بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

سارة شمّة - رسامة سورية

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. بجدارة وثقة انطلقت ضيفتنا نحو العالمية لتُصبح واحدةً من الأسماء المرموقة والتواقيع المتميّزة في عالم الفنّ التشكيلي المُدهش، هذا الفنّ الذي لم يأخُذ في بلادنا مكانته المُستَحقَّة والضرورية على الرغم من كونه، كما في حال ضيفتنا، حاملاً لأوجاع البلد والناس. فالمأساة السورية حاضرة في لوحتها بقوّة الوجع وعُمق الجرح وشراسة الحرب. غادرت ضيفتنا (دمشق) لكنّ (دمشق) لم تُغادرها، بقيت ساكنةً في روحها وقلبها ووجدانها متجلّيةً في لوحاتها تصريحاً أو تلميحاً حاملةً إلى كلّ الدنيا صرخة السوريين ضدّ الحرب ومآسيها وصرخة الإنسان المُعاصر في وجه كلّ مَن وما يسلبه حقّه في كرامة الحياة. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب مشرِقاً ومغرباً وسائِر الأنحاء يُرحّب بالفنانة التشكيلية السورية اللبنانية العالمية السيّدة "سارة شمّا" أهلاً وسهلاً بكِ، نوّرتِ "بيت القصيد"

سارة شمّا: أهلاً وسهلاً بك، شكراً لك

زاهي وهبي: نحن حريصون على حصتنا اللبنانية باعتبار والدتكِ لبنانية من (أميون) في (الكورة) في شمال (لبنان)

سارة شمّا: طبعاً، صحيح

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً ونتشرّف سواء كنتِ سورية أو لبنانية أو من أيّة جنسية. سؤالي الأول قبل أن نُشاهدكِ في "علامة فارِقة"، هلّ تؤمنين أنّ الإنسان يولد ويلد قدره معه؟ بمعنى كونكِ رسّامة وفنانة تشكيلية هل أنتِ مُدرِكة أيمتى صرتِ رسّامة أم لا؟

سارة شمّا: للحقيقة، لم أُدرِك أيمتى صرت رسّامة ولم أختَر أن أكون رسّامة، أنا فقط وجدت نفسي رسّامة من عمرٍ صغير جداً. فقد يكون هذا أحد الأقدار التي ولِدت معي لكن ممكن أيضاً أن هناك أشياء كثيرة تخلق مع الإنسان ولا ينتبه إليها

زاهي وهبي: هلّ فكّرتِ في مرّة أنّك لو لم تكوني رسّامة ماذا كنتِ ممكن أن تكوني؟ ما هو الخيار الثاني؟

سارة شمّا: فكّرت نعم، فكّرت ملياً وتبيّن عندي أنني سأكون رسّامة

زاهي وهبي: أبداً؟

سارة شمّا: أبداً  

زاهي وهبي: ما الذي منحه لكِ، ما هي الإضافة، قبل أن نتحدّث عن مسيرتكِ وعن أعمالكِ، ما هي الإضافة التي أعطاكِ إياها الرسم؟ التي أعطتك إياها اللوحة واللون والمواد الزيتية التي تشتغلين فيها؟

سارة شمّا: هي جزء لا يتجزّأ منّي، فالرسم لم يُعطني إضافة، لا يُمكنني أن أعيش من دون أن أرسُم. يعني الرسم بالنسبة لي هو التنفّس والأكل والشرب بكلّ بساطة

زاهي وهبي: حلو، صارت حياتكِ يعني مرتبطة ارتباطاً عضوياً بهذا الخيار

سارة شمّا: أكيد، وأعود وأقول لك هو ليس خياراً، هو قدر دعنا نقول

زاهي وهبي: قدر، مرتبطة بهذا القدر دعينا نقول

سارة شمّا: صحّ

زاهي وهبي: حسناً، دعينا أيضاً نذهب برفقتكِ إلى (أميون)، إلى مدينة والدتكِ برفقة زميلتنا "سحر حامد"، رغم أنّ الطقس ماطر، ونسمع ونُشاهِد ماذا تقولين وماذا تفعلين في (أميون) في "علامة فارِقة"

علامة فارِقة - سارة شمّا:

- أحلى شيء أنني أتحدّث معكم تحت المطر، في الطقس الحلو. (أميون) بلدة أحبها كثيراً، أُحبّ طقسها وأُحب سماءها، أُحب ألوانها، ألوان الغيوم أثّرت بي جداً وفي لوحاتي، وأحب أشخاصها من الناس. حين أمشي على الطريق في (أميون) وكأنني أمشي في البيت، كلّ الناس هم جزء من عائِلتي

- أنا أُحبّ السفر لأن السفر هو حياة، هو تجدد، هو تغيير، هو بداية جديدة وهو نهاية لشيء. هو ولادة وهو موت في نفس الوقت

- الشيء الذي يجذبني لأرسمه هو لون الهواء، هو الغيوم، هو السماء، هو رطوبة الهواء حتّى وهو الصوت، هو الموسيقى. المرآة التي هي انعكاس للصوت، تجذبني كثيراً لكي أرسمها. أنتم، أي أحد أراه يجذبني كثيراً لأرسمه لأنّ في كلّ إنسان ألتقي به هناك شيء متميّز وفريد جداً لا أراه في أحد آخر

- حجم اللوحة لا يعبِّر بالضرورة عن شيء خاص كلّ مرة. أنا أرتاح كثيراً للأحجام الكبيرة لأنني أحسّ بحرية أكثر حين أشتغل فيها وأتحرّك، فأنا أحب دائِماً أن أرسم الحركة أيضاً وهذا جزء من حبّي لحجم اللوحة الكبيرة. فالموضوع يختلِف فقط في التأثير وليس في التعبير

- الجسد هو أكثر ما يهمني لأنّ الإنسان هو أكثر ما يهمني. الجسد والـ Portrait، لكن في الأخير الجسد هو Portrait في نفس الوقت. اليد لوحدها هي لوحة وتُعبِّر عن الشخص ولها تعبير. عندما تنظرين إلى أيّ يد تحسّبن أنّ هذه اليد تحكي معكِ شيئاً مُعيناً وتقول لكِ شيئاً، الجسد نفسه كلّه يُعبِّر ويحكي. في الطبيعة أرى جسداً عندما أتفرّج على الجبال، هذه الجبال، أرى أجساداً. حين أتفرّج على الشجر أرى لوحات وأرى أيدٍ

- لا أشعُر نفسي في أي شيء آخر سوى في الرسم، ولا يُمكنني أن أتخايل نفسي سوى رسّامة. منذ أن كنت صغيرة جداً لم أختَر أن أكون رسّامة، فقط صرت رسّامة بشكلٍ طبيعي في عمر الرابعة عشر أو السادسة عشر. تأثرت كثيراً بـ "سلفادور دالي" و"بيكاسو" وقبل ذلك أيضاً تأثرت بـ "رامبرانت. تعلّمت من "رامبرانت" الكثير للحقيقة ولم أتأثر به فقط. بعد ذلك وفي عُمر أكبر صارت الحياة تؤثِّر بي والأشخاص والروائِح أي شيء في الطبيعة وصار تاريخ الفنّ هو مصدر لمعرِفتي، شيء مُضطرّة لأن أفعله لكي أكون دائِماً على اطّلاع على ما يحدث وليس مصدر إلهام

- لا يُمكنني أن أقول أنّ هناك ألواناً أنا لا أحتاج إليها في حياتي، أي لون نراه لا يُمكننا أن نراه منفصلاً عن الألوان حوله، وفي النهاية للألوان تعابير مختلفة جداً ولها أحاسيس مختلفة جداً، فأنا أحياناً أشعُر باللون قبل أن أُفكِّر عمّا يُعبِّر، يعني أحسّ أنّ اللون له طعم، أحسّ أنّ للون رائِحة، كلّ الألوان، فالألوان مهمة جداً ولا يُمكنني أن ألغي أيّ لون بل على العكس أحسّ أنه من اللازم أن تكون عندي حاسة نظر كما يرى الحيوانات أو السحالي أو الحيوانات البحرية التي ترى ألواناً لا نراها، أُحبّ أن أكتشف كلّ هذه الألوان الموجودة في العِلم وفي الطبيعة

- كلّ إنسان بالفطرة والغريزة يُحبّ أن يترُك أثراً وأعتقد أنّ أيّ فنان جزء من شغفه هو فنه، جزء من رسالته وجزء من اهتمامه هو هذا الفن، فأية لوحة يهمني أن تبقى للأجيال القادمة؟ كلّ لوحاتي  

- أوكي، الآن كما رأيتم ازداد المطر غزارةً علينا، فلنُسرع في الدخول إلى الاستديو لنرى ماذا حضّر لنا "زاهي" من أسئِلة وماذا سأُجيبه. أتمنّى أن تُعجبكم الحلقة وشكراً "زاهي"

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً، نحن نقول إنّ المطر خير فإن شاء الله هذا المطر يكون خيراً علينا وعلى الحوار ويكون خصباً ومثمراً

سارة شمّا: إن شاء الله أكيد

زاهي وهبي: وعلى مُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. هلّ تُشاهدين نفسك عندما تتفرجين على نفسكِ سواء على التلفزيون أو أمام المرآة، هلّ تُشاهدين نفسكِ في عين الرسّامة؟ أي تنظرين إلى نفسكِ، في لبسكِ وفي شكلكِ في عين الرسّامة؟

سارة شمّا: أرى نفسي في طريقة غريبة جداً حين أنظُر في المرآة وخصوصاً حينما أكون أتأمّل نفسي كي أرسُم نفسي. لا أعود أرى أنّ هذا الشيء الذي على المرآة هو أنا، أتحوّل إلى شيء ولا أعود أنا نهائياً، وهذا ربما نوع من الغوص في الذات، لقدر ما أنت تغوص في نفسك وفي تعابير وجهك وفي شكلك وألوانك تصل إلى مرحلة لا تعود ترى نفسك كشخص. فنوع من توحُّد لدرجة الفناء إذا أردت تسميتها بذلك. فأرى نفسي في طُرُق عديدة ومختلفة

زاهي وهبي: قلتِ إنّ السفر هو ولادة وموت في نفس الوقت، ربما إذا اعتبرنا السفر ولادة المسألة واضحة، أنّ الإنسان يكتشف أشياء جديدة ومُدناً جديدة وعوالِم جديدة وكأنها تولد بالنسبة له من جديد أو يولد هو فيها من جديد، لكن ماذا الذي يموت فينا حين نُسافِر؟

سارة شمّا: لأننا نترك مكاناً وفي اللاوعي دائماً هناك شعور بأننا يا ترى هل سنعود أم لن نعود؟ فشبح الموت يكون موجوداً دائِماً أثناء سفرك، هذا أولاً. ثانياً، أي ترك لأي شيء هو موت، حتّى لو أردنا أن نذهب إلى مكان جديد وولادة جديدة، فالحياة دائِماً هي

زاهي وهبي: وكلّ يوم يمرّ يموت، يعني جزء منّا ذهب ولن يعود

سارة شمّا: تماماً، صحيح

زاهي وهبي: لكن حضرتكِ رغم أنّكِ سافرتِ، تركتِ (دمشق)، تقولين أنّ قلبكِ بقي في (دمشق)، على الأقلّ في مرحلة من المراحل عندما كنتِ تعيشين لثلاث سنوات في (لبنان)، في (أميون) وكان زوجك لا يزال في (الشام) طوال الوقت

سارة شمّا: في (دمشق)

زاهي وهبي: هل تحملين معكِ (دمشق) اليوم إلى (لندن) وإلى مُدن العالم؟

سارة شمّا: أكيد، طبعاً. أنا لم أترُك "دمشق"، أنا سافرت وعشت في بلدٍ آخر. أنا صار عندي بلد ثان وهو (لبنان) وصار عندي بلد ثالث وهو (إنكلترا)، لكن لا زالت (دمشق) هي بلدي الأساسي، فأينما أذهب أحملها معي وهذا شيء طبيعي وليس الأمر بيدي، وهذا ليس قراراً

زاهي وهبي: قبل أن نتحدث عن أثر (دمشق) عليكِ وعلى لوحتكِ كمكان، كمدينة وعاصمة من أقدم مُدن العالم، آخر معرض أقمتِه في (دمشق) ربما في عام 2011. منذ ذلك الوقت يُمكننا أن نقول أنّ المأساة السورية، الحرب السورية، طغت على لوحتكِ أو على مزاجكِ التشكيلي؟

سارة شمّا: أكيد

زاهي وهبي: كيف؟

سارة شمّا: طغت المأساة السورية على عملي منذ بدايتها في عام 2011 من خلال شغل اشتغلته أسميته "الدور"، يعني

زاهي وهبي: الطابور، الصفّ

سارة شمّا: الطابور، تماماً. فهمت من خلاله كم ممكن أن يكون الغباء الجمعي مُدمِّراً لأنّ الإنسان يلحق أخاه الإنسان وراء أفكار قد تكون سخيفة للأخير، هذا الشيء هو أداة حقيقية عند أسياد الحروب وهم يحتاجون هذا الغباء الجمعي. فمن هنا أنا بدأت أشتغِل على موضوع "الدور". اشتغلت عليه في (الشام) وبعد ذلك عرضته في (لندن) في عام 2013

زاهي وهبي: الغباء الجمعي تعنين مَن؟ الناس؟ هناك اتهام أليس كذلك عندما نسمع كلمة الغباء الجمعي؟

سارة شمّا: الناس، في شكلٍ عام الناس الذين يحملون السلاح ويذهبون ليحاربوا، ولكي تتمكن من أن تقنعهم كي يحملوا السلاح ويُحاربوا تتمكن أن تستفيد من غبائهم الجمعي 

زاهي وهبي: أُريد أن أضع نفسي في مكان المُحارِب، أي مُحارب يكون مقتنعاً، يكون عنده إيمان أنه يُدافع عن حقّ ما أو عن قضيّة ما، كيف يُمكن أن نُميِّز بين الغباء وبين الحق؟

سارة شمّا: لا أعتقد أنّ العُنف يوصِل إلى أي مكان، ولا أي مكان، يعني لا توجد قوة تُقنعني أنه هو الحلّ أو هو رسالة أو أي شيء

زاهي وهبي: إذا كانت المأساة السورية أو الحرب في (سوريا) أو ما تعرّضت إليه (سوريا) انعكس على لوحاتكِ وعلى نظرتكِ للأمور، كيف ترين في المُجمل انعكاس هذه المأساة على النصّ الإبداعي السوري، على النص التشكيلي السوري؟ يعني من خلال متابعتكِ هل تجدينها أصبحت حاضرة في اللوحة السورية هذه المأساة؟

سارة شمّا: في شكلٍ عام؟ عند الفنانين السوريين في شكلٍ عام؟

زاهي وهبي: نعم

سارة شمّا: أراها أصبحت كثيراً حاضرة، أراها في الفنانين الذي يعيشون في الخارِج، الذين تركوا (سوريا)، موجودة فيهم بشكلٍ واضح جداً. موجودة أيضاً في الفنانين الذين عاشوا في (سوريا) والذين لم يتركوا بل موجودة أكثر عند الفنانين الذين عاشوا في (سوريا) لأنهم اختبروا كلّ شيء يُمكن أن يختبرونه من خلال المأساة السورية

زاهي وهبي: هلّ كان الخيار سهلاً أن تُغادري (دمشق)، التي هي مدينتكِ والتي أنتِ مرتبطة وجدانياً وإنسانياً وثقافياً وروحياً فيها؟ أنا أعرِف أنّكِ غادرتِ إثر تفجير إرهابي وقع تحت منزلكِ تماماً

سارة شمّا: صحيح

زاهي وهبي: وخِفتِ على طفليكِ الله يخلّيهما

سارة شمّا: شكراً

زاهي وهبي: وأتيتِ حينها إلى (لبنان) وأقمتِ لثلاث سنوات. سؤالي هو، هلّ كانت هذه المُغادرة أمراً سهلاً أو ربما القُرب الجغرافي والعلاقات الوثيقة بين المُجتمع اللبناني والمُجتمع السوري جعلت المسألة أسهل؟

سارة شمّا: الآن هي ليست خطوة سهلة أبداً

زاهي وهبي: نعم

سارة شمّا: لأن عليّ أن أُغادر وأحمل معي لوحاتي، وهذا الذي حملته، غادرت ومعي لوحاتي وريَشي لأذهب وأُؤسّس مرسماً جديداً وبيتاً جديداً في (لبنان)، لم تكن خطوة سهلة لأنك لا تعلم أيمتى الرجعة ولا حتّى تعلم أن كنت سترجع. تُصبِح كلّ الأسئِلة الموجودة في رأسك تشتغل، لكن هذا كان شيئاً من اللازم أن يُقام به، فأنا بما أنني اقتنعت أنّ هذا الشيء من اللازم أن أفعله كانت خطوة سهلة

زاهي وهبي: نعم، اقتنعتِ! لماذا من اللازم أن تقومي به؟ هناك أُناسٌ بقوا

سارة شمّا: هناك أناس بقوا صحيح، لكن أنا

زاهي وهبي: أنا لا أُدين طبعاً أن يضطر الناس إلى المُغادرة وأن يأخذوا هذا الخيار، لأسباب مختلفة يُغادر الإنسان وليس فقط بسبب الحرب

سارة شمّا: طبعاً، طبعاً. لكن بالنسبة لي وجدت أنه صعب جداً الوجود في كلّ هذا الرُعب والقلق، وعندي ولدان صغار ولا أدري إذا كنت أؤذيهما إن بقيت. وأنا أعتقد أنني إذا كنت قادرة على المُغادرة، أن أُغادر ولستُ متضايقة ولا مضغوطة، أكون أُقدِّم لهذين الولدين في الدرجة الأولى

زاهي وهبي: نعم. كيف كانت إقامة الثلاث سنوات في (لبنان) وانعكاسها على لوحتكِ؟ يعني تعلمين، وحضرتكِ أدرى منّي كم للمكان أثر على النصّ، على النصّ الإبداعي عموماً مهما كان وعلى النصّ التشكيلي في اعتبار اللون والضوء والظلّ وكلّ هذه المسائل

سارة شمّا: طبعاً

زاهي وهبي: هلّ ترك (لبنان)، هلّ تركت (أميون) ومنطقة (الكورة) التي هي منطقة جميلة وفيها زيتون وفيها اخضرار، هلّ تركت أثراً؟

سارة شمّا: أكيد، مكان إقامتي في (لبنان) و(أميون) هي فعلاً إحدى أحلى المناطق التي رأيتها في حياتي

زاهي وهبي: وشاهدنا في "علامة فارِقة" كم المنطقة حلوة

سارة شمّا: صحيح. الشيء اللافت جداً أنني تركت (دمشق) التي هي مدينة رمادية، مدينة الغبار، المدينة التي فيها رائِحة المازوت، هذا كلّه أُحبه أنا، أُحبه وهو جزء منّي وأتغزّل به وذهبت إلى (أميون) التي فيها الاخضرار ورائِحة الرطوبة والغيمة التي تبدو وكأنها سترتطم بها وألوان السماء المُختلفة. هذا انعكس كثيراً على لوحتي، كما أنا أرى، في الخلفيات التي كنت أرسمها وكيف كنت أرسم تدرّج اللون

زاهي وهبي: نعم، حلو

سارة شمّا: يعني كنت أنسخ السماء التي أراها بحيث يُمكن أن ترى في لوحتي لوناً لكن لا تحسّ بأنه سماء، لكن هذا التدرّج في كيفية وضعية الغيوم تتطابق تماماً على اللوحة في شكلٍ واضح جداً بالنسبة لي، لكن لغيري ربما هذا لا يكون واضحاً 

زاهي وهبي: يعني المهم أن يعرِف الإنسان نفسه ويعرِف تجربته أعتقد لأن قدرته على تطويرها تصير أفضل وأعمق. إسمحي لنا أن نُمسّي بالخير أهل (أميون) ووالدتكِ بشكلٍ خاص

سارة شمّا: أيه والله

زاهي وهبي: ونقول لهم مساء الخير. حسناً، من الغبار المُحبب في (دمشق) بالنسبة إلى حضرتكِ إلى الاخضرار والطبيعة في (أميون)، إلى ضباب (لندن). (لندن) كم اختلفت أولاً بين مدينة الزيارة والمعرض ربما يعني المشاركة أو إقامة معرض فيها ومدينة الإقامة، عندما تحولت إلى مدينة إقامة؟ هلّ هناك فرق؟ وما هو الفرق بين هاتين المرحلتين؟

سارة شمّا: مدينة أُحبها كثيراً من زمان بعيد

زاهي وهبي: هلّ تُزعجكِ الهرّة؟

سارة شمّا: لا حلوة على العكس، تُعطي حركة

زاهي وهبي: لأننا دائِماً نقول لضيوفنا إنها من فريق العمل

سارة شمّا: طبعاً، تُجنّن

زاهي وهبي: مُساعِدة "غادة"

سارة شمّا: (تضحك). فـ (لندن) مدينة أحس أنها جزء منّي، لأنّ هناك مُدناً تحسّ أنها تخصّك. عندما أكون في زيارة هي مدينة حلوة وكل شيء، حينما سكنت فيها وجدتها في الحقيقة أحلى بكثير من مدينة زيارة. الحياة في (لندن) حياة حلوة جداً. أنا أحبها لأنني أُحبّ الجوّ الفني هناك والوسط الثقافي غني جداً، وأيضاً أُحبّ الطقس البارد

زاهي وهبي: تميلين للطقس البارد

سارة شمّا: كثيراً

زاهي وهبي: ماذا يُعطيكِ الطقس البارد؟

سارة شمّا: نشاط، أوكسيجين، هواء، أحسّ أنه حريّة وانفتاح، أحسّ بأنه مساحة

زاهي وهبي: إذا أزعجتكِ الهرّة اطرديها، ما من مُشكلة

سارة شمّا: لا، ها هي جالسة

زاهي وهبي: إذاً لا مشكلة

سارة شمّا: لربما هي مزعوجة

زاهي وهبي: ما الحيوان الأحب إليكِ للرسم؟ يعني أيّ نوع؟ ربما يكون من الطيور وربما من الزواحف. ذكرتِ السحالي قبل قليل في "علامة فارِقة" والألوان التي يرونها

سارة شمّا: في الحقيقة الشيء الذي أحببته كثيراً في الرسم هو "وحيد القرن"، أُحبه كثيراً لأنّ وجه "وحيد القرن" فيه تجعيدات

زاهي وهبي: خلصّ أحبتكِ الهرة، سنُمضي الحلقة عليها

سارة شمّا: تعابير وجهه، مساماته تُشبِه كثيراً وجه الإنسان العجوز، وجهه فيه إنسانية، في عيناه دمعة حزينة جداً وحنونة

زاهي وهبي: ورسمتِه في لوحة شهيرة لكِ، التي هي

سارة شمّا: صحيح، لوحة "وحيد القرن" وعُرِضَت في (أُستراليا) منذ زمن بعيد ونالت جائِزة أيضاً في (أُستراليا) في معهد "متحف التاريخ الطبيعي"

زاهي وهبي: سأُتابع مع حضرتكِ، سأرجع إلى (لندن) وسبب انتقالكِ للإقامة فيها وهو سبب للحقيقة جميل لأنكِ مُنِحتِ تأشيرة، يسمّونها تأشيرة المواهب الاستثنائية

سارة شمّا: صحيح

زاهي وهبي: يعني، خلص الهرة مُصرّة على المُشاركة في الحوار. لكن إسمحي لنا أن نرى بعض النماذج من أعمالكِ وشُغلِك ونتوقّف مع موجز إخباري سريع ثم نُتابع "بيت القصيد" مع الرسامة السورية المُبدعة "سارة شمّا"

المحور الثاني

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع الفنانة التشكيلية الرسّامة السورية المُبدِعة " سارة شمّا". للحقيقة نحن سعداء بالنجاحات التي تُحققينها والإنجازات والتي منها أنّ (بريطانيا) منحتكِ تأشيرة "المواهب الاستثنائية" التي هي تأشيرة إقامة وعمل في (بريطانيا). كيف تمّ اختياركِ لمنحكِ هذه التأشيرة وكم كانت هذه التأشيرة نافذة وباباً إلى (لندن) التي البعض يُسمّونها عاصمة الفن التشكيلي في العالم أو على الأقلّ إحدى أبرز عواصم هذا الفنّ

سارة شمّا: صحيح، هي عاصمة، إحدى أهم عواصم الفنّ التشكيلي في العالم. ربما عندهم برنامج حلو في الهِجرة والجوازات إذا أردنا أن نقول الإنكليزية، أنهم يدعمون ويستقطبون المواهب

زاهي وهبي: مثل بلادنا، الشيء نفسه

سارة شمّا: من اللازم أن تُصبِح بلادنا هكذا

زاهي وهبي: يا ليت، يا ليت. أحد أسباب مشاكلنا وأزماتنا هو عدم إيلاء هذه الأمور ما تستحقه من أهميّة

سارة شمّا: صحيح، معك حقّ. وهذه تحتاج إلى شغل لكن ليس الكثير من الشُغل، يعني نحن نشتغل في بلادنا على أشياء كثيرة قد تكون لا قيمة لها لكن هذه إحدى الأشياء التي بالفعل تحتاج إلى شغل لأنها ليست مُكلِفة كثيراً أعتقد، لأنني دائِماً أعرِض في (لندن)

زاهي وهبي: شاهدوا أعمالِك يعني

سارة شمّا: عندي علاقات في الوسط التشكيلي الإنكليزي خصوصاً مُدراء متاحف أو فنانين أو أي أحد قالوا لي أنّ هذا البرنامج فيه هذه الفيزا، لماذا لا تقدّمين عليه؟ نحن ندعمكِ فيه. فهو ِApplication عليك أن تُقدِّمه لكن يحتاج المرء إلى رسائِل توصية من مؤسّسات فنية وثقافية، فهذا الذي صار، كتبوا لي رسائِل توصية، ثلاث رسائِل من كذا مؤسّسة فقدّمت وذكرت المعارِض اللتي أقمتها وإلى آخره

زاهي وهبي: منذ متى أنتِ في (لندن)؟

سارة شمّا: صار لي الآن سنتان

زاهي وهبي: خلص نويتِ الإقامة الدائِمة؟

سارة شمّا: أُحبّها كثيراً وهي كما قلت لك بلدي الثاني أو الثالث

زاهي وهبي: نعم، (سوريا)، (لبنان)، (بريطانيا)

سارة شمّا: أكيد

زاهي وهبي: حسناً، تحدّثنا عن أثر مثلاً (أميون) وطبيعة شمال (لبنان) على شغلكِ، في (لندن) عاصمة الضباب كما يُسمّونها هلّ تجلّى هذا الشيء؟ عكس المكان أثر هذه المدينة الشهيرة على شغلكِ؟

سارة شمّا: اكتشفت في (لندن) اللون الأزرق والأخضر، ظهر كثيراً في شغلي مؤخراً، ومنذ أن انتقلت للحقيقة إلى (لندن) اشتغلت كثيراً بالأحمر. هناك شيء غريب في أضواء المدينة، أوكي هو ضباب وغيوم لكن

زاهي وهبي: وتذكرين ألواناً قوية، ألواناً صارخة

سارة شمّا: تماماً، لكن في نفس الوقت عندما تبزغ الشمس في (لندن) تبزغ مائِلة وتأتي فوراً على العين وتأتي قوية جداً، عندما تُغمض عينك ترى اللون الأحمر فوراً، أو حين تُبعد عينك وتضع قبعة ترى اللون الأحمر في العين، فأعتقد أنّ هذا الشيء ظهر في لوحتي في (لندن)

زاهي وهبي: نعم، واشتغلتِ مجموعة لوحات تحت نفس الإسم، إسم المدينة يعني، عندك مجموعة لوحات إسمها (لندن) اشتغلتِها مع أطفال

سارة شمّا: صحيح

زاهي وهبي: لماذا مع أطفال؟

سارة شمّا: الأطفال مصدر إلهام كبير لي لأنهم يُظهِرون لك كيف يتشكّل الإنسان، يعني أن ترى هذا الإنسان وتعلم كيف أنت تشكّلت وترى كيف، فتعاونت مع أطفال وأحضرتهم لعندي في المرسم وأخذوا بالرسم، بعد ذلك رسمت لوحات فيها أطفال لأنّه تعجبني كثيراً تعابير وجوههم التي هي بريئة لكن في نفس الوقت تحمِل كلّ التعابير الإنسانية، تحمل الكره وتحمل الحقد وتحمل المحبة وتحمل الغضب وتحمل الخوف لكن كلّها فطريّة وتجدها ممتعة جداً. فتعاونت معهم في طريقة أن الاسكتشات التي رسموها أخذتها وخبأتها واحتفظت بها ونسختها فوق اللوحة التي Already رسمتها

زاهي وهبي: لأنهم يكونون لم يتحمّلوا بعد بمواقف وقناعات وإيديولوجيات وكلّ الأشياء التي يتحملها الإنسان الناضج والبالغ وتتراكم في وعيه وفي فكره وفي قناعاته

سارة شمّا: طبعاً  

زاهي وهبي: إسمحي لنا أن نذهب إلى (لندن)، إلى النحات والفنان الشهير الاسكوتلندي "ديفيد ماخ " ونسمع ما يقوله عن تجربتكِ وعن حضرتكِ في "كلام يوصل"

سارة شمّا: حلو كثيراً

كلام يوصل

ديفيد ماخ – نحات: إنها رسّامة ماهرة جداً. يرى المرء الكثير من الرسامين الذين ينفّذون أعمالاً لا بأس بها، لكنّها شخص ذو مهارة عالية وترسم الوجوه على نحوٍ مُثير للاهتمام فترسم الجلد على نحوٍ رائِع ولا تُعرِّفك بصورة الشخص فحسب بل بالجوهر الذي يعكسه أيضاً إضافةً إلى اللمسات الطفولية البسيطة، إذ تُحاول إضفاء طابع بسيط وبريء إن صحّ القول إضافة إلى ذلك فيتبيّن لك أنّها تخوض صراعاً مع نفسها، مع شخص يستطيع أن يصنع أي شيء بمُجرّد أن يمسك فُرشاة وبعض الألوان، فما الذي ستصنعه بذلك وماذا ستُحقق هذه المهارة؟ عملت مع "سارة" سابقاً، لذا أتوقع إمكانية تعاون في المستقبل معها وتخطُر لي مجالات يُمكننا الخوض فيها، وأعتقد أنّها مجالات ساحرة بالرغم من أنني لستُ رسّاماً. أعتقد أنّ "سارة" هي في الأُحرى تبحث عن صُوَر تستخدمها وأظنّ أنّها تريد استكشاف العالم، لكنها رسامة تعمل في مرسم وقد يعلق الرسّام داخل مرسمه. في رأيي، ينضوي عمل النحاتين على مرح أكثر، بينما أرى أنّ عمل الرسّامين أكثر يُسراً وأعتقد أنّ أمام "سارة" مسار مُثير للاهتمام في مجال الرسم. سؤالي لها، إلى أين تتجهين مُستقبلاً؟ ما خطوتكِ التالية؟ إذ يُذكّرني عملها بأشياء كثيرة مثل رسوم أُحبها كالتي تراها قرب دور العرض السينمائي في (بومباي) حيثُ يُرسَم مشهد، والرسّامون هناك موهوبون أيضاً إذ يتمتّعون بقدرة مُميزة وحجم رسوماتهم كبير جداً. أعتقد أنه من المثير للاهتمام أن نرى عمل "سارة" ينتقل من لوحة بهذا الحجم إلى لوحة مترين في متر تقريباً، كذلك أعتقد أنّ من المهمّ أن تخرُج من مرسمها وربما أعتقد ذلك لأنني مُجرّد نحّات وأرغب في تنفيذ أعمال كبيرة الحجم لكنني أعتقد أنّ المُعضلة أمام الرسامين هي الآتية: كيف يُمكن للرسام إخراج نفسه من المرسم وعدم الاقتصار على رسم لوحة تُعلّق على جدار؟  هل سترسم على واجهة مبنى أو ما شابه؟ وربما أمام "سارة" مُغامرة لتخوضها في هذا المجال

زاهي وهبي: اقتراح جميل من رسّام، عفواً من فنان وتشكيلي ونحّات شهير في العالم الاسكوتلندي "ديفيد ماخ". قال عنكِ كلاماً حلواً، ويحب أن تطلعي إلى خارج الاستديو يبدو وتفعلين كما يُفعل في أماكن عامة وفضاءات مفتوحة. ممكن أن ترسمي واجهات مبان أو جداريات؟ أصلاً عندكِ لوحات كبيرة، في أحجام كبيرة

سارة شمّا: أكيد طبعاً، أنا أستمتع كثيراً وأرتاح في القياسات الكبيرة وأكيد أتمنّى أن أشتغل على جدار كبير وضخم، ويصير هذا مشروع مُختلِف عن مشروعي أنا في أن أكون في الاستديو وأعمل. أبداً لا أُمانِع وأتمنّى أن أقوم بهذا الشيء وأشكر "ديفيد" كثيراً على هذه المُداخلة الحلوة جداً وهو صديق عزيز جداً أيضاً وأنا مسرورة جداً لأنه عبّرَ في هذه الطريقة. لكن أيضاً أُريد أن أقول أنني أحسّ أنّ كلّ العالم يُمكنني أن أضعه في هذه اللوحة، يعني أحسّ بالعكس أيضاً في نفس الوقت

زاهي وهبي: نعم، تُحضرين هذا العالم الواسع الطويل العريض الفسيح وتضعينه ضمن كادر

سارة شمّا: ربما

زاهي وهبي: أين ترتاحين أكثر، قلتِ إنّ اللوحة الكبيرة ربما تُعطيكِ حريّة أكثر، كمساحة؟ أم كشيء آخر؟             

سارة شمّا: اللوحة الكبيرة لآنّ هناك مساحة كبيرة تعطي حريّة أكبر، وأيضاً لأنني مهتمة كثيراً باللوحات، فاللوحة الكبيرة لها تأثير أقوى بكثير على المُشاهِد وعليّ أنا نفسي

زاهي وهبي: حضرتكِ تُحبّين إبراز التفاصيل، يعني أحسّ بأن الوجوه والعيون عندكِ تكون صارخة أحياناً

سارة شمّا: يهمّني كثيراً إبراز التفاصيل، يهمني كثيراً إبراز التعابير المُختلفة عند أيّ شخص أو أحياناً اختراع أو ما يسمّونها

زاهي وهبي: ابتكار؟

سارة شمّا: نعم ابتكار تعابير معينة في وجهٍ معيّن. أحياناً ابتكار شخص كامل، هذا الشيء يشدّني كثيراً ويُبهرني للحقيقة

زاهي وهبي: نعم. أشار "ديفيد" إلى قدرتكِ على رسم، لا أدري إذا كلمة اللحم هي ترجمة دقيقة للشيء الذي قاله، وشاهدت ربما في هذا المعرض بالذات الذي هو حرب أهليّة عالمية، وبعد قليل سأسأل لماذا أسميتِ الحرب السورية حرباً أهلية عالمية، نرى الأحشاء ونرى الأعضاء البشرية موجودة بكلّ وضوح، بكلّ شراسة، إذا أمكنني وضع هذه الكلمة بين مزدوجين. لماذا؟

سارة شمّا: بما أنّ هذا المعرض له علاقة بالحرب، وهو أُقيم أو أنا اشتغلت هذا المعرض ورسمت اللوحات عندما كنت في (لبنان) وكنت متأثرة كثيراً بكلّ ما كنت أسمعه في الحرب وفي الدم وفي الأوجاع

زاهي وهبي: يعني وكأنه إشارة لقطع الرؤوس، للذبح، لأكل القلوب ونهش الأكباد، يعني نرى كبداً واضحاً، نرى رئتين بكامل تفاصيلهما

سارة شمّا: طبعاً

زاهي وهبي: هذا الشيء، عفواً، سأُعطيكِ فرصة لتكملي فكرتكِ، لكن أليس فيه قليلاً، يعني عندما ننقل الواقع بهذه القسوة ألا يُمكن أن ننفِّر المتلقي؟

سارة شمّا: بلى طبعاً، ممكن أكيد

زاهي وهبي: أنت تريدين أن تخلقي له، تقصدين أن تخلقي له

سارة شمّا: لا أنا لم أُفكِّر بالمتلقّي عندما اشتغلت هذه اللوحات للحقيقة

زاهي وهبي: بماذا فكّرتِ؟

سارة شمّا: فكّرت أنني أريد أن أُظهِر هذا الشيء على اللوحة ولا يُمكنني سوى أن أُظهِره على اللوحة، كل ما أعيشه وكل ما أتخايله وكلّ ما أسمعه والناس الذين ماتوا سواء أكان بينهم أناس يخصّونني أو لا يخصونني، كلّ القصص تريد أن تظهر، لا يمكنها ألّا تظهر، إجباري ستظهر على اللوحة. فظهرت هذه الأشياء في هذه الطريقة. الآن بالنسبة للأحشاء والجسد، الدنيا كلّها والحياة هي قلب والحياة هي كبِد والحياة هي كلية، هذه هي الحياة

زاهي وهبي: لكن عيننا ليست معتادة على رؤية هذه الأمور، خصوصاً في الفنّ. البعض، وأنا لا أقول الكلّ، يعتبر الفنّ نوعاً من الترفيه، نوعاً من التسلية أحياناً، يعني الفن يُدغدغ للمتلقي عواطفه وأحاسيسه ولا يستفزّه

سارة شمّا: هناك أنواع من الفنّ

زاهي وهبي: طبعاً

سارة شمّا: فن تزييني أو تجميلي من دون أن يجعلك تُفكِّر، من دون أن يفتح لك آفاقك لأي تساؤل هو شيء، لكن الفن الذي أُحبّه وأقوم به هو الفنّ الذي يُفجِّر الآخر، الذي يُفجِّر المُشاهد، الذي يُخرِج المشاهد من نفسه ويجعله يكتشف اللا وعي عنده من جديد، الذي يجعله يبكي

زاهي وهبي: كيف ترين دور الفنّ اليوم؟ دوركِ كرسّامة؟ كفنانة تشكيلية، في ظلّ ما يحدُث سواء في بلدكِ (سوريا) أو ما يحدُث على هذا الكوكب لأنني أعلم أنّ ما تشتغلينه ليس محصوراً فقط بما أصاب (سوريا). كيف تفهمين دوركِ كفنانة؟ ما الذي تُحاولين قوله؟ ما هو الهمّ الأساسي لحضرتكِ؟

سارة شمّا: الهمّ الأساسي أن أكون صادقة مع شغلي ومع نفسي، وأنني حين أرسُم أرسم بصدق من دون أن تكون عندي تأثيرات أُخرى لكي يظهر معي شيء جديد أو يظهر معي شيء فعلاً يُمكنه أن يُحرِّك المُشاهِد، فهذا الشيء سيظهر معي أولاً وسيحرّكني لكي أقبل أن أعرضه، فالصُدق هو أهم شيء، والصفاء الذهني. هذا الذي أطمح له، لكن في النهاية أنا لست في وارد أن أشتغِل لوحة مُسلّية للناس، أنا في وارد أن أتحدّث عن هموم كثيرة في هذه الدنيا، في وارد أن أتحدّث عن الأوجاع وعن الأفراح وعن شراء البشر وعن الحروب، هذه أمور لا يُمكنني أن أخرُج منها. هذا همّي

زاهي وهبي: طبعاً. البعض، وأعود لأؤكِّد أنّ هناك آراء، خصوصاً في ما يتعلّق بالفنّ والإبداع، يعني هناك مدارس واتجاهات وتيارات والبعض يعتبر أنّ إثقال القضايا سواء كانت سياسية أو إيديولوجية أو إنسانية عموماً تُثقِل كاهل الفنّ، ويفضلون الفنّ للفنّ، الفنّ للمُتعة، الفنّ للجمال، يعني في هذا المعنى. حضرتكِ في مكان آخر

سارة شمّا: في النهاية الفن هو للفن، لأنه حتّى لو أنا همّي الحرب، لم أُفكر وأُقرّر أنني أُريد أن أشتغل لوحات تخصّ الحرب وأُريد أن أضع أعضاءً وأوجِع العالم. أنا فقط رسمت بكلّ فطرية وغريزية من دون أيّ تفكير، فهو بالنسبة لي الفنّ للفن، لكن ما يخرُج من هذا الفنّ للفن هو تبعاً لكلّ إنسان ولكلّ فنان ولتجربته وما يُحرِّكه

زاهي وهبي: طبعاً، من البديهي القول اليوم عندما نُريد أن نعرِف شيئاً عن الشعوب الغابرة وعن الحضارات، عندما نُريد أن نعرِف شيئاً عن الفراعنة وعن الفينيقيين وعن السومريين والبابليين والأشوريين والكنعانيين وغيرهم نرجع إلى الفنون وإلى ما تركته من رسومات ومنحوتات وإلى آخره، والحروب والأزمات التي مرّوا بها لم توقِف الإبداع الإنساني، وإن شاء الله كلّ ما يمُرّ في عالمنا اليوم لن يوقف الإبداع الإنساني ولا إبداعكِ

سارة شمّا: ربما يكون محرِّضاً هذا الشيء

زاهي وهبي: طبعاً، سنتحدّث وسأرجع، خصوصاً لعنوان هذا المعرض الذي أسميته حرباً أهلية عالمية ولكن بعد أن نتوقف مع استراحة سريعة نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث                                                   

زاهي وهبي: مُشاهدينا أعتقد، عندما يُشاهدون بعض اللوحات التي يتسنّى لنا أن نعرضها، صوَر لوحات طبعاً، تلحظون كم هناك تميُّز وكم هناك شيء مُختلف عن الذي اعتدنا أن نراه في الرسم، على الأقل العربي أو الشرقي إذا أمكننا القول. أكيد وجودكِ في (لندن) فتح لكِ أيضاً آفاقاً، غير كما قلنا أثر المكان واللون والضوء وهذه المسائِل هناك الاحتكاك في تجارُب الفنانين الآخرين، في ثقافات مُختلفة لأجناس من البشر مختلفة، صحيح؟

سارة شمّا: طبعاً، أكيد

زاهي وهبي: من أجل هذا أنتِ متمسّكة بالإقامة حالياً

سارة شمّا: مهمة جداً لأنّ شعوري أن وجودي في (لندن)، هذه المدينة التي هي عاصمة، وكأنني موجودة في كلّ العالم. ألتقي بكلّ أنواع العالم وكلّ الجنسيات وكلّ الثقافات، كلها موجودة في (لندن) بطريقة حلوة ويتعايشون كلهم مع بعضهم ويعتبرون أنّ (لندن) مدينتهم

زاهي وهبي: كيف هي علاقتكِ بالفنون الأُخرى، يعني أثر الموسيقى مثلاً على شُغلكِ، السينما في اعتبارها في النهاية شكلاً بصرياً وفنّاً بصرياً؟ الشِعر ربما، وقد رأيت لكِ أعمالاً لها علاقة بالتصوُّف والدراويش والرقصة المولويّة، يعني تُلهمكِ الفنون الأُخرى؟

سارة شمّا: الموسيقى أكثر ما يُلهمني ويُحرّكني للحقيقة. أنا مهتمة جداً بأنواع الموسيقى الصوفية ومهتمّة أيضاً بموسيقى البلوز وبعض موسيقى الروك، فالموسيقى هي المُحرِّك الحقيقي، يعني عندما أرسُم أسمع موسيقى ولوحدي أرسم

زاهي وهبي: علاقتكِ بالأدب والنصوص المكتوبة سواء نثر أو شعر علاقة جيّدة أم علاقة وسطية؟

سارة شمّا: علاقة جيّدة وليست فظيعة لكن لا آخُذ إلهاماً من الشعر

زاهي وهبي: نُريد أن نقوّيها قليلاً، نريد أن نقوّيها ونتساعد أنا وأنت

سارة شمّا: طبعاً، أكيد، أنا أنتظر الكتب، أيمتى؟

زاهي وهبي: على رأسي، قصّرت في أنني لم أُحضِرهم معي. حسناً، أُريد أن أرجع إلى عنوان هذا المعرض وهو آخر معرض أقمتِه في (لندن)

سارة شمّا: صحيح

زاهي وهبي: أقمتِ معارِض في مدن أُخرى، في عام 2015؟

سارة شمّا: 2015 نعم

زاهي وهبي: وأسميتِ هذا المعرض "حرب أهلية عالمية" وأكيد المقصود هو الحرب السورية

سارة شمّا: صحيح

زاهي وهبي: لماذا حرب أهلية عالمية؟ إمّا عالمية أو أهلية!

سارة شمّا: اعتمدي

زاهي وهبي: هناك إعلان موقف واضح، من العنوان وكأنكِ تقولين أنّ هذه الحرب ليست حرباً أهلية، هذه حرب على بلدي، على وطني، على (سوريا)، صحيح؟

سارة شمّا: أكيد لأنّ البلد خرِبت ولا يهمني أبداً ما هي الآراء وما يقول الناس ولماذا صارت الحرب، يهمني النتيجة وما نراه. البلد اليوم خُرِّبَت في طريقة سيّئة جداً، هذا بخلاف القتل وإلى آخره. هي حرب أهلية لأنّ الأشخاص الذين يتحاربون هم سوريون وغير سوريين، وحرب عالمية لأنّ كلّ العالم وكلّ الدول يتحاربون داخل هذا البلد، فبكلّ بساطة هي حرب أهلية عالمية يعني  

زاهي وهبي: بين عامي 2017 و2018 شاركتِ حضرتكِ في تنظيم وفي استقبال وفود بريطانية إلى (دمشق)، من مجلِس اللوردات البريطاني، من فنانين بريطانيين، في أيّة غاية؟ وزاروا أيضاً مرسمكِ أعتقد

سارة شمّا: صحيح

زاهي وهبي: لماذا؟

سارة شمّا: أنا في الحقيقة سهّلت هذا الشيء وساعدت في تنظيمه ودعيت فنانين ودعيت كتّاباً كي يأتوا ضمن هذه الزيارة

زاهي وهبي: لماذا كنت تريدين أن يأتي إلى (دمشق) خلال الحرب وأثناء الأزمة فنانون وكُتّاب ومثقفون؟

سارة شمّا: لأنّك حينما تعيش في الخارِج تسمع وترى الناس كيف يرون بلدك وما هي (سوريا) ومن هم السوريون وما هو (لبنان) وإلى آخره، فتحسّ أنّ هؤلاء لا يعرِفون ما هي الحقائِق، لا يسمعون أخباراً 

زاهي وهبي: نعم، وكأننا في كوكب آخر

سارة شمّا: تماماً. يأخذون معرِفتهم من الأخبار، لكن الأخبار لا تعطي معرِفة، يعني أيّ خبر عن أيّ بلد لن يعطيك معرِفة، يعطيك معلومات لكنه لا يعطيك معرِفة حقيقية

زاهي وهبي: وليس من الضروري أن تكون المعلومات صحيحة

سارة شمّا: نعم، فهُم كانوا يرغبون في المجيء كي يروا ماهية هذه البلد وما الذي يحدُث فيها كي يفهموا، وأنا بالنسبة لي من الضروري أن آتي بأي أحد إلى بلدي كي أُريه كيف أنا أرى هذا البلد في نظرتي أنا، في هذا أعتقد أكون أُقدِّم الكثير للبلد ولهم أيضاً، للغرب وللبلد طبعاً نفس الشيء. فهذا هو السبب الأساسي الذي جعلني أُساعِد في هذه القصة

زاهي وهبي: وتحرصين دائِماً على زيارة (لبنان) و(سوريا) رغم إقامتكِ منذ سنتين إلى الآن في (لندن) لكنكِ دائِمة الزيارة إلى (لبنان) وإلى (سوريا)

سارة شمّا: طبعاً أكيد

زاهي وهبي: وكأنّ حبل الصرّة المعنوي والروحي لا تريدين أن تقطعيه، وكأنّ مصادر إلهامكِ في هذا الشرق لا بدّ منها، لا غنى عنها بالأحرى

سارة شمّا: ما من مجال، أنا لا أُريد أن أقطعها، أنا أضفت بلداً على بلدي لكنني لم أقطع علاقتي ببلدي. مرسمي لا يزال نفسه وبيتي موجود وعندي علاقات ورفاق وإلى آخره، لم أترُك لكن أنا غيّرت إقامتي ولم أترُك بلدي

زاهي وهبي: "سارة شمّا" دعينا نذهب إلى (دمشق)، إلى الفنان والأُستاذ الجامعي في كليّة الفنون الجميلة وأُستاذكِ في مرحلة من المراحل الفنان القدير "نزار صابور". نسمعه في "كلام يوصل"

كلام يوصل

نزار صابور – فنان: خلال تواجدي في كليّة الفنون الجميلة في جامعة (دمشق) اشتغلت في مراسم قسم التصوير والرسم مع عشرات الشبان السوريين الموهوبين. واجب الكليّة هو أن تُساعِد الطالب في تشكيل لغة فنيّة ما تُمكّنه في ما بعد من أن يُتابع فيها حياته أو من خلالها حياته العمليّة. يُمكننا أن نعرِف حجم الموهبة الموجودة عند كلّ طالب لكن لا يُمكننا أن نتوقّع أي شيء عن حياته المهنية. إذاً الأمر متوقف في الحقيقة ليس فقط على مقدار الموهبة بل على الفُرَص المُتاحة في المُستقبل أمام الشاب. "سارة" خلال دراستها تشكّلت في عدّة مراحل كما هي تحكي دائِماً، مرحلة اهتمام الأهل وكان لها دور في الحقيقة عميقاً أعتقد. المرحلة الثانية هي مرحلة "أدهم إسماعيل" ودائِماً هي تتحدّث عنه بسعادة وتتحدّث عنه بذكريات دافِئة جداً، المرحلة الثالثة هي مرحلة كليّة الفنون التي دائِماً تذكرها في الكثير من البرودة خلال تحضيرها. الشيء الذي يُميِّز "سارة" هو هذه الواقعية المحببة في الحقيقة لشريحة كبيرة من المُجتمع، هذه المهارة العالية التي يعتقد البعض أنّها ببساطة تُظهِر مهاراتها. أنا أعتقد لا، هناك شيء آخر للحقيقة مع هذه الأعمال، هناك موقف من الحياة، هناك موقف من حياتها الخاصة تقدّمه، هناك موقف من المُجتمع، هناك موقف من الأحداث والصراع الذي صار في (سوريا) في السنوات الأخيرة، وأعتقد أنه في السنوات العشر الأخيرة أو الأكثر لا أدري، تمكّنت من أن تكوِّن حضوراً لها سواء في (سوريا) أو خارِج (سوريا)، ودائِماً كانت سوريّة، سوريّة القلب. البعض يقول أنّ هذا الفن غريب عن إرثنا، أنا أعتقد أنّ الإرث هو الذي يُعمَل عليه أيضاً للمُستقبل وهو ليس فقط الشيء الماضي، هو ما نفعله اليوم للمستقبل. المشروع الأخير الذي اشتغلت فيه منذ سنتين إسمه "نواويس سوريّة". من خلال الموت أحتفي بقدّيسي الوقت المُعاصِر. فأحد هذه النواويس كرسته لـ "سارة" لأنها تستأهل وسط السوريين. سؤالي لـ "سارة" العزيزة، يا ترى تُعيق الحياة العائِلية الفنانة؟                                                    

زاهي وهبي: شكراً للفنان الجميل "نزار صابور". أولاً هذه مفاجأة حلوة، للمرة الأولى تشاهدين حضرتكِ هذه اللوحة التي وضعكِ فيها، يعني لوحة لكِ وعنكِ في نفس الوقت

سارة شمّا: حلوة جداً، تأثرت كثيراً. دكتور "نزار" شخص مميز جداً في حياتي للحقيقة، وتحمَّلني في كليّة الفنون لأنني متمرِدة وأعتقد نفسي لا أدري ماذا، هو تحمَّلني كثيراً جداً وقدّم لي الكثير في الحقيقة. شخص إنسان ولا يوجد ألطف منه، فنان حقيقي

زاهي وهبي: حلو كثيراً ما قاله، سأرجع إلى بعض النقاط، لكنّه مرّر جملة وكأنها فيها شيء من العتب عليكِ، يقول تتحدّثين عن بداياتكِ ربما، عن بيتك وعن أهلِك وأثرهم، عن المعهد الذي درستِ فيه قبل الكليّة، وعندما تتحدّثين عن كلية الفنون الجميلة في (دمشق) تتحدّثين ببرود

سارة شمّا: صحيح، معه حق

زاهي وهبي: لماذا؟

سارة شمّا: وأُسبِّها أيضاً

زاهي وهبي: تسبّينها! لماذا؟ 

سارة شمّا: للحقيقة، كلية الفنون أمضيت فيها أربع سنوات، استفدت كثيراً في كلية الفنون لأنني كنت أشتغل في جوّ كلّه فنانين، وتعلمت كثيراً في كلية الفنون عن الجوّ السوري العام، عن بلدي، لكن أعتب كثيراً ولا أوافق كثيراً على كلية الفنون لأنهم يعلّمون في طريقة ليست صحيحة. أكثر الأساتذة يريدون أن يشتغل الفنان مثلهم

زاهي وهبي: نعم، يتأثر بهم

سارة شمّا: تماماً

زاهي وهبي: يريدون أن ينقلوا

سارة شمّا: إذا لم يشتغل مثلهم يعتبرونه غلط. "نزار صابور" لم يكن هكذا

زاهي وهبي: تعلمين أنّ هذه مُشكلة ليست فقط في الفنّ التشكيلي

سارة شمّا: تماماً

زاهي وهبي: في الشعراء موجودة، في الروائيين موجودة، في الموسيقيين موجودة، في بلادنا بشكلٍ خاص. لا أعلم كيف هي الأمور في الخارِج وحضرتك تعيشين في الغرب، في (أوروبا)، لا أعلم إذا الوضع هكذا

سارة شمّا: يختلف الوضع. لكن موجود شيء منه في أي مكان لأنّ هذا يُحقّق الـ Ego للمعلِّم والأستاذ

زاهي وهبي: النرجسية، والفنانون معروفون ونرجسيتهم دائِماً متفتحة ومُزهِرة

سارة شمّا: طبعاً

زاهي وهبي: دائِماً ربيع في النرجسيات. دعينا نُجيب على سؤاله، هلّ تُعيق الحياة العائِلية الفنان؟ هل أعاقتكِ؟ يبدو أن يشعُر أنّ أُستاذ "مُنذِر" والأولاد الله يخليهما قد يقفون عائِقاً في طريق تطوّركِ الفني؟

سارة شمّا: سؤال حلو جداً فعلاً للدكتور "نزار". في الحقيقة الحياة العائِلية هي إضافة

زاهي وهبي: أُستاذ "منذر" يعني زوجكِ طبعاً أقصد   

سارة شمّا: طبعاً. الحياة العائِلية هي إضافة كبيرة جداً للشخص، فبالتالي هي إضافة كبيرة جداً للفنّ. حينما أنا تزوّجت شخصاً أُحبّه وهو "منذر"، هو قدّم لي الكثير لأنه أولاً أعطاني كلّ الحرية لأنه له كلّ الحرية في بيته، فهو إنسان داعِم حقيقي. عندما صار عندي أولاد أيضاً صار عندي شيء جديد لأهتم به وصار عندي حب جديد في حياتي

زاهي وهبي: حوَّلت الأُمومة أو غيّرت نظرتكِ أو علاقتكِ في لوحاتكِ وفي فهمكِ للفنّ ودور الفنّ في الحياة؟

سارة شمّا: ألهمتني كثيراً وأعطتني طاقة غير معقولة، وأحسست أنّ عندي وقت كبير جداً في حياتي مع أنّ الأولاد يأخذونك ويستهلكونك، لكن في نفس الوقت يعطوك طاقة فظيعة. يعني صرت أحس أنّ اليوم الذي وقته 24 ساعة طويل، نومي خفّ، حركتي صارت أسرع، تركيزي على شغلي صار مُركّزاً بقوة أكثر، وإلهامي ازداد

زاهي وهبي: نعم. أشار إلى نُقطة، أن البعض ينظُر إلى نوع الشغل الذي تشتغلينه حضرتكِ، يعني ليس فقط شغلكِ، هذا الأُسلوب، هذا التيار في الفنّ التشكيلي، باعتباره غريباً عنّا نحن في الشرق أو في المشرق، وقال جملة حُلوة، أنّ الإرث ليس فقط الماضي بل المُستقبل وللمستقبل

سارة شمّا: صحيح

زاهي وهبي: يعني نكتُب للمُستقبل، نرسم للمستقبل، نؤلِّف لأجل المُستقبل

سارة شمّا: طبعاً

زاهي وهبي: حضرتكِ ماذا تقولين رداً على هذه المُلاحظة؟

سارة شمّا: أقول إنّنا نحن في الشرق كما قلت لك قبل قليل، نُقلِّد بعضنا البعض. عندما يكون عند الإنسان شيء مُميّز في شخصيته وعنده تفرُّد في أي نوعٍ من الفنّ، يخاف أن يُظهِره لأنّ المُجتمع فوراً يكون ضده، المُجتمع يخاف منه

زاهي وهبي: نعم، ضدّ المُختلِف، ضدّ الجديد

سارة شمّا: تماماً

زاهي وهبي: الجديد دائِماً مُتهم في بلادنا

سارة شمّا: مظبوط، متّهم، مُهاجَم. هذا هو الذي نعيشه بشكلٍ طبيعي عادي، يعني لا توجد أية مُشكلة، أنت مختلِف فوراً تأكل "قتلة" فمن هنا أي إنسان، أي فنان، أي مُفكِر يُقدِّم شيئاً فعلاً فيه اختلاف أو فيه تفكير أو فيه شيء حقيقي وصادق يكون مصدر تهديد لغيره، لأنّ الآخرين لا يريدون أحداً خارِج القاعِدة، لأنه أسهل لهم

زاهي وهبي: ما إسمه هذا النوع من الرسم، هذا النوع من الفنّ؟ اليوم هلّ هو منتشِر في العالم؟ وكيف يتفاعل معه المتلقون؟ ولكن بعد أن نتوقف مع استراحة سريعة نُتابع "بيت القصيد" مع الرسّامة السورية العالمية المتميزة "سارة شمّا"

المحور الرابع:

زاهي وهبي: المُبدِعة السورية "سارة شمّا" أهلاً وسهلاً بحضرتكِ مرة أُخرى ومُجدّداً. كنّا نتحّدث عن نوع الرسم الذي ترسمينه حضرتكِ، ماذا يُمكننا أن نُسمّيه؟ إلى أيّ تيار، إلى أيّ اتجاه تشكيلي ينتمي؟ تسميته ربما في الإنكليزية Hyper realism؟

سارة شمّا: لا يمكنني أن أقول لك أنّه ينتمي إلى اتجاه ما واحِد، لكن في شغلي هناك مجموعة تأثيرات لنقول

زاهي وهبي: إذا أردنا أن نقول بالعربية ماذا نقول؟         

سارة شمّا: نفول ما فوق الواقعية

زاهي وهبي: ما فوق الواقع، لكنه واقعي في نفس الوقت

سارة شمّا: نعم، لكن أسموه كذلك لأنّ في تاريخ الفنّ، المدرسة الواقعية هي التي ترسم الشيء الواقعي

زاهي وهبي: الواقع كما هو

سارة شمّا: كما هو، أما التي تطورّت في الستينات والخمسينات وهي ما فوق الواقعية، يعني أنها مثل الصورة، يعني ترسُم تفاصيل صغيرة

زاهي وهبي: مَن رموزها في العالم؟

سارة شمّا: هناك كثيرون، هناك فنان أميركي إسمه " تشاك كلوز" وهو أحد أهم رموزها يُمكننا أن نقول، والآن أصبح هناك الكثير

زاهي وهبي: قلتِ حضرتكِ

سارة شمّا: أنا لا يُمكنني أن أقول لك أنني أنتمي إلى هذا التيار ولكن هناك جزء من شغلي ما فوق الواقعية، هناك جزء من شغلي فيه شيء من السريالية، من اللاوعي، وهناك جزء من التعبيرية إذا أردنا أن نقول ومن التأكيد على

زاهي وهبي: التعبيرية صارخة عندكِ في بعض الأماكن وبعض اللوحات  

سارة شمّا: تماماً، فهي خليط

زاهي وهبي: قلتِ في "علامة فارِقة" أنّكِ في البدايات أو ربما إلى الآن تُحبّين أكثر "سلفادور دالي" و"بيكاسو" و"رامبرانت"، لماذا تُحبين هذه الأسماء بالذات؟ وهي أسماء كبيرة في عالم الفن

سارة شمّا: "رامبرانت" كان ثورة في تاريخه، "رامبرانت" اشتغل على الألوان السميكة وهو كان مختلفاً جداً عن زُملاء عصره، يعني في فترة 1600، فهو أحدث شيئاً جديداً في اللوحة، بدأت ضربة الريشة تظهر. قبلاً كان من اللازم أن تكون اللوحة ملسه. "سلفادور دالي" اشتغل كثيراً على اللا وعي وعلى رسم الأحلام، وهذا بالنسبة لي فِكر أنا أُحبه كثيراً وأحاول كثيراً أن أُطوِّره وأُحب كثيراً أن أكتشف اللا وعي عندي لأنني أعتبره مصدر الإلهام للحقيقة

زاهي وهبي: هذه نحن متفقان جداً عليها، قلت لك أنني أسميت إبني "دالي" حباً بـ "سلفادور دالي"

سارة شمّا: صحيح. حلو كثيراً، وهذا ثاني شخص أسمع أن اسمه أو إسم إبنك "دالي"

زاهي وهبي: على كل حال في "لسان العرب" معناه جميل جداً، يعني إسم عربي كيلا يلومنا أحد ويقول أنّنا نُسمّي أسماء أجنبية ونتحدث كثيراً في العروبة. "دالي" في "لسان العرب" يعني "المُغِضّ"، الذي يُغِضّ الطرف، يعني خجول قليلاً ومُهذّب وكذا، لكنه للأسف ليس مُغِضّاً. قبل أن أسألكِ عن المواد والأشياء التي تشتغلين فيها، خصوصاً الألوان الزيتية، قرأت أنّكِ تشتغلين مع إحدى الجامعات على موضوع استوقفني للحقيقة وأنا أؤيِّده وهو العُنف ضدّ النساء، العُنف الجنسي ضدّ النساء أو ما يُسمّى العبودية الحديثة أيضاً وستتطرقين فيه إلى بعض ما مارسته "داعش" و"القاعِدة" في (سوريا) وفي (العراق) من سبي للنساء وبيعهنّ في سوق نخاسة

سارة شمّا: صحّ. في الحقيقة، عندما حدثت هذه القصص، عندما بدأوا يبيعون النساء على منصّة لنقول خلال السنتين أو الثلاث سنوات الماضية، في (العراق) وفي (سوريا)، هذه الحادثة حرّكتني كثيراً وألهمتني على فعل شيء. عندما ذهبت إلى (لندن) وتحدثوا معي من "كينغز كوليدج"، "جامعة الكينغ" يُسمّونها عندهم في جزء من برنامجهم أن يتعاونوا مع فنانين، فتحدثوا معي ليروا إن كنت مهتمة في التعاون معهم. أنا سأتعاون مع قسم علم النفس لكي أشتغِل على هذا الموضوع وأنا مسرورة جداً لأنّ عن طريق الجامعة في إمكاني أن أرى ما هي العبودية الحديثة في الغرب

زاهي وهبي: هذا الذي كنت أُريد أن أقوله في الحقيقة، أنّنا أحياناً نُفكِّر أنّ هذه المسألة وكأنها في الشرق موجودة أكثر أو حِكر على الشرق، لكن المُجتمع الغربي والعولمة خلقا أنواعاً من العبودية لا مثيل لها

سارة شمّا: وتستغرِب. أنا عندي فُرصة أن أخوض من خلال جهة أكاديمية هذا المجال في (أوروبا). تستغرِب كم هي كبيرة هذه القصة، العبودية الحديثة وأيضاً تجارة الجنس    

زاهي وهبي: نعم، الرقيق الأبيض يُسمّى اليوم

سارة شمّا: أجل، هذين الموضوعين

زاهي وهبي: تحت مُسميات مُختلفة ترين النساء يُشحنّ وكأنّهن بضاعة بحُجج معروفة ولا أُريد أن أتّهِم أيّة مهنة  أو أيّ أحد بشيء

سارة شمّا: طبعاً. أنا من خلال هذا التعاون سأتمكن من مقابلة الكثيرات من هذه النساء، وبعد ذلك سأشتغل مشروعاً فنّياً مُبهماً

زاهي وهبي: كم تعتقدين أن المُجتمع الاستهلاكي الرأسمالي، مُجتمع العولمة، هذه العولمة المتوحشة في جانب من جوانبها، ربما ليست كلها سلبية لكن في الجانب الاستهلاكي، في تعاملها مع البشر كمُجرّد زبائِن ومُستهلكين يعني حوّلت الكوكب إلى سوبر ماركت كبير وبشِع

سارة شمّا: أكيد، لكن أيضاً لها إيجابيات كثيرة، يعني لا يُمكننا أن نذكُر فقط السلبيات

زاهي وهبي: أنا قلت، أحد وجوهها  

سارة شمّا: لكن بخلاف موضوع العولمة، موضوع تجارة البشر هو موضوع موجود عبر التاريخ، موضوع قديم جداً، وأثناء الحروب تجد جميع أنواع تجارة البشر، تجارة البشر لغاية السفر، تجارة البشر للجنس، تجارة البشر للعمل

زاهي وهبي: رأينا اللاجئين والذين يتاجرون في اللاجئين ليموتوا في عرض البحار ويكون المهربون قد أخذوا نصف أموالهم كي ينقلوهم

سارة شمّا: صح، وينتقلون في طريقة يتفاجأون في أنهم يُنقلون بها

زاهي وهبي: كلّ هذا شكل من أشكال العبودية، بشكلٍ أو بآخر

سارة شمّا: أكيد، طبعاً

زاهي وهبي: وكأنّ لوحتكِ أو معرضكِ لا يستقيم أو لا يولَد إلى إذا كان هناك موضوع. يعني دائِماً لوحتكِ ومعارِضكِ تحمل موضوعاً، تحمل هماً إنسانياً لحُسن الحظّ. متعمّد هذا مع سبق الإصرار، يعني واعية لهذا الأمر

سارة شمّا: هو لأنني أكون أعيش شيئاً، يعني في الأخير

زاهي وهبي: يعني نرى في "الدور" أو "الطابور" شتاتاً مثلاً، حرب أهلية عالمية، حتّى العنوان يعني فوراً يُعطينا مُفتاحاً لنفهم لوحتكِ

سارة شمّا: صحيح، لأنني أكون أعيش حالة مُعينة، فهذا الشيء الذي أعيشه ينعكِس في اللوحة، فبالتالي يكون إسم المعرض هو هذا الموضوع. يعني أحد المعارِض الذي كنّا نتحدّث فيه معاً إسمه "ولادة". اشتغلته لأنني كنت حامل بكلّ بساطة، وأخذ لي عقلي موضوع الحمَل والولادة والخلق

زاهي وهبي: نعم، والإرضاع والحليب واللون الأبيض

سارة شمّا: طبعاً

زاهي وهبي: رسمتِ زوجكِ "منذر"، نُمسّيه بالخير ونُحييه، رسمتِه أيضاً وهو يستحمّ بالحليب

سارة شمّا: صحيح

زاهي وهبي: وأثارت هذه اللوحة بعض النقد

سارة شمّا: أكيد طبعاً، أكيد رجل عارٍ يستحِم بالحليب، سيكون على اللوحة نقد، هذا طبيعي

زاهي وهبي: وكان من السهل إقناعه في هذا الموضوع؟

سارة شمّا: "منذر"؟

زاهي وهبي: نعم

سارة شمّا: "منذر" كما قلت لك، هو شخص منفتِح كثيراً وداعِم جداً، فالحياة حياة وليس فيها "تابوهات" ولا أيّة مُشكلة، ولولا هذا أنا لما كنت تزوّجت

زاهي وهبي: جيّد أن يكونا طبعاً الزوج والزوجة داعمين لبعضهما البعض، حتّى في لوحتكِ التي رسمتِها لمنظّمة الغذاء العالمي التي كانت بعنوان "مُكافحة الجوع"، وربما من أوائِل لوحاتكِ التي نالت شهرة عالمية|، الموضوع واضح وهو أنّ هذه اللوحة في إطار "مُكافحة الجوع"، مُكافحة الفقر، مُكافحة الحاجة. يعني نعود ونقول أنّ الموضوع دائِماً حاضر، الهمّ الإنساني دائِماً حاضر في لوحتكِ

سارة شمّا: صحيح، دائِماً حاضر ولا يُمكنني أن أخرُج منه، هذا شيء طبيعي. فمثلاً هذه اللوحة بعد أن زرت كيف يوزّعون الغذاء مثلاً لمُخيمات اللاجئين من زمان، قبل الحرب، كانوا عراقيين في (سوريا) ورأيت هذا الشيء وأُخِذت بالفِكرة. دائِماً الهمّ الإنساني يأخُذ لي عقلي، لا أقدِر، واشتغلت هذه اللوحة بعد أن رأيت هذا الشيء

زاهي وهبي: نعم. من الفنانين الجميلين والمُبدعين السوريين الرائعين، الذي هُجِّر للأسف من مكانه ومن منزله ومن مُحترفه هو الفنان الكبير "سعد يكن" الذي تشرّفنا باستضافته في هذا البرنامج، وأيضاً نتشرّف اليوم بأن نأخُذ رأيه في تجربتكِ في "كلام يوصل"

كلام يوصل

سعد يكن – فنان: "سارة شمّا" فنانة من الفنانات السوريات والعربيات اللواتي نلن شهرة كبيرة جداً في الواقع وقدّمن إنتاجاً مهماً جداً على الساحة التشكيلية العربية والعالمية في زمن قصير جداً، وهذا سببه اجتهادها الشخصي. فـ "سارة" فنانة مُجتهِدة منذ بداياتها واستطاعت أن تقوم بقفزات نوعية في شغلها الفنّي وفي التقنية العالية التي تشتغل فيها. "سارة" تهتم بالإنسان، ودائِماً الفنّ الذي يهتمّ بالإنسان يمسّ مشاعِر الآخرين بقوة وعنف، خصوصاً حينما يكون ضمن المدارِس الجديدة أو الحديثة ما بين تعبيرية وسريالية وواقعية لأنّه صار من الصعب في بدايات هذا القرن تحديد مدرسة فنية لأيّ فنان كان، لأنه هو مزيج ثقافي. "سارة" استطاعت أن تصل إلى هذه الحال الراقية من الانفعال الإنساني وتُقدِّمه في أعمال أحياناً مُدهِشة، وهذه إحدى ميّزات "سارة شمّا" خلال مسيرتها الحياتية والفنية خصوصاً آخِر عدة سنوات. أشخاص "سارة" لا يُمكنكِ أن تقولي عنهم تعبيريين هم أُناس مثلنا مثلكِ أخوها أقرباؤها، حالة إنسانية، مزجت الكثير من العناصر في لوحة واحدة لتُعطي عدّة انفعالات من خلال شكل واحِد. فالتقنيّة العالية التي تشتغل فيها والتكنيك العالي الذي تشتغل فيه "سارة" إلى جانب موضوعاتها الأساسية ليس مهماً كثيراً لأنّ محورها الأساسي هو الإنسان، ولذلك تلفت نظراً في موضوعاتها من خلال تناولها للأشخاص. هؤلاء الأشخاص الدراميين هم الذين يخلقون مشاعِر مودّة تجاه الشكل عند "سارة". و"سارة" في داخلها على ما يبدو هناك قسم كبير حزين لأنها دائِماً شخوصها في حالات من الصمت وحالات من الحركة الدرامية جداً والجميلة جداً، وكأنّ شخوصها أتوا في لحظات خاصة جداً تُسجِّلها "سارة" في أعمالها. "سارة" استطاعت في بساطة أن توصِل أعمالها إلى العالمية من خلال تناولها للإنسان، فكلّ الأشياء في الحياة متغيّرة إلّا المشاعِر الإنسانية ثابتة وهي الحب والكراهية والغضب، كلّ هذه الأحاسيس اشتغلت عليها "سارة" بشكل أن تتطابق مع لوحتها وتتطابق مع رؤيتها التشكيلية في تقنية عالية جداً وبصمت وهدوء فائِق. من الصعب أن أسأل "سارة" في الواقع سؤالاً مُحدداً، لكن السؤال الذي يخطُر على بالي كمُشاهِد وكصديق للعائِلة قديم هو: العلاقة بين "سارة" الإنسانة و"سارة" الفنانة، هذا التمازج الصعب ما بين إنتاجها وإبداعها الفنّي وحياتها الشخصية

زاهي وهبي: يعني رجِعنا، يشغل بال الشباب هذا الموضوع وشهادة قيمة من فنان كبير. حلو عندما يُعطي فناناً مُخضرماً هكذا شهادة في فنان أقلّ سنّاً وأصغر منه، فألف شُكر لـ "سعد يكن"، تفضلي

سارة شمّا: طبعاً، شكراً كثيراً "سعد"، يعني صديق عزيز وفنان مُهمّ قدّمَ الكثير ووصفه حلو جداً، وأنا أشكرك كثيراً "سعد"

زاهي وهبي: نعم، والتداخل بين الشخصي والفنّي؟ ضروري أصلاً للوحة هذا الأمر

سارة شمّا: طبعاً، أكيد، أكيد، يعني أنا الآن لا يُمكنني أن أفصُل، أنا مؤلَّفة من كذا شخصية، أنا الفنانة التي لا علاقة لها بالحياة، أنا الإنسانة التي لها علاقة بالأُمومة وبالحبّ وبكلّ شيء

زاهي وهبي: انفصامات يعني

سارة شمّا: أكيد، كلّهم موجودون مع بعضهم البعض. أنا الشخص الغاضب الذي يريد أن يُكسِّر الدنيا لأنه لا يُعجبهم الشيء الذي يُشاهدونه

زاهي وهبي: لم نرَه الغاضب هذه الليلة، أينه، لم يظهر؟

سارة شمّا: لا أدري

زاهي وهبي: لم نسأل يبدو أسئِلة مُستفِزّة

سارة شمّا: في نفس الوقت، الشخص اللطيف الذي يُحبّ الناس ولا يؤذي أحداً. فهؤلاء كلهم موجودون معاً ولا يُمكنك أن تفصل شيئاً عن شيء. الحياة الشخصية هي مُكمِّل للحياة الفنية، والحياة الفنية أيضاً هي داعِم للحياة الشخصية. ليس سهلاً أن يعيش المرء الحياتين بشكلٍ مضبوط ومتوازن، لكن من الصعب جداً أن نعيش الحياتين وأن أظل أُمّاً وزوجة وفنانة وعقلك حرّ، لكن حينما ينضبطون معاً يكون هناك شيء مهم جداً يحدُث، يكون هناك إلهام حقيقي  

زاهي وهبي: "سارة" كم تشعرين اليوم أنّكِ فنانة عالمية، رسّامة عالمية من خلال كلّ ما حصلتِ عليه من فُرَص، من جوائِز، من تكريمات وهي كثيرة، ما أكثّر ما تعتزّين به؟ يعني ما هي أهمّ جائِزة أو أهمّ باب فُتِحَ أمامكِ، وكم تعني لكِ كلمة عالميّة؟ الرسامة السورية العالمية "سارة" شمّا"

سارة شمّا: في الحقيقة، الكلمة حلوة لكن لا تعني لي الكثير لأنّ في الأخير كلّ إنسان هو عالمي، هو إبن هذا العالم، ونحن اليوم صرنا في عصر يختلِف عن قبل. العالم كلّه تحوّل إلى

زاهي وهبي: قرية صغيرة كما يُقال

سارة شمّا: حلو جداً أن أسمع هذا الشيء. في الحقيقة كلّ جائِزة هي باب لبيت جديد وباب لطريق جديد، وكلّ خطوة هي شيء مهم. لا يُمكنني أنّ إحداها أهم واحدة لكن إذا أردت أن أرجع إلى الشيء الذي فعلاً أثّر بي عليّ أن أرجع إلى مراحل الطفولة أو إلى مراحل الشباب. فأتذكّر أنّ المرّة التي رسمت فيها لوحة صغيرة لفريق "البيتلز"، بعد أن أنهيت هذه اللوحة برسمها في قلم رصاص وكان لي من العُمر أربع عشرة سنة قبلت أنني رسامة شاطرة وقرّرت أنني سأكون فنانة. هذه إحدى المحطّات التي كوّنتني إذا أردنا أن نقول

زاهي وهبي: نحن سعداء بهذه الرسامة الشاطرة. للأسف الوقت داهمنا، لكن على السريع، في كلمات إذا تُجيبينني لو سمحتِ. اشتغالكِ في الزيت، المادة الزيتية هي المُحبّذة عندكِ دائِماً، ماذا يمنحكِ؟

سارة شمّا: ماذا يمنحني؟

زاهي وهبي: الألوان الزيتية نعم

سارة شمّا: يُمكنك أن تخلِق في الألوان الزيتية حياة. اللون الزيتي فيه دمّ، نفس لون الدمّ، نفس لون الماء التي في العيون، تحسّ فيها

زاهي وهبي: والألوان الأحبّ إلى نفسكِ؟ أكثر الألوان التي ترتاحين في الشغل فيها؟ 

سارة شمّا: كريم زون، اللون الأحمر القرمزي. هذا الذي دائِماً أشتغِل فيه إذا أردنا أن نقول، وألوان كثيرة، لكن هذا الآن خطر في بالي

زاهي وهبي: إذا هناك أحد، صبيّة أو شاب في عمر الرابعة عشر يرغب أن يكون رساماً اليوم، وربما الأهل ليسوا متحمّسين كثيراً لأنهّ كما قلنا، في مُجتمعاتنا لا يوجد هذا الإدراك العميق للفنون، لدور الفنون كلّها وليس فقط للرسم، ماذا تقولين له أو لها ليقتنع الأهل أنّ هذا شيء مُهم؟

سارة شمّا: أتريد أن أتحدّث مع الأهل أم مع الشاب؟        

زاهي وهبي: مع كلاهما، مع الأهل لأنهم غير مقتنعين يُمكننا أن نقول أو نفترِض 

سارة شمّا: أقول للشاب أن يفعل الشيء الذي يُحبّه وألّا يسمع أحداً ولا يردّ على أحد. وأقول للأهل أن يتركوا إبنهم يفعل الشيء الذي يُحبه لأنه إذا لم يفعله اليوم وفعل اليوم الشيء الذي هم يُحبّونه سيندمون في المستقبل لأنه سيترك في المُستقبل الشيء الذي أحبّوه ويقوم بالشيء الذي يُحبه وسيفشل به في المستقبل. فدعوه ينجح فيه من الآن فذلك أحسن له، في أي شيء

زاهي وهبي: هذا للشاب

سارة شمّا: وللأهل

زاهي وهبي: وللأهل أيضاً

سارة شمّا: للشاب أن يفعل الشيء الذي يُحبه ولا يسأل عن أحد، وللأهل أن يتركوا المجال لأولادهم أن يفعلوا الشيء الذي يحبونه لأنّهم في المستقبل سيندمون إذا لم يتركوا المجال لأولادهم في القيام بما يحبونه

زاهي وهبي: هلّ هناك شيء ترغبين أن تقولينه ولم أسألكِ عنه قبل أن نختُم؟

سارة شمّا: لا، لا يوجد شيء. حكينا كثيراً أموراً حلوة، ولا أدري، أنت بماذا تحب أن تختم؟

زاهي وهبي: إن شاء الله كلّ الآتي يكون حلواً. نتمنّى لكِ التوفيق والنجاح والمزيد من التألّق والتقدّم على كلّ المُستويات الفنيّة والشخصية ومن خلالكِ لـ (سوريا) نتمنّى كلّ هذه الأمور

سارة شمّا: شكراً يا "زاهي" وشكراً على هذه الاستضافة الحلوة في بلدي الثاني (لبنان)، وعلى هذا الحوار اللطيف جداً. شكراً

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً، شرّفتِ. شكراً لفريق العمل، لمُنتِجة البرنامج "غادة صالِح"، المُخرِج "علي حيدر". ومثل العادة الشكر الأكبر والدائِم لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله