

 

محمّد علوش: حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بالأستاذ محمّد مهدي شريعت مدار. أهلاً وسهلاً بك.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: أهلاً وسهلاً، وكلّ عام وأنتم بخير.

 

محمّد علوش: وأنتم بخير. حضرتك لست فقط مستشاراً ثقافياً إيرانياً في لبنان، أيضاً مراجع للكتاب "إن مع الصبر نصراً". بداية لماذا هذه التسمية هكذا؟ وهل هذه النسخة العربية من مذكرات السيّد خامنئي بالفارسية؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً بالنسبة للتسمية، هذا الكتاب ينقل تجربة فريدة من نوعها، ينقل تجربة إنسانٍ عاش فترة النضال السلميّ ضدّ نظامٍ ديكتاتوريٍ حاكم، ثمّ شهد الثورة والنصر في فترتين، فترة قيادة الإمام الخميني، وبعد ذلك فترة قيادته، وصل إلى مستوى قيادة هذا البلد، والتأثير على ليس فقط الداخل الإيراني، وإنما على.

لذلك، هذا الكتاب رسالته الأساسية أنّ الصبر والثبات وتحمّل المعاناة لا بدّ أن يؤدّي إلى النصر، أن يثمر نصراً، وليس فقط النصر، وإنما الوصول إلى هذه المراتب من التأثير المحلي والإقليمي والعالمي.

لذلك تم اختيار هذا الإسم، هو على وزن الآية الشريفة إن مع العسر يسرا، وأيضاً هناك روايات وأحاديث تتحدّث عن ثنائية الصبر والنصر، لذلك أخذنا هذه الثنائية من الروايات الإسلامية، وصيغت على أساس وعلى وزن الآية الشريفة، فكان عنوان هذا الكتاب.

 

محمّد علوش: اصبروا وصابروا لعلّكم تفلحون.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: أما بالنسبة للنسخة الفارسية، لا، هذا الكتاب هو عبارة عن الذكريات التي قالها وحكاها الإمام الخامنئي باللغة العربية وليس باللغة الفارسية.

 

محمّد علوش: هو سردها باللغة العربية؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: سردها باللغة العربية، تم تسجيلها ثم نقلها إلى الورق، تفريغها على الورق، والتنقيح والمراجعة والطباعة.

 

محمّد علوش: النص أصلي وليس مترجماً؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: النص أصلي وسيترجم من العربية إلى الفارسية.

 

محمّد علوش: غريبة المفارقة خاصة عندما يقول البعض إن إيران هي بالأساس دولة قومية فارسية، تتعصّب لقوميتها الفارسية وإن كانت تتنوّع عرقياً، وفيها بعض المذاهب غير الجعفرية الشيعية، إلا أنها دولة قومية. هذا المفهوم على الأقل موجود لدى شريحة واسعة في العالم العربي.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: أنظر، حسّ الانتماء إلى الوطن، الانتماء إلى الهوية أمرٌ سائد في إيران، وهذا أمر إيجابي، لكن ليس من موقع الشوفينية القومية وعلى حساب القوميات الأخرى.

 

محمّد علوش: أو تحقير القوميات الأخرى.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: حسّ الانتماء إلى الوطن، لا سيما في أوقات المحنة حينما يشعر المواطن الإيراني أنّ هناك خطراً يحدق به من الخارج، يترك كل الخلافات الداخلية إن كانت خلافات على القومية، أو على الدين، أو على المذهب، أو على المنحى والاتجاه السياسي ليتوحّد في مواجهتها. هذا أولاً.

بالنسبة للغة العربية، الموضوع ليس قومياً وإنما حضاري، الثورة الإسلامية في إيران أعادت إيران إلى مسيرة الحضارة الإسلامية في المنطقة التي كان لإيران تاريخياً دور كبير في بناء هذه الحضارة.

أنت تعرف لمدة ثلاثة قرون كانت اللغة الديوانية واللغة العلمية على الأقل إن لم نقل اللغة العامة في إيران هي العربية، الكثير من الكتب والمؤلّفات العلمية في شتّى العلوم هي باللغة العربية، وهي عن علماء إيرانيين.

 

محمّد علوش: حتى اللغة الفارسية مُطعَّمة بكثير من المفردات العربية.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: نعم، هناك أكثر من 50 بالمئة من المفردات المستخدمة في اللغة الفارسية.

 

محمّد علوش: ربما هي أكثر لغة قريبة من اللغة العربية على صعيد الاقتباس، المفردات.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: من دون شك أقرب لغة إلى اللغة العربية.

 

محمّد علوش: تأتي بعدها التركية.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: لذلك الثورة الإسلامية كان لها دور في تحكيم وتقوية هذا التلاقح الثقافي إن صحّ التعبير، طبعاً بالنسبة للسيّد القائد لا، كما تفضلت في مقدّمة البرنامج هو يعشق اللغة العربية، وفي هذا الكتاب ترى مقاطع كثيرة.

 

محمّد علوش: إسمح لي أستاذ محمّد، نأخذ مقطعاً من الكتاب حول موضوع اللغة العربية قبل أن نستأنف النقاش.

طبعاً في ما يلي مقطع يتحدّث فيه السيّد خامنئي حول علاقته باللغة العربية. نشاهد معاً.

 

مقطع من الكتاب: "يعتريني شعور خاص حين أستمع إلى اللغة العربية وأهتزّ من الأعماق لسماع هذه اللغة. كنت دائماً أحبّ لو أنني عشت فترة من أيام طفولتي في منطقة عربية، سواء في إيران أو في غيرها، لكثرة حبي لتعلّم اللغة العربية.

الواقع أن الإيرانيين عموماً والمتديّنين منهم خصوصاً، يحبّون اللغة العربية بدرجة أو بأخرى، والعلاقات الأخوية القائمة على مرّ التاريخ الإسلامي بين الإيرانيين وجيرانهم العرب، ليس لها نظيرٌ بين أيّ شعبيْن من شعوب العالم في سعتها وعمقها وشمولها.

من هنا، نستطيع أن نفهم فداحة الخسارة وعَظَمة الجريمة في الموقف الذي اتّخذه بعض العرب باسم العروبة في الدفاع عن العدوان الغاشم على دولة الإسلام في إيران، وهم على عِلمٍ بما يحمله المُعتدي من روحٍ عدوانية، وبما يؤدي إليه موقفهم هذا من تبديدٍ لهذه المشاعر الإنسانيّة الفريدة.

 

محمّد علوش: طبعاً هذا الكلام للسيّد خامنئي في الصفحة 52 من الكتاب، الغريب، أنا قرأت الكتاب، لم يُثنِ على اللغة الفارسية، لم أجد ثناء على اللغة الفارسية بقدر الاستفادة من الفرص للحديث عن اللغة العربيّة في أكثر من موضع في الكتاب.

هل السبب فقط لأنها لغة الدين؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: من دون شكّ، لأنّها لغة الدين ولغة القرآن، وأيضاً للعلاقة التاريخية التي تربط بين الإمام القائد وبين هذه اللغة وبين هذه الثقافة.

 

محمّد علوش: هو والدته تتكلّم اللغة العربية، لكنها ليست عربية بحسب ما فهمت من الكتاب.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: هي من مدينة أصفهان في إيران، لكن والدها كان من الذين، تعرف أنّ الحوزة العلمية آنذاك.

 

محمّد علوش: ووالده رجل عِلم، رجل دين.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: 90 سنة تقريباً، لم تكن هناك حوزة دينية في قم، فكل العلماء الذين كانوا يريدون دراسة العلوم الدينية كانوا يذهبون إلى النجف الأشرف، والدها ذهب إلى النجف الأشرف وهي ذهبت في أيام طفولتها إلى النجف، وتعلّمت اللغة العربية وباللهجة النجفية، وكان لها الأثر على الإمام القائد، بل والأكثر من ذلك، الإمام القائد في موضع آخر، ليس في هذا الكتاب، يذكر بأنّ الأطفال، هو وأخوته، حينما كانوا يريدون أن ينادوا أمّهم، كانوا ينادونها بلفظةٍ باللهجة العراقية، يمّا، حتى يتكلّمون باللغة الفارسية، والبعض منهم لا يعرف اللغة العربية. طبعاً سماحة القائد يُجيد اللغة العربية لكن بمخاطبة الأمّ، كانوا يخاطبونها بلهجة نجفية.

لذلك هذه العلاقة، طبعاً ذهابه إلى النجف، الاهتمام الكبير منه بالقراءة ولا سيما قراءة الكتب العربية، يذكر في هذا الكتاب أنه اشترى واستنسخ بعض الكتب حينما كان في النجف الأشرف، وضاعت منه في طهران.

 

محمّد علوش: والأغرب من ذلك أنه ترجم كتباً، أنا شخصياً استغربت أو دُهِشت حين علمت أنه ترجم كتاباً أو كانت له محاولة لترجمة كتاب جبران خليل جبران الأديب اللبناني، إسم الكتاب "دمعة وابتسامة"، الصفحة 53 يقول هذا الكلام؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: لا، ترجم، لم تكن محاولة، بالفعل ترجم هذا الكتاب.

 

محمّد علوش: وأخرج للنور؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: بالمناسبة، السيّد القائد في هذا الكتاب لم يتحدّث بلغة القائد، تحدّث بلغة الإنسان.

 

محمّد علوش: واضح في الكتاب.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: المواطن النخبوي.

 

محمّد علوش: وليس كأنه رجل دولة.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: المفكّر ولذلك تحدّث بكل ارتياح وطلاقة وعفوية.

في بعض الأحيان، كانت هناك بعض الملاحظات على بعض المقاطع منها هذا المقطع. قلنا بأنّ هذا الكتاب يتضمّن قصصاً قد لا تتناسب مع الموقع القيادي اليوم لسماحة الإمام القائد، لذلك كان هناك اقتراح بحذف هذا المقطع، فأصرّ على إبقائه، قال هذا جزء من الواقع، هذا واقع التاريخ، أنا ترجمت هذا الكتاب في تلك الفترة لعلاقتي ورغبتي باللغة العربية.

لذلك، أنا أودّ أن أستفيد من هذا المقطع، من هذا الكتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران بالذات، الإنسان المتديّن أو عالم الدين اليوم قد يرى أنّ هذا الكتاب مثلاً لا يتناسب معه.

 

محمّد علوش: هو يقرأ حتى روايات خلافاً لما.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: هو ملمّ بقراءة الروايات.

 

محمّد علوش: ويذكر ذلك، بالصفحة 59 يتحدّث عن الأدب العربي المعاصر سنأتي على ذِكره لكن.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: الكساندر دوما الأب والإبن، الروايات الإيرانية.

 

محمّد علوش: حتى الروايات الإيرانية.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: كل الروايات الإيرانية، السيّد القائد عنده جلسة مع بعض الأدباء، يقوم بعملية نقدية لرواية كي در وهي أهم رواية باللغة الفارسية، رائدة الروايات.

 

محمّد علوش: أستاذ محمّد، من المعروف في العالم العربي، من الشائع، لا نستطيع أن نعمّم، غالباً رجال الدين لا تميل كثيراً إلى قراءة الروايات أو القصص وتعتبرها نوعاً من إهدار للوقت.

السيّد الخامنئي في هذا الكتاب وكأنه، يسرد الأمور وكأنّه يعتز بقراءته لهذه الروايات. هل هي طبع عام في الثقافة الإيرانية أن رجل الدين يأتي على ذِكر الروايات ويقرأها وربما يدرّس بها وينقدها أم أنها حالة خاصة؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: طبعاً يتميّز علماء الدين في إيران، البعض منهم على الأقلّ بهذا، أنا أتذكّر العلامة الفيلسوف الكبير في العالم الإسلامي الشيخ محمّد تقي الجعفري كان ملمّاً بقراءة الروايات وكان مولعاً بها.

السيّد القائد يذكر هنا في هذا الكتاب بأنّه كان لقراءة هذه الروايات تأثيرٌ على منحاه الأدبيّ وعلى أسلوبه في الكتابة وفي الأدب، وهذا يدلّ على هذا التأثير. لا يمكن أن نتحدّث عن طبع عام لكن هذه الظاهرة توجد في إيران بين علماء الدين الإيرانيين أكثر ربما من المناطق الأخرى.

 

محمّد علوش: طبعاً سنأتي على أكثر من قصّة في ما يتعلق بمذكرات السيّد خامنئي، لكن دعنا نستعرض أيضاً مقطعاً آخر، مقتطفاً من المذكرات حول خط المعارضة وخط التوعية لدى الثورة الإسلامية أو قيادات الثورة الإسلامية في إيران. نشاهد معاً.

 

مقطع من الكتاب: لا بدّ من أن أذكر هنا معلماً هاماً من معالم النهضة الإسلامية في إيران، وهو وجود خطين في هذه النهضة، كان التفاهم بينهما يشكّل المسيرة التكاملية للتوجّه نحو الإسلام في هذا البلد.

الأول خط المعارضة الدينية للجهاز الحاكم المنبثقة عن عقيدة دينية.

أما الثاني فهو خط التوعيية الفكرية وتقديم المشروع الإسلامي للحياة في خطابٍ شديد، أو بعبارةٍ أخرى خط تجديد الفكر الديني.

ثمة من انتهج خط المعارضة، غير أنّه لم يحمل فكراً متطوّراً عن الإسلام، بل كان متحجّراً، جامداً في أفكاره، تدفعه غيرته على الإسلام إلى معارضة السلطة المستهينة بحرمات المسلمين.

وثمة من سار على خط التوعية وحمل فكراً نيّراً عن الإسلام، وسعى إلى تقديم الدين إلى المجتمع بلغة العصر، وحارب الانحرافات الفكريّة، لكنّه لم ينتهج خط معارضة السلطة.

في بداية نهضة الإمام الخميني، كان عنصر المعارضة هو البارز في النهضة، فكان التركيز في البدايات على مقارعة الجهاز الحاكم لكونه معادياً للدين، وبعدما ترسّخت المقاومة الدينية في المجتمع، وتسنّى للنهضة أن تتّجه نحو تقديم أطروحة الفكر الإسلامي بالشكل المطلوب، تخلّف المتحجّرون، وبقي في المسيرة من كانت له بصيرة في الدين.

 

محمّد علوش: طبعاً القارئ لما اقتبسناه حالياً، أستاذ محمّد، يجد وكأنّه بالفعل، أنه حصل نوع من التطوّر الإيجابي في الثورة، لكن خصوم ربما الثورة الإسلاميّة في إيران، أو قارئ يقول إنه غير معجب بالتجربة الإسلامية في إيران، يقول هذا دليل على أن الثورة كانت تأكل بعضها بعضاً، بمعنى أنّ قيادات الثورة تقسّم نفسها إلى معتدل وإلى متطرّف إلى أصولي ومنفتح، وبالتالي يبرّر لنفسه إقصاء الآخرين، وهذا ما حصل مع الثورة.

ما الذي كان يريد السيّد أن يقوله في هذه النقطة؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: أولاً هذا النقاش يرتبط بمرحلة ما قبل انتصار الثورة.

 

محمّد علوش: لا شكّ.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: ثانياً، هذا لا ينحصر بالثورة الإسلامية في إيران. أساساً هاتان النظريتان موجودتان، إذا تلاحظ الحركة الإسلامية بكل مسارها، حزب التحرير، الإخوان المسلمين، حزب الدعوة الإسلامية في العراق، هذا النقاش كان موجوداً بينهم. هناك من يدعو إلى التغيير مثل حركات التحرّر والفصائل المسلحة.

 

محمّد علوش: تغيير جذري وآخر إصلاح بالتدرّج.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: وكل فصائل المعارضة، وهناك من يقول بأنه لا، علينا أن نثقّف الجماهير ونصل إلى مرحلة. الطرف الآخر يقول لا، أنه أنت إذا أردت أن تثقّف ستقوم السلطة الحاكمة بكبت هذه الحركة.

 

محمّد علوش: القضاء عليها في مهدها.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: هذا النقاش لا ينحصر بالثورة الإسلامية في إيران، طبعاً الثورة الإسلامية ونهج الإمام الخميني بالتحديد أضاف إلى هذين الخطين، خط المعارضة والكفاح المسلّح والاعتماد على فصائل الحركة المسلّحة وما إلى ذلك، وخط التوعية والتثقيف إذا صحّ التعبير، طرح مفهوماً جديداً، وهو الاعتماد على الجماهير.

الإمام لم يعتمد في ثورته على النخب، على الأحزاب، على الحركات، لم يُلغِ دور هذه الأحزاب لكن الاعتماد الأساسي كان على جماهير الشعب. كذلك لم يعتمد على الكفاح المسلّح، ثورة إيران، ثورة الإمام الخميني كانت ثورة سلمية، لكن أيضاً لم ينتظر أن يتم تثقيف قطاعات واسعة من الشعب حتى يصل إلى مرحلة الثورة.

الإمام القائد يطرح بأنه كان من أوائل الذين يؤمنون بتلفيقٍ أو توفيقٍ بين هذين الخطين، التوعية ضرورية لكن لا يمكن البقاء والصبر حتى تفتح.

 

محمّد علوش: جميلة هذه اللفتة. ما الفرق بين السيّد خامنئي والإمام الخميني برأيك؟ كان مرشداً مؤسّساً الإمام الخميني، والإمام الخامنئي أكمل المسيرة وأصبح مرشداً.

هل اختلفت المقاربة في التعاطي سواء في الداخل أو الخارج بين الرجلين؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: أنا أعتقد بأن الإمام الخامنئي هو استمرار للإمام الخميني ولحركة الإمام الخميني وخير خلف لخير سلف. هذا أولاً.

ثانياً، دائماً أنا أقول إنّ الإمام الخميني هو المؤسّس لهذه الجمهورية الإسلامية، لكنّ الإمام الخامنئي هو الممأسس لهذه الجمهورية، مجموعة المؤسّسات الدستورية، الآليات الوثائق الاستراتيجية، غرف عصف الأفكار، المؤسّسات البحثية، مجموعة من هذه الآليات وُضِعت في زمن الإمام الخامنئي، الخطط الاستراتيجية، الخطط الاستشرافية، نحن كان عندنا الخطة الخمسية، أصبحت هناك الخطة الاستشرافية العشرينية، اليوم هناك وثيقة مهمة صدرت قبل أيام، طبعاً المسودة الأولية لهذه الوثيقة، وهي خطة النموذج الإسلامي الإيراني للتقدّم والتي تستشرف 50 عاماً.

 

محمّد علوش: إسمح لي أستاذ محمّد، أنا سأضطر لمقاطعتك أكثر من مرة لكثافة ما عندنا من مواد في هذه المذكرات، فهي غنية جداً وبنفس الوقت، الوقت ضيّق لدينا.

في الصفحة 75 يتحدّث عن الشيخ رفسنجاني وعن الدكتور علي شريعتي، يبدي إعجاباً شديداً بالشيخ رفسنجاني لكن بنفس الوقت عندما يتحدّث بإعجاب عن الدكتور شريعتي يقول ولي ملاحظات على فكره.

ما الذي كان يحمله على الدكتور شريعتي؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: طبعاً هذا فيه تفصيل كثير. الدكتور شريعتي طُرِحت بعض الانتقادات على بعض الأفكار التي طرحها، كان يطرح الفكر الإسلامي من بذور سيسيولوجي.

 

محمّد علوش: بحكم تخصّصه.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: بالتأكيد، لكن هذا قد لا ينطبق في بعض تفاصيله وجزئياته على دقائق وظرائف العقيدة الإسلامية بكلّ تفاصيلها، ولذلك حصل هذا النقاش حتى في زمن الدكتور شريعتي، والدكتور شريعتي رحمه الله هو الذي طلب إعادة النظر في كتاباته، وحتى طلب من الشيخ الشهيد مرتضى مطهري الفيلسوف الإيراني الكبير وآخرين أن يعيدوا النظر في كتاباته.

لذلك هذا النقاش كان موجوداً منذ تلك الفترة، واستمرّ ما بعد وفاة الدكتور شريعتي، وطبعاً الإمام الخامنئي دائماً له أكثر من قول في مدح المسيرة التي سلكها الدكتور شريعتي في توعية المثقّفين والشباب الإيرانيّ، لكن هذا لا يمنع من أن تكون هناك بعض الملاحظات على بعض تفاصيل الأفكار التي طرحها.

 

محمّد علوش: طبعاً السيّد خامنئي تعرّض للاعتقال ستّ مرات بحسب ما قرأت في الكتاب، ومرة تم نفيه، سنأتي على ذكر النفي، لكن في إحدى المرات وهو في الاعتقال، حصلت مجزرة بحق الفلسطينيين في الأردن يشير إليها، ما يعرف بأيلول الأسود، وكان يستمع إلى صوت فلسطين رغم الوضع الذي كان هو فيه.

نشاهد هذا المقطع من الكتاب قبل أن نستأنف النقاش حول هذه الجزئية.

 

مقطع من الكتاب: في أحد الأيام، جاؤوا بأبني مصطفى إلى السجن، وهو في الثانية من عمره. جاء أحد الجنود راكضاً، وهو يقول جاؤوا بابنك، وتطلّعت إلى باب السجن، فرأيت أحد الضباط يحتضن مصطفى ويتّجه نحوي.

أخذت مصطفى وقبّلته، لم يعرفني الطفل بسبب غيابٍ طويل عنه في السجن، فنظر إليّ واجماً، مندهشاً، ثم أجهش ببكاء شديد ولم أستطِع أن أهدّئه، فأعدته إلى الضابط ليرده إلى الأهل الممنوعين من لقائي. وترك فيّ ألماً بقي يحزّ في نفسي حتى بعد ذلك اليوم.

 

محمّد علوش: طبعاً هذا المقطع هو حول حالة إنسانية عايشها السيّد خامنئي، وهو في السجن، عندما جاؤوا بولده، والذي لم يتعرّف عليه.

سنأتي على ذكر فلسطين وقصة أيلول الأسود، في الكتاب واضح جداً، وطالما أنه مذكرات، فالبعد الوجداني حاضر في كل عبارة، لكن هذه تستوقف المرء كثيراً بالفعل، أنّ الولد أو الإبن لا يتعرف على والده، تكون صعبة كثيراً.

تقديرك، هل هذه الحالة من المظلومية التي عايشها السيّد أثّرت على سلوكه في ما بعد حين أصبح مرشداً؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: لاحظ، أولاً في هذا الكتاب تشاهد في مقاطع كثيرة هذه الحالة العاطفية بالنسبة للأب.

 

محمّد علوش: الأمّ، الزوجة.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: بالنسبة للأمّ، بالنسبة للزوجة ومعاناة هذه الزوجة، يذكر في مقاطع.

 

محمّد علوش: مؤثرة جداً.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: عن الزوجة وعما تحمّلته.

 

محمّد علوش: صحيح، مع الوالدة.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: وبالنسبة للأبناء. السيّد الخامنئي لحد اليوم تلاحظ فيه، عند رؤيته أو الجلوس معه او التعامل معه، هذه الحالة العاطفية والعطف والحنان على الآخرين أولاً، وليس فقط مثلاً على أبناء الشهداء، أو بعض المقاطع قد تكون شاهدتها، وإنما حتى بالنسبة للآخرين، لكلّ من يعرفه أو حتى لا يعرفه.

النقطة الثانية، اهتمامه بالكثير من التفاصيل، مثلاً إذا لاحظ شيئاً عند أحد أو طلب منه أحدٌ شيئاً، يبقى يتذكّر حتى يتم إنجاز ما طلبه أو تنفيذه.

 

محمّد علوش: قضاء حاجته.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: قضاء حاجته، على الرغم، طبعاً نحن أمام قامة هامة في القيادة وفي الانشغالات السياسية والاستراتيجية وإدارة البلد وإدارة الملفات في المنطقة وكلّ ما يرتبط بذلك.

من دون شكّ هذه الحالة العاطفية والوجدانية والاهتمام بالآخرين والاهتمام بكل التفاصيل، لا يمكن هنا في هذا البرنامج أن نذكر بعض حالات.

 

محمّد علوش: لكنها حاضرة بقوّة، قبل أن أذهب إلى فاصل، يتحدّث بقوّة عن الفقر والحرمان، حتى ورد معي أنه في الصفحة 24 يقول، لقد شاهدت من الفقر في بيت والدي ما قلّ أن يُشاهَد مثله عادةً في بيوت العلماء.

السؤال يطرح نفسه، بعد أن أصبح مرشداً للثورة، هل ظلّت حاله كما كان سابقاً؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: نعم، أنا أذكر لك أن الحياة، أو عيش الإمام خامنئي ما زال لحد الآن أبسط من أغلب المواطنين في إيران.

في بداية الثورة، كان هناك شحّ في النفط والوقود، طبعاً في البيوت كانوا يعتمدون قبل إيصال الغاز، اليوم 90 بالمئة أصبح متوافراً الغاز بالأنابيب، كما ذكر سماحة السيّد يوم أمس.

في ذلك الوقت، لم يكونوا يستخدمون النفط، النفط كان قليلاً، الإمام القائد كان يذهب سيراً على الأقدام، قبل أن يكون قائداً، لكن كان له مناصب بعد انتصار الثورة، إلى الحمامات العامة للاستحمام، في حين أنه كان يمكن أن يوفّر.

استضافته للقادة ولكبار المسؤولين في الدولة وحتى بعض المسؤولين الأجانب، كانت أبسط الموائد مثلًا بطاطا، لبن، أمر بسيط جداً.

حينما انتقل من منزله كرئيس للجمهورية إلى منزله كقائد، طبعاً الضرورات الأمنية والسياسية كانت تقتضي الانتقال، نُقِل أثاث بيته في نصف بيك آب.

 

محمّد علوش: لقلّة هذا الأثاث.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: لقلتها، السجاد الموجود في بيته الآن هو السجاد الذي كان ضمن التجهيز الذي جهزه.

 

محمّد علوش: هو يتحدّث عن ذلك في الكتاب؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: في إيران العادة المرأة أو عائلة المرأة، أسرة المرأة التي تجهّز نفس السجاد الذي جهّزته زوجته عند الزواج قبل 50 عاماً ما زال موجوداً.

 

محمّد علوش: هو نفسه.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: وهناك الكثير من هذه الأمثلة لا يسع المجال في هذا البرنامج لذكرها، لكن لم يتغيّر بل قد يكون دائماً يراعي هو شخصياً، ويدعو ويؤكّد على أبنائه أن يلتزموا بهذه البساطة في العيش حتى يكونوا مثل أبسط الناس.

 

محمّد علوش: ويبقى هناك الكثير للنقاش حول كثير من الإشكاليات عند البعض أو تساؤلات عند آخرين واندهاش أيضاً لجهة ما قاله السيّد خامنئي في مذكراته المنشورة باللغة العربية، بناءً على روايته باللغة العربية.

نذهب إلى فاصل قصير مشاهدينا قبل أن نستأنف النقاش مرة أخرى، فأرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمّد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا، ودائماً مع مذكرات السيّد علي خامنئي المكتوبة بالعربية، "إن مع الصبر نصرا"، ومع ضيفنا في هذه الحلقة وهو المراجع لهذه المذكرات الأستاذ محمّد مهدي شريعتمدار.

يتحدّث السيّد خامنئي في مذكراته عن مرحلة ما قبل نجاح الثورة في إيران. حول تعلّق قيادات الثورة بقضية فلسطين وتحديداً شخصية السيّد خامنئي، نشاهد هذا المقطع.

 

مقطع من الكتاب: اعتقلت سنة 1390 هجرية 1970 ميلادية على أثر التقارير العديدة المرفوعة عني إلى السافاك.

كنت في إحدى ليالي صيف تلك السنة جالساً استمع إلى صوت فلسطين وكانت الأيام من أيلول الأسود، إذ تعرّض الفلسطينيون لمذبحة فظيعة في الأردن. الحادث جلل، والمأساة كبرى، وما كان لنا تجاه تلك القضية سوى أن ننشدّ بقلوبنا إلى إذاعة فلسطين، نستمع منها إلى آخر أنباء المذبحة.

أذكر أنّ الإذاعة في تلك الليلة كانت تبثّ برقية ياسر عرفات من الأردن إلى مؤتمر القمّة العربية المنعقد في القاهرة. كنت أكتب نصّ البرقية من المذياع من خلال تكرار المذيع لها. لا أزال أذكر بعض عبارات هذه البرقية لشدّة وقعها في نفسي.

وحين قدم ياسر عرفات إلى طهران سنة 1400 هجرية 1980 ميلادية، ذكرت له بعض عباراتها، منها عبارة بحرٌ من الدم وعشرون ألفاً بين قتيل وجريح. فقال ياسر عرفات 25000 بين قتيلٍ وجريح.

 

محمّد علوش: طبعاً القصة مؤثّرة، لا شكّ في الموضوع، لكن دعني أتقمّص شخصية الناقد. البعض يتهم إيران بأنها تتاجر بالقضية الفلسطينية، وأنه إن حصل تاريخياً تعاطف مع هذه القضية كان من باب المشاركة في المظلومية.

الآن إيران تريد أن تتوسّع، وبالتالي تستغلّ هذه القضية ذات البُعد الديني عند المسلمين، إلى قضية للتوسع في العالم العربي على حساب مشاريع أخرى.

ما الذي يؤكّد أنّ هذه القضية لا تزال فاعلة وحاضرة، ليس فقط في مذكرات السيّد خامنئي، وإنما أيضاً في مواقف وأداء الدولة الإيرانية؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: أولاً هذا الموقف لا يرتبط، وليس الموقف، الأداء أيضاً، لا يرتبط بما بعد انتصار الثورة الإسلامية وتأسيس الجمهورية الإسلامية وتحول القادة الإيرانيين إلى سلطة حتى يتمكنوا من أن يستغلوا هذه القضية من أجل مصالحهم مثلاً الوطنية وما إلى ذلك.

هذا الموقف منذ قبل انتصار الثورة، الفتاوى التاريخية للإمام الخميني، ليس فقط في الدفاع عن القضية، وإنما الصرف من الأموال الشرعية من أجل الدفاع عن القضية الفلسطينية.

هذا الموقف الذي يعبّر عنه الإمام القائد، كان قبل انتصار الثورة الإسلامية، ويعبّر عن مدى انشداد الإمام القائد للقضية الفلسطينية، حيث أنّه بعد 40 أو 50 سنة ما زال يتذكر بياناً أو رسالة وجهها المرحوم الراحل الشهيد ياسر عرفات إلى القمّة العربية، يتذكرها بتفاصيلها وبحذافيرها وحتى بالألفاظ وبالكلمات.

هذا لم يكن آنذاك في السلطة، بل بالعكس كان مكبوتاً ومعتقلاً.

 

محمّد علوش: مُطارداً ومعتقلاً.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: إذاً هذا أولاً، ثانياً في ما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، إذا كانت هذه العلاقة مثلاً يكون مقابلها طلب لشيء معين من الجهات الفلسطينية، يتم تصنيف الفصائل الفلسطينية وفق مثلاً الأطر التي تعتمدها الثورة الإسلامية والجمهورية الإسلامية في إيران، أو يتمّ استثمار هذه القضية من أجل، يمكن أن نقول ذلك. لكن العلاقة كانت مع كل الفلسطينيين من دون أن يكون هناك أي طلب من هذه الجهات الفلسطينية، كما ذكر وأكد ذلك سماحة السيّد حسن نصر الله في خطابه يوم أمس.

والنقطة الثالثة التي أودّ أن أقولها هي أنّ إيران لها مشروع استراتيجيّ في الدفاع عن القضايا العادلة وقضايا المستضعفين، ليس قضية فلسطين فحسب، طبعاً على رأس هذه القضايا القضية المركزية للأمّة الإسلامية هي قضية فلسطين، الآخر ما هو مشروعه الطرف الآخر ما هو مشروعه.

 

محمّد علوش: من الطرف الآخر هنا؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: أي من ينتقد هذه السياسة الإيرانية، إذا كانت قضية فلسطين قضية حقّة، فليتقدّم كلّ من ينتقد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على موقفها وأدائها بالنسبة للقضية الفلسطينية، ويتقدّم على الجمهورية الإسلامية للدفاع عن هذه القضية إذا كانت قضية حقة.

إذا كانت قضية حقة، لماذا تُنتقَد إيران بأنها تدافع عن الحق؟ بالعكس، ينبغي أن ننتقد الآخرين على تقاعسهم عن الدفاع عن الحق.

 

محمّد علوش: هم يقولون إنه، طبعاً لن نخرج بعيداً عن الكتاب لكن من باب ما يوجّه أنه يومياً توجّه إيران تهديدات لإسرائيل أنها ستدمّرها، ستزيلها عن الأرض، سترميها في البحر لكنها لم تطلق صاروخاً واحداً على إسرائيل.

كيف يمكن أن ترد؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: من حيث المبدأ نحن لا نؤمن، إيران لا تؤمن بشرعية الكيان الصهيوني الإسرائيلي، لا وجود لهذا الكيان. نحن نؤمن بأن هناك دولة فلسطين من النهر إلى البحر، يجب أن تتحرّر، ويُبنى فيها الدولة الفلسطينية المستقلة، بمشاركة كلّ الفلسطينيين الأصلاء، عاصمتها القدس، لا يمكن استثناء شبر واحد من هذه الأرض. هذا من حيث المبدأ.

من حيث الأداء والتكتيك، لكل حرب ولكل مواجهة ولكل معركة ولكل صراع الكثير، هناك الاستراتيجية والتكتيك، لذلك هذا الموضوع يعود إلى مجموعة التكتيكات التي يمكن أن تطرحها. لكن هذا لا يعني أنه لا توجد مواجهة. إن لم تكن هناك مواجهة بين خط وجبهة المقاومة والممانعة في المنطقة، وعلى رأسها إيران، وبين الكيان الصهيوني، لماذا كل هذه المحاولات من قبل الكيان الصهيوني ومن قبل الذين يدعمونه لمواجهة هذه الثورة، لمواجهة خط المقاومة والممانعة وما إلى ذلك؟

الصراع والحروب التي جرت في الداخل الفلسطيني، في غزّة مثلاً، أو بين حزب الله وبين الكيان الصهيوني وجيش الاحتلال الإسرائيلي، من كان المموّل لكل هذه الجهات، الجهات الفلسطينية أو المقاومة الإسلامية؟

 

محمّد علوش: إيران، الجميع يقول إيران.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: إذاً، دعنا نرى جهة واحدة في كل هذا العالم تحت قبة السماء قدّمت طلقة واحدة لأحد الفصائل الفلسطينية، من هي غير إيران؟

إذاً لا يمكن القول إنّ إيران مثلاً لا تدعم أو لم تقم بمبادرة عملية، لكن طبعاً الصراع له إدارته وله.

 

محمّد علوش: لا شك في الموضوع، دعنا ننتقل إلى جزئية أخرى أيضاً في الكتاب، وهو حديثه، من المعروف أن سيّد قطب شخصية جدلية كبيرة لا تزال تأثيراتها فاعلة في واقعنا المعاصر، وجمال عبد الناصر شخصية محورية في التاريخ العربي المعاصر، لا شك في الموضوع.

كيف كان ينظر السيّد الخامنئي لكلا الرجلين؟ نشاهد معاً.

 

مقطع من الكتاب: بعدها مضى أسبوعان على سجني، سمعت أحد العرفاء المسجونين ينادي في السجن، البشارة البشارة مات عبد الناصر. كان وقع النبأ عليّ مؤلماً جداً، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى مفارقةٍ عشتها، وعاشها الإسلاميون المناضلون في إيران، وهي تعاطفنا الشديد مع سيّد قطب وفكره الحركيّ، وتعاطفنا أيضاً مع قاتله جمال عبد الناصر.

لقد بكيت عند سماع خبر إعدام سيّد قطب، وبكيت أيضاً لدى سماع نبأ موت عبد الناصر. انشدادنا إلى سيّد قطب واضح لا يحتاج إلى بيان أسبابه، الرجل بقلمه الأدبي ومعاناته العملية وبفكره المتوقّد القرآنيّ، قدّم الإسلام بصورةٍ حركيّةٍ معطاء ذات آفاقٍ بعيدة تبعث في الإنسان المسلم شعوراً بالاعتزاز بدينه.

أما اعتزازنا بعبد الناصر فكان يعود إلى أسباب نفسية لا عقائدية. لقد كنّا نشعر بالعزّة حين نسمع عبد الناصر يتحدّى كلّ طواغيت العالم، ونتلهّف لسماع خطاباته من صوت العرب.

 

محمّد علوش: طبعاً هذا الكلام بالصفحة 190. دعنا نبدأ بسيّد قطب بداية. سيّد قطب يُثني عليه؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: قبل أن تبدأ بسيّد قطب، هنا يقول الإمام القائد بأنه كان يستمع إلى صوت العرب، قبل ذلك قال إنه كان يستمع لصوت فلسطين، لترى مدى اهتمام، طبعاً في تلك الفترة لم تكن الفضائيات ولم يكن الفضاء الإفتراضي، الأنترنت، كذا، كانت مجموعة إذاعات، الاهتمام بهذه الإذاعات العربية، أحببت أن أنوّه لهذه النقطة، صوت العرب، صوت فلسطين، يعكس مدى أيضاً اهتمام السيّد القائد بالعربية والاستماع إلى القضايا العربية.

 

محمّد علوش: طبعاً هو يثني على عبد الناصر بشكل لافت، وأيضاً لديه سؤال عن عبد الناصر، لكن الإشكالية عند البعض هي في ما يتعلق بسيّد قطب.

سيّد قطب البعض يتّهمه بأنه مفجّر الإسلام من الداخل وليس موقظ الإسلام من الداخل، بمعنى أنه حوّله إلى قنبلة منفجرة بأهلها وبغيرها عن طريق ما نشره من فكر حركي تحوّل إلى أيديولوجيا ملهمة لكل التيارات السلفية الجهادية في العالم.

هذا الإعجاب بسيّد قطب البعض يقول إنّ ما تصنعه إيران هو ترجمة فعلية لما قاله سيّد قطب ولما تترجمه الآن السلفيات المتناحرة بغض النظر عن بعدها المذهبي؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: أولاً، هنا أودّ أن أشير إلى مدى موضوعية الإمام القائد في تعاطيه مع مختلف المجالات، يطرح نقيضين إذا صحّ التعبير في آن واحد.

 

محمّد علوش: واضح هنا يوجد نقيضان.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: هذا أولاً، ثانياً لا يوجد هناك حق مطلق وباطل مطلق، كل شخصية يمكن أن تتميّز بمميّزات إيجابية ومميّزات سلبية، كما هي الحال بالنسبة لسيّد قطب، بالنسبة لسيّد قطب أنه يعتبر رائد أو مطلق أو من رواد حركة الفكر الإسلامي، إذا عدنا إلى الوراء، إلى فترة سيّد قطب، ترى أنه يمكن اعتباره من أول من أطلق هذه الحركة، وتعتمد مجمل حركات الفكر الإسلامي بشقيها السنّي والشيعي على فكر سيّد قطب.

 

محمّد علوش: هو لم يكن مذهبياً بالمناسبة.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: تفسيره للقرآن، أودّ أن أقول بأنه حتى الشيعة وإن كانوا شيعة، وهو كان سنّياً، لكن اعتمدوا على فكره الحركي من دون الأخذ بعين الاعتبار الجانب المذهبي والطائفي.

 

محمّد علوش: بين قوسين، هل يعتبر لدى السيّد خامنئي أن سيّد قطب ظُلِم في قراءته لدى أناس يريدون أن يحوّلوا هذه القراءة إلى اتهام؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: هذه النقطة الثالثة التي كنت أودّ أن أؤكّد عليها، بالمناسبة السيّد القائد ترجم للسيّد قطب أكثر من كتاب.

 

محمّد علوش: "الإسلام وقضايا العصر"، "المستقبل لهذا الدين" و"في ظلال القرآن".

 

محمّد مهدي شريعتمدار: "الإسلام وقضايا العصر"، "في ظلال القرآن" لم تكن ترجمة كاملة، جزء أول.

 

محمّد علوش: جزء أول من الكتاب، لم يكن تفسيراً، وتأثّر به تأثراً شديداً.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: لكن اطّلع على أن هناك ترجمه آخرون فانصرف عن الترجمة.

النقطة الثالثة هي أن علينا أن نقرأ فكر كل مفكر أو قائد في ظروفه المكانية، لا أن نقرأ هذه الفكرة أو هذه المبادئ والمواقف في ظروف مكانية تختلف. نحن اليوم نصدر حكماً على سيّد قطب بعد مرور 50 أو 60 عاماً، حركة الفكر الإسلامي تطوّرت، هناك اتجاه للتسلّف في جزء من الفكر الإسلامي، قد يعتمد على جزئية من فكر سيّد قطب لكن لا يعني بالضرورة بأن سيّد قطب هو الذي أسّس للفكر السلفيّ.

ملاحظة بسيطة، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، انتقل الفكر الإسلاميّ الشيعيّ من المعارضة إلى السلطة، وكانت الانتقالة انتقالة ناجحة جداً لأسباب لا مجال لذكرها، لكن انتقل الفكر السياسي السنّي، طبعاً بعد الحربين العالميّتين، وبعد التقسيم الذي حصل في المنطقة، من السلطة إلى المعارضة إلى فترة الدولة العثمانية، كان يمكن أن نقول وفقاً لمبادئ الفقه السنّي مثلاً، الشورى، البيعة، الحكم لمن غلب وما إلى ذلك، بأن هذه الدولة دولة الخليفة الإسلامية بغضّ النظر عن التفاصيل أو عن موقفنا من دولة الخلافة الإسلامية أو من الدولة العثمانية. لكن بعد ذلك انتقل إلى مرحلة المعارضة، في جزء من هذا الفكر وفي جزء من الفقه السنّي، هذا التحوّل كان أو تزامن مع حالة من التسلّف، اعتمد هذا التسلّف على بعض روّاد الفكر الإسلامي، لكن أيضاً كان مدعوماً بأجندات معيّنة، لا يمكن أن نغفل.

 

محمّد علوش: واضح، وبالتالي حصل انزياح في دلالات هذه العبارات لسيّد قطب.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: أما بالنسبة لجمال عبد الناصر، هو يعبّر للمناضل الإيراني عن أولاً الحرية والكرامة.

 

محمّد علوش: وذكر السيّد في هذا الكتاب.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: ثانياً يذكّر بالدكتور محمّد مصدق رئيس الوزراء الإيراني، هما متشابهان، يذكّر بحركة تأميم قناة السويس بعد حركة تأميم النفط في إيران التي شكّلت منعطفاً ومفصلاً تاريخياً مهماً.

 

محمّد علوش: وبالتالي كان ملهماً في هذه الجزئية. قبل نهاية هذه الحلقة، دعنا نختم بالعلاقة مع أهل السنّة عند السيّد بعد نفيه إلى مدينة إيران شهر. هكذا تسمّى؟

 

محمّد مهدي شريعتمدار: نعم.

 

محمّد علوش: نشاهد هذا المقطع قبل أن نعود للنقاش.

 

مقطع من الكتاب: توطّدت علاقات طيبة مع علماء السنّة ورحت أفكر في خطة عملية لإزالة الحواجز النفسية بين أهل السنّة والشيعة في المدينة من خلال تعاونٍ دينيٍ مُشترَك.

فتحت الحوار مع أحد علماء السنّة في إيران شهر وإسمه المولوي قمر الدين، وكان إمام مسجد النور، وقلت له إنّ المسؤولية الإسلاميّة تفرض علينا أن ننظر إلى مستقبل الإسلام، وما يتهدّده من أخطار، وما يقف أمامه من عقبات، والمسلمون جميعاً في هذه النظرة المستقبليّة يتحمّلون مسؤولياتٍ جسيمة بغضّ النظر عن انتمائهم المذهبيّ.

أما إذا عكفنا على نبش الماضي والبحث في كتب الأقدمين عن مواضع الخلاف، فلا يؤدّي ذلك إلا إلى اشتداد الضغائن وتحريك العواطف، ولا مصلحة في ذلك للإسلام والمسلمين.

قلت له أيضاً هذا لا يعني أن نقطع صلتنا بالماضي، فوجودنا الفكريّ والعقائديّ مرتبطٌ بهذا الماضي، لكنّ تعاوننا ينبغي أن يكون على أساس المستقبل والنظرة المستقبليّة.

 

محمّد علوش: طبعاً هذا الكلام يذكّرنا بقول أحدهم من رواّد الفكر الإسلامي، دعونا نعمل في ما نتّفق عليه وليعذر بعضنا بعضاً في ما اختلفنا فيه.

هل كان يستوحي هذا البُعد السيّد خامنئي حينما توجّه إلى أولئك من أهل السنّة، أم أنه كان يستشرف على أن هذه المادة أيضاً تثار لمزيد من الانقسام في العالم العربي والإسلامي؟ بدقيقة لو سمحت.

 

محمّد مهدي شريعتمدار: أنا أتصوّر أنه ينظر إلى الإسلام من موقع النظرة الحضارية وليس التفاصيل المذهبية، هناك الكثير من التفاصيل بين الشيعة أنفسهم، بين السنّة أنفسهم، لا ترتبط بمستقبل هذه الأمّة، باستشراف هذا المستقبل، ببناء الحضارة الإسلاميّة، بتعزيز أواصر الوحدة الإسلاميّة وجمع شمل ولمّ شمل هذه الأمّة، والنظر إلى العدو المشترك بغضّ النظر عن كلّ هذه الجزئيات كما قلنا بالنسبة لإيران، هناك قوميات، هناك مذاهب، هناك أديان، لكن الكل يتحد في مواجهة الأخطار المحدقة، ولذلك من منطلق حضاري ومن منطلق استشرافي ومن منطلق الواجب والحرص على مستقبل هذه الأمّة الإسلامية والمسيرة التي أسّست لها الثورة الإسلامية إن صح التعبير، هذه المحاولات للتوحيد وللمّ الشمل بين الطرفين، تعتبَر من الواجبات في هذه.

 

محمّد علوش: طبعاً ما زال هناك الكثير والكثير من الأسئلة في هذا الكتاب، لا يمكن بصراحة معالجتها في ساعة تلفزيونية واحدة.

كلّ الشكر والتقدير لك المستشار الثقافي الإيراني ومراجع الكتاب الأستاذ محمّد مهدي شريعتمدار، على أمل أن نلتقي في جلسة أخرى.

ونشكر لكم مشاهدينا حُسن المتابعة، وإلى اللقاء.