أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

إخوان الجزائر بين السلطة والمعارضة

لم يبتل العالم الإسلامي بشيئ مثل إبتلائه بالتكفير و تصدي الجهلاء لمقام الفتيا و صناعة الحكم الشرعي الخاطئ الذي يقفز على أهم الثوابت الشرعية وقواعد الشرع الأصيلة من قبيل لا ضرر ولا ضرار في الإسلام , ما أحتاط الإسلام في شيئ مثلما إحتاط في الدماء , وقاعدة حرمة الدماء و الأعراض والأموال قد لجأ بعض أنصار المشروع الإسلامي في الجزائر إلى حمل السلاح وصعدوا إلى الجبال لمقاومة "الطاغوت العلماني" كما كانوا يسمونه وأدخلوا الجزائر في عشرية حمراء.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم. لا خلاف بين علماء الإسلام والفقهاء والعقلاء والحكماء، أنّ العنف ظاهرة ناقصة، وسيّئة ومدمّرة للكيانات الاجتماعية والحضارات، وهو مرفوض شرعاً وعقلاً، فطرياً وحضارياً.

ولم يبتلَ العالم الإسلامي بشيء، مثل إبتلائه بالتكفير وتصدّي الجُهلاء لمقام الفتيا، وصناعة الحكم الشرعي الخاطئ الذي يقفز على أهم الثوابت الشرعية، وقواعد الشرع الأصيلة من قبيل لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ومن قبيل ما احتاط الإسلام في شيء مثلما احتاط في الدماء.

وقاعدة حُرمة الدماء والأعراض، والأموال هي قاعدة مقدّسة في الإسلام. فالمسلم كيان مقدّس أحاطه المشرع بكل أسباب الحصانة الحياتية، ولا يجوز غيبته، ناهيك عن ذبحه من الوريد إلى الوريد.

وقد لجأ بعض أنصار المشروع الإسلامي في الجزائر إلى حمل السلاح، وصعدوا إلى الجبال لمقاومة ما كانوا يسمّونه الطاغوت العِلماني. وأدخلوا الجزائر في عشريّة حمراء، أجار الله الجزائر والجزائريين منها.

هذا التوجّه رفضه الشيخ المرحوم محفوظ نحناح الذي كان يُعتَبر رمز الفكر الإخواني في الجزائر. وقد بدأ دعوته الإسلامية في المساجد والثانويات التي كان يدرِّس فيها، ثم في المعاهد الجامعية.

لقد كان المرحوم محفوظ نحناح يؤمن إلى النخاع بمشروع الدولة الإسلامية، لكن ليس عن طريق العنف والمواجهة، بل عن طريق النضال السياسي. ولم يرَ أيّ إشكال في التعامُل مع الدولة الجزائرية إذا كان ذلك يدعو إلى تحصين المشروع الإسلامي في الجزائر من الانهيار، ويحصّن الدعوة الإسلامية من الذبول. وهذا ما جلب له الكثير من السَخْط في كل الدوائر الإسلامية جزائرياً، وعربياً وإسلامياً.

لقد نجح محفوظ نحناح في جعل حركة حمس أهم حليف للدولة الجزائرية، والبعض كان يقول أصبحت حصان طروادة النظام.

ولكنّ الدولة الجزائرية التي سبق لها، وأن عايشت خطر الإسلام السياسي في الكثير من الأقطار العربية، كانت ترصُد كل تحرّكات الإخوان الجزائريين بما في ذلك الحليف المركزي للنظام حركة حمس، كما يقول المراقبون.

وبعد وفاة المرحوم الشيخ محفوظ نحناح الذي انتقل إلى رحمته تعالى، قاد المسيرة الدكتور الفاضل أبو جرة سلطاني الذي قاد سفينة حركة حمس، وانتُخب رئيساً لحركة مجتمع السلم خلفاً للشيخ محفوظ نحناح في المؤتمر العام الثالث للحركة يوم 8 أوغسطس آب 2003.

كما عُيّن وزيراً للدولة في الحكومة الجزائرية سنة 2004، وأعيد انتخابه رئيساً لحركة مجتمع السلم لفترة جديدة في المؤتمر الرابع العام للحركة يوم 2 مايو أيار 2008.

ولا شكّ أنّ إخوان الجزائر مرّوا بمراحل مُتعدّدة، وكان أداؤهم السياسي يتغيّر من وقتٍ لآخر.

صحيح أنهم احتكّوا سلبياً بالرئيس هوّاري بومدين وفترته، إلا أنّهم اختاروا في ما بعد نهجاً آخر بعيداً عن المواجهة المباشرة مع النظام الجزائري.

وما يهمّنا في هذه الحلقة أن نعرف أدبيّات وقناعات إخوان الجزائر، وتجربتهم، وموقفهم من المشهد الإقليمي والدولي، وثورات الدم والتدمير.

وتجارب الإخوان أيضاً في الأمصار الأخرى، هل مازالوا ضمن العباءة الإخوانية؟ أم اتّجهوا نحو الجزئرة؟

كان الداعية الإسلامي الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله يقول الجزائر حرّرها الجميع، ويبنيها الجميع.

إخوان الجزائر بين السلطة والمعارضة، عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الدكتور أبو جرة سلطاني الوزير السابق ورئيس منتدى الوسطية، ومن تونس الحبيبة الدكتور محمّد صالح الهنشير الباحِث في الفكر والتُراث الإسلامي.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

كتاب"ألغام في منهج الإخوان" الدكتور أحمد ربيع غزالي.

قدّم للكتاب الدكتور مختار نوح، وطرح في مقدّمته سؤالاً: هل كان حسن البنا زعيم الخوارج في القرن العشرين؟

واعتبر الناشِر في مقدّمة الكتاب أنّه يُعدّ أول دراسة نقدية لفكر حسن البنا، حيث يظهر منها أنّ هذا الفكر لم يكن من الأفكار الحسنة النيّة، كما لم تكن الفكرة في ذاتها من الأفكار الإصلاحية. والكتاب جاء في بابين وثمانية فصول.

الباب الأول بعنوان مواطِن الألغام في منهج الإمام، الذي قسّم بدوره إلى خمسة فصول. والمنهج الانقلابي عند المؤسّس، والمنهج الإقصائي للإخوان المسلمين وأكبر الألغام، والعنف المُرجئ في منهج الإخوان وعسكَرة التنظيم لغم في قلب الجماعة وبذور الكراهية وألغام البشرية.

الباب الثاني بعنوان حُلم الآباء المؤسّسين الإخوان في قصر الرئاسة، الذي انقسم إلى فصول الإخوان في أحضان أميركا، سياسة الحرباء بين الأميركان والإخوان، والشرعية الدستورية في جماعة الإخوان المسلمين.

 

يحيى أبو زكريا: د.أبو جرة سلطاني لعلّك، أو أنت بالفعل واحد من أهم الشهود على الحال الإسلامية في الجزائر، وتاريخك ما شاء الله مُزدحِم بين الدراسات الأكاديمية، وتخصّصك في الشريعة الإسلامية حتى في الأدب العربي. وكانت أطروحة الماجستير التي أعدَدتها عن الأدب الجاهلي.

ويمكننا أن نلوذ بوجهات نظرك في هذا الملف. واليوم يتساءل الكثير عن إخوان الجزائر.

مبدئياً، هل يمكن أن نقبل هذه التسمية إخوان الجزائر؟

أم هل أنّ الإخوان في الجزائر، أو ثلّة من الجزائريين الذين انتموا إلى الإسلام منهجاً ومسلكية كانوا مُقتنعين بفكر حسن البنا، سيّد قطب، وأبي الأعلى المودودي، ولاحقاً مالك بن نبي إلى حدٍ ما؟

ماذا تقول أنت سماحة الدكتور أبا جرة سلطاني؟

 

أبو جرة سلطاني: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.

نحيّيكم من الجزائر، ونُحيّي قناتكم الميادين، ونُحيّي شقيقنا محمّد الصالح من تونس وكل الذين يتابعون هذا البرنامج في عالمنا العربي والإسلامي.

الفكر في الجزائر بدأ بداية مُحتِشمة خلال الفترة الاستعمارية التي ابتُليت فيها الجزائر بالاستعمار الفرنسي لهذا القُطر الإسلامي الشقيق. وحينما ابتُليت الجزائر شقيقة العالم العربي والإسلامي بالاستعمار الفرنسي الذي لم يكن فقط استعماراً عسكرياً واقتصادياً، ولكن كان أيضاً استعماراً لغوياً وثقافياً أراد أن يمسح هويّتها تماماً، وقد احتفلت فرنسا بمرور مئة عام على استعمار الجزائر عام 1930.

كان ظهور العلاّمة إبن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أجل تأصيل الخط الإسلامي في هذه الديار. ورفع إبن باديس شعاره المعروف الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا. ونظّم نشيده المشهور والمعروف الشعب الجزائري مسلم، وإلى العروبة ينتسب، مَن قال حاد عن أصله، أو قال مات فقد كذب، أو رام المحال من الطلب إلى آخر النشيد.

بعد الاستقلال طرح مشروعاً مجتمعياً حول ما الذي يمكن أن تكون عليه الدولة الفتيّة بعد استعمار دام 132 سنة.

طبعاً في ذلكم الوقت كان المُعسكران العالميان الاشتراكي بزعامة الإتحاد السوفياتي، والرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، وكان على أية دولة عربية أو دولة مسلمة أن تختار الانضواء تحت لواء واحد من هذين المُعسكرين. واختارت الجزائر في ذلك الوقت أن تنضوي  تحت لواء الاتحاد السوفياتي، وأن تختار النهج الاشتراكي نهجاً سياسياً واقتصادياً لها.

انبرى مَن بقيَ من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ليحافظوا على الهوية الجزائرية، كان من بينهم الشيخ محفوظ نحناح. وكان كما ذكرتم في المقدّمة الدكتور مالك بن نبي، أو الأستاذ مالك بن نبي الذي حاول، وحاولت معه زُمرة أخرى من نُخبة الوطن أن يرسّخوا الفكر الإسلامي الوسَطي المعتدل.

لكن الذي كان مطروحاً من المراجع أو الكتب، كان قد طرح مراجع وكتب لأشقائنا المصريين وأشقائنا اللبنانيين والسوريين والعراقيين، لاسيما الكتب التي كانت تحرّك العاطفة الإسلامية، كان من جُملتها تيار الإخوان المسلمين الذي كان منتشراً كثيراً في ذلك الزمن، لاسيّما أن الدولة الجزائرية استعانت في بداية استقلالها سنة 62 بأشقائنا المصريين ليكونوا هم المدرّسين في الإبتدائي والمتوسّط والثانوي، وبعض مَن أوفِدوا في بعثة التعليم والتربية الوطنية من أشقائنا المصريين، وهم كثر كانوا يحملون الفكر الإخواني والمنهج الإخواني، وبعضهم جاء بكتب كثيرة وبكتيّبات صغيرة تمّ توزيعها، فترسّخ في بداية الأمر تكويناً إسلامياً لفَهْم الإسلام ضمن وسطية الإخوان المسلمين.

لكن هذه المحطّة التي بدأ بها سنة 1962 إلى سنة 78 كانت محطّة تنحو منحىً واحداً نحو الفكر الإخواني الوسطي المعتدل تياراً ومنهجاً، وحين أخذ شكل التنظيم لكن بين سنوات 75 إلى سنة 80 ظهرت على الساحة العالمية توتّرات كثيرة واضطرابات كثيرة، كان ربما من أبرزها ما حصل في إيران، وما حصل في العراق، وما حصل في الكويت، وما حصل في الخليج توتّرات كثيرة قذفت إلى الساحة مُفردات إسلامية جديدة مثل الإسلام الثوري، الإسلام السياسي، فامتزج كل ذلك ليأتي أو لينبعث رجال آخرون ذكرتم منهم فضيلة الشيخ محفوظ نحناح رحمة الله عليه، ليُعيدوا صوغ الفكر على منهج حاول المواءمة بين الإسلام والعلمانية والوطنية.

وهذه النظرية هي التي نظر لها الشيخ محمود نحناح بتسمية لطيفة سمّاها المُعادلة المفقودة بين الإسلام والوطنية والعلمانية والديمقراطية.

 

يحيى أبو زكريا: أرجو أن تبقى معي د. أبا جرة.

 

الدكتور محمّد صالح استمعت إلى ما قاله معالي الوزير الدكتور أبو جرة سلطاني، من أنّ الحركة الإسلامية في الجزائر تعاملت مع الفكر الإسلامي السائد آنذاك.

مبدئياً، هل كانت هذه القناعات التي نقلها الأساتذة المصريون الذين كانوا يساهمون في حركة تعريب التعليم في الجزائر أفادت الجزائر؟ أم أضرّتها؟ أم كان الأولى الانطلاق من الإسلام الجزائري من ثنائية الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي؟

رغم أنّ الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله كان يستخدم عبارة باديس الجزائر وطننا والإسلام ديننا والعربية لغتنا.

تفضّل د. محمّد

 

محمّد صالح الهنشير: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلا د. يحيى نُحيّيكم من تونس من ربوع تونس الخضراء، ونشكر هذه القناة هذا الصَرح الإعلامي الكبير الميادين التي أصبحت تدخل كل بيوتنا وتحيّة خاصة إلى الدكتور الأخ العزيز الفاضل أبو جرة السلطاني.

ما ذكره الدكتور هو سرد تاريخي لا محال، وليس فيه شك. ولكن عندما ننظر إلى حال العالم العربي وخاصة مصر وخاصة التنظيم الإخواني التي كان في صراع مع عبد الناصر آنذاك، كان له تأثير كبير في العالم العربي، خاصة ومن مصر انطلقت هذه الدعوة إلى ربوع ليبيا وتونس والجزائر والمغرب إلى غير ذلك.

حتى لا أُعيد ما قاله الدكتور أبو جرة بارك الله فيه.

العالم العربي في تلك الفترة التاريخية كان يقبل هذه الأمور من باب النكاية  في الاستعمار وتعرف أنّ الاستعمار كان في تونس والجزائر، وفي المغرب وعملية التجنيس وقام علماء الزيتونة، وعلماء المسلمين في الجزائر، هذا كله كان جيّداً آنذاك.

إنما عندما دخل الفكر الإخواني إلى هذه الأقطار العربية بصفةٍ عامة على الوطن العربي كله، أصبح الأمر في فترة الـ 65، والصراع الذي دار بعدها ما بين الإخوان ومحفوظ النحناح رحمة الله عليه، والرئيس بومدين رحمة الله عليه.

وكان صراعاً شديداً واقعاً مع فكر الإخوان. أنا أقدّر د. أبو جرة السلطاني، وهو تحدّث باسم حركته ولا شك ولا اختلاف هناك الكثير من الأمور التي لم يُصرِّح بها. أنا عشت في التنظيم الإخواني قرابة 30 سنة 27 28 سنة مع حركة الإخوان في تونس، خرجت منهم عام 97 وأنا كنت ضمن التنظيم الإخواني والتنظيم الدولي، ونستطيع أن نقول إن الدكتور نحناح بارك الله فيه ورحمه الله، وإن شاء الله كان يقول الجزائر للجميع، ونحن نتبنّى الإسلام الوسطي.

كلمة الإسلام الوسطي للأسف، لم أفهمها لأنها كلمة فضفاضة، وعندما يقول في البنود الموجودة في فكرهم إننا نرنو إلى الخلافة الراشِدة أو الحكومة الراشِدة بأيّ معنى الراشِدة؟

نحن نعرف ماذا يقول التُراث الذي يجب أن نعمل على تنقيته، وبعد ذلك نرى تنظيم الإخوان في السودان، والكلام الذي قاله محفوظ النحناح رحمه الله، يقوله راشد الغنوشي الآن، وقبله الترابي ومعه وزير العدل النميري. وقد حصل انقلاب على نميري بقيادة عبد الرحمن سوار الذهب، ثم كان وزير خارجية في وزارة المهدي، وقام بانقلاب سنة 1989 على حكومة المهدي.

ثمّ إذا كان هؤلاء لا يؤمنون بالعمل الثوري العسكري، لماذا نعمل في تنظيم سرّي؟ وهذا يعني كل الحركات الإسلامية الإخوانية غير صادقة في ما تقوم به، ولنرى ماذا فعل أبو حديد في العمل العسكري؟ وخالد مشعل ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يجد إلاّ سوريا مأوى. عندما قام الإخوان في سوريا بإعانة المخابرات الأميركية والبريطانية والخليجية، فخرج من سوريا التي أوته أكثر من سنة، بالإضافة إلى الحراسة والقدر الكبير، وذهب إلى تركيا وهاجم بشّار الأسد، هذا هو الفكر الإخواني.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد صالح دعني أقول شهادة لله، وستُعرَض أقوالنا على المولى عزّ وجلّ، عندما توفى الشيخ محفوظ نحناح رثيته واقعاً، كتبت رثاءً، كتبت مقالةً بعنوان محفوظ نحناح في ذمّة الله.

عندما اندلع العنف في الجزائر 1991 – 1992 وتأسّس الجيش الإسلامي للإنقاذ مدني مرزاق، وصعد إلى الجبال كان محفوظ نحناح واضحاً أنّه ضد العنف وضد المواجهة.

لكن دعني أستكمل مسار الإخوان في الجزائر، دكتور أبو جرة سلطاني، المرحوم محمّد بن سليماني رحمة الله عليه الذي قتلته الجماعة الإسلامية للدعوة والقتال أو الجماعة الإسلامية السلفية، في سنة 1975 يقول عن هذه المرحلة ظهر ما نسمّيه في الجزائر ما نسمّيه بقانون الثورة الزراعية. وهنا أيضاً بدأت السنوات العِجاف، وظهر قانون الأسرة، يقول فتحرّكت الجماعة لتظهر للمجتمع الجزائري الأخطاء المُقترَفة، وجاءت النقاط المعروفة لا للاشتراكية، لا للشيوعية المُتستّرة وراء القمصان الخضراء، لا للديكتاتورية البروليتارية، لا للصراع الطبقي.

هل كانت هذه مرحلة مواجهة مع النظام الجزائري، وقد سُجِن الشيخ محفوظ نحناح إثرها؟ ماذا عن هذه النقطة قبل أن ننتقل إلى الملفات الأكثر إلحاحاً محلياً وإقليمياً ودولياً.

دكتور أبا جرة تُجيبني، لكن بُعيد الفاصل من فضلك.

فاصل قصير ثمّ نعود إليكم مشاهدينا الكرام.

 

التركة المسمومة – أزمة حركة مجتمع السلم الجزائرية – محمّد بغداد   

دراسة تتناول بالتتبّع تطوّرات أزمة حركة مجتمع السلم الجزائرية باعتبارها أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، وما تتعرّض له من انقسامات في الآونة الأخيرة يُعدّ "لعنةً قديمة" تعود جذورها إلى سنوات التأسيس. والكتاب يُعدّ أول دراسة منشورة وموثوقة حول هذه الأزمة، والتي أخذت أبعاداً خطيرة وصلت إلى حد الانقسام والتهديد بالمواجهة بين الإخوة الأعداء. كتاب "التركة المسمومة" والذي وإن تمكّن بالظّفر بالأسبقية التوثيقية لأزمة أكبر حزب إسلامي في الجزائر وإخراجها من التداول الإخباري المُتشظّي لوسائل الإعلام يتوقّع له أن يحدث ردود فعلٍ عنيفة وبالذات من المُتصارعين على غنيمة المرحوم نحناح، ومهما كانت نوعية ردود الفعل فإنه تمكّن من الرهان على التناول البحثي للنُخَب السياسية الجزائرية الجديدة. عبر فصول الكتاب الخمسة التي انقسمت بين المشروع الذي تناول فيه الأبعاد السياسية لتفكير محفوظ نحناح واليتم الذي توقف عند صدمة لحظة غياب المؤسّس مع موعد المؤتمر الثالث للحزب، والتيه، أين تطوّرت الأزمة وأخذت أبعاد الصراع الدامي واللعنة المُتمتّلة في صِدام المؤتمر الرابع، والمُنتظر المُتمثّل في قراءة مستقبلية للتيار الإسلامي عموماً. كما أنّ الكتاب هو رحلة موثّقة تفتّش عن الأسباب الحقيقية للأزمة ليتوقّف عند عامل الغنيمة جاعِلاً منه المحور الأساسي والفاعل للأزمة، معتبراً أنّ الطرفين يتقاتلان على الغنيمة الرهيبة التي تحصّل عليها الحزب نتيجة جهود محفوظ نحناح وهي الغنيمة التي فشل أتباعه في تسييرها.

 

كتاب البيت الحمسي – مسارات التجديد الوظيفي في العمل الإسلامي – د. عبد الرزاق مقري

يعالج الكتاب إشكالات الحركة الإسلامية في بُعديها المحلي والعالمي ويُركّز على الحال الإسلامية في الجزائر وتجربة حركة الراحل محفوظ نحناح. يتحدّث عبد الرزاق مقري في البداية عن بعض المُعطيات التاريخية التي ظلّت طيلة عقود محل جدال بين الإسلاميين المُتنازعين بشأن أهل "الفضل والسبق" في البناء التنظيمي للحركة الإسلامية في الجزائر. ويرى الكاتب أنّ الشيخ محفوظ نحناح حينما خرج من السجن عام 1981 كان تنظيمه ضعيفاً مفكّكاً يعتمد على عناصر أغلبهم بلا مستويات علمية عالية، لكن اجتمعت له ظروف ساعدته على التحاق قيادات محلية عالية الكفاءة بتنظيمه، ومن هذه الظروف انحياز تنظيم الإخوان المسلمين إليه في النزاع على الصلة، بينه وبين الشيخ "جاب الله" في الصفحة الخامسة والأربعين (ص 45).

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، قبل الاستئناف مع معالي الوزير الدكتور أبي جرّة سلطاني، أشير إلى أنّ بعض الكتب المهمة في هذا السياق يمكن الرجوع إليها فاروق طيفور "هل خرجت داعش من رحم فكر الإخوان المسلمين؟"، الدكتور أحمد الربيع الغزالي "ألغام في منهج الإخوان"، وأيضا "التركة المسمومة" الصحافي الجزائري محمّد البغداد، وأيضاً "البيت الحمسي" لرئيس حركة حمس الآن الدكتور عبد الرزاق مقري، تفضّل دكتور أبا جرة.

 

أبو جرة سلطاني: شكراً لكم، قلت قبل أن أجيبك عن سؤال مُتعلّق ردّة الفعل التي قادها محفوظ نحناح رحمة الله عليه، والشيخ محمّد أبو سليماني رحمة الله عليه سنة 76 ضد التوجّه الاشتراكي الذي كانت عليه الدولة الجزائرية، أو الذي أراد النظام الجزائري أن يفرضه على الشعب الجزائري والذي كلّف هذه المجموعة التي كانت تُسمّي نفسها بجماعة الموحّدين فاتورة ثقيلة من السجن والتعذيب والمُحاصَرة، كنت قبل ذلك بودّي أن أصوّب ما أراه واجبَ التصويب في كلام الدكتور محمّد الصالح من تونس وهو الخلط بين التوجّه الفكري والتنظيمي للشيخ محفوظ نحناح وللشيخ الترابي وللشيخ الغنوشي وللأستاذ خالد مشعل، وضع الجميع في سلّة واحدة، وباعتباري أنّ الأمر يجب أن يكون واضحاً ويُدرَج في قنوات الكتبة، ربّنا أمر كل واحد أن يسلك مسلكاً واحداً في وطنه يتلاءم مع توجهّاته. في اعتقادنا أنّ ما كان الشيخ محفوظ نحناح في الجزائر ليس كما الشيخ الغنوشي في تونس، وليس كما كان عليه الشيخ الدكتور حسن الترابي في السودان، وليس كما هو عليه الأستاذ خالد مشعل ولا يزال في محاولة المقاومة بما يملك لرد الاعتبار للقضية الفلسطينية، ومحاولة عدم ترك السلاح في وجه عدو اغتصب أرضنا. هذا الأمر ينبغي أن يكون واضحاً، وهذه القنوات التي يجب أن نوضح للرأي العام للناس أجمعين، ولا نخلط بين منهج وآخر.

أقول ما حصل سنة 76 أنّ النظام وقتئذ قرّر أن يسلك مسلكاً مُخالفاً لهويّتنا الإسلامية في هذا الوطن العربي.

يحيى أبو زكريا: نعم دكتور محمّد صالح هل من ملاحظات على ما جاء على لسان أبي جرة سلطاني؟

محمّد صالح الهنشير: دكتور يحيى أنا لا يوجد لديّ خلط، أنا أعتبر أنّ التنظيمات الإسلامية في العالم الإسلامي كلّها ضمن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين. هذه التجربة علّمتنا وعرّفتنا أنّ ما يُقال شيء، والواقع في خبايا الأمور شيء آخر. المسألة ليست مسألة سِجال بيني وبين الدكتور أبو جرة، وإنما نأخذ مثال تونس عندما تسمع راشد الغنوشي الآن وكأنه لا يوجد إرهاب في سوريا، وعداؤه لهذا البلد عجيب، وعبد الفتاح مورو تبرّأ من الإخوان المسلمين منذ عام 76 – 77 وقال إنّه ليس له علاقة بهم. أرسلت لهم في قناة تلفزة سنة 87 أخذت بيعة على ثلاثة أشخاص من الجنوب التونسي، وعام 89 أخذت البيعة من العاصمة تحت مظلّة الإخوان المسلمين بحيث يا دكتور أنّ بودّنا أن يكون هذا الخطاب صادقاً.

لكن أنا أكلت وشربت مع هذا التنظيم 27 عاماً، حتى عبد المجيد الزنداني الذي يقوم بحرب. والناس هؤلاء عجيبون لأنهم لا يستطيعون أن يخرجوا من تحت عباءة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. المصداقية غير موجودة، وأنا عشت معهم كما قلت لك. نحن نتمنّى أن نراجع تراثنا ونلتفت ونرجع إلى المنبع الصحيح ونتخلّص من التُرهات هذه، لأنّ هذا زراعة الإخوان المسلمين. وإذا رجعنا تاريخياً إلى حسن البنا يرحمهم ربي إن شاء الله كلهم في رحمة الله، لماذا تقوم بتنظيم سرّي؟ إذا كنت أنت مدنياً لماذا تقوم بتنظيم سرّي؟ ولماذا التنظيم العسكري؟ وكلهم ضمن الدواعش، وأنصار الشريعة هنا في تونس، وكان راشد الغنوشي حاضراً في مؤتمر القيروان، وكذلك الرياضة المسلّحة..

 يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد صالح، أرجو أن تبقى معي، دعنا نفهم الحال الجزائرية من لسان جزائري إذا سمحت.

دكتور محمّد دعنا نسمع الحال الجزائرية من لسان جزائري.

دكتور أبا جرة أنت كنت تتحدّث عن محمّد بو سليماني، وأتصوّر أن الفكرة لم تستوفَ، فهلاّ أوفيت الفكرة حقّها لننتقل إلى بقيّة الملفات رجاءً؟

أبو جرة سلطاني: قلت في ذلك الوقت لما رأى النهج الاشتراكي بدأ يحاصر الإسلام في الجزائر، ويتحدّث على أننا نريد اقتصاداً، نريد تنمية، نريد أن نتطوّر تكنولوجياً، أما الإسلام والمساجد فينبغي أن يظلّ أصحابها، انبرى كثير من رجال الجزائر ونُخبها من بينهم ما دمتم تسألون عن الشيخ محفوظ نحناح والشيح محمّد بو سليماني ليُصدروا بياناً قالوا فيه إلى أين يريد بومدين أخذنا؟ وتساءلوا عن أمور كثيرة كانت مطروحة في ذلكم الوقت، وثبّتوا الهوية الجزائرية بإسلامها وعروبتها وخلفيّاتها التاريخية من أجل أن يُذكّروا الناس بأنّ الإسلام لا ينبغي أن يُحاصَر في المساجد، وأنّ الدين ليس صلاة وزكاة وصوماً وحجّاً، بل هو كذلك اقتصاد واجتماع وثقافة وسياسة.

وطبعاً أخذوا حقّهم من السجن، ومنّ عليهم ربّنا عزّ وجلّ بالخروج، وكانت سنوات السجن فرصة ليراجعوا كثيراً مما كانوا قد درسوه في الكتب، وأذاعوه في الناس، وفي الجامعات والمدارس. وخرج الشيخ محفوظ نحناح ليؤسّس من جديد فكراً وسطياً أراد به أن يمزج بين البُعد الوطني والإسلامي والديمقراطي، ولاحظتم أن الشيخ محمّد بو سليماني دفع حياته ثمناً لاعتداله ووسطيّته، وقال مقولته المشهورة حينما طُلِبَ منه أن يفتي بأن الدماء التي كانت تسيل في الجزائر لها ما يُشرعنها، فقال أنا أملك خمسة ليترات من الدم يمكن أن أضحّي بها من أجل الجزائر لكني لست مؤهّلاً أن أفتي في دماء الجزائريين، لذلك أقول للدكتور محمّد صالح من تونس لا ينبغي

يحيى أبو زكريا: تفضّل أكمل فكرتك رجاء

أبو جرة سلطاني: أريد أن أوضح للدكتور محمّد صالح من تونس لا ينبغي إطلاقاً يا دكتور محمّد أن نسحب التاريخ إلى جغرافيّتنا اليوم، ما حصل في مصر والسودان وإيران وسوريا وتونس وفي هذه الأقطار التي لها خصوصيّات محلية، وكل قُطر يُكيّف توجّهاته بما يحقّق المصلحة العامة للوطن وحدة وانتماء، ومحافظة على التوجّهات الكبرى، أما حينما نخلط كلّ شيء في كل شيء، في النهاية لن نفهم أي شيء ونجعل الناس يعتقدون أنّ النظام السرّي الذي تحدّثت عنه والذي شكّله حسن البنا في وقتٍ كانت فيه مصر تحت الاستعمار الإنكليزي، كأنّ حسن البنا شكّل نظاماً سرّياً ليقاوم النظام وليس ليقاوم المُستعمر البريطاني. فلذلك ينبغي أن نضع النقاط على الحروف، وألا نخلط الأشياء حتى لا يعتقد المشاهد أنّ هذا التيار المدرسة الكبرى شيء واحد، ليسوا سواء، ليسوا سواء.

يحيى أبو زكريا: دكتور أبو جرة طبعاً فقط أذكّر موقف الإخوان من اشتراكية بومدين ربما كانت مُنسجمة مع موقف المرجعية العلمائية الجزائرية وهنا أذكّر بكتاب الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله "سهام الاشتراكية" وهو الكتاب الذي انتقد فيه التعويل على اليسار بدل الفكر الإسلامي الذي حرّر الجزائر من الاستعمار.

دكتور أبا جرة هناك مسألة أرجو أن تُجيبني عنها، في كتابه "البيت الحمسي" لزميلك الدكتور عبد الرزاق مقري يقول لفتني في صفحة 45 ، يقول ونحن نقرّ بمسؤولية الإخوان العالميين سنوات الثمانينات في منع قيام الوحدة بين الفصائل الإسلامية الجزائرية. كان هناك مشروع لكي تلتقي قيادات الحال الإسلامية في الجزائر ربما برعاية الشيخ أحمد سحنون رحمة الله عليه، لكن مقري يقول إن الإخوان تدخّلوا لمنع قيام وحدة المسارات الإسلامية والاتجاهات الإسلامية، هل هذا صحيح؟

أبو جرة سلطاني: هي المساعي في ذلكم الوقت من كل الجهات، ليس فقط الإخوان المسلمين، كل علماء العالم الإسلامي كانت تهمّهم الجزائر من عام 1989 حتى عام 1994 كانوا يرون أن الجزائر يمكن أن تكون قاطِرة الأمّة العربية والإسلامية في جذب يحوّل الإسلام من إسلامٍ راديكالي  وإسلامٍ مُخدّر ومُفجّر إلى إسلام باني، فكانت هذه المساعي قائمة ومن ضمن هؤلاء الإخوان المسلمون الذين سعوا أن يرأبوا الصَدْع بين فصائل التيار الإسلامي في الجزائر. وباعتقادي، وأنا لم أحضر المناقشات لكن الأصداء التي وصلتني في ذلك الوقت التي كتب عنها الكثير من أبناء الجزائر ومؤرخيها بعد ذلك.

أطراف كثيرة أرادت أن تكون الوحدة على نمطٍ معيّن، وأبناء الجزائر وعلماؤها يرون أن الوحدة ينبغي أن تكون وحدة جزائرية جزائرية لا امتداد لها في أفريقيا يعني في الدول الأفريقية ولا في الدول المغاربية ولا في العالم العربي والإسلامي، أن تكون جزائرية بحتة، وربما أنت تفهمني أقصد أن تكون مُجزأرة لها بُعد وطني محدود بالتاءات الأربعة كما يقول الشيخ محفوظ نحناح، ولا ينبغي أن تتجاوز الأمر إلى ما غير ذلك. وبعض الأطراف التي سعت إلى إصلاح ذات البَيْن كانت ترى أنّ التجربة الجزائرية حينما تنجح يمكن تصدير ثمرتها إلى العالم العربي والإسلامي لا سيما عند أشقائنا في المغرب، يعني المغرب الأقصى والأدنى، بينما كان أغلب علماء الجزائر يرون أنّ التجربة الجزائرية ينبغي أن تكون جزائرية خالصة ليست لها امتدادات لا مغاربية ولا أفريقية ولا عربية ولا إسلامية.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد صالح الهنشير أتصوّر أن ردّ الدكتور يشكّل حالة موضوعية ما دمنا نتحدّث عن المنهجية والأكاديمية، هو يقول لك إخوان الجزائر غير إخوان مصر والسودان وتونس ويتمتّعون بنفس الجزأرة يعني الانطلاق من الجزائر.

هنا أودّ أن أسأل سنة 1992 وقع منعطف خطير في الجزائر، ابتلى الله الجزائر بفتنة عمياء ونحن نحمد الله، ثم نحمد الله، ثم نحمد الله أن خرجت الجزائر من أتون تلك الفتنة. فازت جبهة الإنقاذ بالانتخابات التشريعية، توقّف المسار الانتخابي لضرورات ُمعيّنة، بعض الذين ساهموا في الوقف صاروا عند المولى عزّ وجلّ، ارتحلوا رحمهم الله، واندلع العنف في الجزائر. الإخوان في الجزائر وقفوا ضدّ هذا العنف، وقالوا لا لحمل السلاح ضدّ الدولة الجزائرية.

كيف تُقيّم هذا الأداء المصيري الذي ساهم ربما في حلحلة الأوضاع لاحقاً في الجزائر؟ إخوان سوريا انخرطوا في تدمير سوريا، إخوان مصر الآن هم في صراع  مع الدولة المصرية، لكن إخوان الجزائر كان لديهم موقف من العنف المُندلِع. كيف تقرأون ذلك؟

محمّد صالح الهنشير: سأروي حادثة بسيطة، أنا كنت حاضراً، وشاهد عيان عليها للدكتور عباس مدني والأخ عبد الله جاب الله وما زال موجوداً حيّاً في الجزائر يُرزَق أطال الله في عمره، عام 1987 أو 1988 وكنت مُقيماً في جدّة ومعي عبد الفتاح مورو، وزارنا الدكتور عباس مدني برفقة الأخ عبد الله جاب الله على أن نصالح بينهما وبين الشيخ محفوظ النحناح رحمه الله وكانوا ساعتئذٍ في شدّة كبيرة وخِصام كبير، واتفقنا على أساس أن يكون اللقاء عند عبد العزيز بن باز، وقابلنا عبد العزيز بن باز والشيخ النحناح رحمه الله، أعطانا الموعد أذكر جيّداً الثالثة عصراً، ولكن للأسف لم يحضر هذا اللقاء، ومنها كَبُر الشرخ بين جبهة الإنقاذ والإخوان المسلمين. هذا أنا شاهد عيان، والأشخاص ما زالوا موجودين أحياء يُرزقون، وهذا على ذِكر ما قاله الدكتور.

أبو جرة سلطاني: يا دكتور أنت مُخطئ في التاريخ أنت تقول 87 و 88 جبهة الإنقاذ لم تكن موجودة في هذا التاريخ، جبهة الإنقاذ ولِدَت سنة 89.

محمّد صالح الهنشير: صح

أبو جرة سلطاني: يا رجل صحّح أولاً أخطاءك التاريخية، التاريخ مهم جداً. جبهة الإنقاذ مُتمثّلة بعباس مدني الذي كان دكتوراً في الجامعة لغاية 89، دقّق في التواريخ.

محمّد صالح الهنشير: صحيح صحيح، كلامك صحّ جبهة الإنقاذ لم تتكوّن إلا عندما رجع الدكتور عباس مدني إلى الجزائر، هذا التاريخ أذكره جيّداً، والأشخاص الذين ذكرتهم الأخ عبد الله جاب الله ما زال موجوداً عندكم، والشيخ عبد الفتاح مورو موجود في تونس، هذه حادثة وقعت وأنا شاهد عيان، وأنا كنت من بين الذين أرادوا أن يُصلحِوا الأمر بين الشقيّن.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد صالح

أبو جرة سلطاني: أنا لم أكذّبك في الحادثة، لكن قلت دقّق التاريخ لأنّه عندما تقول 87 شكل وعندما تقول 89 شكل آخر.

محمّد صالح الهنشير: جبهة الإنقاذ لم تكن قد تكوّنت بعد، حتى أنّ في سهراتنا مع الدكتور عباس مدني..

أبو جرة سلطاني: كانت هناك مساعٍ عالمية شاركت فيها تونس والمغرب ومصر وسوريا والعراق، وكثير من علماء الإسلام والخليج من أجل أن يوحّدوا التيار الإسلامي في الجزائر بين الشيخ عبد الله جاب الله والشيخ عباس مدني وبين الشيخ محفوظ نحناح والشيخ محمود السعيد لأنهم كانوا يرون أنّ وحدة التيار الإسلامي في الجزائر قوّة.

يحيى أبو زكريا: صحيح، دكتور محمّد صالح

محمد صالح الهنشير: هذا ما نرنو إليه

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد صالح فقط تأكيداً على ما قاله الدكتور أبو جرة سلطاني، وأنا لي الكثير من الكتب في تاريخ الحركة الإسلامية الجزائرية، سنة 1988 بعد خريف الغضب 5 تشرين الأول أكتوبر أطلق شادي البن جديد رحمه الله التعدّدية السياسية، فبدأت تأسّست الحركات، وهنا بدأ الخلاف، وإلا في مرحلة الدعوة كان الشيخ محفوظ نحناح وأنا كنت أراه في المساجد. الشيخ محفوظ يلتقي الشيخ عباس مدني في الجامعة الجزائرية، في القبّة، في بن عكنون، في قسنطينة، في باتنا، وفي كل مكان.

دعني أستكمل بعض المُعطيات إذا سمحت، دكتور أبو جرّة سلطاني نعود الآن إلى موقفكم من بعض القضايا المهمّة، موقفكم اليوم من ما يُسمّى بالربيع العربي، حركة الدماء في العالم العربي الإسلامي، ويهمّني أن أعرف موقفكم  تحديداً شخصياً دكتور أبا جرة سلطاني من الحدَث المصري والسوري على وجه التحديد.

أبو جرة سلطاني: ما سُمّي بالربيع العربي، بدايته كانت جيّدة، لكنّ نهاياته كانت سيّئة بعنى مدخلاته كانت مطالبة بالحريات في أقطار عمَّر فيها زعماؤها طويلاً في ليبيا وتونس ومصر إلى غير ذلك. هذه الثورات بدأت شعبية منظمّة تُنادي بتغيير النظام والمزيد من الحريات الديمقراطية والنقابية، وتوزيع الثروات بشكل عادل على مختلف جهات الوطن في محافظاته وبلدياته في تونس مثلاً، في ليبيا ومصر وغير ذلك. لكن مخرجات الربيع العربي صارت دموية، وحينما تتدفّق الدماء بين أبناء الوطن الواحد، لا يصبح للحرية معنى، لا يصبح للديمقراطية معنى، لا يصبح للصناديق معنى.

الدم أول مقصد من مقاصد الشريعة وهي حفظ النفس، إذا كان الإنسان مُهدّداً في نفسه يمكن أن يماري من أجل أن يحفظ نفسه، وحصل حتى في زمن الصحابة عليهم الرضوان، أنّ واحداً منهم لمّا عذّب ورأى أنّه سوف يهلك إلا أن يذكر آلهة المشركين بخير قال، فنزل قول الله تعالى:"إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" ولذلك نحن نقول مدخلات ثورات الربيع العربي كانت مُطالبات بالحريات جيّد، كانت مُطالبة بالتداول السلمي للسلطة، والذهاب إلى الصناديق والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، لكن عندما دخل الخط بعض مَن لا يريد النظام العالمي أن يكونوا في المشهد وهم التيار الإسلامي جملة لأنّ الثورة التي بدأت في تونس يناير 2011 الذي قطف ثمرتها هو التيار الإسلامي لأنّه كان الأكثر تنظيماً. كذلك الحال في ليبيا ومصر وأقطار أخرى لكن لما انقلبت الشرعية الدولية على هذه الثورات. نحن نشجب الدم، والاقتتال البَيني، نحن لا نقبل أن تُراق قطرة دم واحدة من أجل أن نحوِّل زعيماً كان جالساً على الكرسي على مدار 20 أو 30 سنة زعيماً جديداً ويستمر شلال الدم كما حصل في أقطار كثيرة.

يحيى أبو زكريا: للأسف داهمني الوقت، لكن إن شاء الله لدينا حلقة أخرى من جنابكم عن منتدى الوسطية الذي تترأسه، وأتمنّى أن تساهموا وتلعبوا أدواراً أنت والدكتور محمّد صالح الهنشير في إحقاق المصالحات البينية في العالم العربي. نعم للمصالحة بين الدول والمعارضات، نعم للمصالحة بين المسلمين والمسلمين والبشر جميعاً.

الدكتور أبو جرة سلطاني كنت معنا من الجزائر الحبيبة.

أبو جرة سلطاني: أستاذنا الفاضل، دعني أقول لك كلمة المصالحة الوطنية الجزائرية التي حقنت دماء الجزائريين تصلح أن تكون نموذجاً يُحتذى به في كل بؤر التوتّر في عالمنا العربي لأنها عالجت الموضوع عبر 3 مراحل: مرحلة فتح أبواب الرحمة، الوئام المدني، والمصالحة الوطنية. ونحن اليوم بخير والحمد لله، وآمل من أشقائنا الذين يتصارعون أن يحذو حذو الجزائر.

يحيى أبو زكريا: وأنا أعطيك هذه المعلومة الإعلامية أنّ بعض الدول أرسلت خيرة القوم إلى الجزائر لاستنباط هذا المشروع الأجلّ والأروع.

شكراً جزيلاً لك دكتور أبا جرة سلطاني، دكتور محمّد صالح الهنشير شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن نلقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه أبداً.

 

هل خرج داعش من رحم فكر الإخوان المسلمين؟ - لفاروق طيفور

جاء الكتاب في ثلاثمئة وأربع وثلاثين صفحة، حاول خلالها المؤلّف فاروق طيفور ، وهو باحث وأستاذ في العلوم السياسية في جامعة الجزائر العاصمة، البحث في المنطلقات الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين، وتنظيم "داعش" الذي يحتلّ الحركات المقاتلة في الأشهر الأخيرة. ويتوزّع البحث على ثمانية فصول، تبدأ بإلقاء الضوء على هويّة الإخوان المسلمين ومشروعهم في العالم، وصولاً إلى بحث قضية فكر داعش الذي وصفه "بالمتوحّش" في سياقه التاريخي الغامض والتساؤلات حوله، مروراً بموقف التيار السلفي الجهادي من الإخوان المسلمين، مع الاستعانة لدراسات لباحثين عرب وغربيين حول فكر التنظيمين، بعد سرد مسيرة ونهج "داعش"، يقول الكاتِب: "إننا أمام تطوّر داخل العالم المفاهيمي للجهاد العالمي، والانفلات من القيود المفروضة من القيادة المركزية، تجاوباً مع ما تفرضه الأوضاع على الأرض، ومع الاختلاف حول الوسائل الأجدى لتحقيق المشروع."